الفصل الخامس
القسم الأول
الفصل الخامس: "مناجاة فوق ثرى الخراب يتبعها ضحكات للصغار"
ساد صمتٌ غريبٌ أرجاء المكان، صمتٌ لزجٌ وثقيلٌ لم تطرقه حتى زقزقةُ عصفورٍ عابر.
كانت النوافذ مواربة، والستائر متدليةً بلا حراك، كأن الهواء نفسه قد حبس أنفاسه هلعًا مما سيأتي بعد قليل.
وفي لحظة خوفهم وهلعهم الجماعي، كان هنالك جسدٌ صغيرٌ يزحف ببطءٍ ووهنٍ في اتجاه كومة خرابةٍ نائية.
عند انتهاء اليوم المرهق والمضني، لم يعد "لوكا" إلى الكوخ العتيق، ولا إلى خدمة رئيس القرية البغيض، بل زحف على أطرافه المنهكة، متحاملًا على آلام جسده الصغير، متوجهًا نحو كومةٍ من قمامة القرية وخرابةٍ منسيةٍ لم تطرق مسامعَ أهل القرية أنفسهم منذ زمن.
"وصلتُ أخيرًا..."
شهق لوكا وهو ينطقها بأنفاسٍ متلاحقة، ودمٍ يغلي في عروقه، وصدرٍ محروقٍ من شدة الكمد.
تقدم لوكا مترنحًا إلى قلب تلك الخرابة، حيث وجد حفرتين متجاورتين في ذلك المكان المقفر؛ لقد كان هذا هو مكان بيتهم سابقا قبل أن يدمر كان يوجد به حفرتان مغلقتان
وصل لوكا إلى الحفره، وهبط على ركبتيه ببطء، وجلس في هدوءٍ تام، ولم يكن هنالك في الأرجاء حتى صوتُ همسٍ خفيفٍ يكسر وحشة المكان.
التفت برأسه نحو الحفرة الأولى ، وقال بنبرة طفولية هادئة مخنوقة: "بابا.. اليوم أنا حرثتُ الحقل مع البقرة، وغسلتُ الصحون مع العمة.. وتعلّم سينقا المبارزة اليوم، ويبدو أن الرئيس يريد من الكبير أن يعلّم سينقا السحر أيضًا."
توقف لوكا عن الكلام لبرهة، وابتلع غصته، ثم التفت بجسده نحو حفرة أمه، مكملًا: "لا تخافي يا أمي.. أنا آكل وأشرب، وأحاول أن أتعلم كل ما يتعلمه سينقا دون أن يعلموا، من أجل أن أصبح ذكيًا مثلكِ تمامًا."
قبض لوكا على تراب الأرض بيديه النحيفتين، يحاول جاهدًا حبس دموعه، وخفض صوته إلى همسٍ وادع؛ لأنه لم يكن يريد لوالديه الراحلين أن يسمعا نبرة انكساره: "سينقا.. كل يوم يجلس مع والديه، ويأكلون معًا ذلك الطعام الدافئ.."
ثم هز رأسه الصغير محاولًا إقناع نفسه: "لكن لا بأس.. أنا أيضًا عشتُ تلك اللحظات، وأكلتُ هذا الطعام الدافئ معكم من قبل.. أصلًا لا بأس."
وفي تلك اللحظة، لم يعد جسده الضئيل قادرًا على الاحتمال؛ وضع لوكا يده فوق صدره المنقبض، وضغط بكفه بقوة لعل الألم يهدأ، وذرف دموعًا غزيرة انهمرت كالشلال بصمتٍ مطبق، وهو يطبق شفتيه بأسنانه، ممسكًا صرخاته الحارقة من أن تعلو.
انحنى بجسده فوق الثرى، وهمس بمرارة: "ماما.. بابا.. لمَ لمْ أمت معكما في ذلك اليوم؟!"
"أنا.. بدأتُ أخاف أن أنام، وأخاف كثيرًا من الاستيقاظ."
"أنا.. عرفتُ شيئًا مخيفًا عن هذا المكان."
"ماما.. أخال نفسي أدرس عن مرضكِ القديم لأجد له علاجًا، فأمرض في النهاية بمرضٍ أسوأ منه بسبب قلبي المحطم."
توقف لوكا عن الهمس، وتهاوى بجسده المنهك تمامًا لينبطح على الأرض المقفرة المتربة، ودموعه لا تتوقف عن الجريان مهما حاول مسحها بساعديه النحيلين، فنطق بكلمةٍ متحشرجة كانت قد ماتت وقُبرت في صدره منذ مدةٍ طويلة:
"في كل مرة أراهم يضحكون.. أتذكر كيف جعلوكما تصرخان ألمًا..
وفي كل مرة أراهم يلعبون ويمرحون.. أتذكر كيف كنتما تعملان ليل نهار إلى أن تتشقق أيديكما من التعب..
وفي كل مرة أراهم يذبحون البقر والأغنام في القرية، وأرى ابن البقرة الصغير يبكي لفراق أمه.. أتذكر بدقة كيف قتلوكما أمامي، ولم يلتفت أحد من أولئك القساة إلى صراخي واستنجادي!"
عند هذه الحدود، عجز لوكا عن الكلام تمامًا؛ ثقل لسانه الصغير في فمه، وباتت أطرافه ثقيلةً عن الحركة، حتى غطّ وسط عتمة الخرابة وتراب القبور في نومٍ عميقٍ وجارفٍ من فرط الإنهاك.
وهو يهمس قائلًا: "أريد أن أخرج من هذا المكان."
ولم يكن يعلم هذا الصغير، على أي حالٍ مرعبٍ أو غريبٍ سيكون صباحه القادم.
أتى الصباح مشرقًا بألمٍ مكتومٍ وجرحٍ مستور، ومصحوبًا بصرخاتٍ صاخبةٍ وجلبةٍ عارمةٍ تكاد تُسمع الأصمَّ من فرط إزعاجها وتداخلها.
بدأ الرؤساء الخمسة فجأة بجعل القرية بأكملها تعمل كخلية نحلٍ مذعورة؛ ولم يكن هذا الأمر معتادًا أبدًا، فلديهم طابورٌ طويلٌ من الخدم والعبيد، ولم يكن يجدر بهؤلاء الرؤساء ذوي الكبرياء أن يحركوا إصبعًا واحدةً، ومع ذلك، لم يجرؤ أحدٌ من السكان على التعليق أو الالتفات إلى هذا التحول الغريب.
حتى "لوكا" الصغير استيقظ مستغربًا؛ فلأول مرة منذ سنتين، يمر الصباح دون أن يركله أحدٌ في وجهه أو يصرخ فوق رأسه لإيقاظه.
خرج بخطىً حذرةٍ يستطلع سبب هذا الإزعاج المحموم، ليرى منظرًا جعله، ولأول مرة منذ موت والديه وتنصيبه عبدًا، يبتسم من أعماق قلبه!
لقد كان منظرًا لا يمكن لوصفٍ أن ينصفه ؛ كان كل رئيسٍ من الرؤساء الفخمين ممسكًا بمسحاة، وهو يقشع روث البهائم من المدخل بمللٍ وقرف، بينما يمسك آخر بقارورة عطرٍ ويرشها في الهواء بعشوائية، وهم يتشاجرون بصراخٍ حول الطريقة الصحيحة للتنظيف:
قال الضخم: "يجب عليك قشع الروث أولًا، ثم رش العطر، أيها الأحمق الفاشل!"
قال النحيف: "لا، كيف لي أن أقترب من مكانٍ رائحته أسوأ من رائحة جثتك الكريهة؟! رش العطر أولًا، ثم اقشعه أيها القذر!"
وهنا تدخل الرئيس، وهو يحاول إنهاء الشجار، فزاد الطين بلة بقوله: "أنا أريد هذا الروث سمادًا لحقلي، اتركاه لي ولا ترمياه في القمامة!"
شاهد لوكا هذا المنظر الساخر، وشعر فجأة بخفةٍ عجيبةٍ تسري في صدره المنقبض، وهمس لنفسه: "ربما لأنني بكيت بالأمس بحرقة، وقلت كل شيء لوالدي.."
وحين التفت ليشاهد المشهد مجددًا، وضع الصغير يده على فمه و أطلق لوكا ضحكةً خفيفةً مبهجةً حين زلقت قدم رئيس القرية المتكبر، وسقط بكل هيبته وسط كومة الروث المدفوعة بجانب الباب، وبدأ يصرخ عليهم بغضب، وهو ينفض ثيابه الحريرية الملوثة.
انفجر لوكا ضاحكًا : " لا , انا أظن أن هذا مضحكٌ للغاية!"
ظل لوكا يضحك من قلبه حتى قطع ضحكته صوت أحد الرؤساء، وهو ينادي عليه بنبرةٍ حادة: "لوكا! تعال إلى هنا واغسل الأطباق فورًا."!"
اوقف لوكا ضحكته، وركض مسرعًا ليغسل الأطباق، وهو يراقب من نافذة المطبخ مشهدًا آخر؛ كان "سينقا" يحاول تعليق زينة الترحيب على الجدران، ويتعثر في كل مرةٍ ويسقط، ويتأكد أن لا أحد رآه، بينما كان أحد سكان القرية يبكي بنحيبٍ ، ويتمسك بدجاجته صارخًا: "لا تشووا دجاجتي (ليلي)! هذه دجاجتي أنا.. لا، هذه صديقتي المقربة!"
وقف رئيس القرية يحك رأسه ببلاهةٍ ويأسٍ أمام عناد القروي، ويقول بصوتٍ مخنوق: "سنعطيك المال.. سنعطيك الكثير من المال، فقط اترك الدجاجة اللعينة نجهزها لوليمة الكبير!"
بعد انتهاء طقوس التجهيز والتنظيف والتنظيم، كانت القرية بأكملها تصطف في أبهى حلتها وثيابها الجميلة، وحتى "لوكا" الصغير كان قد رُمي إليه ثوبٌ نظيفٌ ليرتديه في هذا اليوم المشهود.
كان التعب قد بلغ من الرؤساء مبلغه، فتذمر أحدهم وهو يلوح بمروحته الورقية يائسًا: "كيف لي استقبال ذلك اللعين، ولم يتبقَّ في جسدي طاقةٌ واحدة؟!"
تنهد آخر، وهو يمسح عرقه: "متى ستتوقف هذه الجولات التفتيشية المزعجة؟ آه.. لو لم يكن القادم هو دافني الغليظ، لكنا جميعًا نعمل الآن بفرحٍ ومرح!"
رمقه رئيسٌ ثالثٌ بنظرةٍ منزعجةٍ ساخرة، وصاح به: "أجننت أنت؟! ومنذ متى ونحن نعمل أصلًا لتعمل بفرح؟!"
أوقف رئيس القرية شجارهم بحسم، وأمرهم بالاستعداد؛ فقد حانت اللحظة الحاسمة.
وقف الجميع منحني الظهر من فرط الإنهاك وقلة الحيلة؛ بعضهم ما زال يتلاوم ويتشاجر بشأن الروث، وبعضهم قد يئس من حرارة الطقس، بينما اتخذ أحدهم طريقًا إلى الجنون والهذيان بالفعل من شدة التعب.
وفجأة، انشقت السماء عن عربةٍ طائرةٍ بيضاء وخضراء مهيبة، هبطت بسلاسة، وخرج منها مسؤولٌ يشع وسامةً كالنعناع الجميل! كان فخمًا لدرجة أن لوكا نفسه انبهر من مرآه؛ فبرغم أن لوكا قد رأى رؤساء القرية يرتدون الحرير من قبل، وعرف الجميل والقبيح منهم، إلا أنه، حتى كطفل، كان قادرًا على تمييز الفارق الشاسع بين الجميل.. والأجمل على الإطلاق.
استقام الرؤساء في وقفتهم، وتوقفوا عن التهامس فورًا؛ ويبدو أنهم لم يتوقعوا أبدًا أن يكون مظهره بهذه الوسامة والنقاء، فقد انتشرت عنه إشاعاتٌ سابقةٌ بأنه مسخٌ شيطانيٌ دقيق، يأخذ كل من يكرهه إلى الجحيم مباشرة.
نزل الرجل ذو الشعر البني الطويل المسترسل، مرتديًا رداءً أخضر فاخرًا مزخرفًا بأوراق الشجر الذهبية العتيقة، وكانت عيناه حادتين كحد السيف.
مشى بخطواتٍ ثابتةٍ ووقارٍ مهيب، فرض صمتًا مطبقًا على كل من في القرية.
تقدم رئيس القرية بخطى مرتجفة، وانحنى انحناءةً عظيمةً تقديرًا له، هاتفًا بهيبة: "تشرفنا بزيارة الكبير دافني.. لقد حلت البركة الخضراء في قريتنا منذ أن لاحت عربتكم الميمونة في سمائنا."
نظر الكبير دافني إليه ببرود، وهز رأسه مجيبًا بنبرةٍ هادئةٍ وقاطعة: "نعم، شكرًا لك.. أين هو المكان الذي سأسكن فيه؟"
تملك الرعب قلوب الرؤساء من هدوئه، فاندفع أحدهم بسرعة، ممسكًا بيد لوكا النحيفة، ودفعه إلى الأمام قائلًا بتملق: "هذا الصغير قد تطوع بكل حماس ليكون خادمًا خاصًا لسيادتك، فهل تقبل يا سيدي؟!"
انتفض لوكا بذعر، وانقبض قلبه؛ فهو في الأصل لا يملك أدنى فكرة عن المكان الذي أعدوه لسكن الكبير!
وقف لوكا متيبسًا كالروبوت، منزلًا رأسه، وعيناه مثبتتان في الأرض، متمنيًا من أعماق قلبه أن يرفضه الكبير ويقول إنه لا يريده.
لكن الكبير دافني نظر إلى لوكا بنظرةٍ حانية، وقال: "هيا يا صغيري، أرني أين أسكن."
تعجب الرؤساء من معاملة الكبير للطفل؛ لم يعلموا أنه كان حنونًا مع الأطفال، وحتى لوكا لم يعلم.
في تلك اللحظة، ذرف لوكا الدموع داخليًا في قلبه، وهو يصرخ عاجزًا: "وكيف لي أن أعلم أين تسكن أيها الكبير الغبي؟! أنقذوني!"
التفت بلمحةٍ يائسةٍ نحو الرؤساء، يترجاهم بعينيه أن يعطوه أي تلميحٍ أو إشارةٍ ترشده، وفي هذه الأثناء، التفت أحد الرؤساء إلى زميله، متهامسًا بذعر: "أوي.. هل أخبرتم الصغير بمكان سكن الكبير حقًا؟!"
أجابه الآخر ببلاهة: "نعم، أظن أن الرئيس قد أخبره مسبقًا."
اطمأن ذاك الرئيس الأحمق، بينما غص لوكا بريقه، وهو يسمع تهامسهم الغبي الذي أكد له أنه وحيدٌ تمامًا في هذه الورطة.
نظر لوكا إلى الكبير بنظرة يأسٍ وانكسارٍ طفوليةٍ خفية.
انتبه الكبير دافني إلى تلك النظرة، وظن أن الصغير النحيل متعبٌ ومجهدٌ من شمس الصباح؛ فقطع فورًا سيل المديح والنفاق المنساب من أفواه الرؤساء، وأمسك بيد لوكا الصغير بلطف، وابتسم في وجهه ابتسامةً حقيقيةً دافئةً خاليةً من الكذب.
قال دافني بنبرةٍ حنونة: "هيا يا صغيري، خذني إلى الغرفة الآن.. سأتجول في القرية غدًا، أما اليوم فأنا أحتاج إلى الراحة."
هز لوكا رأسه الصغير، وقبض بيده الثانية على ثوبه الصغير بقوة، وقد اشتعلت في صدره جذوةُ إصرارٍ عنيدٍ على اكتشاف مكان الغرفة التي لا يعرفها!
فكر في نفسه بذكاء: "أنا أعرف ممرات هذه القرية وتفاصيلها شبرًا بشبر، لذا لن تكون معرفة الغرفة المجهولة مشكلةً مستحيلة.. وهذا الكبير يبدو قويًا، لذا لن يضره بعض المشي الإضافي معي بينما أبحث عن المكان!"
ابتسم لوكا للكبير دافني، ورفع رأسه لينظر في عمق عينيه الحادتين، قائلًا بثقةٍ مبكرة: "سيدي.. تعال معي رجاءً."
انتبه الكبير دافني إلى بريق عيني لوكا الذهبيتين الغريبتين، فابتسم له مجددًا، وهز رأسه بوقار: "أنا في رعايتك وطوع بنانك منذ الآن يا صغيري."