الفصل الأول

القسم الأول: بداية الحكاية

"موتُ القلبِ جريمةٌ، تُدانُ بها المجتمعاتُ."

لا أعلم كيف تحولت حياتي، لكن الآن أعلم أن مقابلتكم، يا أصدقائي، كانت أجمل شيء حدث لي في هذه القرية.

الآن أنا لست مقيدًا، بل حرًا.

الآن لوكا يأكل الطعام، وليس بقايا الفضلات.

الآن لوكا إنسان، وليس لعبة في أيدي الناس.

شهق لوكا، وأكمل قائلًا وهو يحني رأسه بملامح منكسرة: "الآن لوكا ليس عبدًا أسمرَ يسكن مع الفئران."

اغرورقت عيناه دموعًا، وتكلم مرتجفًا، وصوت الحزن ينبعث من نبرته المبحوحة مع كل كلمة ينطقها: "الآن لوكا لم يعد وحيدًا، لوكا لديه عائلة جديدة تحبه لأنه لوكا."

عمّ السكوت المكان، ولم يتجرأ أحدٌ على الكلام. نيسفاوس يقف عن يمين لوكا بثبات كالجبل، وكيزار عن شماله بنظرات حادة.

اجتمعت أقوى القوى في صف هذا الطفل، فمن الأكيد أن الجريمة ستُكشف، والجاني، حتى وإن بلعته الأرض، سيُستخرج.

في الثامن عشر من أكتوبر، غرق لوكا في نوم عميق، ناسيًا كل ما عنده من هموم ومشاكل، بعد أكل وجبة دسمة من الخبز وجبن الماعز.

استيقظ الطفل مرتاعًا، وتوسعت حدقتا عينيه بجفول من رشق الماء في وجهه. تكلم الأب متنهدًا بملامح يكسوها الإحباط: "لوكا.. متى تريد العمل إذا انتهى النهار؟ حرك نفسك وأيقظ أمك لطهي الفطور."

رد عليه وهو يحك رأسه، فوضوي الشعر، ضاحكًا ببراءة طفولية: "يا أبي، لا تخف، سأعمل جاهدًا لمساعدتكم كما أساعدكم في حلمي، لا تقلق، لا تقلق، ولدك قوي مثلك وذكي مثل أمه."

هز الأب رأسه بقلة حيلة، وقد انقبضت أسارير وجهه، فاقدًا من ولده كل الصواب والمنطق؛ كيف له أن يظن أن الحلم واقع، والواقع حلم؟ تمنى في خَلَده لو أن عنده القليل من المال ليتأكد من كاهنٍ ما إذا كان الولد عاقلًا أم مجنونًا.

قام لوكا إلى سرير أمه، وناداها بنبرة حماسية: "يا أمي، أتى الصباح، وأشرقت الشمس في السماء، استيقظي يا أمي لنعمل ونأكل ونلعب، وإذا انتهينا يمكنكِ أن تنامي مجددًا، هيا، هيا!"

استيقظت الأم شاحبة الوجه، كأنما نُزع الدم من عروقها، ثقيلة الحركة، متعبة النَّفَس، تلهث بصعوبة. أطلقت سعلات متتالية جافة، ونظرت إلى وجه ابنها، صاحب السمرة اللطيفة والعين الذهبية اللامعة التي دلت على فراسة وبراءة صاحبها، وقالت بصوت خافت ضعيف: "بني.. لا طاقة لي، نادِ لي والدك، شعور الأمس زاد، وما أظن أنه سيختفي بالدواء، أخبر والدك أن الأدوية لم تنفعني، بل زادتني مرضًا فوق مرض."

شعر الصغير بثقل في صدره، وانقبض قلبه، لكنه لم يرد لأمه أن تعلم بخوفه؛ فلديهم من المشاكل ما يكفي ليصبح واعيًا بمجتمعه. فابتسم لأمه وهو يخفي حزنه في تراجع شفتيه، ذاهبًا إلى أبيه ليحضره.

وصل الأب ناظرًا إلى زوجته التي أصبحت عظمًا بلا لحم، تناهض للتنفس فقط بصدر يعلو ويهبط بجهد شديد. وكان حال الأب مثل حال الطفل، بل وأسوأ؛ إذ شحب لونه، واعتراه الذهول. اقترب من سرير الأم ممسكًا الدواء بيد مرتعشة، قائلًا بنبرة مترددة: "أظن أن لا حل آخر غير إحضار ذلك الدجال، فربما ينفعكِ يا عزيزتي."

سأل لوكا بعينين متسعتين تلمع فيهما اللهفة: "من هو هذا؟ إذا كان يستطيع علاج أمي، فأحضره يا أبي، أرجوك."

صرخت الأم، واهتز جسدها النحيل من هول ما سمعته، وعيناها متسعتان من الرعب: "لا تحضره! حتى وإن عالجني، فكلنا سنموت.. دعني أمت بمفردي."

أسرع الأب لإغلاق النوافذ والأبواب بحركات متوترة، وأمسك لوكا من كتفه بقبضة مشدودة يرتجف منها، قائلًا وعيناه تلتفتان بحذر: "بني.. لا تخبر أحدًا بما ستسمع، ولا بما سترى، إن علم أهل هذه القرية، فسيقتلوننا جميعًا."

"أنا لا أهتم حتى وإن قتلوني، ولكن إذا كان هذا الرجل سينقذ أمي، فحتى لو ضربوني لن أتكلم." كان هذا تفكير الصغير، وعيناه تشتعلان بالثبات. هز الابن رأسه قائلًا: "لا تخف يا أبي، لن أخبر أحدًا مهما حدث، اذهب وأحضره الآن."

ارتسمت على شفتي الأب ابتسامة حزن باهتة، ناظرًا إلى أبعد بقعة فارغة في الغرفة بذهن شارد، قائلًا: "سأحضره في منتصف الليل من أجل ألّا يعلم أحدٌ بذلك. الآن فلتذهب وتعمل يا بني، وأنا سأخبرهم أن والدتك متعبة، وسألحق بك بعدها."

ذهب كل منهما إلى العمل، وعقولهما تترقب بحذر حتى أتى الوقت الموعود.

في ظلمة الليل الشديدة، والريح الخفيفة، كان البرد مسيطرًا على القرية. خرج أبي سرًا لإحضار ذلك الدجال. سمعتُ من أبي أن هذا الشخص دائمًا ما يرتدي خوذة سوداء شكلها كشكل الغراب، ويسكن في الغابة المظلمة على أطراف الجنوب.

وقفتُ بجانب أبي، والتفتُّ حول نفسي أترقب السكون، بينما كان هو يطرق الباب بيدين تفيضان بالتوتر، إذ فُتح الباب ليطل منه رجل طويل فارع، عليه رداء أسود يشبه الشاشة السوداء، وعليه قناع غراب.

كان شكله مرعبًا، ينقبض له الصدر، لكن لسبب ما أنا لم أخف منه؛ نظر إليَّ بطول قامة وثبات من فتحات القناع المظلمة، ثم نظر لأبي، وأشار لنا بيده بحركة جافة تأمرنا بالدخول.

كان منزله كوخًا مصنوعًا من عيدان الخيزران من الخارج والداخل، وكانت هناك طاولة سوداء عليها أكثر من 10 قوارير بأشكال مختلفة وألوان متنوعة، تعكس إضاءة خافتة.

وكان هناك عصفور ضخم جدًا، لكن غلبت ألوانه على ضخامته، فجعلت الناظر ينسحر بجمال ألوانه، وكانت ألوانه وكأنها تتغير بتموجات غريبة في كل مرة تراه فيها، وبالرغم من ذلك الجمال البصري، شعرتُ وكأن المكان حزين.

جلستُ بجانب والدي الغالي ألتمس منه الأمان، وكان الرجل يجلس أمامنا بجلسة مستقيمة تفيض بالهيبة. ولأول مرة تكلم معنا بصوت غليظ أجش، قائلًا: "أنا أعلم أنه لا أحد يريدني من أهل قرية بشمبخز، بل لأوضح الأمر أكثر: هم يريدونني ميتًا فقط، وكل من يتواصل معي يُدعى بالخائن ويُقتل بأبشع الطرق. أظن، يا سيدي، أن هنالك سببًا قويًا لقدومك، فهل لك أن تسترسل بالحديث لأعلم ما يدور في ذهنك؟"

كان صوت الرجل ثقيلًا حنونًا، وملامح حركته هادئة. لم يكن يكرهنا، حتى وهو يعلم أننا لم نأتِ لنكلمه إلا للاستفادة منه.

ومع ذلك، بقي والدي صامتًا لفترة طويلة، ونظراته تائهة في الأرض، وخفتُ من صمت أبي أن يتراجع ونعود بدون علاج أو فائدة لأمي، فتكلمتُ مسرعًا، والأنفاس تتعثر في حنجرتي من الخوف: "أمي مريضة جدًا، وأصبحت ضعيفة الجسد مؤخرًا، واليوم استيقظت وقالت إنها لا تستطيع حتى أن تتنفس، أرجوك يا سيدي، ساعد أمي إذا كنتَ شخصًا ج_يدًا..."

سكتُّ، وعيناي تترقبان خلف القناع؛ لأنه لم يخطر ببالي غير هذا، وأنا لا أعرف من هو، وهم يقولون إنه دجال، وأشعر أن الكلمة غير لطيفة لنطقها أمامه، ولكننا نحتاجه حقًا.. نحتاجه بقوة، لأنه حتى الأدوية فشلت، وأبي قال: لم يتبقَّ غير هذا الرجل.

وضع والدي يده على رأسي، ونظرتُ إلى الرجل، فشعرتُ وكأن عينه أصبحت بشكل الهلال لوهلة بسيطة.

تكلم بعدها أبي وقال: "وها هو الصغير قد قال الحال كاملة، فهل تستطيع المساعدة؟ علمًا بأننا قد جربنا كل الأدوية المتاحة في القرية، ولم تنفعنا بأي نتيجة."

سمع الرجل كل ما قلناه بدون مقاطعة واحدة.

شكرا لقراءة الفصل الأول 🤍🌿

2026/08/04 · 1 مشاهدة · 1027 كلمة
Za M
نادي الروايات - 2026