6 - أجنحة في سماء الخلاص

الفصل السادس

الفصل السادس: "أجنحة في سماء الخلاص.. وتضحية ليلي"

مسح حبات العرق عن جبينه الصغير، وهو يخطو بتعثر في الزقاق الأخير، بعد رحلة بحث مضنية ومستمرة دامت ثلاث ساعات كاملة، مرت دون جدوى.

توقف لوكا، وبحركة آلية مثقلة بإنهاك شديد، أعاد رفع أكمام قميصه التي تبللت بالعرق، كمن يستعد مرغماً لمواجهة مصير محتوم وعقاب وشيك.

التفت نحو الكبير دافني، ونظر في عمق عينيه الحادتين، ثم صرخ فجأة بصوت طفولي مخنوق ومذعور: "سيدي.. أنا آسف حقاً! لقد حاولت وحاولت كثيرًا، ولكنني لا أعرف أين غرفتك.. أنا آسف جداً، لكن.. أنا تعبت!".

انكمش الصغير على نفسه، مغمضًا عينيه، وهو يترقب، بصدر يعلو ويهبط، تلقي التوبيخ القاسي، أو الصراخ، أو الركلات المعتادة من الكبار.

لكن، بدلاً من ذلك الجحيم المتوقع، شعر فجأة بلمسة يد حنونة ودافئة تمسح على رأسه برفق، وانساب صوت دافني وهو يضحك بنبرة صافية: "لقد علمتُ بأمر ضياعك منذ الساعة الأولى، يا صغيري! كنتُ أراقبك وأنت تحك رأسك بحيرة، وتغير اتجاهك كل حين.. لقد مررنا على ثلاثة بيوت، وفتحت أبوابها ثلاث مرات متتالية! ودك من هذا كله.. أخبرني، هل تناولت فطورك اليوم أصلًا؟"

لوى لوكا رأسه الصغير، ونظر إلى الأسفل خجلًا، ثم تمتم بصوت خافت: "أمم.. نعم، لقد تناولته.. لكن، إذا كنت ترغب في تناول الطعام، فلا بأس، أنا أعرف سيدة طيبة تملك مطعمًا جيدًا في الأنحاء".

لم ينطق الكبير دافني بكلمة، بل انحنى بحركة سريعة، وحمل لوكا بين يديه برفق، وارتفع به طائرًا في السماء، مبتعدًا عن حدود تلك القرية الكئيبة بأكملها، وقال مبتسمًا: "إذا سألنا هؤلاء الرؤساء المرتعبون أين كنا، سنخبرهم بأننا كنا نتجول لنتفقد أحوال القرية.. حسنًا؟".

هز لوكا رأسه الصغير، وافترت شفتاه عن ابتسامة فرحة بريئة: "نعم! ولكن.. إلى أين نحن ذاهبون يا سيدي؟ وكيف تستطيع أن تطير؟".

أجابه دافني بنظرة غامضة مشوقة: "انتظر وسترى. أما مسألة الطيران، فعندما تكبر ستتعلم".

ولم يطل الانتظار، حتى هبط الطفل والكبير في بقعة عشبية ساحرة، طقسها عليل ومنعش، كأنها في قلب فصل الربيع الدائم، وتحيط بها الكثير من المتاجر الحيوية.

أمسك الكبير دافني بيد لوكا النحيفة، وسأله بلطف، وهو يتلفت حوله: "ماذا تريد أن تأكل يا صغيري؟".

فكر لوكا لثانية، ثم رد بكل حماس طفولي اشتاق إلى الأكل الحقيقي: "ماذا لديهم هنا؟! هل لديهم دجاج؟!".

شعر الكبير دافني بالحيرة لبرهة؛ دجاج؟! الدجاج متوفر في كل بقعة على هذه الأرض! هز رأسه ضاحكًا، وقال: "أمم.. نعم، هو موجود بكثرة، ولكنني سأختبر ذوقك بطريقتي.. انسَ أنني سألتك".

"."

دخل دافني ولوكا إلى مطعم فخم، وصعدا إلى الطابق العلوي ذي النوافذ الزجاجية الكبيرة. كان المنظر من الأعلى مهيبًا وساحرًا؛ حيث بدا الناس الذين يسيرون في الأسفل كأقزام ضئيلة تتحرك في عالم مصغر.

جلس لوكا بتهذيب شديد على مقعده، بعد أن استكشف بفضول طفولي كل زاوية في المكان. ولم يتذمر الكبير دافني من أسئلته الكثيرة، بل كان يبتسم طوال الوقت ويجيبه عن كل استفسار بصدق وأبوة حانية، إلى أن وُضع الطعام الساخن على الطاولة، وبدأا يتناولانه بشهية.

توقف دافني لبرهة، وسأل: "ما اسمك يا صغير؟ أنا لم أسألك عنه في البداية؛ لأنك كنت مشغولًا ومستغرقًا في البحث عن غرفتي المفقودة".

أجابه الصغير، بلقمة في فمه: "لوكا.. اسمي لوكا. ولا بأس، كان عليك أن تسألني حتى لو كنت مشغولًا، فأنا أستطيع الإجابة عليك في كل الأحوال".

نظر دافني في عيني الصغير الذهبيتين الغريبتين، وسأله بهدوء: "لوكا.. لماذا تريد أن تخدمني بالذات؟".

صمت لوكا طويلًا، وخيمت على وجهه الصغير مسحة من الحزن الدفين، فمن يريد أن يصبح خادمًا؟ حتى نظر لوكا إلى الطعام، وتكلم من قلبه: "من أجل أن آكل معك هذا الطعام الدافئ..".

ابتسم لوكا ابتسامة طفولية مكسورة، لكنها كانت بالغة النقاء وصادرة من أعماق روحه، حتى إن دافني شعر بغصة في حلقه، ولم يستطع مواصلة طرح مثل هذه الأسئلة التي تنبش وراء جراح هذا الصغير.

حاول دافني تغيير الأجواء، فأخبره أنه فور انتهائهما من تناول الطعام، سيريه معالم هذا المكان الرائع، لكن لوكا رفض فجأة، وسأله عوضًا عن ذلك بنبرة فضولية: "سيدي.. منذ متى وأنت غائب عن مسكنك وعن القرية؟".

ضحك دافني، وأمال رأسه إلى الخلف، قائلًا بلامبالاة: "منذ خمس ساعات تقريبًا".

وفجأة، انتفض لوكا من مكانه بذعر عارم، وسحب كم رداء دافني الأخضر بعنف، ونسي تمامًا فروق الاحترام والمكانة وسلطة الكبير، وصرخ في وجهه بهلع: "هيا! تحرك من مكانك فورًا! يجب أن تذهب بعد نصف ساعة إلى بيت الرئيس لتتناول (ليلي)!".

استغرب دافني من ردة فعله العنيفة، ووقف ليساويه في طوله، وسأله مستعجبًا: "ومن تكون (ليلي) هذه؟!"

لم يتوقف لوكا عن سحبه، ولم يجبه عن سؤاله، بل زادت عصبيته وتوتره، وصاح بمرارة: "ليلي المسكينة ستطُبخ بالفعل! والسيد الحلاق بكى بحرقة خلفها! تخيل أن تذهب تضحية ليلي هباءً منثورًا لمجرد أنك تأخرت؟! أنت حتى لن تتخيل وجه الحلاق المسكين وهو يودع صديقته!".

انفجر دافني ضاحكًا من قلبه حتى دمعت عيناه، ثم انحنى وحمل لوكا مجددًا بين ذراعيه بحماس، وقال وهو يستعد للانطلاق: "تمسك بي جيدًا وبقوة، أيها الصغير؛ لأنني سأطير الآن بأسرع ما لدي، وكأن حاكم المقاطعة نفسه سيقيم أدائي اليوم!".

لم يفهم لوكا معنى جملته الأخيرة، ولم يهتم بها أصلًا، بل شبث يديه النحيفتين برداء دافني، وصاح باستعجال: "حسنٌ، حسنٌ! هيا، هيا، أسرع!".

وصل الكبير دافني ومعه الصغير لوكا إلى مشارف القرية، حيث آثر دافني، المجلل بالهيبة، المشي على قدميه، فأنزل لوكا برفق، ثم أمسك بيده النحيفة، وسار معه بحنو، بالرغم من نظرات التعجب التي لاحقتهما، كأن الصغير ابنٌ حقيقي له.

سحب لوكا يد دافني باستعجال، وهو يقفز بجانبه، قائلًا: "أسرع.. هيا، أسرع يا دافني!".

قابلهما رجل بشعر ملتهب كالعنقاء، ورأى المشهد، متبسمًا، سائلًا: "أين كنت؟ هل هربت كالعادة؟".

صمت لوكا، وتوقف عن القفز، ونظر إلى دافني. تهرب دافني من السؤال، والتفت إلى الصغير بملامح جادة اصطنعها، وقال هازًا رأسه: "إذا ركضتُ الآن ستقع هيبتي، وتتبدد هامة وقاري.. دعنا نمشي بتمهل؛ فغدًا سيكون يومًا تعيسًا جدًا لهذه القرية!". ثم همهم ضاحكًا بخبث وكرر: "نعم.. يومًا تعيسًا!".

تنهد الأحمر من رؤية صديقه، وقد بدا كعادته.

سأله لوكا مستغربًا، وقد عقد حاجبيه: "ماذا تقصد يا سيد دافني؟".

ضحك دافني فجأة، وغمز له: "أها! الآن أصبحتُ (السيد دافني)، ولستُ دافني هكذا حافًا؟ أها أها! الآن بدأنا نحترم هذا العشب الواقف في طوله أمامي؟ أها أها!".

شعر لوكا بالحرج الشديد، واحمرت وجنتاه، فأنزل رأسه، وعيناه مثبتتان في الأرض، معتذرًا بأسف وتلعثم عما فرط منه.

عند رؤية هذا، وضع ريتفا كفيه فوق بطنه، وانفجر ضاحكًا، بينما ضحك دافني وتكلم بنبرة دافئة رنت في الأنحاء: "لا بأس يا صغيري، أنا أمزح معك.. أنا أمزح فقط! لا تعتذر!".

مسح ريتفا دمعة فرت من عينه إثر الضحك، ثم تكلم بنبرة جادة: "دافني.. منذ البداية، نحن لم نأتِ إلى هذه القرية عبثًا، بل أتينا لنقيم معايير النظافة، والترتيب و.. وكل هذه التفاصيل الصارمة، لذا أرجو منك عدم رمي مسؤوليتك واللعب في الأرجاء".

رد دافني: "ومتى لعبت في عملي أنا، ومضيت تاركًا عملي هنا؟".

وبدأ بالكلام عن العمل، حتى رمق دافني الصغير ليرى نظرات لوكا المحتارة، التي لم تستوعب ثقل الكلمات، ومضوا معًا حتى وصلا إلى عتبة بيت رئيس القرية، حيث تجمهر الحشد.

فور وصولهما، اندفع رئيس القرية ملهوفًا، وأراد سحب لوكا بعنف من يده ليسأله بغضب عن سبب تسببه في تأخير الكبير، لكن بدلًا من أن يظفر بالصغير، سحب دافني يد لوكا لحمايته، وتكلم بنبرة آمرة حازمة: "هيا يا لوكا، شق لي الطريق، وأرني مكان جلوسي المخصص".

جلس دافني بوقاره المهيب، وانمحت ضحكاته السابقة تمامًا، وحلت محلها نظرات حادة كالصقور، دارت في أعين كل من في القرية، فجمدت الدماء في عروقهم.

وفي غضون لحظات، بدأ الحرس والمسؤولون الكبار بالتجمع والاصطفاف حوله؛ فمكانة دافني في المكتب الرئيسي للمسؤولين كانت سامية ومرعبة للجميع.

أشار دافني بإصبعه إشارة قاطعة إلى أحد المسؤولين المرافقين له ليتحدث بالنيابة عنه.

تقدم مسؤول أشقر الشعر، ذو عيون زرقاء جليدية صافية. كان يختلف بمظهره و ثيابه، ووسامته، ونقاؤه عن كل قروي في هذا المكان المقفر، وبدأ يتلو المراسيم بصوت واثق جهوري، يتردد صداه بين الجدران:

"أُرسلنا إلى هذه القرية لتقييم معايير حاسمة وصارمة، ومنها: الأمن، والصحة، والاقتصاد.

كما سيخضع رئيس القرية لتقييم شخصي دقيق يشمل: المسؤولية، والعدل، وأخيرًا.. المستوى العلمي؛ ويجب على الرئيس أن يبلغ (المستوى الخامس) على الأقل ليحتفظ بمنصبه!

وسيتم تقييم شيوخ القرية الخمسة في المستوى العلمي؛ ويشترط على كل تابع منهم أن يكون قد بلغ (المستوى الثامن) على الأقل، وأن يجتازوا جميعًا اختبارات ميدانية صارمة، منها: اختبار السحر، واختبار المبارزة أو الرماية بالرمح.. لذا، نرجو من الجميع التعاون لإطلاق التقييم وإنهاء الأمور بسلاسة، من غير غش، أو التفاف، أو مشاكل!"

خيم على المكان صمت ثقيل ومطبق، كأن على رؤوسهم الطير.

أشار دافني بيده إلى المسؤولين بالبقاء وعدم مغادرة القاعة، فاستغرب التابعون، واستغرب الرئيس ورجاله هذا التصرف، إلى أن قطع دافني حيرتهم، قائلًا بنبرة تقطر مكرًا: "ابقوا وتناولوا الطعام معنا.. فمنذ اليوم، سأضع تقييمًا إضافيًا صارمًا لطعام القرى، من حيث: التذوق، والشكل، والرائحة!".

كتم المرؤوسون ضحكهم خلف كفوفهم، وهزوا رؤوسهم بالموافقة، بينما التفت دافني إلى رئيس القرية، مكملًا: "يمكنك الآن إحضار الطعام المجهز، وسنمهلكم من ساعة إلى ساعتين، بعدها.. سنبدأ التقييم الفعلي!".

وقف رئيس القرية متيبسًا، وكأن جبال الأرض قد هبطت فوق كتفيه، وهز رأسه بملامح ذابلة، وقال بصوت مرتجف يفيض رعبًا: "لن نخيب ظنك يا سيدي..".

اندس الشيوخ جميعًا هاربين نحو المطبخ الكبير، وأصدروا أمرًا عاجلًا بجمع القرية بأكملها فورًا.

وقف رئيس القرية أمام الجمع، وصرخ بصوت مخنوق من الهلع: "اسمعوا جيدًا! لقد جمعتكم هنا اليوم لا لأرى من منكم الثري ومن العتيق؛ نحن الآن جسد واحد وقرية واحدة، ويجب أن نتعاون لنجتاز هذه المقصلة.. فمن منكم يجيد الطبخ، فليتقدم ويصبح رئيسًا مؤقتًا لهذه الأزمة!"

انزعج بعض الشيوخ المترفين، ولاحت على وجوههم ملامح الاعتراض، لكن لم يجرؤ أحد على النطق بحرف؛ فهم في حياتهم لم يلمسوا قشارة بطاطا، ولا قطعوا جزرة، ولا غسلوا حفنة أرز واحدة!

وسط هذا الذهول الصامت، رفعت امرأة قروية بسيطة يدها المتشققة، قائلة بثقة: "أنا أطبخ لعائلتي كل يوم.. ولكن، الطبخ لهذه الكمية الكبيرة والمهيبة سيكون حتمًا مجهدًا وفوق طاقة امرأة واحدة؛ لهذا سأقسم المهام والطبخ عليكم جميعًا، لتعملوا كخدم تحت إمرتي.. هذا إذا كنت لا تمانع، أيها الرئيس!".

ضحكت الدنيا في وجه رئيس القرية المذعور أخيرًا، وتنفس الصعداء، وقال بلهفة بالغة: "تفضلي يا سيدتي، وتولي الأمر! فقط أخبرينا بما يجب فعله، ونحن كبار القرية سننفذ كل ما تملينه علينا دون اعتراض!".

2026/08/06 · 2 مشاهدة · 1581 كلمة
Za M
نادي الروايات - 2026