الفصل الثالث: خمسة مقابل صفر
"تريد أن ترى الفرحة الحقيقية تشع من عيني طفل؟ فقط أخبره عن بطل خارق، أو قوة سحرية، أو عالم تتجاوز فيه الأحلام حدود الجاذبية والمنطق!
كان أكثر ما يفرح لوكا هو الأشياء الخارقة والأسرار الغامضة، لذا عند سماع ما قاله الرجل، كاد فمه أن يتشقق من الفرحة.
هززت رأسي في فرح شديد، وربت الرجل على رأسي وكأنني جرو مطيع.
مضينا أنا وأبي إلى القرية، وفي الطريق، وكان الفجر على وشك البزوغ، رأيت أبي يتلفت يمينًا وشمالًا ويراقب السماء، وكان كلما تقدم الوقت ازداد وجه أبي قتامة، ثم حملني قائلًا: "يجب أن نصل بشكل أسرع لكي لا نقابل أحدًا فيسأل أين كنا".
ركض أبي وهو يحملني، وكأنه يسابق الريح، فشعرت بجسدي وكأنه يطير، وشعر قلبي بالراحة والخوف في نفس الوقت.
لم أشعر بالخوف من الظلام الذي يحيط بنا، بل من ألّا نصل في الوقت الذي يريده أبي.
وصلنا إلى بوابة القرية، وأنزلني والدي، ونظر إليَّ قائلًا بصوت يخلطه التعب: "بني، تذكر ألّا تتكلم، وألّا تقول لأحد أين كنا، حسنًا".
هززت رأسي، ورفعت ذقني، واستقمت في مشيتي وثبات ظهري، حتى رأيت صديقي سينقا، وقد كان ابن رئيس القرية، وهو صديقي الصدوق، حتى لو كان أكبر مني بأربع سنوات.
في الأصل لم يكن هنالك الكثير من الأطفال في هذه القرية، فقد أخبرني صديقي أنهم يقتلون الأطفال المشاغبين.
حياني، ولوح لي بيده البيضاء، والابتسام على وجهه، مقتربًا منا، وسلم على أبي. سبقني أبي ليذهب إلى أمي، فبقيت مع سينقا بمفردي.
نظر لي صديقي الحبيب سائلًا: "ماذا تفعل يا لوكا؟ من أين أتيت أنت ووالدك؟"
تذكرت ما قاله والدي بألّا أخبر أحدًا عن الطبيب الغراب، فنظرت إلى الأسفل بشكل لا إرادي، وأجبت: "ذهبنا... أممم، أممم، لشراء بعض الطعام".
لم يهتم سينقا بالإجابة، فضحك قافزًا فرحًا، مناديًا إياي للعب، لكني رفضت اللعب الآن، وقلت: "إني سأذهب لأعتني بأمي الغالية، فهي مريضة جدًا، بعدها أنا سأرعى الأغنام".
هكذا غادر لوكا إلى المنزل، وعاد سينقا إلى أبيه متنهدًا. جلس، وضرب الطاولة بأقوى ما لديه، قائلًا بنبرة حادة ولاذعة: "بابا، ألم تقل إن لوكا عبدي، ويجب أن يطيع كل ما أقوله؟ لماذا لا يلعب معي؟"
بدأ سينقا بالنظر بعبثية في جميع أنحاء الغرفة: "وفوق هذا كذب عليَّ أيضًا، يظن أني لا أعرف، هذا الأحمق."
ثبت الرئيس نظراته على ابنه، وعيناه قد اتسعتا كحوت بالغ، سائلًا: "آه منك يا سينقا، ما الذي يحدث الآن؟ ألم أعلمك أن لا تعامل العبيد كأصدقاء، فهم أدنى منك مكانة، دعه يعمل."
صرخ سينقا: "لكن لوكا مثلي، إذًا يجب أن يلعب معي."
تكلمت زوجة الرئيس، وهي تلتقط العنبة من صحن الفواكه، ضاحكة، ويداها في كل حركة تخرجان صوت الذهب والفضة: "عزيزي سينقا، حتى لو كان في الخامسة فهو عبد، وأكرر كلام والدك أيضًا، العبيد تعمل، لا تلعب."
صمت الأب فجأة، وسأل عن كذبة لوكا. نظر سينقا لوالده، وأدار وجهه، قائلًا: "أمم، لا أعلم، أصلًا ربما لم يكذب، أمم، أنا حقًا لا أتذكر."
تنهد الرئيس بقلة حيلة أمام ولده، وهز يده، قائلًا: "سأعطيك إجازة من الدراسة لمدة يومين إذا تذكرتها."
فرح سينقا، وقفز من مقعده مقتربًا من أبيه، قائلًا: "لقد سألته أين ذهب مع والده عندما غابت الشمس، قال إنه ذهب لشراء الطعام، وكان ينظر إلى الأسفل، وأنا أعلم أنه يكذب إذا نظر إلى الأسفل."
رفع خشمَه بكل افتخار بذكائه.
ربت رئيس القرية على رأس ابنه، مقطبًا، وعقد حاجبيه، قائلًا: "سأذهب إلى المجلس لأرى الباقين."
قام الأب، وكانت عيناه تشتعلان بنية الشر.
في مكان فخم بالنسبة لقرية نائية، كان هنالك ٤ أشخاص يرتدون ثيابًا مختلفة. تكلم أكبرهم عمرًا، قائلًا: "ما الذي يريده الرئيس لجمعنا مجددًا؟"
هب صمت مفاجئ، ومع هذا الصمت غضب السائل: "هل تستخفون بي لأني كبير في السن، طاعن في العمر؟ أيها الأوغاد، إذا كنتم تفعلون ذلك، أقسم أني لن أترك أحدًا هنا إلا وفضحت أعماله للقضاء."
أجابه أضخمهم قامة، وأقواهم بدنًا، متنهدًا، عالمًا بتصرفات شريكه: "لو كنا نعلم لأخبرناك يا شيخ، كلنا متعبون، وكلنا كبار، فلا داعي لهذه التصرفات."
دخل الرئيس غاضبًا، عاصرًا قبضتيه، ناظرًا إلى الجماعة في المجلس، متكلمًا: "يبدو أننا سنقوم بالأمر الآن."
وقف رجل نحيل، شاحب الوجه، جاحظ العينين، وتكلم مرتجفًا: "ألم يتبقَّ ٤ سنوات؟"
نظر الرئيس إليه، وتنهد، قائلًا: "يجب أن نقوم به الآن، لا يمكننا أن نعلم ما إذا ستسنح لنا الفرصة مجددًا أم لا."
بدأ القليل معارضين، وتكلم أحدهم، قائلًا: "أيها الرئيس، نحن في قرية نائية، ونحن ندعي أن القضاء قضاء في هذا العالم، فلنصبر قليلًا. أنت تعلم أن شخصًا كبيرًا سيأتي لهذه القرية، ماذا لو رأى بقايا من الآثار؟ أقسم لك، لن يخرج من القرية حتى يسترد حق الطفل ويجعله هو الرئيس."
تسابقت الأفكار في رأس رئيس القرية، حتى لمعت زمردة بين قشات، وتكلم: "أخبرتني قرية ضحهبر أنها تريد استضافته أولًا، ولم أرد على طلبهم بعد، سأرد الآن بأن يأخذوه أولًا، ليكفي الوقت في تنظيف البقايا."
لكن حتى مع هذا لم يقتنع الجميع، بل واجهه بعضهم معترضين، حتى ترجل.
رجلٌ من بينهم؛ وافر اللحم، جليل القدر، ممتلئ الخدين كأحد تجار الياقوت، وغائر العينين كأنهما ثقبان يشعان مكرًا.
كان هذا الرجل يملك لسانًا يقطر عسلًا مسمومًا؛ لديه قدرة عجيبة على قلب الحقائق، وبث السموم في العقول بكلمات منمقة، حتى يجعل الناس يصفقون للشر وهم يظنون أنهم يسيرون نحو الخلاص.
وقف بينهم نافخًا صدره بتكبر، وبدأ يتحدث بنبرة واثقة ساحرة، مستعدًا لجر القرية بأكملها نحو هاوية فكرته الخبيثة.
اتكأ بأصابعه المحشوة بالخواتم الثمينة على حافة الطاولة، ونزل بنظراته الغائرة نحوهم.
ثم قال بصوت رخيم زلزل سكون القبو: "الخطة ستنفذ الليلة... الليلة قبل الغد! لن ننتظر بزوغ الفجر، فالظلام حليف الشجعان لقطع دابر العفن."
تبادل الرجال الأربعة نظرات حائرة خائفة، لكن رئيسهم تابع بلسانه الذي يقطر عسلًا مسمومًا وفطنة مرعبة، وهو يبصق كلماته بقذارة: "إلى متى سنبقى نتحمل وجود هذا العبد الحاقد بيننا؟ ذلك النكرة البائس الذي بات كابوسًا يضيق الخناق على القرية بأكملها!
لم يترك بيتًا إلا وزرع فيه ضيقًا، ولم يمر بطريق إلا وأفسد هواءه بنجاسته.
إنه كالجرثومة التي تنهش جسد قريتنا، ووجوده بيننا ذلٌّ ما بعده ذل."
تقدم ببدانته خطوة ليكون في مقدمتهم جميعًا، وتابع بنبرة حماسية قاطعة مشحونة بالقسوة: "سنبدأ في الصباح، فهو أفضل الأوقات وأكثرها بركة، سنطهر الأرض من رجسه، ونبتر هذا القيد، ونحرر القرية من لعنته وضيقها!
ما سنصنعه ليس جريمة، بل هو أطهر فعل سنقدمه لتاريخنا.
في الصباح نصنع المجد... في الصبح نتحول إلى أبطال طهروا هذه الأرض! فمن منكم يرتضي بالتأجيل ويدع فرصة البطولة تفلت من يديه؟"
الجميع بدأوا بالاقتناع؛ فقد انسابت كلماته المسمومة كالمخدر في عقولهم، وتلاشت الشكوك خلف بريق الوعود الزائفة.
حينها، انفرجت شفتا الرئيس عن ابتسامة خبيثة، غاصت معها عيناه الصغيرتان، ونظر إليهم بعلياء كبريائه، وهو يضع اللمسة الأخيرة على شركه المغلق.
انحنى ببدانته فوق الطاولة، وخفض صوته إلى فحيح يفيض مكرًا: "ولكي تكتمل خيوط اللعبة، ولنرفع عن كاهلنا أي شبهة؛ سنأخذ ذلك العبد الصغير الذي يتبع خطاه، ونلقي به في جوف البلاء... نرميه فوق ذلك الكبير الآتي!"
لمعت عيون الكبار الأربعة بفضول حذر، فتابع الرئيس، وهو يقلب خاتمه الياقوتي بتلذذ: "سنجعله يخدمه طوعًا أو كرهًا، ونحشوه بالأسرار المزيفة، ثم نُحمّل والده كل أخطاء القرية، وكل تقصير اقترفناه أو سنقترفه مستقبلًا."
"هكذا يا سادة... نكون قد اصطدنا عصفورين بحجر واحد؛ نطهر القرية من دنس العبد الكبير وعقدته، ونجعل العبيد أكباش فداء يحملون أوزارنا إلى الأبد، بينما نخرج نحن أمام الجميع بثوب الأبطال الأنقياء."
ساد صمت عميق في أرجاء القبو، صمت لم يكن خوفًا، بل كان ذهولًا من عبقرية هذه المكيدة البشعة. أومأت الرؤوس الأربعة بانتشاء، وقد تملكهم العزم على بدء ليلة التطهير والمكر.
أرجع الرئيس ظهره إلى الوراء، منتفخًا بنصر فكري مبكر، ونظر إليهم من علياء كبريائه، ثم قال بنبرة حاسمة لا تقبل التردد: "الآن يا سادة... من كان منكم موافقًا على تطهير أرضنا وصناعة المجد، فليرفع يده!"
لم يتردد أحد؛ ارتفعت الأيدي الأربعة في عتمة القبو دفعة واحدة، وبلا حراك، كأنها نصال شُحذت للغدر، وقبل أن يرتد إليهم طرفهم، ارتفعت اليد الخامسة المرصعة بالياقوت لتعلن نهاية المشاورة.
ابتسم بتكشيرة قاسية التهمت ملامح وجهه البدين، وقال وهو يضع النقاط على الحروف: "خمسة مقابل صفر... انتهى التصويت، وقُضي الأمر!"