كانت ردة فعله متوقعة، لكنها في نفس الوقت تخبر جهاد بأن هناك أمرا ما يحدث في الخفاء داخل هذا البرج.

فقد سأله للرجل لتوه عن ما إن كان المكتسحون قد عادوا للأرض في أفواج كبيرة.

'هل خرج المكتسحون من البرج؟'

ليجيب عن غموضه، شرح جهاد كل شيء يعرفه عما حدث.

منذ لحظة انفجار النجم، حتى وصوله للبرج و دخوله عن طريق الصدفة إلى البرج.

لم يتحدث عن الجيش و خطتهم في حجز المكتسحين لصنع وحدات عسكرية خارقة و ما حدث بينه و بين الرقيب الأعلى، لكنه حتما أخبره بكل شيء آخر يتعلق بذلك اليوم الفوضوي.

ارتبك الرجل الفضولي بعد سماع هذا الكلام، فسأل جهاد سؤالا مهما للغاية للتعامل مع هاته الوضعية المعقدة بخطة جيدة:

"إذا، ما الذي تخطط لفعله بعد أن سقطت هنا؟ هل ستكمل تسلق البرج و تلحق بي في الطابق الأربعين؟ أم أنك ستبقى هنا؟"

لمعت عيون الرجل بضوء غريب. و كأنه يتوسل.

لكن بعد سماعه كلاما عن تسلق البرج، ذهب جهاد المتواضع و اختبأ في مكان آخر بينما تحدث جهاد آخر مغتر بنفسه... متناسيا حاله المثير للشفقة قبل بضع دقائق، حيث كان يحبوا لأجل قطع قماش تستر عورته.

"بالطبع سأعود لتسلق البرج! لكن ليس الآن، ليس قبل أن أشتري سلاحا ما و معدات مناسبة"

رد الرجل بهدوء و بوجه مبتسم:

"جيد، ستكمل إذن...لكن لا تتهور من فظلك، فقد اختفى عدد هائل منا في هاته الأيام. خاصة كل من في الطابق المئة، فقط المتواجدون في الطوابق العشرينية الأقل تصنيفا هم من لم يختفوا، و أما أولائك الذين دخلوا لطوابق عادية و غيرها فقد اختفوا و تأخروا عن المواعيد المحددة لضهورهم، كما فقدنا الإتصال بينهم و بين قرائهم مما جعل معرفتنا بحالتهم الحالية مستحيلة"

سال جهاد باستغراب:

"اختفول من البرج؟...هل سمعتم صوت انفجار مدو متكرر عندما حدث ذلك؟"

أجاب الرجل:

"كلهم اختفوا عندما سمعنا ذلك الصوت المدوي يهمس في آذاننا"

اتضحت بعض الأمور لكيلهما، لكن أمورا أخرى أعقد منها زادت تعقيدا.

"هذا غريب...فبما أن الطوابق 100 و 80 و 60 و 40 و 20 عبارة عن نفس الطابق، لماذا لم يحصل معكم نفس الشيء؟"

رد الرجل بوجه متصلب:

"و كيف لنا أن نعرف؟ لقد فقد قراؤنا قواهم على حين غرة، و لم نعد قادرين على التقدم في البرج بعد الآن...و لحسن حظي، فقد حدث ذلك فقط عندما وصلت للطابق الأربعين و رغبت بالمتابعة... تبا لهذا"

ابتسم جهاد نصف ابتسامة:

"بل انك لمحظوظ بين المحضوضبن لعدم كونك في مكاني! لقد كنت أتعذب محاولا معرفة حلول الطوابق السابقة بمفردي، هل لك أن تتخيل الأمر؟ لو ذهبت للطابق الوحد و الأربعين و فقد قارئك قواه هناك، كان ليموت هو و تعلق أنت هناك معه."

ثم تنهد و أضاف:

"لكن لو كنت بقوتي~، لربما يمكنك ذلك"

نعم، لقد قالها بالفعل.

ابتسم أديكي في استغراب. بدى و كأنه يخفي شيئا ما خلف ضحكته.

"هيه؟ هاها، حتى من وصلوا للطابق مئة و أنهوا البرج بأكمله لديهم حس عال بالتواضع مقارنة بأمثالك، مؤسف أنك لم تقابلهم، لكانوا لقنوك خير درس فيه يا فتى..."

حدق الرجل في ابتسامة جهاد الحمقاء.

"أستطيع رؤيته يشتعل ببطء و يلتهم روحك، سم الغرور ذاك."

"ما هذا الهراء؟ يحرق روحي و يمكنك أن تراه؟ هل تحاول تأدية دور الغامض أيها الخال؟ أنا لست مغرورا، أنا فقط أعرف مقدار قواي حق قدرها، و أتصرف تباعا لذلك لا غير"

استغرب الرجل من كلام جهاد، و في نفس الوقت، غلبه فضوله لمعرفة نوع القوى التي ستدفع شخصا ما ليكون واثقا لهذا الحد من نفسه، فسأله:

"و ما الذي قدرتك قادرة على فعله بأي حال؟ هل هي قتل الخصم مباشرة ما دمت تفوقه تكبرا و غرور؟ أراهن أنك ستصبح الأقوى لو كانت كذلك"

رد جهاد بابتسامة واسعة، محاولا كبح انزعاجه من كلام هذا الرجل:

"هاهاها! بل شيء مختلف تماما يا عم! يمكنني استيعاب و تعلم كل شيء، تحمل كل شيء، و النجاة من كل شيء! أنا المتسلق الأقوى، و المكتسح الأكثر شجاعة، و الداخل الأكثر وقارا هنا! أنا جهاد الذي لا يقهر!...إذن...ما رأيك؟ هل تجده وصفا جيدا؟"

رد الرجل بتعبير ساخر:

"أنت صرصور غير قابل للتدمير إذا... لقد تعاملت مع كثر مثلك من قبل... لكن لماذا لم تخبرني بعد باسم قدرتك؟ ألم يخبرك قارئك بها قبل فقدانه لقواه؟"

أجاب جهاد:

"هي لم تخبرني بشيء، لكني اكتشفتها من خلال التجربة و المرور بمختلف الأشياء داخل الطوابق التعليمية، هل فهمت؟ لقد عانيت لوقت طويل حتى أفهم قدراتي بنفسي و أصعد..."

قاطع الرجل تفاخر جهاد بعد أن وقف من مقعده:

"أدعى أديكي، اتبعني أيها الفتى، سأخبرك بما هي قواك... سنحتاجك عاجلا أم آجلا لتقاتل معنا في الخطوط الأمامية بأي حال... لقد بدأنا نفقد السيطرة عليها، و تلك المخلوقات تتعدى الأراضي خاصتنا"

ابتسم جهاد.

"س ستفعل ذلك؟ حقا؟... حتى أنك أعطيتني ملابسا مجانية من محلك. حتما سأرد لك هذا المعروف!"

أدار أديكي رأسه ببطء نحو جهاد و ابتسم بخبث:

"الشيء المجاني الوحيد الذي حصلت عليه مني هو فرصة لمعرفة قواك...فلنقل أني شخص فضولي حول كل شيء يتعلق بالبرج"

حدق فيه جهاد بعدم ارتياح.

أكمل أديكي كلامه غير مبال لنظرات جهاد.

"اعتبر الفحص كمساعدة أنت تقدمها لي، لكن الملابس دين عليك حتى تعيد لي ثمنها، مفهوم؟"

رد جهاد بوجه متهجم:

"بالطبع سأفعل، من تظنني؟...و بالمناسبة، إلى أين سنذهب؟ و هل حقا يمكنك معرفة قواي؟"

رد الرجل و لا زالت ابتسامته الخبيثة ظاهرة على وجهه:

"سنذهب لمنزلي. ستنام هناك ليلة أو ليلتين مجانا حتى تجد عملا لك هنا"

نظر جهاد لكوخ خشبي مهترئ. كان المبني الوحيد الموجود أمامهم في الطريق الذي توجهوا له.

"هل هذا هو منزلك؟"

"نعم، لماذا؟...أ ربما... لم يعجبك؟"

"كلا كلا، يبدوا بيتا..."

'ما الذي أقوله فجأة؟ هاته الفضاضة ليست من طباعي...لقد أعطاني ملابس و مسكنا دون طلب أي ضمان على القرض...'

اختفت الابتسامة الخبيثة و ظهرت ابتسامة صادقة على وجه الرجل.

"يبدو بيتا... هممم، أعتقد أنك محق..."

توقف بعدها أديكي أمام باب منزله بوجه يملؤه الحنين.

"حسنا، فلندخل، أغلق الباب وراءك"

دخل جهاد لبيت أديكي، و وجده منظما مرتبا من الداخل، على عكس ما يظهر عليه من الخارج.

بعد أن دخلا، صار الفضول يحك روح أديكي لمعرفة قوة هذا الشخص، فقام مباشرة بأمره.

"قف هناك يا جهاد، سأجرب شيئا عليك بسرعة"

"تجرب شيئا علي؟...هل تراني فأر تجارب لك أم ماذا؟ قد أكون لا أقهر لكن هاته فضاضة منك"

"قف هناك بسرعة، لا تعطي الموضوع أكبر حقه... انزع قميصك أيضا، قد تتسبب في اتساخها."

بدى الرجل المرتب غير متزن عندما تحدث عن فضوله، مما جعل جهادا غير مرتاح له، لكنه كان متأكدا بأن هاته الفرصة لن تتكرر لو أفلتها من بين يديه.

"حسنا، لكن تذكر... قد أكون غير قابل للقتل... لكن لا تحاول فعل ذلك حسنا؟ إنه... لا زلت سأشعر بالألم بعد كل شيء."

حتى عندما تضاهر بالقوة، فلا زال خائفا من الألم.

سخر أديكي في نفسه:

'أنظروا لمن قال عني أني أتقمص دور الغامض! هذا الغر الصغير!'

استدعى أديكي كرة سوداء من الفراغ.

أظهرها على يده ثم رماها بسرعة على جهاد.

لم تؤذه الكرة قط.

نظر جهاد للكرة و رفع حاجبه في استغراب.

"ما هذا؟"

أجاب أديكي:

"إنها تدعى أعين المحقق. عندما أرمي عليك عيني السوداء، سأتمكن من معرفة كل شيء عنك، لكن فقط لو تفاعل كل شيء عنك مع هاته الكرة... باختصار، كل شيء يؤثر أو يغير من طريق تصرف الكرة عن طريق التفاعل معها، سيصبح معروفا لي. هاته هي قدرتي..."

أمسك أديكي بكرته، لكنه هاته المرة كبر حجمها و قذفها نحو معدة جهاد بكل قوته، قذفها بسرعة هائلة أكبر بكثير من السابق، لكن حتى مع ذلك، لم يحدث شيء مجددا.

سأل جهاد عندها.

"حسنا...هل حدث شيء ما إذن؟ هل عرفت شيئا عن قدرتي؟"

رد أديكي بابتسامة نصفها راض و نصفها خائف.

"نعم...لكن دعني أسألك لأتأكد أولا، هلا أخبرتني كم مرة رميت كرتي عليك؟"

"لقد فعلتها مرتين، لماذا تسأل؟"

"لأنني قتلتك ستة مرات بالفعل"

حتى استيعابه السريع ام يتمكن من مواكبة هاته الصدمة.

أكمل أديكي بغض النظر عن تعبير جهاد المضحك:

"لكنك لم تتذكر سوى المرتين اللتان لم أقتلك فيها، مما يعني انك تنسى طريقة موتك في كل مرة تعود فيها للحياة"

توقف عقل جهاد عن العمل.

حرفيا.

حتى قدرته على فهم الأشياء عجزت أمام هاته الصدمة.

"عن أي هراء تتحدث؟ أنت قتلتني؟ لم يتمكن أحد قط من..."

نعم، لم يتمكن أحد... لكن الكثير قد ظنوا بأنهم فعلوا.

تذكر جهاد تلك اللحظات التي كان الوقت يسمح فيها لأعدائه بتغيير مكانهم فجأة بعد أن يشعر بألم طفيف في جسده...

لو كان كلام أديكي هو الحقيقة فهم لم يغيروا مكانهم قط، و كذلك تدفق الزمن لم يتغير.

لقد قتلوه و مات، لكن عندما عاد، نسي كيف مات.

تماما كما أضهر له أديكي للتو.

'أنا مت؟ ستة مراة؟'

استوعب لتوه أن ما قاله الرقيب و الجنود كان هو الحقيقة. فلا بد أن سبب ظنهم بأنهم نجحوا في قتله هو أنهم قد فعلواها بالفعل.

هو لم يفقد وعيه قط عندما حاول الإنتحار بشنق نفسه. لقد قتل نفسه، لكن قدراه محت ذاكرته و أعادته للحياة بعد أن انزلقت رقبته من حزام سروال والده بسبب دموعه التي ذرفها و الدماء التي خرجت من مقلتي عينيه.

لاحظ أديكي توتر جهاد، فحاول التقليل منه.

"لا تخف، يبدو أن قدرتك لا تملك حدا لعدد الموتات المتاحة، يمكنك الموت قدر ما تريد... لكن ما يقتلك مرة لا يقتلك مرتين، حيث كان علي أن أزيد من قوة رمياتي ضعفين كاملين حتى أتمكن منك في ضربة واحدة... مما يعني، إن لم تكن حذرا، قد تصل لنقطة معينة لن يمكنك فيها الموت مجددا"

لم يملك جهاد أي كلمة في لسانه عدى عن جملته واحدة اعتاد تكرارها منذ طفولته.

"ما هذا الهراء الذي...؟"

نظر ليديه في انكار شديد، ثم وجد تناقضا في تفسير أديكي.

"العودة للحياة...كيف لقدرة كهذه أن تجعلني قادرا على التعلم بسرعة أكثر من غيري و تمكنني من..."

قاطعه أديكي ممسكا برأسه. أغمض عينيه محاولا التركيز ثم فسر:

"توقف عندك يا فتى، لا تستعجلني، لا زلت أحلل المعلومات المتدفقة من الكرة...حاليا... أعطني وقتا كافيا حتى أتمكن من أن أسمي قدرتك باسم مناسب حتى تفهم..."

توقف قليلا تاركا جهاد على أعصابه ليعرف، ثم أكمل:

""التكيف المطلق"...نعم، يبدو مناسبا لوصفها، إنها تجلك تتكيف بشكل غير محدود مع كل شيء يقتلك!"

اقشعر جهاد.

"هل صرت خالدا؟"

صحح له أديكي:

"هاه؟ أنت كذلك بالفعل. أنت... شخص لا يقهر... أو بالأحرى..."

توقف أديكي قليلا تاركا ابتسامة متوترة على وجه جهاد.

"رجل لا يقهر مرتين... ليس بنفس الطريقة على الأقل."

2025/10/18 · 27 مشاهدة · 1605 كلمة
نادي الروايات - 2026