خمس سنوات مضت. شينجوكو. ليلة ممطرة.

كان المطر في تلك الليلة مختلفاً. ليس مطراً يابانياً عادياً، بل إعصاراً قادماً من البحر، يضرب طوكيو كقبضة إله غاضب. الريح كانت تعوي في أزقة كابوكيتشو، واللافتات تتأرجح بعنف، والمارة القلائل يركضون نحو الملاجئ.

لكن كينجي لم يكن يركض.

وقف تحت جسر القطار القديم، حيث كانت أضواء النيون تنعكس على البرك المتجمعة، وحيث كان رجل واحد ينتظره. رجل في معطف أسود طويل، وقبعة تخفي وجهه.

"جئت." قال الرجل. صوته كان غريباً. متعدد الطبقات. كأنه أكثر من شخص يتكلم في آن واحد.

"جئت." أجاب كينجي. كان في الخامسة والعشرين. شعره الأشقر المصبوغ كان مبللاً بالكامل. عيناه كانتا تقدحان بالغضب والخوف معاً. "رسالتك... ما معناها؟"

"أي رسالة؟"

"الصورة. صورة تاكيشي. وتحت مكتوب: 'سيموت إذا لم تأتِ.'"

الرجل أخرج صورة من جيبه. صورة أخرى. هذه المرة، كانت صورة قديمة. صورة بالأبيض والأسود. تظهر مجموعة من الرجال. يابانيين. كوريين. صينيين. وفي الوسط... رجل بلا وجه. الوجه كان محروقاً في الصورة. متعمداً.

"هل تعرف هذا الرجل؟" سأل الرجل.

"لا."

"اسمه لم يعد مهماً. كان أول 'ظل'. مؤسس منظمتنا. قبل خمسين سنة، اختبأ في شينجوكو. معه شيء. شيء ثمين. 'مرقومات'. هل تعرف ما هي المرقومات؟"

"خرافات." قال كينجي. "أساطير قديمة. قالوا إنها خرائط لكنوز الحرب. لكن لا أحد وجدها."

"لأن أحداً لم يبحث في المكان الصحيح." قال الرجل. "المكان الصحيح... كان تحت قدميك طول الوقت. تحت مقر نقابتكم. تحت المعبد القديم. تحت كل شيء."

صمت. الرعد هدر في السماء.

"لماذا تخبرني هذا؟"

"لأنني أريدك أن تجدها. أنت ذكي. أنت مخلص. أنت تعرف كل زاوية في هذه المدينة. والشيء الوحيد الذي يهمك حقاً هو..." نظر الرجل إلى صورة تاكيشي. "...حماية أخيك."

"إذا وجدتها... هل تتركونا؟"

"أترككم؟" ضحك الرجل. ضحكة جوفاء. "أنا لا أهددك. أنا أحذرك. المنظمة تبحث عن المرقومات منذ عقود. هناك فصيل... متطرف. يريد إيجادها واستخدامها. أنا من الفصيل الآخر. أريد دفنها. للأبد. ساعدني... وسأحمي أخاك."

"وإذا رفضت؟"

الرجل توقف عن الضحك. نظر إلى الصورة المحروقة.

"الفصيل المتطرف... يعرف عن تاكيشي. يعرف أين ينام. أين يأكل. أين يمشي. إذا لم تساعدني في إيجاد المرقومات أولاً... سيجدونه هم. وسيستخدمونه. أو يقتلونه."

"لماذا تاكيشي؟ ما علاقته؟"

"علاقته..." قال الرجل ببطء، "...أن دمه يحمل المفتاح."

"أي مفتاح؟"

"المفتاح الذي يفتح المرقومات. فقط دم سوزوكي يمكنه قراءة ما كتبه أول ظل. لا أعرف لماذا. لا أعرف كيف. لكن هذه هي الحقيقة. الحقيقة التي ستجعل أخاك..." توقف. "...الهدف الأغلى في اليابان."

الرعد هدر ثانية. أقرب هذه المرة.

"لن أسمح لهم." قال كينجي.

"إذن... ساعدني."

"لا." قال كينجي، وصوته فجأة صار صلباً. "لن أساعدك. ولن أجد لك شيئاً. سأخفي تاكيشي. سأخبئه حيث لا يمكن لأحد أن يجده. وحين تكمل بحثك... لن تجد إلا ظلي."

استدار ليرحل.

"كينجي." ناداه الرجل. توقف كينجي لكنه لم يلتفت. "شجاعتك... ستقتلك."

"أعرف." قال كينجي. "لكن جبني كان سيقتل أخي."

ومضى في المطر.

الرجل بقي واقفاً. رفع يده. أشار إشارة صغيرة.

في مكان ما، على سطح بناية، كان قناص يصوب.

"مؤسف." همس الرجل. "كنت سأصبح صديقك."

الرصاصة انطلقت.

لكن كينجي كان قد اختفى في الزقاق. الرصاصة اخترقت الهواء فقط.

"غداً." قال الرجل. "غداً... لن يكون محظوظاً."

****

الحاضر. شقة تاكيشي. الصباح الباكر.

تاكيشي جلس على الأرض، محاطاً بالأوراق.

بعد موت الأويابون، فتش غرفته الخاصة. وجد صندوقاً حديدياً صغيراً تحت التاتامي. داخله، رسائل. صور. ومذكرات قديمة.

كانت مذكرات كينجي.

لم يقرأها بعد. كان خائفاً. ليس من الماضي، بل من الألم. الألم الذي ستعيده كل كلمة. كل حرف.

فتح الصفحة الأولى. قرأ:

"تاكيشي. إذا كنت تقرأ هذا... فأنا ميت."

توقف. تنفس. أكمل.

"لا أريدك أن تقرأ هذا وأنت تبكي. أريدك أن تقرأه وأنت غاضب. الغضب سيبقيك حياً. الحزن سيقتلك. اختر الغضب."

"منذ شهر، اتصل بي رجل. لم يعطني اسمه. قال إن هناك منظمة. أقدم من كل العصابات. تبحث عن شيء اسمه 'المرقومات'. قالوا إنها تحت مقرنا. تحت المعبد. تحت كل كابوكيتشو."

"لم أصدقه. لكني بحثت. في أرشيف النقابة. في سجلات جدي. في خرائط طوكيو القديمة. ووجدت... أنه كان صادقاً."

"هناك أنفاق. تحت شينجوكو. أنفاق من الحرب. لم تفتح منذ 1945. وعميقاً تحت هذه الأنفاق... هناك حجرة. مغلقة. لا تفتح إلا بشيء واحد: دم سوزوكي."

"لا أعرف لماذا دمنا مميز. الجد قال شيئاً قبل موته: 'المرقومات ليست خرائط. المرقومات ذاكرة. ذاكرة خطيئة. والشيطان الذي دفنها كان سوزوكي.'"

"جن جنوني. ظننته يهذي. لكني الآن أعرف. جدنا... كان أول من أخفى المرقومات. والمنظمة التي تبحث عنها... تريد إكمال ما بدأه. تريد استخدام ما دفنه."

"تاكيشي. لا تبحث عن المرقومات. لا تفتح الحجرة. لا تعطهم ما يريدون. اهرب. اهرب بعيداً. أنت لست مديناً لهذه المدينة بشيء."

"أخوك... كينجي."

تاكيشي أغلق المذكرات. يداه كانتا ترتجفان. ليس من الخوف. من الغضب.

أخوه كان يعرف كل شيء. كان يحاول حمايته. ومات لأنه رفض أن يكون أداة.

"أنا لن أهرب." قال تاكيشي لنفسه. "أنا لن أهرب يا كينجي."

****

مختبر ميساكي. منتصف النهار.

كانت الجثث الثلاث موضوعة على طاولات متجاورة.

ياماموتو. المخبر الذي مات وأصابعه ممضوغة.

الرجل الكوري. رسول الظل الذي خُنق.

الحارس. الذي عُلق على حائط "دون كيخوته".

ميساكي كانت تقارن. تقارن كل شيء. الجروح. الكدمات. زوايا الهجوم. بقايا الحمض النووي.

"تاناكا." نادت. "تعال. انظر إلى هذا."

تاناكا اقترب. كان قد تعود على الجثث أخيراً. أو هكذا قال لنفسه.

"الجروح في أصابع ياماموتو... هذه الأسنان. أسنان بشرية. لكن ليس أي أسنان. انظر هنا." كبرت صورة بالأشعة. "الضروس. هناك تشوه خلقي. الضرس الثالث... زائد. حالة نادرة جداً. تحدث لواحد من كل مئة ألف شخص."

"هذا يعني... يمكن تعقب صاحب الأسنان؟"

"نعم." قالت ميساكي. "وهذا سيقودنا للقاتل. لكن ليس هذا ما أدهشني."

انتقلت إلى الجثة الكورية. جثة الرسول.

"الخنق كان باليدين. لكن انظر إلى الكدمات." أشارت إلى رقبة الجثة. "الأصابع. الإبهام الأيمن... طويل بشكل غير طبيعي. الإبهام الأيسر... قصير. الشخص الذي خنقه..."

"...لديه يدان مختلفتان؟"

"لا." قالت ميساكي ببطء. "الشخص الذي خنقه... هو نفس الشخص الذي عض أصابع ياماموتو."

"كيف عرفتِ؟"

"لأن الضرس الثالث الزائد... موجود أيضاً. ليس في الأسنان فقط. موجود في كل مكان. في بنية الحمض النووي. تحت الأظافر. في اللعاب. القاتل واحد. لكنه..." توقفت. "...يغير طريقته. كأنه يتعمد ترك أدلة. كأنه يريدنا أن نعرف."

"يريدنا أن نعرف... ماذا؟"

"أنه يستطيع فعل أي شيء. أي وقت. بأي طريقة. دون أن نمسكه."

صمت. الهواء في المختبر صار ثقيلاً.

"هذا ليس قاتلاً." قالت ميساكي أخيراً. "هذا فنان. وفنه... هو الرعب."

****

المقر الرئيسي. المساء.

وقف تاكيشي وحده في غرفة الأويابون. الغرفة كانت فارغة الآن. الفراش. لفافة الكاليغرافيا. صورة الجد المؤسس على الحائط.

"الجد."

تاكيشي اقترب من الصورة. كان الجد رجلاً صارماً. وجهه زاوي كالسيف. عيناه صارمتان. تحته، نقش كُتب باليابانية القديمة:

"الظل لا يموت. الظل يتغير فقط. وما دفنته... لا تبحث عنه."

"ما دفنته." همس تاكيشي. "المرقومات."

نظر حوله. الغرفة كانت تقليدية. تاتامي. خشب. ورق. لا شيء يوحي بوجود أنفاق.

لكن كينجي قال في مذكراته: "تحت المقر. تحت المعبد."

المعبد. كان هناك معبد شنتوي صغير في حديقة المقر. مهمل. قديم. لم يستخدمه أحد منذ عقود.

نزل تاكيشي إلى الحديقة. المعبد كان هناك. خشبه متآكل. حباله المقدسة مهترئة. وفيه... تمثال. تمثال لإله قديم. إله منسي.

"جدنا... كان أول من أخفى المرقومات."

دفع تاكيشي التمثال. كان ثقيلاً. لكنه تحرك.

تحته... كان هناك سلم. سلم حجري. ينزل إلى الظلام.

"كينجي..." همس. "هل نزلت هنا قبلي؟"

لم يجب أحد. فقط رائحة الأرض الرطبة. ورائحة السر.

أخرج هاتفه. أرسل رسالة إلى ميساكي:

"وجدت شيئاً. تعالِ إلى المقر. فوراً. أحضري فوجيوارا. لا تخبري أحداً آخر."

ثم، قبل أن ينزل، توقف.

كان هناك صوت. صوت خطوات. خلفه.

استدار. لم يرَ أحداً. لكنه شعر به. شعر بالظل. يراقبه.

"أنا أعرف أنك هنا." قال تاكيشي للظلام. "أيها الظل. أياً كنت. اعلم هذا: سأنزل. سأجد المرقومات. وسأعرف كل شيء. وحين أعود... ستتمنى لو أنك قتلتني كما قتلت أخي."

صمت.

ثم، من الظل، جاء رد. همسة. همسة فقط:

"أخوك... كان أيضاً شجاعاً. مثلك تماماً. وهل تتذكر كيف انتهى؟"

تاكيشي شهق. صوته. كان صوت السايكو-كانبو. لكنه كان أيضاً صوتاً آخر. صوتاً من الماضي. صوتاً سمعه في كوابيسه.

"أراك في الأسفل." قالت الهمسة. "...يا ابن سوزوكي."

ثم... اختفى الصوت. اختفت الخطوات. عاد الليل هادئاً.

تاكيشي واقف. ينظر إلى السلم المظلم. ينظر إلى المجهول تحت قدميه. ينظر إلى المصير الذي كان ينتظره منذ ولد.

ثم نزل.

خطوة. خطوة. خطوة.

والظلام ابتلعه.

2026/05/04 · 2 مشاهدة · 1274 كلمة
Dego Max
نادي الروايات - 2026