الطابق الحادي عشر كان نقطة التغير الجذرية بالنسبة له.
غايات الطوابق ليست واضحة كالعشرة الأولى، فهي تختلف من طابق لآخر.
لكن بحسب ما سمع به، فإن الغالبية العظمى منها كانت البحث عن مكان فريد أو إيجاد غرض معين.
و فعلا، كان حدسه مصيبا هاته المرة، فبعد أن أمضى ثلاثة أيام هناك في البرد القاتل، و وجد حجرا أحمرا لامعا قرب كهف مخفي بعمق داخل جبل ثلجي شاهق وجد نفسه على قمته عندما ضهر في هذا المكان، تمكن من التقدم للطابق التالي.
أصابعه قدمه و يديه قد صارت زرقاء كليا.
لقد أصابته قضمة الصقيع في إحدى أجزاء يده عندما بدأ الدم ينزف منها كمشروب غازي ثائر يتم كبحه بطبقة رقيقة من الورق، أو كما في حالته، فقد كان الجلد الميت الضعيف هو كل ما يمنعه النزيفه حتى الموت.
نظر جهاد لنفسه...نظر ليده في جمود. لم يصدق أن هذا الحجر العشوائي كان هو محور مهمته.
"...ثلاثة أيام كاملة؟ ...لأجل هذا؟؟"
ارتعشت عيناه اللتان لم تعرفا النوم طوال هاته الثلاثة أيام.
'لقد وجدتها بالصدفة! لم يكن هناك تلميح واحد على مكانها!'
القراء نعمة لا تقدر بثمن! فمن غيرهم سيخبرك بطريقة التقدم في البرج؟
لا أحد. فقط القراء.
و بدون واحد، على جهاد أن يقوم بعمل يفوق استطاعته لتخطي أبسط الطوابق.
'تبا! هذا يأخذ وقتا أطول بكثير مما توقعت، متى سأصل للطابق العشرين و أرتاح؟'
ها هو ذا، يعود لعادته القديمة، يفكر تفكيرا زائدا لا طائل منه في المستقبل البعيد.
ما شغل تفكيره في الواقع كان مستوى الصعوبة التي ارتفع جدريا مع الطابق 11.
في الطابق الموالي، اضطر ليعبر شبكة أنقاض متأثرة بحوادث مروعة كالزلازل و الفياضانات لإيجاد طريقه للخارج.
كان طابقا صعبا للغاية ليمر منه شخص مثله، فالظلام و الجوع و البرد تعاونوا معا في هذا الطابق لينالوا منه.
حتى أنه كان يهلوس أحيانا من شدة سوء الوضع. هلاوس فضيعة بمعنى الكلمة، لكن بعضها كان لطيفا كفاية.
"هل...هل تلك معكرونة؟"
تلك كانت دودة آكلة للبراز.
مذاقها شبيه بالخبز، و حتى لو كانت رائحتها كالبول و السجائر، فجهاد كان مستمتعا بتناولها ببطء بينما هي تحاول هي الزحف و الهرب منه بكل يأس.
في مثل هاته اللحظات، كان يفكر بجدية في ما إن كان دخوله البرج دون قارئ قرارا عاقلا منه... لكنه لم يكن قراره أساسا، لقد رماه الطائر هناك، و في النهاية، صار عليه التعامل مع... أيا كان هذا؟
بسبب ذلك الطائر اللعين، جهاد الآن يتضور جوعا و حلقه يتوسل لقطرات الماء أن تتسلل من الأعلى للأسفل كي تروي عطشه.
من حسن حظه ان قدرته العجيبة و الغريبة قد مكنته من التعود على العطش بمعدل غير منطقي.
'ذلك الطائر اللعين! أقسم أني سأقتل كل طائر أراه!'
مكنته من الصمود امام الجوع أيضا في مرحلة ما.
استغرق منه هذا الطابق أسبوعا كاملا حتى ينهيه!
"أخيرا! بعض الهواء..."
رائحة الأنقاض كانت فضيعة للغاية، و فقط بشمها يمكنك إدراك أن تحتها هناك تعقبع العديد من... بل مئات الآلاف من الجثث الميتة المتعفنة.
"مالذي كنت فيه بحق خالق الجحيم؟"
بعد أن خرج من ذلك المكان الملعون أخيرا، رأى ملامحا من دفئ الشمس، لكنها اختفت مباشرة و انتقل لمكان مختلف تماما مطالبا بإنجاز مهمة جديد أخرى.
فكر بصوت مرهق:
'دعني أرتاح...'
من منا لن يشعر بالتعب لو...كلا، في الواقع لم نكن لنشعر بالتعب هناك.
كنا لنموت جميعا في ذلك المكان، و في ليلتنا الأولى فوقها، فبعد تعرضنا لمستويات البرودة القاتلة هناك، سنتعذب في كل خطوة نحاول القيام بها، و الديدان آكلة البراز التي كانت تحاول أكل جهاد باستمرار ستنجح في التهامنا بكل سهولة بسبب طراوة لحمنا.
لقد نجى في النهاية بفضل صلابته العجيبة لاغير...و لكن حتى لو امتلك جسده صلابة خارقة، فعقله لا زال عقل بشري عادي.
لا يمكنني الاستمرار أكثر...'
الجوع و العطش وسط الظلام و البرد كانا مرعبين بكل معنى الكلمة.
احتاج جهاد لبضع ساعات كاملة من النوم حتى يرتاح و يستعيد نشاطه...لكن أثر ذلك الطابق سيضل حتما عالقا في روحه.
فتح جهاد عينيه و لمح شجرة فواكه بقربه.
التهم فواكه الشجرة كاملة ببذورها التي قدها كقد بؤبؤ العين.
كان لا يفرِّط في التهام أي فاكهة مرت بجانب عينيه، و صار الطعام أغلى شيء في نظره.
'آسف لذلك الخبز اللذيذ الذي ألقيته على الأرض'
كان يتحدث عن خبز المطعم الجاف الفاسد.
إنه لذيذ حقا إن قارنته بهاته الفواكه الحارة.
بحث جهاد بسرعة عن شيء ما يخفض من حرارة فمه...و ربما البحث عن تلميح لطريقة تجاوز هذا الطابق.
لكن دون قارء ليخبره عما يبحث، و ما دام في بيئة لا توحي بأي شيء مميز و خارق للطبيعة، فلن يعرف مهمته على هاته الحالة.
...
لم يستغرقه الأمر وقتا طويلا حتى فقد صوابه بالفعل، عندما وجد نفسه بتجول في هاته الغابة ليومين كاملين دون هدف واضح.
"اللعنة عليك أيها البرج! أحضر العقاب بالفعل و أنهي من هذا الهراء!"
يبدو ان لذلك المكان تأثيرا غريبا عليه، مما أجبره على اختيار تفعيل العقوبة.
شخص عاقل لن يقوم بشيء مثل... أو ربما قد جن جنونه بالفعل لا غير.
فالعفاب ليس بشيء عليك المطالبة به.
إنه ما يظهر عندما يستسلم المكتسح داخل أحد طوابق البرج، و هو عبارة عن طابق إضافي أصعب بمرتين من الطابق الحالي.
و في حالات نادرة للغاية، فسيكون على شكل قيد موضوع على المكتسح أو على قدراته، و ذلك القيد يسمى ب "لعنة البرج".
لكن لا زالت هناك فرصة لإزالتها إن قام المرء بإنهاء أحد الطوابق نهاية مثالية ترضي البرج.
هناك حالات غير معروفة لعقوبات خاصة غير شائعة يتم تداولها في مواقع التواصل الاجتماعي دون دليل موثوق عليها غير اقوال الناس، مثل الموت المباشر أو التحول إلى شخص عشوائي داخل الطابق و فقدان حريتك، أو حتى أن تصبح من المقصيين الذين تحدوا إرادة البرج.
لكن الأكيد هو أن عواقب الاستسلام في الطوابق التعليمية-ال19 الأولى- او الفشل في الوقت المحدد -إن كان هناك- هو فقط طابق أصعب من الطابق الحالي بقليل، أو تحد إضافي عشوائي.
...
عندما ظهر ضوء أبيض مفاجئ، اغمض الشاب عينيه، ثم فتحهما مجددا و تفاجأ بأنه قد انتقل لمكان شبيه بتلك الغابة، الفرق الوحيد هو أنه صار أبعد بكثير عن سلسلة الجبال تلك.
مما جعله يستنتج استنادا لما يعرفه عن العقوبات مسبقا و ما قرأه عنها في المعسكر.
"الجبال... هل كانت هي هدف المهمة طوال هذا الوقت؟"
نعم، فغالبا ما كانت طوابق العقاب مجرد نسخة من نفس الطابق، و نفس المهمة، لكن مع شروط أصعب.
'تبا! لماذا لم افكر في هذا قبلا! لقد كانت واضحة وضوح الشمس!'
الحسرة و الندم، شيئان تسببا في موت الكثيرين داخل الأبراج، و جهاد يعرف ذلك.
التجمد مكانك بسبب الندم و الحسرة قد قتل أكثر من أي وحش وحد في التاريخ.
انطلق جهاد بكل ما يملكه من قوة و سرعة نحو الجبال، غير مبال بالمسافة و الوقت الذي سيستغرقه كي يصل لذلك المكان، فقد عرف بأنه سيندم لو تأخر بسب إضاعته للوقت في الندم الفارغ..
بعد 10 أيام كاملة من الجري دون توقف، و محاربة طبيعة هاته الغابات السحرية الغريبة التي جعلته يتشتت بكل شيء يراه، وصل أخيرا للجبال، و عاد للطابق الثالث عشر، حيث كانت الجبال مشابهة لما رآه في العقاب.
اتضح أن الجبال هي في الواقع مخلوق يتحرك، و كانت مهمته بالفعل هي الوصول إليه.
سبب صعوبتها هو انك كبشري، أو مكتسح عادي، فستحتاج أن تخيم و ترتاح في المسير حتى تصل لذلك الوحش العملاق الذي يتحرك باستمرار، بينما تقوم الغابة بإعاقة عزيمتك و تبطئ مسيرك.
كانت هاته المهمة جحيما نفسيا بحق، جحيما يختبر صبره الضيق، خصوصا أنه قد مرت الآن عشرة ايام على غيابه عن الطابق الرئيسي داخل مجال العقاب، فكان عليه ان يعوضها بسرعة و يحري ضعف المسافة السابق حوالي ثلاثة مراة.
"تبا تبا تبا تبا... تبااااا!"
سقط على ركبته و انحنى ممسكا بشعره الأشعت بطريقة مظطربة.
"أقسم أني عندما اصل لتلك الجبال..."
لم يجد كلمات مناسبة لتعبر عن غضبه العارم تجاه البرج، متجاهلا حقيقة أنه هو من جلب هذا على نفسه عندما طلب العقوبة من البرج.
...
حرم جهاد نفسه من النوم، و ضل يجري فقط مستعينا بقدرته الغريبة على التحمل لتبقيه مستيقظا و قادرا على الجري طوال الوقت.
كانت تعيد له كافة طاقته و قدرة تحمله مهما شعر بالتعب.
حتى لو توقفت نبضات قلبه فجأة نتيجة الإرهاق، فسيستمر في الجري و هو غائب عن الوعي حتى تعود له.
"آسف يا أمي...سأتأخر لكي أصل إليك."
لقد تابع مسيره لدرجة أن حالة الهلوسة خاصته قد زادت سدتها و تأثيرها عليه.
و في نهاية الأمر، تمكن جهاد أخيرا من اللحاق بضهر سلسلة الجبال المتحركة.
لهث جهاد بكل ما بقي له من قوة.
"تبا... لك... أيها... البرج...! سوف..."
قبل حتى أن ينهي كلماته، سخر منه البرج و نقله للطابق التالي.
فقد جهاد صوابه و صرخ عندما رأى طابقا جديدا.
"توقف... توقف أرجوك... أنا... أريد النوم... قليلا فقط! أرجوك..."
لم يجبه البرج.
سقط مغمى عليه مكانه، و عندما استيقظ، أدرك انه الآن داخل قارب صغير يعوم وسط البحر، و امامه جزيرة ما...لكن الجزيرة كانت تتحرك.
'ل ليس مجددا...كلا أرجوك!'
صارت لديه عقدة من تتبع المخلوقات العملاقة بالفعل...
للتذكير، اسم هاته الطوابق التي هو بصدد تخطيها كان "الطوابق التعليمية". لم تحمل حتى جزءا صغيرا من تعقيد الطوابق التي تتبعها، ففي الطوابق التي تلي 20، سيتعامل مع مواضيع مختلفة مثل المؤامرات و الحروب.
و بالنسبة لشخص كان عازما على تحمل كل تلك التحديات، فإن التصرف المتوقع منه لم يكن الاستسلام للنوم، بل المتابعة في تجديفه.
"لا تضيع وقتك! ألم تكن تسخر منهم عندما كانوا يفقدون عقولهم في المسلسلات؟ قد القارب و لا تضيع وقتك مثلهم، هيا يا جهاد! أمك تنتظرك لتفي بكلمتك! لا تدع البرج يحطمك! أنت من ستحطمه!"
كي لا يفقد صوابه و يضيع المزيد من الوقت، قرر أن يقود حالا الأشرعة نحو ما بدى و كأنه سلحفاة عملاقة تطفوا فوق الماء بسرعة كبيرة.
لقد وصل إليها بعد مرور خمسة أيام على متن ذلك القارب، و عندما فعلها أخيرا، انتقل للطابق التالي، و قد صدمه ما رآه، فقد توقع أن يكون عالما خياليا كحال كل الطوابق السابقة، لكنه كان مختلفا عن كل ما رآه.
لقد انتقل لمدينة بشرية مستقبلية، حيث كانت آلات معقدة و أسلاك متهالكة في كل أنحاء المدينة.
على أسطح البنايات العالية و الشاهقة، نمت مختلف أنواع النباتات و صارت هي الكائن الوحيد المتواجد في هذا المكان. مختلف الأعشاب الغريبة و الكرمات الملونة التي لم يرها جهاد من قبل.
في هذا الطابق، تبعته الروبوتات الغاضبة بصفته مهاجرا غير شرعي، و حاولت قتله بتهمة لم تستحق الإعدام لأجلها.
عندما التقطته كاميرات المراقبة، و لم تتعرف على هويته، صرخت أجهزة الإنذار في كل مكان بصوت واحد:
"تنبيه، تنبيه، بشري غير مسجل، تم تأكيد حالة هجرة غير شرعية، تم تقرير عقوبة الإعدام!"
من تحت الأرض، فتحت بوابات سرية مكنت الروبوتات من تعقب مكان جهاد لقتله.
لحسن حظه، فقد كان المكان مليئا بأشياء يمكن استخدامها كأسلحة لائقة ضد هاته الروبوتات الصدئة التي حاولت إمساكه... المشكلة الوحيدة هي أن هاته الروبوتات لا تتعب، أما هو، فقد بلغت قدرة تحمله أقصى حدودها بالفعل.
"على الأقل... عرفت... كيف انتهى... أمر... البشر هنا."
كان يلهث بين كل كلمة و أختها. حتى تمكن من استجماع أنفاسه و الهرب من ءلك المكان.
كان شبه مستمتع بالوضع و مستغربا في نفس الوقت من مدى سهولة هذا الطابق...
على الأقل كان سهلا قبل أن يمر الكثير من الوقت قبل أن يتمكن من تدمير كل الروبوتات في هذا العالم.
لقد أدرك أن هذا الطابق صمم ليكون طابقا ذا مهمات متعددة، حيث كل مهمة تؤدي إلى مهمة أخرى، و مقابل المهمات الجانبية، يحصل المكتسح على مكافآة جانبية تتمثل في زيادة فوته.
لقد حظي براحة جيدة هنا،...لكنه علق لوقت طويل حقا في هاته المدينة العملاقة المسورة و هو يحاول تدمير محطات الطاقة فيها.
"حسنا... لقد مر شهري الثالث تقريبا في هذا الطابق، لدى... وداعا؟"
قالها بوجه مبتسم نوعا ما.
كان ينظر لبرج إرسال عملاق، و تحته قبو بسقف محطم. داخله مفعل طاقة محطة الإرسال الذي يقود هاته الآلات.
هذا الطابق قد أخد منه وقتا هائلا مقارنة بباقي الطوابق الأخرى، لكنه كان أقل تحديا من الناحية النفسية، حيث ان فيه طعاما معلبا على الاقل و غرف تقيه من البرد، و حتى برامج تلفزية مسلية معادة لمشاهدتها.
"أتمنى لو كان بإمكاني إحضار ذلك البسكوت! لماذا قد يمنع البرج شيئا مفيدا كهذا؟ ما الضير في الأمر لو أخدنا أغراضا من طوابق مختلفة معنا؟"
لقد تعافى نوعا ما في هذا الطابق، فعلى عكس الطوابق السحرية التي لم يفهم سياقها أو نظامها، كان هذا الطابق واضحا للغاية.
فقط اعبث بالأسلاك و ستتوقف الآلات في نطاق معين عن العمل، ثم ستتمكن من النوم على سرير مريح داخل فنذق مستقبلي مجهز بأفضل تجهيز.
لقد صمدت هاته الأشياء بفضل الروبوتات التي أدارت العالم بانتظام طوال سنوات اختفاء البسر من هذا المكان، فحتى عندما غاب البشر و ماتوا جميعا، كانوا يصنعون الطعام و يضعونه في المتاجر و يرتبون الغرف دون السؤال عن أجر او مقابل.
"سأشتاق لك..."
لم يتوقع أبدا أنه سيقول شيئا مجنونا كهذا في كل حياته.
طوابق البرج غالبا ما كانت ساحات موت مفتوحة بالنسبة للمبتدئين من أمثاله، لقد كان محظوظا فقط لكون قوته الخارقة قوة متعددة المهام، و قد مكنته من النجاة في مختلف البيئات القاسية لحد الآن.
"وداعا يا فنذق الخمس نجوم، أتمنى أن تبقى صامدا لمئة سنة أخرى!"
دمر جهاد أسلاك المولد، و اختربت كل الروبوتات المتبقية في هذا العالم، ثم قرر البرج أخيرا نقله للطابق التالي.