تعليق واضافه المفضل لو سمحت

الفصل الثالث: قصر نوستراد

بعد مغادرة كايتو لغرفة رئيس عائلة نوستراد، انحنى الرجل العجوز على كرسيه المصنوع من الجلد الإيطالي الفاخر، مُطلقاً زفيراً طويلاً خرج من أعماق صدره كأنه يحمل أثقال العالم بأسره. ارتسمت على محياه تجاعيد القلق العميقة، بينما تهادت أصابعه المرتعشة نحو صورة ابنته "نيون" الموضوعة بإتقان على المكتب المصنوع من خشب الماهوجني اللامع.

التقط الإطار الفضيّ المزخرف بأناقة، محدقاً في عينيها البريئتين اللتين تشعان بالحياة، وكأنه يبحث فيهما عن خلاصٍ ما. "كيف أمكن لهذا الغريب أن يعلم بهذه الأسرار؟" همس بصوت مبحوح يكاد يذوب في صمت الغرفة المُثقَل بروائح الأوراق القديمة والعطور النادرة. "هل هناك خائن بيننا؟ لكن الأكثر إرباكاً هو سلاسة وصول تلك الرسائل إليّ... كأنما يعرف طرقاً خفية إلى قلب هذه القلعة."

اشتدت قبضته على إطار الصورة حتى أن عروق يده برزت زرقاء. الغرفة، برفوفها المليئة بالمخطوطات النادرة والتحف الثمينة، بدت فجأة وكأنها تقترب منه، جدرانها المغطاة بورق الجدران الحريري تخنقه بشموخها. "سأحميكِ يا نيون"، تمتم بينما انزلق إبهامه على الزجاج الذي يغطي وجهها الصغير، كأنه يحاول مسح أي أذى قد يصل إليها. "سأجعل من هذا القصر حصناً منيعاً، لن أدع نسيم الليل يعبث بشعركِ الجميل. يا ابنتي الغاليه"

***

في الردهة الطويلة المزينة بالتماثيل الرخامية والثريات الكريستالية، كان كايتو يتبع رئيس الحراس "دالزون" الذي كانت خطواته تدوّي بانتظام على البلاط الرخامي المصقول. كان دالزون يرتدي بزة رسمية داكنة، وشعره الأشيب مقسم بدقة، لكن عينيه الحادتين كانتا تكشفان عن توتر خفي. "قلت أنك تعرف هذه الأمور"، قال دالزون بصوت منخفض لكنه واضح كصوت الساعة القديمة في الزاوية. "هل جاءتك هذه المعلومات من تجار الأخبار، أم أن هناك تسريباً من بيننا؟"

أجاب كايتو بنبرة هادئة لكنها حاسمة، صوته يشبه حفيف الأوراق في ليلة خريفية: "لا داعي للبحث عن خائن حيث لا يوجد. أنتم أنفسكم تتركون أبوابكم مفتوحة للشائعات. ألا تدرك أن الإشاعات التي تدور حول العائلة هذه الأيام كافية لملء مكتبة؟"

توقف دالزون فجأة عند منحنى الممر، حيث كان ضوء القمر يتسلل من النافذة المقوسة، ماسحاً وجهه بلمسة شاحبة. "اعترف أنني لم أكن حذراً بما يكفي"، قال بينما كان يعبث بساعة يده الذهبية. "لكن ألا تعتقد أن هجوم عصابة العناكب على قلعتنا لمجرد الحصول على قدرات نيون سيكون عملاً من غير طائل؟ ما الفائدة التي سيجنونها؟"

لم يجب كايتو، فقط التقط دالزون من نظرة عينيه الحمراوتين الباردتين أن الحديث انتهى. بعد دقيقة من الصمت الثقيل، استدار دالزون وسارا نحو جناح الضيوف. عند الباب المصنوع من خشب الجوز المنحوت، قال دالزون: "سأشكل مجموعة جديدة من الحراس. إذا أردت، يمكنك مراقبة اختيارهم. ستكون مساعدة لا تقدر من خبير مثلك."

لم يجب كايتو على الفور، بل ترك صوته يتدلى في الهواء كخيط حرير غير مرئي. عبرت عبر النافذة القريبة نسمة لطيفة حاملة معها عبير الورود من الحديقة، ممزوجة برائحة الشموع القديمة في الممر. "لا داعي"، قال أخيراً بينما كانت عيناه تتجولان في تفاصيل الباب المنحوت. "اجمعهم أولاً، وبعد الانتهاء، سأكون حاضراً لمراقبتهم. إذا كان بينهم من يحمل نوايا خفية، سأكشفه لك."

غادر دالزون تاركاً وراءه صمتاً مليئاً بالإيحاءات. دخل كايتو الغرفة التي كانت مفروشة ببذخ يدل على مكانة العائلة: سرّ ضخم من خشب الكرز، ومنضدة كتابة منقوشة بزخارف ذهبية، وسجاجيد فارسية نادرة. لم يستغرق وقتاً طويلاً في التأمل، بل جلس أمام المنضدة، يداه تلمسان سطحها الأملس البارد. "العناكب قادمة لا محالة"، همس لنفسه بينما كانت عيناه تتوجهان نحو النافذة المفتوحة حيث كان القمر يعلق في السماء ككرة بلورية. "لأجل قدرات نيون، سيعبرون الجبال والوديان. لكن قبل ذلك، عليّ أن أعد العدة."

أخرج هاتفه المحمول من جيبه الداخلي، جهاز أسود صامت كقطعة فحم في الليل. بدأ يتصفحه بسرعة، عيناه تلتهمان السطور التي حصل عليها من تجار المعلومات. كانت شاشته تنير وجهه بضوء أزرق شاحب، يكشف عن تفاصيل وجهه الحاد: أنف مستقيم، شفاه رفيعة، وعينان تحملان أسراراً لا تحصى.

ثم بدأ بتدريبه. أغلق عينيه وتنفس بعمق، منبعثاً من جسده هالة خفية من طاقة "النين" التي تشبه ضباباً فضياً يلف الغرفة. هذه التقنية المسماة "حالة الصقل" كانت واحدة من قدراته النادرة، تنتمي إلى فئة التعزيز. كانت طاقة النين تتدفق في جسده كنهر جبلي هادئ لكنه قوي، تتحرك في مسارات معقدة لكنها منظمة. من أهم مزايا هذه التقنية قدرتها على تنقية طاقة النين وتقويتها بشكل متوازن. مع التدريب المستمر، يمكنها زيادة قوة الهالة بنسبة 5% أسبوعياً، وهي نسبة يعتبرها الخبراء استثنائية.

بعد أكثر من ساعتين، فتح كايتو عينيه ببطء. كانت أنفاسه منتظمة لكن جبينه كان مبللاً بعرق بارد. تقنية "حالة الصقل" تتطلب وقتاً للتبريد قبل استخدامها مرة أخرى. نهض متجهاً نحو كأس الماء البلوري على المنضدة، حيث كان الماء البارد يلمع تحت ضوء القمر. رفع الكأس بشفتيه الجافتين، ثم أطلق زفيراً طويلاً. "لقد أحضرت أمتعتي معي"، قال لنفسه بينما كانت عيناه تتجهان نحو خزانة الملابس الكبيرة في الزاوية. "لا بد أن الحراس وضعوها هناك."

فتح الخزانة ليجد ملابسه مرتبة بدقة: سترة سوداء من الصوف الناعم، قميص أبيض مصنوع من القطن المصري، ربطة عنق حمراء بلون الدم الطازج، بنطلون أسود مقلم، وقبعة سوداء حادة الحواف، بالإضافة إلى نظارة سوداء أنيقة. كانت هذه الملابس تعكس شخصيته: غامضة، منظمة، ولا تخلو من لمسة جمالية.

فجأة، دوى رنين الهاتف على المنضدة، كجرس إنذار في صمت الليل. نظر كايتو إلى الشاشة ليرى اسم "تاجر المعلومات". "مرحباً يا توكيتو"، قال الصوت من الطرف الآخر بنبرة مرنة كالأفعى. "يجب أن أقول أنك أبليت حسناً بالدخول إلى عائلة نوستراد. الآن، أنتظر تحويل الأموال."

فكر كايتو في نفسه: "كم هو جشع"، لكنه مع ذلك أجاب بصوته الهادئ المعتاد: "سأحول الأموال قريباً.他們 سيجمعون مجموعة جديدة من الحراس، لذا أريد تقارير شاملة عن جميع المرشحين."

ساد صمت قصير على الطرف الآخر، لم يسمع سوى صوت نقرات على لوحة المفاتيح. "سأفعل ذلك فوراً"، جاء الرد أخيراً. "سيجرون الاختبارات غداً. من الجيد أنك دخلت اليوم."

لم يعلق كايتو على ذلك، فقط أغلق الهاتف وعاد إلى تأمله. استمر في التدريب حتى حلول المساء، عندما أصبحت الساعة تشير إلى التاسعة. لم يأتِ أحد، لكن فجأة، دق الباب بصوت خفيف.

كانت الخطوات خفيفة، أنثوية، مصحوبة بصوت صيني يهتز مع كل حركة. "سيدي، أحضرت عشاءك"، قال صوت خجول من خلف الباب. "أعتذر على التأخير."

بسرعة، استطاع كايتو أن يحدد أن المتحدثة امرأة في العشرينات من عمرها، وأنها متوترة بعض الشيء. "ادخلي"، قال بصوت واضح.

فتحت الباب شابة بشعر بني طويل مربوط بشكل أنيق، ترتدي زي الخادمات التقليدي للقصر: فستان أسود طويل ومريول أبيض. دخلت بحذر، وحملت صينية من الفضة المطعمة بالذهب، وضعتها على المنضدة بنعومة. على الصينية كانت هناك أطباق من اللحوم الفاخرة، خضروات طازجة، وحلوى مغطسة بالشوكولاتة، بالإضافة إلى زجاجة نبيذ أحمر غامق.

نظر كايتو إلى زجاجة النبيذ وقال: "خذي هذه الزجاجة معك". حاولت الخادمة أن تقول شيئاً، لكنها بعد أن التقت نظراته، أمسكت الزجاجة وغادرت بسرعة.

بعد مغادرتها، تفحص كايتو الطعام بعناية. باستخدام طاقة النين، أرسل هالة خفيفة لتغطية الأطباق. تحت مجساته الدقيقة، تأكد أن الطعام خالٍ من أي سموم. ثم بدأ يتناوله ببطء، كل قضمة كان يمضغها بتأنّ، كأنه يحلل مكوناتها.

بعد الانتهاء، قرر أن يحين وقت استكشاف القصر. ارتدى ملابسه السوداء، ثم خرج من الغرفة كظل ينساب في الليل. كان القصر نائماً، فقط أضواء الشموع الخافتة في الممرات تهتز مع نسمات الليل. خطواته كانت صامتة كأنه يمشي على سحاب، عيناه تلتقطان كل تفصيل: الأبواب المغلقة، النوافذ العالية، السلالم المتعرجة. كان يعرف أن معرفة تفاصيل هذا المكان ستكون مفتاحاً لحماية نيون ومواجهة الأخطار القادمة.

"من الافضل استكشاف هذا المكان في الظلام، قبل

مقابله الحراس الجدد الذين سوف يختارهم قائد الحرس."

2025/09/30 · 17 مشاهدة · 1158 كلمة
Alistair Stark
نادي الروايات - 2026