فتح فمه في إنكار.
مثل هاته القدرة القوية كانت معه طوال هذا الوقت!
لقد أدرك بأن قدرته السابقة التي تفاخر بها، أو الطريقة التي فهمها بها سابقا هي لا شيء مقارنة بالواقع.
عند هاته اللحظة، عدل جهاد جلسته و فتح عيونه دون أن يرمش، و انتظر أديكي ليكمل شرحه.
أكمل أديكي بوجه جاد محاولا تحليل كل شيء و ترتيبه في جمل مناسبة:
"حسنا...سأقسمها لثلاث أجزاء كي تفهم! الخاصية الأولى لقدرتك هي الإحياء من بعد الموت،... سأسمي هاته الخاصية بالنجاة الحتمية. ستمنعك من الموت نهائيا بأي شكل من الأشكال، لكنها لن تمنع إمكانية قتلك. أنت قابل للقتل، لكن لا يمكن لأحد إرداؤك جثة هامدة ما دام نظام هذا البرج صامدا. عموما، القدرة تملك خاصية تجعلك تنسى طريقة موتك... لا بد أن هاته هي لعنتك التي حصلت عليها بعدما فقدت قارئتك قواها، أو بعد أن دخلت البرج وحيدا... لا بد أن البرج ضن أن قارئك مات بعد أن فقد القراء قواهم. كلنا حصلنا على هذا العقاب مؤخرا."
تعقدت تعابير وجهه و كأنه يرى قطعة قمامة قدرة على مائدته.
'ليس و كأنني عرفت بحقيقة قوتي الأصلية الخالية من العيوب... لقد دخلت وحيدا كذلك، و كان علي تلقي عقاب قاس مثله...'
لقد كره هاته اللعنة الغير العادلة.
'لكن لماذا يعاقبون المكتسح على خطأ القارئ!؟'
رمش جهاد أخيرا بعد أن صمت أديكي و توقف عن الحديث.
"أيها السيد... هل لا زلت تحلل؟"
استعاد أديكي تركيزه و ابتسامته المصطنعة.
"أوه...نعم، المعذرة، لقد كنت... أفكر في مدى قوة خاصيتك الثانية، خاصية قدرتك الثانية... إنها تتيح لك التكيف مع سبب القتل بدرجة معينة، لكنك ستتكيف مع عوامل جانبية طفيفة أيضا للتحسين من ردة فعلك لمختلف المواقف."
توقف قليلا ليجد مثالا مناسبا. حك لحيته ثم أكمل:
"عندما رميت الكرة ناحيتك في المرة الثانية و قتلتك، طارت جثتك بعيدا، لكن في النهاية، في المرة السادسة تكيفت قدرتك مع وزن و سرعة و صلابة و كتلة الكرة و مع قوة دفعها كذلك"
احتار جهاد.
"ما معنى هذا الهراء؟"
تسللت قطرات عرق من وجهه الصارم.
"قدرة تكيفك هاته لا تجعلك صلبا فقط كما كنت تظن، إنها تمكنك من التعود على أشياء عدة تبعية لعامل القتل الرئيسي"
رد جهاد.
"إذن لهذا لم أخف من السقوط المظلي... لقد تكيفت مع الخوف الناتج من الموت، أليس كذلك؟"
هاته القدرة المرعبة جعلت أديكي صامتا لبعض الوقت.
استغل جهاد هذا الصمت ليعيد حظوره.
"لقد جريت حتى الموت... شنقت نفسي دات مرت... لكن قبل أن أعرف الحقيقة منك، ظننت أني فقدت وعيي فقط بسبب الخوف... لكن بفضلك عرفت أن الواقع كان العكس!"
تعرق أديكي بوتيرة أسرع و هو يحاول الشرح لهذا الفتى عن بقية قدراته.
"آه... لا بد أنك محق..."
عم الصمت.
"ألن تكمل؟"
قالها جهاد مع ابتسامة نصر. ابتسامة نصر مزيف يخفي خوفا شديدا داخله.
عاد أديكي لإدراك ما كان يفعله، ثم أكمل:
"آه...الخاصية الثالثة هي أكثر ما... أكثر ما... أكثر ما جذبني في قدرتك. قدرتك على استيعاب الأشياء هي في الواقع نوع من التكيف العقلي.. لكنها لا تجعلك تستوعب الأشياء من حولك بسرعة..."
توقف قليلا قبل أن يتنهد تنهدا خفيفا.
"أريد شرح المزيد عنها، لكني لا أستطيع، فهي لم تتفاعل مع كرتي بأي شكل من الأشكال. لكن لدي حل لهاته المشكلة. لكي تتفاعل كرتي مع خاصيتك الثالثة، عليك تقليدي و "تعلم" كيفية رميي للكرة"
استدعى أديكي عين المحقق من جديد.
ارتعشت يد جهاد و تراجع للوراء في مقعده. لقد كان رد فعل غريزي ضد سلاح فتاك قادر على قتله.
'أنا خائف...؟'
لم يجد تفسيرا آخرا لرد فعله هذا.
"لماذا لا زلت جالسا؟ حاول تأدية رمية مثالية مثلي."
رمى أديكي الكرة السوداء بمهارة كلاعب بيسبول محترف في الهواء، ثم أوقفها في الهواء بحركة من يده.
أعطاها بعدها لجهاد و أمره بتقيد رميته.
حمل جهاد الكرة بوجه حازم و متردد في نفس الوقت، حتى قرر أخيرا أن يرمي الكرة كما أمر أديكي.
ليس الأمر أنه لم يفهم ما قاله أديكي، الأمر فقط أن غروره حول كونه غير قابل للقتل قد تحطم فجأة في لحظة واحدة بسبب هاته الكرات السوداء الغريبة، مما جعله يفقد جزءا كبيرا من ثقته بنفسه.
لم يستطع الثقة في قدرة تعيده للحياة.
قدرة تمنعه من التعرض للقتل أفضل بكثير... فعلى الأقل ستسمح له بالموت. لكن قدرته هاته ستمنعه من الموت و تجبره على التكيف معه... إن كانت تعمل بهاته الطريقة
'لكن...ماذا لو مت في مرحلة ما؟ ماذا لو كان لعدد مرات عودتي للحياة حد معينة؟'
رمى جهاد الكرة بعدها بنفس الطريقة الخاصة بأديكي، ناسخا مهاراته الفذة بالحرف.
عبس أديكي بشدة و هو يحلل المعلومات المتدفقة من جسد جهاد.
لقد كانت حركاته مطابقة لحركات أديكي بنسبة مئة بالمئة!
"أيها المحظوظ الوغد! أنت ترعبني أكثر فأكثر!... خاصيتك الثالثة هي قدرة غير محدودة على التعلم، لقد قلدت رميتي بكل تفاصيلها..."
ابتلع أديكي ريقه.
"يبدو أنك من القلائل القادرين على تعلم السحر و ما شابه من تلك الأشياء العجيبة داخل البرج... سأسميها بالتعلم اللامحدود، يبدو أنها تسمح لك بتعلم مهارات جديدة لتتكيف مع المواقف الغامضة التي تتطلب منك تعلم مهارات جديدة لحلها... لكن لو كانت المهارة قدرة محصورة بسلالة معينة أو تتطلب عنصرا معينا... فغالبا لن تتمكن من فعلها. إلا إن كان العنصر الذي لا تتوفر عليه مجرد إجراء يحتاجه البشر لتعلم الشيءو أسضا... مهلا، مالذي أقوله؟... باختصار، يمكنك تعلم أي شيء من المكن تعلمه لكن ليس تعلم شيء يتم اكتسابه من مصدر خارجي"
التقط نفسا أخيرا تم ختم الكلام بجملته المعتادة:
"هكذا أنهي تقريري، ما رأيك؟"
بعد أن هدأ جهاد قليلا، و صارت افكاره أكثر وضوحا، قال باستعجال:
"أولا و قبل كل شيء... شكرا لك على مساعدتي، سأرد لك هذا الجميل حتما، لكن أولا، هلا سمحت لي باستنشاق بعض الهواء لوحدي؟...أريد تنظيم بعض الأفكار أولا... أنت تعرف... التعود على حقيقة أنني قد مت عدة مرات في الأيام السابقة ليست حقيقة سهلة ليعتاد عليها المرء فجأة..."
رد أديكي بصوت متفهم:
"أتعلم يا فتى...يمكنك أن تبقى هنا مجانا ليومين إصافيين، لكن بعدها عليك الذهاب لصيد الوحوش أو الانضمام للصفوف الأمامية قرب الأسوار لتحصل على بعض المال، ثمن تلك الملابس ليس بخسا إطلاقا، إنها نتاج سنوات تدريبي على الخياطة..."
عبس قبل أن يكمل في عقله:
'لكن بمهارتك، أظن أنك ستتعلمها في أقل من يوم...بل في أقل من دقيقة حتى!'
أجبر جهاد نفسه على الابتسام.
"سأرد لك معروفك هذا حتما، شكرا لك على المساعدة، لقد فتحت عيني على... عدة أشياء؟"
ابتسم مخفيا قلقه تم غادر المكان.
كانت فكرة متشائمة تملأ عقله الآن.
'هل...هل مت أنا أيضا في ذلك اليوم؟'
كان يتحدث عن نفس اليوم الذي ماتت فيه والدته.
'إذن فقد...مات كلانا في ذلك اليوم... لم ينج أحد...'
كان دائما ما يعتبر نجاته حدثا معجزة من تدبير القدر، لكنه أدرك لتوه أنه لم ينجوا قط...لا أحد فعل.
لولا قدرته على العودة من بعد الموت، لكان معهما محشورا في القبر.
العالم لم يأبه بنجات الطفل من عدمها.
اقشعر جسده عند إدراك ذلك. شعر و كأن سقفا آمنا قد انهار على رأسه فجأة.
'لم تكن نجاتي معجزة...'
كان يفترض به أن يموت منذ وقت طويل...لكنه لم يفعل.
عندما استوعب ذلك، سأل نفسه بصوت متشائم:
'هل سأموت يوما ما؟'
نعم، لربما سيموت كثيرا من المرات ليتكيف مع مختلف الأشياء القاتلة خلال رحلته، لكن هل سيموت حقا في النهاية؟
فهو ليس من النوع الذي يحلم بالخلود الأبدي... و لا أعتقد أنه مضطر لشرح ما قد يفعله ذلك بعقل بشري مثله.
'ماذا لو... ماذا لو بقيت حيا للأبد؟'
قبل أن يعود لعادة التفكير العميق في المستقبل، و في محاولة منه ليقلل من حدة أفكاره، مازح نفسه قائلا:
"سأنهي جميع الأبراج إذا...أليس كذلك يا أمي؟"
ابتسم عفويا بصدق لأول مرة منذ زمن طويلا.
من الغريب حقا كيف أن مزحته هاته قد وضعت له هدفا جديدا ليقوم به.
"سأنهي كل الأبراج...و سأنتقم من..."
إن قال أنه سينتقم من صانعها بكل جدية، لمات فورا... و لا أعتقد أن هناك أحدا منا شجاع كفاية ليتحقق من ما إن كان سيعود للحياة بعد أن يقتله البرج بنفسه.
لكن هذا كان هو هدفه، إنهاء البرج لتحقيق هدفه، ثم ركل مؤخرة الوغد الذي دمر عالمه و تسبب في موت أمه.
صرخ بكل قوته:
"سأفعلها!"
سمعه أديكي و أضهر ابتسامة أكثر خبثا من كل ابتساماته السابقة.
'بالطبع ستفعلها! لا خيار لديك غير ذلك!'
كان أديكي يحمل بالفعل أمالا عالية على جهاد، لقد رآه كمن سينقذهم من هذا البرج الملعون.