المدن التي نجت من نهاية العالم لا تنام.
إنها فقط تتعلّم كيف تبدو ميتة.
من نافذة القطار المعلّق، بدت مدينة الكريستال كهيكل عظمي يرفض السقوط. أبراج زجاجية شاهقة تشقّ السماء الرمادية، أضواء خافتة ترتجف بين الشقوق المعدنية، وشوارع تمشي فيها الحشود بصمتٍ يشبه الطقوس الجنائزية أكثر مما يشبه الحياة.
قبل عشرين ألف عام — أو هكذا كانت تقول الأرشيفات القديمة — اعتقد البشر أنهم انتصروا أخيرًا على الخوف.
ثم اكتشفوا، متأخرين، أن الخوف لا يموت.
إنه فقط يغيّر شكله.
كان «الإنسان» متعبًا.
ليس ذلك التعب الذي يشعر به المرء بعد يوم طويل، بل التعب الذي يتراكم داخل العظام حتى يصبح جزءًا من تعريف الجسد نفسه. التعب الذي يجعلك تنظر إلى المرآة وتتساءل للحظة:
هل ما زلت أنا… أم مجرد نسخة استمرت في الحركة؟
خلع قفازه الأسود وهو يخرج من محطة النقل الأخيرة.
كانت رائحة الحديد المحترق عالقة بثيابه.
في جيبه الأيسر بطاقة تعريف ممزقة قليلًا تحمل شعار جيش ألفا.
لم يكن يحب النظر إليها.
الوظائف التي تتعلق بالأشياء الساقطة من السماء لا تسمح للمرء بالاحتفاظ بأوهامه طويلًا.
صعد الدرج المعدني المؤدي إلى شقته ببطء.
الطابق السابع.
الباب 711.
الممر صامت.
هادئ أكثر مما ينبغي.
أخرج المفتاح.
ثم توقّف.
شيء ما كان خطأ.
لم يعرف ماذا.
لكنه شعر بذلك الإحساس القديم نفسه… الإحساس الذي يسبق الكارثة بثوانٍ.
فتح الباب.
ثم—
تجمّد.
النافذة كانت مفتوحة.
وعلى عتبتها جلست امرأة.
لا.
شيءٌ قرّر أن يرتدي فكرة امرأة.
كانت تنظر إلى المدينة كما ينظر شخص إلى حوض أسماك صغير.
هادئة.
ساكنة أكثر مما ينبغي.
شعر طويل بلون يصعب على اللغة الإمساك به؛ ليس فضيًا، ولا أبيض، بل شيء بين الضوء والرماد. خصلاته تتحرك ببطء، كما لو أن الهواء حولها يتذكّر قوانين مختلفة.
أما وجهها…
فكان جميلًا بطريقة غير مريحة.
الكمال دائمًا يثير الريبة.
ملامح لا تشوبها فوضى صغيرة واحدة؛ لا تعب، لا تردد، لا ذلك النقص البشري الذي يجعل الوجوه مألوفة.
وعيناها…
كان فيهما شيء جعله يتذكر السماء فوق مدينة الكريستال.
ذلك اليوم الذي انشق فيه الواقع.
وظهر الجرم السماوي.
الشيء الذي كان من المفترض أن يكون ميتًا.
التفتت إليه ببطء.
ثم ابتسمت.
ابتسامة صغيرة.
هادئة.
مرعبة.
خرج صوته قبل أن يفكر:
«… مستحيل.»
سكت لحظة.
«لكن… كيف؟»
مالت رأسها قليلًا.
وكأن الكلمة جديدة عليها.
«كيف؟»
كرّرتها بهدوء.
«أوووه… ماذا تقصد بـ: كيف؟»
حدّق فيها طويلًا.
ثم تراجع خطوة إلى الخلف.
«لا تعبثي معي.»
خرجت الكلمات من فمه أثقل مما أراد.
«أنا متأكد…»
توقّف.
لم يكن يحب استرجاع تلك الليلة.
مدينة الكريستال.
السماء التي بدت وكأن أحدًا شقّها بسكين.
الصراخ.
الضوء.
والشيء الذي هبط من الفراغ وكأن الواقع نفسه لفظه.
«أنا ذبحتك قبل أسبوعين.»
لم يتغير تعبيرها.
لم تبدُ مصدومة.
لم تبدُ حتى مهتمة.
فقط…
فضول.
كأنها تدرس جملة غريبة.
«ذبحتني؟»
أعادت الكلمة ببطء.
«أنت تستعمل كلمات كثيرة لا أفهمها.»
ثم رفعت إصبعها قليلًا، كما لو أنها ترتب فكرة داخل شيء لا يراه.
«إذا كنت تقصد أنني توقفت عن الحركة مؤقتًا… نعم، أعتقد أن شيئًا مشابهًا حدث.»
ضيّق عينيه.
«توقفتِ عن الحركة؟ لقد شققت جسدك نصفين.»
صمت.
«رأيتك تموتين.»
هنا فقط بدا عليها شيء يشبه الحيرة.
نظرت إلى يديها.
حرّكت أصابعها ببطء.
ثم لمست عنقها.
وكأنها تتأكد أن الشكل ما زال موجودًا.
«موت…»
قالتها وكأن الكلمة ثقيلة.
«أنتم، على هذا الكوكب، تعطون أسماء كثيرة للأشياء التي تنتهي.»
ثم رفعت نظرها إليه.
«لكن النهاية ليست مفهومًا يعمل بالطريقة نفسها عندي.»
سكتت قليلًا.
«أو ربما… أنا فقط لا أفهمه بعد.»
لسبب لم يعرفه، شعر بالقشعريرة.
لم يكن صوتها مخيفًا.
ولا تعبيرها.
بل الطريقة التي قالت بها كلمة "بعد".
كأن الزمن بالنسبة لها شيء يمكن النظر إليه من الخارج.
ثم، دون أي مقدمة…
استدارت نحو التلفاز.
«ما هذا؟»
رمش.
«ماذا؟»
أشارت إليه.
«هذا الصندوق.»
«… تلفاز.»
اقتربت منه بخطوات هادئة.
حافية القدمين.
بطريقة غريبة جعلت الأرض تبدو وكأنها لا تلمسها بالكامل.
ثم ضغطت زر التشغيل.
أضاءت الشاشة.
برنامج قديم.
إعلان سخيف عن مشروب صناعي.
اتسعت عيناها.
«آه.»
اقتربت أكثر.
ثم جلست أمام الشاشة مباشرة.
«أنتم تحتجزون بشرًا صغارًا داخله؟»
ظل صامتًا لثانيتين.
ثلاث.
ثم، لأول مرة منذ دخوله الشقة…
زفر ببطء.
«ماذا يحدث هنا بحق الجحيم؟»
«جحيم؟»
التفتت بسرعة.
«أين؟»