الفصل الثاني
"تتفاوت معاني الأسرار، ويبقى المصطلح واحدًا"
في هدوء الليل المرعب وصمتٍ مخيف، نظر إليَّ الرجل، كاسرًا الصمت الموحش، وسألني: "كم عمرك يا صغير؟"
نظرتُ إلى أبي لأعلم هل أجيب أم لا، فأومأ أبي برأسه بالموافقة، فقلت: "أنا اسمي لوكا، عمري خمس سنوات، أعمل مع أبي في المزرعة، وحتى أمي تعمل معنا، لكنها الآن مريضة، وأنا أحب الحيوانات كثيرًا، مثل عصفورك."
ابتسمتُ، وكنتُ سعيدًا لأنني قدمتُ نفسي بشكل رائع.
عند سماعه لي، عادت عينا الرجل لتصبحا كالهلال، فقال وهو يكتم ضحكته في جوفه: "هل يمكنك يا صغيري أن تضع الطعام لـ(حلوغيك)، بما أنك تحبه؟ فلقد نسيتُ إطعامه اليوم."
تعجبتُ مما قاله وفرحتُ، وأجبتُ مبتسمًا: "العصفور، صحيح؟ نعم، أستطيع أن أطعمه، فقد كان لي عصفور سابقًا، لكنه سافر ولم يعد بعد."
عندما ذهب الصغير إلى العصفور الجميل، تكلم الشخص الغريب، ناظرًا إلى الأب بنظرات حادة وحذرة، قائلًا: "أنت تعلم أن في القرية أدوية تعالج مرض زوجتك، فلماذا أتيت إليَّ؟ إن أردت الوشاية بي، فأنا أحذرك من غضبي، وإن أردت السؤال عن الدواء، فتكلم ولا تكن أبكمًا!"
سكت الأب قليلًا، وانحنى برأسه، ناظرًا إلى أبعد نقطة فارغة، وقال: "أنت أكثر شخص يعرف سكان القرية.. فهم جيدون مع الغرباء، وسيئون مع الأقرباء، يا صديقي القديم."
ضحك الأب ضحكة جوفاء، فتنهد الغريب وقال: "ألم تقل إنك ستنسى الماضي؟ واعذر وقاحتي، ولكن كما تعلم؛ الجميع يتمسكون بالحياة، حتى ولو قالوا إنهم يريدون الموت، وأنا أريد أن أعالج أناسًا أكثر بعلمي قبل موتي، لذا لا تؤاخذني على ما قلت. سأطمئنك وأذكرك بأني لا أهتم بالطبقية أو بالمكانة الاجتماعية، لذا أرجو منك ألّا تخفي شيئًا، وتخبرني بكل ما عندك، فهذه أفضل طريقة لمعرفة مرض زوجتك وعلاجها الأفضل."
توقف الأب للحظة، ونظر إلى القناع الذي أمامه، فحتى لو كان قناعًا، فما تحته كان يدعى بالصديق سابقا ، لا يعلم أحاقد أم سامح على ما سبق، وليس بيده غير الوثوق به.
أغمض عينيه، قائلًا: "لا تخبر لوكا بما سأقوله، لا أستطيع التكلم إلا إذا وعدتني بألّا تخبره، فهو ما زال طفلًا في الخامسة، وهنالك الكثير من الأشياء الصعبة في انتظاره، أما الآن، بعد مجيئي إليك، فربما ستزيد هذه الصعوبات عليه."
قام الرجل وجلس جلسة انتباه، وقال: "تكلم.. أنا طبيب ولست دجالًا، ومن أخلاقياتنا أن نحفظ أسرار المريض."
تكلم الأب بصوت حذر: "في الحقيقة، نحن لسنا مسجلين على أننا سكان في هذه القرية. حين وصلنا إلى هنا، سمحوا لنا بالدخول بشرط أن نكون عبيدًا لهم من طلوع الشمس حتى اختفائها."
عند سماع هذا، شدَّ الغريب على قبضتيه، وأطبق على أسنانه بقوة حتى كاد الدم أن يخرج من خلف القناع، وظل صامتًا.
أكمل الأب قصته، قائلًا بصوت حزين: "من البداية لم أوافق، وفضلتُ الجلوس على الطريق وأموت جوعًا أنا وزوجتي على أن نصبح عبيدًا عند شخص دنيء. لكن للأسف، زوجتي كانت حاملًا وستلد قريبًا، وأخبرها الطبيب أنها تحتاج إلى مكان جيد للراحة؛ فولادتها قد تكون صعبة جدًا، وربما يموت الصغير.
خفنا أنا وزوجتي، ولم يكن هنالك مكان للولادة أقرب من هذه القرية. تشاورنا كثيرًا حتى وصلنا إلى قرار صعب، وهممتُ بتنفيذه؛ فذهبتُ ووقعتُ على الأوراق، وأخبرتهم بالقصة، فوعدوا بأنهم لن يجبرونا على العمل، خصوصًا زوجتي، بما أنها امرأة تحمل وتلد وفي المستقبل ستربي.
فرحتُ قليلًا، وقادونا إلى كوخ أسوأ حتى من كوخك."
نظر الأب إلى كوخ الطبيب، وأكمل: "أنا لا أقصد الإهانة، ولكننا نعيش في شيء يُدعى كوخًا من الخارج، وزريبة من الداخل! لم أتكلم خوفًا من غضبهم وطرد زوجتي المسكينة، فقد كانت تعاني كثيرًا."
"حتى أتى ذلك اليوم المشؤوم؛ إذ أمرني رئيس القرية بجفاء أن أحلب الأبقار، وأخرج الخراف إلى المرعى، وأحرث الأرض كاملة بمفردي.
كان يومي شاقًا ومهلكًا للغاية، ولم أستطع العودة إلى الكوخ مبكرًا كالمعتاد. وفي تلك الساعات الطويلة، أتى زوجتي المخاض وهي وحيدة، وعلم رئيس القرية بالأمر، لكنه أمرهم بخبث ألّا يعلموني إلا بعد مرور ساعة كاملة!
ولدت زوجتي طفلنا الصغير لوكا، وحين ركضتُ ملهوفًا ووصلتُ إليها، رأيتُ رئيس القرية خارجًا من الكوخ، وهو يبتسم فرحًا بشرّ، وسمعته يتمتم قائلًا بخفوت: "ابتسم القدر لي، وغطَّ همومي، ما أجمل أن يزداد عدد الخدم.. ما أجمل أن يكون لديك خادم صغير!"
عند سماع هذا، ذهبتُ مسرعًا إلى زوجتي وسألتها ما الذي يحدث. كانت تبكي بحرقة وعجز، ولا تستطيع الكلام، وكان قماط ولدي الصغير مفكوكًا، ملقًى بإهمال، وهي تحاول بيديها المرتجفتين أن تلمه وتحميه من جديد.
سألتها مجددًا بلهفة، فردت وهي تجهش بالبكاء، وتنفسها متقطع: "أرادوا أخذ ابني وحرماني منه إن لم أوقع على هذه الورقة.. سحبوه من حضني بقسوة، ونظروا إلى جسده الصغير، وقالوا: صغير قبيح، وصلاحيته طويلة!"
كانت المسكينة تحاول التقاط أنفاسها بصعوبة بالغة بعد كل كلمة تنطقها من شدة الصدمة؛ فزوجتي كانت امرأة ذكية، ولكن في هذه المواقف تجزع كثيرًا، وتتوقف عن التفكير حتى..."
المسكينة لم تعلم في أي هاوية، وأي فخ سقطت بتوقيع تلك الورقة!
غطيتُ عينيَّ عسى أن يكون هذا كابوسًا، فما ذنب طفلي ليصبح في أيدي هؤلاء الأوغاد؟ ذهبتُ إلى رئيس القرية بنية الشجار، فخاف مني؛ فكما ترى، جسدي قوي، على عكس هؤلاء الناس في القرية، فهم نحاف ضعاف، لا قدرة لهم ولا مقدرة، غير الشكوى للقضاء. فأخبرني أن أهدأ، ووعدني أنه إذا أتممتُ عشر سنوات من الخدمة عندهم، سيحرر ابني ولن يجعله عبدًا، وأخبرني أيضًا أنه سيقتص من راتبي ليعطيه لولدي بعد عشر سنوات. وها أنا وزوجتي نحاول أن نتم هذه السنوات العشر لتحرير ولدنا الصغير، الذي لا ذنب له في شيء.
بدأ الأب يضرب رأسه، ويمسك دموعه.
لم يكن الطبيب قاسي القلب، حاقدًا على الأمس كما ظنه الأب، بل فهم الأمر لدرجة الخوف على هذه العائلة، وسأله: "هل هنالك إثبات على ما قاله ذلك الرجل، مثل ورقة مكتوب عليها أنه سيحرره بعد عشر سنوات؟ أو كان هنالك شهود على كلامكم، أو أي شيء؟"
نظر الأب إليه متعجبًا، وقال: "كان هنالك اثنان من أصدقائه، وجعلته يكتب في ورقة ويوقع عليها، لكن..."
توقف الأب قليلًا، وأكمل: "لقد اختفت هذه الورقة منذ ثمانية أشهر، وكلنا نبحث عنها."
بدأ الطبيب بالتفكير سرًا في حالة ذلك الطفل، مغطِّيًا على أفكاره، قائلًا: "حسنًا، قد لا أعرف كيفية حل مشكلاتك، لكن إذا احتجت شيئًا، فتعال إليَّ، سأحاول فعل ما أقدر عليه."
قام الطبيب من مقعده، وأمسك زجاجة ذهبية صفراء، وأعطاها للأب.
تجمدت حركة الأب، ورفع حاجبيه سائلًا: "ما هذا!؟ هل هو دواء لزوجتي دون أن تسأل عن أعراضها حتى؟"
ضحك الطبيب على رد فعل الأب، قائلًا: "ذاك الصغير وصف المرض بالكامل بالفعل."
وضع الطبيب الدواء في كيس أسود لإخفائه، وقال مطمئنًا: "لا تخف، الأعراض التي في زوجتك سببها سوء التغذية والبيئة الملوثة، أما مرضها، فمداومتها على هذا الدواء ليومين، وستعود وكأنها لوكا."
قام الأب فرحًا، وأخرج كل ما معه من نقود، حك الطبيب رأسه، وهز يده رافضًا، فهو يعالج بدون مقابل.
سحبني أبي من قميصي، وأخبرني أن نذهب إلى أمي بسرعة لنعطيها الدواء.
ودعتُ الطبيب، فنزل إلى مستواي، هامسًا في أذني: "إذا احتجتَ شيئًا، فتذكر أن تدخل الغابة وتقفز أمام الكهف المغلق مرتين، وتقول: (افتح لفتح القلوب، وأغلق لموتها)، هكذا أنت ستصل إليَّ بشكل أسرع وبدون عوائق، حسنًا؟"