الفصل الرابع
"لا كلُّ ما يلقاه المرء يستحقه، ولا كلُّ ما يغيب عن المرء يؤلمه. "
كان غسقٌ بسيطٌ جميلًا.
استيقظ لوكا بحماس ليرى هل تحسنت صحة أمه أم لا. ذهب لوكا إلى غرفة والدته ولم يجدها، فخاف وبحث عنها صارخًا: "أماه، أماه، أين أنتِ؟"
مفتشًا في الغرفة، مفتحًا الصناديق، وناظرًا تحت السرير.
رأى الأب دموع ابنه، فانفجر ضاحكًا، ضاربًا ظهر ابنه: "اذهب وابحث في المطبخ أيها الذكي، حتى الفأر لن يختبئ في الصندوق."
ركض لوكا مسرعًا ليرى المطبخ، فإذا بامرأةٍ جميلةٍ وقفت بمريلة طبخ وردية، تستدير مبتسمة، قائلة: "أيها المشاغب، هيا ساعدني في إعداد الطعام."
عند رؤية أمه مبتسمة، بكى لوكا، وقفز عليها فرحًا مسرورًا، وبدأ بمساعدتها في إعداد الفطور.
في هذه اللحظة الجميلة، وصلت الأب رسالةٌ مفادها أن رئيس القرية يود أن يتحدث معه عن تلك الورقة.
أخبر الأب ابنه أن يذهب لحلب البقر وقطف التفاح، ولم يمانع لوكا مساعدة والده، بل قد أحبها كثيرًا؛ لأنه، في اعتقاده، أن والده يطلب منه ذلك لأنه كبر وأصبح قويًا.
خرج لوكا من المنزل، وناقش الأب مع الأم أمور الورقة.
_ "عزيزتي، أتظنين أنه قد وجد الورقة؟"
_ "لا أظن هذا يا عزيزي، هل قابلتم أحدًا عندما عدتم في ذلك اليوم؟"
_ "أممم... آه... أنا لا أتذكر جيدًا، ولكن أظن أننا قابلنا سينقا، ابن الرئيس، وهو ما زال طفلًا، فلا أظن أنه علم من أين أتينا."
_ "أنا لا أشعر بشعور جيد مطلقًا، لكن لو كان ذلك ممكنًا، أنا أتمنى أنه أتى بأخبار جيده."
قاطع نقاشهم طرقٌ فظيع، فهرع الأب مسرعًا لفتح الباب، ووجد هنالك أكثر من ١٠ رجلًا أمامه.
تكلم رئيس القرية، نافخًا صدره، مزيحًا عينيه، ناظرًا إلى الزريبة المرتبة في الداخل:
_ "ليس هناك أبشع من أن تستيقظ لتجد أن الأرض التي ورثتها من عرق جبين والدك قد غدت حلالًا لغيرك، وأن يد الغدر لم تكتفِ بسلب حقك، بل آزرت الدجالين والسحرة لتهتك بقريتك."
توسعت حدقتا الأب لبرهة، وانتفض من مكانه، سائلًا:
_ "ما الذي تقصده أيها الرئيس؟! أنت الشخص الذي أعطاني هذا الكوخ، أنا لم أسلب أو أسرق في حياتي قط."
عند هذه اللحظة عاد لوكا إلى منزله، فقد نسي أن يمشط شعره، ولم يرد أن يخرج بشعر متطاير كالشمس، لكن يا لسوء المشهد.
رأى الجمع مجتمعين، فخاف وحاول دخول المكان حتى وصل إلى الفاصل بين الرئيس وأبيه.
"حتى عندما كنت طفلاً، كان بمقدوري التمييز بين العيون التي ترحب بوجودي وتلك التي تدينه. لكن نظرة رئيس القرية لم تكن أياً منهما؛ بل كانت تحمل شيئاً أكثر سوداوية وشروراً من مجرد الكراهية—وكأن مجرد وجودي في هذه الحياة كان خطيئة تستوجب المحو.".
جعّد الياقوتي أنفه باشمئزاز، وكأنه استنشق رائحة جيفة، ثم رمق الصغير بنظرة ضيقة تفيض قرفًا، وهو يسحب رداءه الحريري إلى الخلف لكي لا يمسه جسد الطفل البائس، ثم نفض كفيه في الهواء، وكأنه يطرد حشرة مزعجة.
أمر النحيف أحد الرجال، قائلًا:
"أبعدوا عبدنا لنقتل سحرتنا."
سُحب لوكا من قبل ثلاثة رجال بالغين، وهمّ بالصراخ والبكاء مستنجدًا بأبيه، ولكن حتى ولو أراد الأب إنقاذ ابنه فلن يقدر. غصّ لوكا بصراخه، وتقطرت دموعه دمًا لما حدث أمامه.
كان يرى الجحيم يتجسد في وسط الحجرة؛ حوّط كبار القرية والديه كذئاب جائعة، وبأيدٍ تفيض غدرًا، بدأت النصال ترتفع وتهبط بلا رحمة. رأى خنجرًا يلمع تحت ضوء أبيض مظلم، قبل أن ينغرس في صدر والده، ليمزق ذلك الجسد الصارم القوي الذي طالما حماه. لم يصدر عن والده سوى ارتطام جاف وهامد بالأرض الخشبية، بينما انفتحت عيناه على اتساعهما، تعكسان الرعب الأخير، وتثبتان في الفراغ بلا حراك.
لم يكد لوكا يستوعب الصدمة، حتى التفتت الذئاب نحو أمه. ارتفعت صرخات الأم لتخترق رياح الخريف، صرخات قطعت نياط قلب الصغير، قبل أن تُخرسها طعنات متلاحقة شوهت ملامح وجهها الحنون. تلك الملامح التي كانت تشع دفئًا، غدت الآن غارقة في بركة سوداء داكنة تبتلعها ضحكات السنين.
لم يتوقفوا حتى أصبح الجسدان كالقطع المعروضة للتجارة، لا يُعلم من صاحبها.
في تلك الليلة، لم يقتلوا والديه فحسب، بل اغتالوا طفولته بالكامل على عتبة تلك الغرفة، وتركوا روحه تنزف قبل أجسادهما.
أُغمي على الصغير من هول ما رأى، والدم يتساقط من عينيه كالخمر المعتق.
قرر الرئيس هدم هذا البيت، والقيام بحركة خبيثة ماكرة.
أمرا اولا بأخذ الطفل الصغير ورميه في منزل أحد الخدم ليعتني به، ففي النهاية هو من سيخدم ذاك الكبير.
مرت سنوات "لوكا" العجاف كما تمر الرياح العاتية في مزمار الموت؛ ففي كل يوم، كان يصحو على واقع أشد قسوة، حيث بات مجبرًا على خدمة خمسة أشخاص غلاظ القلوب بدلًا من شخص واحد.
لم يعد يستيقظ في الصباح على لمسات والده الحانية ، بل على صرخات تقرع أذنيه، وركلات عنيفة تنهال على وجهه وجسده الصغير النحيل.
انحصرت طفولته بين الاعتناء بالأحصنة، وحرث الحقول الشاسعة، وخدمة الخمسة الكبار، وتنظيف المداخن الضيقة التي كادت تخنقه بسخامها.
كل هذه المشاق البدنية كان لوكا مستعدًا لتحملها، إلا خذلان الصديق؛ فقد كان يمزق روحه أن يعامله أقرب أصدقائه القدامى كأنه جيفة متحركة لا قيمة لها، وكأنه لم يعرفه يومًا، أو يشاركه لحظة واحدة من تفاصيل حياته.
لكن الجحيم الحقيقي كان يبدأ عندما يشرع "سينقا" في دروس المبارزة؛ حيث كان لوكا الصغير يُجبر على الوقوف جانبًا ككيس رمل بشري.
في كل مرة كان يخطئ فيها سينقا في خطوة، أو وقفة، أو حتى في مسكة السيف، كان لوكا هو من يتلقى الضربات بدلًا منه! كانت هذه طريقة رئيس القرية السادية لتخويف ابنه؛ حيث يجعل العقاب يقع على جسد لوكا لكي يعلق الخطأ في رأس سينقا فلا يكرره.
ولكن، لسوء الحظ، لم تجدِ هذه الخطة نفعًا، بل ضاعفت معاناة لوكا، وزادت من تمرد سينقا واستهتاره؛ إذ أمن العقاب. فبينما كان لوكا يُضرب بعنف على ساقيه الصغيرتين حتى تدميا، كان سينقا يبتسم بارتياح لأنه نجا، وفي كل مرة يئن فيها لوكا تحت السوط، كان سينقا يعتذر زيفًا ويفكر في نفسه بانتشاء:
"لوكا هو من سيُضرب وليس أنا... أشعر بالفرح العارم لهذه الطريقة، أبي يحبني حقًا!."
رغم هذا البؤس، تعهد لوكا على نفسه ألا يذرف ولا حتى دمعة واحدة أمام هؤلاء الوحوش .
كان لوكا يخفي غليانًا داخليًا؛ يظهر الابتسامة دائمًا، فعند تلقيه التوبيخ يبتسم ويضحك وينفذ، وقد كان متعطشًا للعلم بجموح، تواقًا لتعلم المبارزة، والرماية، وعلوم الطبيعة، والهندسة.
وفي كل يوم، وخلال ساعات الدرس، كان يرهف سمعه ليلتقط كل كلمة يتفوه بها المعلم، ويتحمل ألم الضربات صامتًا، ويراقب الحركات بدقة ليتعلم.
وفي الليل، عندما ينام الجميع، كان يعود إلى ركنه المظلم، ولا يغمض له جفن، بل يراجع في عقله كل كلمة انتزعها من دروس سينقا.
تعلم في البداية أساسيات هذا العالم؛ عرف أن كوكبهم يدور حول جرم، وهذا الجرم هو الشمس التي تشرق وتغيب، فإذا ظهرت حل النهار، وإذا غابت تلاها الليل، وحل محلها جرم مضيء يُدعى القمر، وأن الغيوم ما هي إلا ماء متكاثف، وأن الشجر كائن حي يتنفس.
كانت هذه البداية واضحةً له، فقد علمته والدته في السابق بعض علومها، فسرعان ما حفظ المكتوب، وربط المحفوظ، واستنتج معلومات جديدة، لكن لسوء حظه لم يكن بإمكانه السؤال، ولا التأكد من صحة استنتاجه.
وبعد المراجعة الفكرية، كان ينهض ليحاكي وقفة معلم السيف، ويجرب حركات الرماية في الفراغ. لكنه كان يهاب السباحة؛ فقد كانت الشيء الوحيد الذي يزرع الرعب في قلب سينقا، وفي قلبه هو الآخر، لسبب قد يبدو بسيطًا للبالغين، لكنه في عين طفل يمثل خطرًا غامضًا ومخيفًا.
استمر لوكا في امتصاص المعرفة بذكاء خارق، حتى أصبح حافظًا ومتقنًا لكل ما تم تدريسه في هاتين السنتين.
وفي هذه الأثناء، اقترب موعد قدوم "الكبير" المنتظر. ورغم أنه كان من المفترض أن يصل منذ زمن، إلا أن جشع رؤساء القرية، وطمعهم، وخوفهم من تقييمه، جعلهم يؤجلون الزيارة شهرًا بعد شهر، حتى غدت قريتهم الملعونة هي آخر قرية على قائمة استضافة الكبير.
"عندما تتبدل الوجوه خلف الأقنعة"
تجمعت حول تلك الطاولة الملعونة نفس الوجوه الحاقدة، لكن ملامحها المستكبرة كانت هذه المرة متبدلة، تعلوها حيرة واضحة وتوجس دفين.
التفت أنحفهم جسدًا، وكانت حدقتاه ترتجفان ذعرًا، وهو يهمس بصوت متهدج:
"يا رئيس.. هل علمت ذلك العبد الصغير كل ما يلزم لخدمة الكبير؟!"
رمقه رئيس القرية بنظرة ثاقبة باردة، ثم اتكأ بمرفقيه على الطاولة، مشبكًا أصابعه بثقة زائفة، وأجاب:
"لا تقلق، أنا متأكد أن الأمور ستسير كمر السحاب.. لوكا ولد كتوم ورزين، هذا ما لاحظته عليه طوال السنتين الماضيتين؛ فلا داعي للخوف."
لمعت في عيني الياقوتي فكرة خبيثة، فانتصب في جلسته، وضرب الطاولة بكفه، قائلًا بصوت خافت مقيت:
"وإذا تبين أن هناك خطأً كارثيًا في نظام القرية المعماري أو الحسابي، نحمل والده الهالك المسؤولية كاملة! نتحجج بأن صديقنا الراحل الذي كان يدير الشؤون قد مات وأخذ أسراره معه."
في تلك اللحظة، اشتعلت الأفكار الشيطانية في رؤوسهم واحدًا تلو الآخر، وبدأت الوجوه الشاحبة تتبادل الابتسامات الملتوية. حين رأى رئيس القرية هذا التوافق الحاقد، تنفس الصعداء، واسترخت أكتافه المشدودة، وقال مستهزئًا:
"حسنًا، حسنًا.. لا داعي للخوف إذًا ولا للقلق، كل شيء سيمر سريعًا ونخرج من هذا المأزق رابحين."
قاطعه أكبرهم سنًا، وهو يميل بجسده نحو الأمام بدافع الفضول:
"سمعت أن رسالة غامضة قد وصلت إليك اليوم يا رئيس.. ما فحواها؟"
اتسعت ابتسامة رئيس القرية الساخرة، وهز رأسه بزهو، قائلًا:
"فور أن وصلتني لم أتجاسر على فتحها بمفردي، بل أحضرتها مختومة لأقرأها على مسامعكم جميعًا في نفس الوقت، لتشاركوني بهجة الخلاص."
أخرج الرئيس الرسالة العتيقة، وبأصابع متباهية كسر الختم الشمعي البني، وبسط الورقة. لكن، ما إن وقعت عيناه على السطور الأولى، حتى تجمدت الابتسامة على شفتيه، وانمحت الألوان من وجهه، ليصبح شاحبًا كالجثث. تراجعت حدقتاه إلى الخلف، ثم أطلق صرخة فجائية ممزقة ومذعورة، جعلت كل من في الغرفة ينتفض واقفًا من مكانه، وتشرئب أعناقهم نحو الورقة بقلوب دقاتها تصم الآذان.
_ "ما الأمر يا سيدي؟!!" صاح أحدهم، والذعر يتطاير من عينيه.
_ "هل سيأتي قبل موعده المحدد؟!!"
_ "تكلم! بحق الجحيم، ماذا حدث؟!"
رفع الرئيس عينيه المحتقنتين بالدم نحوهم. كانت يداه ترتجفان بالورقة بعنف كغصن في مهب الريح، ونطق بصوت متحشرج تملكه الرعب الصافي:
"لن يأتي الكبير كورني.. لقد أصابه وهن شديد وتعب مفرط من كثرة القرى التي زارها وقام بتقييمها، لذا تطوع الكبير دافني بدلًا منه ليزور قريتنا!"
فور سماع الاسم، انهار الحاضرون تمامًا كبناء من قش. تهاوى بعضهم على مقاعدهم، وبدأ بعضهم الآخر بالبكاء والنحيب بلا خجل.
لقد كان الكبير "كورني" رجلًا مساومًا، يمر على القرى مرور الكرام، لا يدقق في تفاصيل الهندسة أو جودة الأعشاب كثيرًا، بل كان يعطي مهلة لطيفة وفسحة من الوقت للإصلاح والتغطية على العيوب؛ كان كالمعلم المتساهل الذي يسمح لطلابه بنقل الواجب وحله داخل الفصل، ثم يفتش عليه بابتسامة.
أما "دافني".. فقد كان النقيض المرعب! كان كتلة من الغلظة والقسوة، وحشًا يبحث فقط عن الزلات، ولا ترى عيناه الجافتان أي شيء مبهج أو حسن.
والمشكلة الأعظم والقاتلة، أن دافني لا يعطي مهلة، ولا يدخل في نقاشات، ولا يقبل الأعذار؛ بل كان، بمجرد أن يرى زلة واحدة، يغلق القرية بالكامل، ويشرد أهلها، ويصادر كل أرباحها وفوائدها فجأة، ليتركها خرابًا يبابًا.
انتهى الاجتماع على وقع أنفاس مخنوقة ودموع باردة، والقرية الملعونة تستعد الآن لاستقبال الطوفان.
لقد تطلب مني كتابة هذا المشهد وتوضيح تفاصيله الكثير من الجهد العاطفي. يهمني أن أعرف—كيف كان وقعه عليكم؟ وإذا كان هناك أي تحسينات أو تفاصيل يجدر بي الانتباه إليها في الفصول القادمة، سأكون شاكرة لكم 🖤🙏