طوكيو. شينجوكو. بعد ثلاثة أيام من العودة.
لم تكن المدينة تغيرت. كان النيون ما زال أحمر. كان المطر ما زال يهطل كل ليلة. كانت رائحة الياكيتوري والتبغ ما زالت تملأ الأزقة. لكن تاكيشي... كان قد تغير.
جلس في حانة "القيقب الأحمر" وحده. كان الوقت متأخراً. بعد منتصف الليل. جين-سان كان يعزف على الشاميسين لحناً بطيئاً، كأنه يعرف أن الليل ليس للاحتفال.
"عدت." قال العجوز دون أن يتوقف عن العزف.
"عدت."
"لكنك لم تعد كاملاً. هناك شيء... مفقود. أو ربما... شيء وُجد."
تاكيشي شرب ساكيه. لم يجب.
"الناس في الحي يتحدثون." تابع جين-سان. "يقولون إنك نزلت تحت الأرض. إنك واجهت شيطاناً. إنك عدت... مختلفاً."
"الناس يتحدثون دائماً."
"صحيح. لكن هذه المرة... ربما يكونون على حق."
توقف العزف. فتح جين-سان عينيه الغائمتين. لم يكن يرى. لكنه كان يشعر.
"هناك رجل. ينتظرك خارجاً. منذ ساعة. لم يدخل. لم يتحرك. فقط... يقف تحت المطر. كتمثال."
"من هو؟"
"لا أعرف. لكن رائحته... مألوفة. رائحة الموت. لكن ليس موتاً جديداً. موتاً قديماً. موتاً... ينتظر."
تاكيشي وضع كأسه. دفع ثمن الساكي. خرج.
---
تحت المطر، وقف رجل واحد.
لم يكن طويلاً. لم يكن ضخماً. كان يرتدي بدلة سوداء متواضعة. مظلة سوداء. وجهه كان... عادياً. عادياً جداً. وجه رجل في الخمسين. يمكن أن يكون موظف بنك. أو بائع خضار. أو أب عائلة. لكن عينيه... عينيه كانتا تحملان شيئاً آخر. اعترافاً.
"تاكيشي-سان." قال الرجل. صوته كان هادئاً. "اسمي موراتا. كنت... صديق كينجي."
تاكيشي تجمد. اسم أخيه... ما زال يؤلم. كجرح لم يلتئم.
"لم أرك من قبل."
"لأنني لم أرد أن أراك. كنت أختبئ. خمس سنوات. منذ تلك الليلة."
"أي ليلة؟"
"ليلة موت كينجي."
صمت. المطر كان يهطل بينهما. حاجزاً شفافاً بين الماضي والحاضر.
"أنا من أعطى كينجي المعلومات." قال موراتا فجأة. "عن المنظمة. عن الظل. عن كل شيء. كنت عميلاً مزدوجاً. أعمل للظل... وأخبر كينجي بأسرارهم."
"أنت... خائن المنظمة."
"نعم. ولهذا... اختبأت. بعد موت كينجي... عرفت أن دوري سيأتي. فهربت. إلى الريف. إلى الجبال. ولكني عدت."
"لماذا؟"
موراتا مد يده. أعطاه ظرفاً. أسود.
"لأنني سمعت أنك ذاهب إلى بكين. لأنني أعرف ما يوجد هناك. لأن..." توقف. تنفس. "...لأني مدين لكينجي. أنا من أخبره عن اللقاء تلك الليلة. أنا من قال له إن الظل سيأتي. ظننت أنه سيهرب. لكنه... ذهب. واجههم. ومات."
"لماذا ذهب؟" سأل تاكيشي. "إذا كان يعرف أنه فخ... لماذا ذهب؟"
"لأنه كان يشتري وقتاً. وقتاً لك. لتهرب. لتكبر. لتصبح ما أنت عليه الآن." نظر موراتا إلى تاكيشي. "كينجي لم يمت لأنه خسر. مات لأنه اختار. اختارك."
تاكيشي أخذ الظرف. فتحه. داخله... جواز سفر. باسم مستعار. وتذكرة طائرة. إلى بكين. وخريطة. خريطة لمبنى. مبنى في وسط بكين. وعليه كتابة:
"هنا. برج اللوتس. قلب المنظمة. مدخل العالم السفلي."
"ما هذا العالم السفلي؟"
"ليس عالماً بالمعنى الحرفي. إنه... سجل. أرشيف. كل ذاكرة سرقتها المنظمة. كل شخص محيت ذاكرته. كل 'منتج' مثل الذي واجهته في ناغانو... مصدره هنا. وإذا أردت تدمير المنظمة... يجب أن تدمر هذا الأرشيف."
"لماذا تساعدني؟"
"قلت لك. مدين لكينجي. لكن أيضاً..." توقف موراتا. "...لدي ابنة. في العاشرة. المنظمة تعرف بوجودها. إذا بقيت المنظمة... ستصل إليها يوماً ما. لا أريدها أن تكون 'منتجاً'."
"أين هي الآن؟"
"في مكان آمن. مع أمها. لا أعرف أين. هذا أفضل. إذا لم أعرف... لا يمكنهم انتزاع المعلومة مني."
تاكيشي طوى الخريطة. وضعها في جيبه الداخلي.
"شيء واحد لا أفهمه." قال. "إذا كنت صديق كينجي... لماذا لم تأتِ إليّ بعد موته؟ لماذا انتظرت كل هذه السنوات؟"
موراتا صمت. نظر إلى الأرض. إلى المطر.
"لأنني... كنت خائفاً. ليس من المنظمة. منك."
"مني؟"
"كنت أخشى أن تصبح مثل الظل. أن يحرقك الانتقام. أن تتحول إلى ما تكرهه. لكني سمعت ما حدث في ناغانو. سمعت أنك واجهت الظل... واخترت طريقاً آخر. لهذا... جئت."
مد يده. صافح تاكيشي.
"اذهب إلى بكين. دمر الأرشيف. حرر الذكريات. وعد... ولا تصبح ظلاً."
ثم استدار. رفع مظلته. ومضى في المطر. ليختفي كما ظهر. كشبح. كذكرى.
---
المقر الرئيسي. اليوم التالي.
جلس تاكيشي مع ميساكي وفوجيوارا. على الطاولة، الخريطة الجديدة. خريطة بكين. برج اللوتس.
"موراتا." قال فوجيوارا. "بحثت عنه. اسمه الحقيقي ليس موراتا. لكنه كان موجوداً في ملفات الشرطة السرية. عميل مزدوج. اختفى قبل خمس سنوات. الجميع ظنه ميتاً."
"لماذا يظهر الآن؟" سألت ميساكي.
"لأن تاكيشي غير اللعبة." قال فوجيوارا. "في ناغانو... أظهر شيئاً. شيئاً جعل الناس مثله... يأملون."
"أملاً في ماذا؟"
"في نهاية. في نهاية لهذه الحرب التي استمرت خمسين سنة."
تاكيشي نظر إلى الخريطة. إلى برج اللوتس.
"موراتا قال شيئاً. قال إن الأرشيف يحوي كل ذاكرة سرقتها المنظمة. كل 'منتج'... مصدره هناك. هذا يعني أن كل الرجال بلا وجوه... كل القتلة الذين لا يموتون... صُنعوا هناك."
"وكذلك..." قالت ميساكي ببطء، "...الظل الحقيقي. ليس السايكو-كانبو. ليس القتلة. الظل الحقيقي... هو من يدير الأرشيف. هو من يصنع الفراغ."
"الظل الحقيقي..." قال فوجيوارا، "...هو من قتل زوجتي. وأخاك. وكل من وقف في طريقه."
"إذن... نتفق." قال تاكيشي. "بكين. برج اللوتس. ندمر الأرشيف. ونواجه الظل الحقيقي."
"لكن كيف؟" سألت ميساكي. "المنظمة قوية. لديها أعضاء في كل مكان. وقتلة بلا وجوه. كيف لثلاثة أشخاص أن يدخلوا قلب المنظمة ويدمروا كل شيء؟"
"لن نكون ثلاثة." قال فوجيوارا. أخرج قائمة. "اتصلت بكل من أدان لهم بمعروف. في سيول. مانيلا. بانكوك. هناك آخرون. آخرون فقدوا شيئاً بسبب المنظمة. آخرون يريدون نهايتها."
"عصابات؟"
"وعملاء سابقين. ومحققين. وصحفيين. ورهبان. أناس عاديون... فقدوا أشياء غير عادية."
"متى سيكونون جاهزين؟"
"قالوا... أعطنا ثلاثة أيام. سنقابلكم في بكين."
تاكيشي أومأ. وقف. مشى إلى النافذة. نظر إلى شينجوكو. إلى الأزقة التي ولد فيها. إلى الشوارع التي سال فيها دم أخيه. إلى المدينة التي كانت سجنه... وبيته.
"ثلاثة أيام." قال. "ثم ننهي هذا."
---
في تلك الليلة. شقة تاكيشي.
كان يحزم حقيبته. أشياء قليلة. ملابس. جواز السفر المزور. المفتاح الأسود. رسالة الجد. المسدس.
طرق على الباب.
فتح. كانت ميساكي. تحمل حقيبتها أيضاً.
"جئت مبكراً. الطائرة بعد غد."
"أعرف." قالت. "لكني... لم أرد أن أكون وحدي الليلة."
دخلت. جلست على حافة سريره. نظرت إلى الغرفة الصغيرة. إلى المرآة المتصدعة. إلى صورة كينجي على الطاولة.
"هل أنت خائف؟" سألت.
"نعم." قال. "لكن ليس من الموت."
"من ماذا إذن؟"
"من أن أصبح ما أكرهه. من أن يحرقني الانتقام. من..." توقف. "...من أن يتحول ظلي إلى شيء لا أعرفه."
"في ناغانو... قلت إنك اخترت. ماذا اخترت؟"
جلس بجانبها. نظر إلى يديه.
"اخترت ألا أصبح الظل. لكني لا أعرف ماذا سأصبح بدلاً منه. النور ليس خياراً. أنا لست نوراً. لم أكن يوماً."
"لماذا يجب أن تكون نوراً أو ظلاً؟" قالت ميساكي. "لماذا لا تكون... مجرد رجل؟ رجل يحاول أن يفعل الصواب. رجل يحب. رجل يخاف. رجل... حقيقي."
نظر إليها. كانت تنظر إليه. وفي عينيها... لم يكن هناك خوف. كان هناك شيء آخر. شيء كان ينمو منذ أسابيع. منذ اجتماعهما الأول عند الجثة. منذ الليالي على سطح المشرحة. منذ المعركة في النفق.
"ميساكي..."
"لا تقل شيئاً." قالت. "ليس الآن. ليس قبل أن ننتهي. عندما نعود من بكين... قل لي حينها. مهما كان."
أومأ. جلسا في صمت. المطر كان يهطل خارجاً. كأن طوكيو كانت تودعه. أو ربما... كانت تبكي.
---
اليوم التالي. المقر. الصباح.
كان كازو ينتظره في غرفة الاجتماعات. وحده. وجهه كان قلقاً.
"تاكيشي. هناك شيء يجب أن تعرفه قبل أن تذهب."
"ما هو؟"
"السايكو-كانبو. وجدناه."
تاكيشي تجمد. "أين؟"
"في مستودع. في أودايبا. لكنه..." توقف كازو. "...ميت. منذ يومين. مخنوق. مثل الكوري. نفس اليدين."
"القاتل الجديد." همس تاكيشي. "الذي في ناغانو كان الأول. هذا... آخر."
"ليس فقط هو. وجدنا شيئاً آخر." أخرج كازو ورقة. "رسالة. في فمه. تقول..." قرأ: "'بكين تنتظر. لا تتأخر.'"
"الظل الحقيقي. يعرف أنني قادم."
"نعم." قال كازو. "وهذا يعني... إما أنه يريدك أن تأتي. أو أنه نصب لك فخاً."
"أو كلاهما."
وقف تاكيشي. "لا يغير هذا شيئاً. سأذهب. دمر الأرشيف. أواجه الظل الحقيقي. أنهي ما بدأه جدي."
"وإذا مت؟"
"إذا مت..." نظر إلى كازو. "...ستصبح أنت القائد. احمِ النقابة. احمِ شينجوكو. لا تدع الظل يعود."
"وكيف لي أن أعرف إن كان الظل هنا أم لا؟"
"إذا رأيت رجالاً بلا وجوه... فاعرف أنني فشلت. وإذا فشلت..." توقف تاكيشي عند الباب. "...احرق كل شيء. النقابة. الأنفاق. المعبد. لتصبح الأرض رماداً. فالظل لا يمكنه العيش فوق الرماد. الرماد... ليس له ظل."
---
المطار. اليوم التالي. الفجر.
وقف الثلاثة أمام بوابة الطائرة. تاكيشي. ميساكي. فوجيوارا.
"آخر فرصة للتراجع." قال فوجيوارا.
"لا." قال تاكيشي.
"ولا أنا." قالت ميساكي.
"إذن... لنذهب."
دخلوا الطائرة. جلسوا. تاكيشي بجوار النافذة. نظر إلى طوكيو تتصغر تحتهم. إلى المدينة التي كانت كل شيء. إلى القبر الذي ترك فيه أخاه. إلى المستقبل الذي لم يعرف إن كان سيعود إليه.
أغلقت المضيفة باب الطائرة. المحركات هدرت.
"بكين." همس تاكيشي. "الظل الحقيقي. أنا قادم."
الطائرة أقلعت. وارتفعت. واختفت في الغيوم.
وفي مكان ما في بكين، في برج اللوتس، كان الظل الحقيقي ينتظر. كان يعرف. كان مستعداً. وكان... يبتسم.
"تعال يا حفيد سوزوكي. تعال وأكمل ما بدأه جدك. تعال... وافتح الباب."