بسم الله الرحمن الرحيم
تعليق وضع القصه في المفضل لضمان الحصول على التحديثات
الفصل الاول: معلومات العناكب
كان الظلام يلفُّ المبنى الفيكتوري العتيق، كأنما الليل قد نسج من خيوط السُّخام عباءةً ثقيلة ألقاها على كاهله. كانت الجدران الحجرية التي شاخت عبر الزمن تحمل في ثناياها همسات الأجيال، نوافذها المتقابلة كعيون أرهقها السهر، تتلألأ بوهج خافت تحت ضوء القمر الشاحب. ريحٌ خفيفة تعالت فجأة، حاملةً معها عبير المطر البعيد، وزفراتٍ من رطوبة الأرض الباردة.
داخل إحدى الغرف، حيث يفترض أن تتهادى الأبهة والفخامة، كان الخراب يصول ويجول. سجاد ثمين ممزق، قطعٌ منه متناثرة كأشلاء حيوان نافق. سرض ضخم منحوت من خشب الجوز، مائل على جنبه، وكأنما هزَّة أرضية عنيفة قلبت نظامه. الوسائد والملاءات الحريرية مبعثرة هنا وهناك، بعضها مشدود إلى زوايا الغرفة، وبعضها منكمش كجثة طائر نافق. رائحة الغبار والعفن تفوح في الأجواء، ممتزجةً برائحة معدنية ثقيلة… رائحة الدم.
في وسط هذه الفوضى، تستلقي جثةٌ لا حراك فيها. جثة رجل في الخامسة والأربعين من عمره، غارقة في بركة من دمائها الداكنة اللزجة، التي تلتصق بالأرضية الخشبية وتتسلل بين شقوقها. الدم لا يزال طرياً، دافئاً، ينضح برائحة ملوثة بالحديد. والرأس… الرأس مقطوع، منفصل عن الجذع، موضوعٌ بضع خطوات بعيداً. عينان مفتوحتان على مصراعيهما، تريان ولا تبصران، تحملان في أعماقهما ذهول الموت المفاجئ. شعر الرأس الأشيب ملطخٌ بالقرمزة الباهتة، وتعبيرات الوجه المتصلب تحمل آثار رعبٍ أخير، وكأنما رأى وجه الشيطان نفسه قبل أن يفارق الحياة.
إلى جانب الجثة، وقف رجل في العشرينات من عمره. نظارة سوداء صغيرة تزيّن أنفه، تاركةً عينيه الحادتين خلف زجاجها الداكن. شعره رمادي اللون، كأنما شاب قبل الأوان، منسدلٌ بخفة على جبينه. قبعة سوداء تغطي جزءاً من رأسه، ولباس رسمي أسود بالكامل يلف جسده النحيل، مما يجعله كظلٍّ بين تلك الخرائب. لا تظهر على وجهه أيّة تعابير، لكن يديه بقباضتيهما المشدودتين تخبران بحقيقة أخرى.
انحنى الرجل، كايْتو، نحو الجثة. حذاؤه الأسود اللامع يغوص قليلاً في السائل الدموي، لكنه لا يبدو مكترثاً. عيناه خلف النظارة تنتقلان من الجثة إلى الرأس المقطوع، ثم إلى ما حولهما. رائحة الموت الثقيلة تملأ أنفه، لكنه اعتادها. هو ليس غريباً عن مشاهد القتل، لكن هذه المرة… هناك شيء مختلف.
"… تبا…" همس كايتو بصوت خفيض، يكاد يكون حبيس شفتيه. "يجب أن يكون القاتل قد استخدم إحدى القدرات المميزة لكي يفعل ذلك."
نظره يتجه نحو الأرضية، حيث قطرات الدم المتساقطة من الجثة قد رسمت شكلاً غريباً. مربعٌ منتظم، بدقة هندسية مذهلة، وكأنما رسامٌ محترف خططه بفرشاته. داخل المربع، كلمات مكتوبة بخط أنيق: "استمتع بالقتل". الكلمات ليست مكتوبة بالدم فحسب، بل وكأنما نُقشت بحرارةٍ ما، فأصبحت محفورة في الخشب نفسه. رائحة كريهة تنبعث من تلك المنطقة، رائحة لحم محروق ودم فاسد.
لكن الأغرب من ذلك كله… هو ذلك الأثر الخفي الذي يلوح في أرجاء الغرفة. إنه ليس شيئاً مادياً يمكن رؤيته بالعين المجردة، بل هو إحساس غريب، كاهتزاز خفي في الهواء، أو كصدى صوت لم يُسمع. "هالة"… نعم، إنها هالة القاتل. هالة من الطاقة الغريبة التي تركت أثراً حتى بعد رحيل صاحبها. كايتو يشعر بها كحرارة خفيفة تلامس جلده، أو كذبذبات تضرب أعصابه. إنها هالة قوية… خطيرة.
"… يبدو أنني أحتاج إلى بعض… المساعدة لكي أعرف ما الذي يحدث." قالها بصوت متحكم به، لكن داخله يغلي بالأسئلة. أخرج من جيبه هاتفاً على شكل خنفساء، أسود اللون، يلمع تحت الضوء الخافت. زرٌّ واحد ضغط عليه، ثم وضع السماعات في أذنيه.
"… مرحبا كايتو… أظنك قد وصلت إلى مسرح الجريمة. لماذا اتصلت بي بهذه السرعة؟"
الصوت الذي خرج من السماعة كان غريباً، كصوت طفل في العاشرة من عمره، ناعمٌ وحاد في الوقت نفسه. لكن في خلفية الصوت، يمكن سماع أصوات أخرى… أصوات أزرارٍ تُضغط، وآلاتٍ تدور، وكأنما المتحدث يعمل على جهاز معقد. هناك أيضاً صوتٌ قريبٌ إلى صوت الابتلاع، كأنما الشخص يشرب شيئاً ما بين الحين والآخر.
"… يبدو أن العصابات المافيا… قد بدأت بالعمل بالفعل." قال كايتو، صوته بارداً كالجليد. "لقد قتلوا الموكل قبل أن أصل… يبدو أنك يا تاجر المعلومات لست مضموناً لديك الدرجة."
لم يقلها بسخرية، بل بحيادية تامة، لكن فيها توبيخ خفي. اقترب أكثر من الجثة، يتفحصها بعين الخبير. قبل وصوله، كان هناك الكثير من الحراس… جثثهم متناثرة في أرجاء المكان. يبدو أن عدد المهاجمين لم يتجاوز الأربعة أو الخمسة أفراد، ومع ذلك كانوا قادرين على قتل أربعين حارساً مدرباً بشكل جيد، مسلحين بأحدث الأسلحة. هذا كله جعل كايتو متأكداً من أن عصابة المافيا تلك كانت مستخدمين لقدرات "النين"، وعلى الأقل ليسوا مبتدئين. رائحة البارود والدماء تملأ المكان، ممتزجةً برائحة العرق البشري ورائحة الخوف التي لا تزال عالقة في الجو.
رد الصوت من الهاتف: "… تبا… أنا أكره عدم اهتمامك… ألم يكن يجب أن تصل أسرع؟… لكن على أي حال… في الحقيقة لقد وجدت أيضاً أن هناك هدفاً حقيقياً."
استمع كايتو، لكن بينما يفعل ذلك، نظر إلى الجثث المتناثرة حوله. في الخارج، بدأ يسمع أصوات صفارات الإنذار البعيدة. الشرطة سوف تأتي قريباً. لكنه لم يحتج إلى المغادرة، فهو يمتلك وثيقة "صياد محترف"، بالإضافة إلى خطاب من العميل الذي استأجره، ينص على أنه جاء إلى هناك لحماية الهدف. وثائق رسمية تمنحه الحق في التواجد في مسرح الجريمة.
لم يستطع كايتو إلا أن يلوم نفسه، لأنه لم يصل إلى الهدف في الوقت المناسب. لو كان أسرع ولو بدقائق… ربما كان بإمكانه إنقاذ الرجل. يداه تتقبضان بقوة، والعضلات في ذراعيه تتشدد. هو يرتدي قفازاً أسود، يخفي تحته يدين قويتين، لكن حتى عبر القفاز، يمكن الشعور بحرارة غضبه. داخله… عاصفة من المشاعر. الغضب من نفسه، ومن القتلة، ومن هذا العالم الفاسد.
خلف الهاتف، انتهى تاجر المعلومات من البحث، ثم قال: "… أنت تتذكر المعلومات حول عصابة العناكب، أليس كذلك؟… سوف يكونون هناك… إنهم يسعون بالتأكيد مع العصابة الوافدة الأخرى لسرقة مزاد مدينة يورك شين."
معلومات المزاد كانت واضحة. يتم إنشاء هذا المزاد في مدينة يورك كل عام، حيث تُجمع أثمن التحف وأثمن المقتنيات، وتوضع في المزاد لبيعها لأثرياء العالم. هذه المناسبة كانت دائماً فرصةً لعصابات الجريمة المنظمة لتسرق تلك القطع الثمينة. لكن هذه المرة… يبدو أن الأمر مختلف.
قال كايتو: "… كنت متأكداً، حتى لو لم تجلب المعلومات، أن هناك مجموعة من الوصول سوف يسعون لسرقة الآثار من أشياء جديدة."
قال تاجر المعلومات وهو يبتسم بسخرية، يمكن سماعها عبر الهاتف: "… الأمر واضح… أنا أعرف أن هناك فرصة كبيرة أن عائلة واحدة قد تجذب أيضاً اللصوص للسرقة منها."
لم يتفاجأ كايتو من ذلك، لكنه قال بحذر وفضول: "… من هي تلك العائلة بالضبط؟ ولماذا سوف تسرق العصابات الأخرى منها؟ وما هي المقتنيات التي يمكن سرقتها؟"
مدينة يورك مليئة بالقطع الأثرية المجموعة من جميع أنحاء العالم. إن ذهاب العصابات لسرقة عائلة ثرية لا يبدو أكثر قيمة من سرقة المزاد، خصوصاً أن جميع القطع ستوضع هناك.
ضحك تاجر المعلومات، وأثناء حديثه، يمكن سماع أصوات أزرار يتم الضغط عليها، وكأنما يعمل على لوحة مفاتيح كمبيوتر. الشاشة التي أمامه تضيء بصور مختلفة ورموز غامضة. بعد ذلك قال:
"… إنها عائلة نوستراد… يبدو أن هذه العائلة تمتلك الكثير من الأشياء المخفية… وأنا لا أتحدث عن مجموعة كبيرة من اللصوص أو جماعة المافيا… بل أتحدث عن نوع خاص من الأشخاص… الذين يشبهون العنكبوت."
لأول مرة… توقف كايتو عن الحركة. عيناه الحمراوتان تتسعان خلف النظارة الداكنة. أسنانه تصك بعضها بغضب، ونبرة صوته تصبح أكثر برودة وحدة: "… هل العناكب سوف يحاولون صيد شيء من عائلة نوستراد؟"
قال تاجر المعلومات: "… لست متأكداً بنسبة 100%… لكنني أستطيع أن أؤكد لك أن ذلك ممكن بنسبة 50%."
"… والسبب؟" سأل كايتو.
أجاب تاجر المعلومات، وكأنما يهز رأسه خلف الكمبيوتر: "… لا أعرف… قدرتي الخاصة هي من أخبرتني عن ذلك… يبدو أنها أعطتني إشارة أن العنكبوت سوف يتحرك."
صمت كايتو للحظات. قدرة تاجر المعلومات… الذي يعمل معه… هي قدرة مميزة، سمحت لكايتو بالحصول على الكثير من المعلومات المهمة، التي ساعدته في القبض على مجرمين متعددين طوال الفترة التي كان يعمل فيها كصياد من "القائمة السوداء". إذا كانت قدرة تاجر المعلومات تخبره أن عصابة العناكب سوف تطارد عائلة نوستراد… فهذا يعني أن هناك احتمالاً كبيراً أن ذلك سيتحقق.
في نهاية اليوم، أتت الشرطة مباشرة، بينما غادر كايتو المكان. ذهب مباشرة إلى النزل الذي يقيم فيه، إلى غرفته، التي كانت جناحاً ملكياً خاصاً، بعيداً عن المراقبة. تأكد من إغلاق الباب جيداً، ثم جلس على المكتب الموجود في الغرفة. هناك… فتح الكمبيوتر الشخصي الذي كان موجوداً في غرفة الفندق، واستلم الفاكس الذي كان ينتظره. الفاكس كان عبارة عن وثيقة عمل… لعائلة نوستراد.
"… يبدو أنني يجب أن أكون جاهزاً لكي أحصل على العمل في ذلك المكان… عصابة العنكبوت… إذا كان العنكبوت يهاجم ذلك المكان… فسوف أستطيع صيد هؤلاء العناكب بالتأكيد… وأطهر هؤلاء الأشرار."
كلماته الأخيرة كانت محمّلة بإصرار غريب، وكأنما هناك تاريخٌ طويل بينه وبين "العناكب". عيناه الحمراوتان تتقدان بنيران الانتقام…
لا تنسى التعليق بعد الانتهاء