الفصل العاشر: بيت آستر

لم تحب أورليا البيوت التي تشبه قرارات أصحابها.

ولهذا، منذ اللحظة الأولى التي وقفت فيها سيارة مارسيل أمام منزل آل آستر، عرفت أن رولان آستر رجل لا يترك كثيرًا من الفراغ للصدفة.

الواجهة كانت واسعة، لكن لا مبالغة فيها.

حجر فاتح مصقول، نوافذ طويلة، خطوط نظيفة، وحديقة أمامية مرتبة أكثر مما ينبغي، كأن حتى الأشجار هنا جرى إفهامها منذ وقت مبكر أنها جزء من صورة عائلية لا يليق بها النمو كيفما اتفق.

قال مارسيل وهو يطفئ المحرك:

"ما زال عندك وقت لتتظاهري بالمرض."

كانت أورليا تنظر من خلف الزجاج إلى البيت، إلى الدرج الأمامي الحجري، إلى ضوء المساء الذهبي وهو ينسكب على الواجهة، وإلى الإحساس الثقيل الذي بدأ يجلس بهدوء في أعلى كتفيها.

"أنا أبدو رائعة في المرض، لكنني لا أريد أن أضيع هذا العشاء."

التفت إليها مارسيل.

"تخيفينني حين تقولين أشياء كهذه بنبرة مرحة."

"هذا لأنك لا تثق بذوقي."

"أنا لا أثق بفضولك."

ابتسمت أورليا، وأنزلت نظارتها الشمسية قليلًا، ثم أعادتها إلى مكانها.

كانت ترتدي فستانًا بلون أخضر دخاني هادئ، بقصة طويلة نظيفة تلتف على الجسد من غير استعراض، مع حذاء بلون عاجي داكن وأقراط صغيرة لا تحاول أن تكون ذكية.

لم ترد أن تدخل بيت رولان كامرأة جاءت لتجذب الضوء.

أرادت أن تدخل كامرأة تعرف كيف تتأقلم مع الضوء الموجود أصلًا، ثم تغيّر اتجاهه حين يلزم.

قال مارسيل، قبل أن تفتح الباب:

"تذكري."

"أنا أكره هذه الكلمة."

"أعرف. لكن تذكريها."

أغمضت عينيها لحظة، ثم زفرت.

"أنا هنا بصفتي معلمة سيلفان."

"جيد."

"أنا لا أبحث عن المكتب."

"أفضل."

"وأنا بالتأكيد لا أبحث عن ملفات لا تخصني."

نظر إليها طويلًا.

"أورليا."

التفتت إليه بوجه بريء متعمد.

"نعم؟"

"إذا ظهرت فرصة، فكري مرتين."

ابتسمت ابتسامة ناعمة مزعجة، تلك التي يكرهها لأن معناها عندها غالبًا: سأفكر مرة ونصف وأفعل ما أريد.

"سأفكر بما يكفي كي لا أموت في بيت رجل يحب أن يربّي أبناءه على كره أحلامهم."

ثم فتحت الباب ونزلت.

كان الهواء عند مدخل البيت أبرد قليلًا من الشارع، محملًا برائحة عشبية نظيفة، وفيه ذلك الهدوء الخاص بالأماكن التي تُدار جيدًا من الخارج حتى لو كانت من الداخل أقل ترتيبًا مما يبدو.

قبل أن تصل إلى الباب، فتحته إيفلين بنفسها.

كانت ترتدي ثوبًا كحليًا بسيطًا، وشعرها مرفوعًا إلى الخلف بإهمال محسوب، وملامحها تحمل التعب العملي نفسه الذي لا يفارق النساء اللواتي تعلمن مبكرًا أن البيت والعمل والعائلة ليست مسارات منفصلة بل حربًا واحدة تتبدل واجهاتها.

قالت وهي تبتسم ابتسامة قصيرة، لكنها حقيقية:

"أنتِ جئتِ."

رفعت أورليا حاجبًا.

"أهذه مفاجأة؟"

"لا."

ثم مالت قليلًا وأخفضت صوتها.

"لكنني أعرف كثيرين كانوا سيخترعون عذرًا."

"هذا يفسر لماذا أنا هنا."

نظرت إيفلين سريعًا إلى السيارة المتوقفة خلفها.

"السيد مارسيل؟"

"رفضت أن أسمح له بالدخول كي لا يبدو العشاء وكأنه مداهمة."

قالت إيفلين:

"للأسف، كان قد يريحني."

ضحكت أورليا بخفة، ثم دخلت.

فور أن عبرت العتبة، فهمت ما كانت تقصده إيفلين حين قالت إن البيت مرهق بهدوء.

الردهة الداخلية واسعة، لكنها لا تحاول أن تكون حميمة.

الأرضية من خشب داكن مصقول، والسلم الرئيسي ينقسم عند المنتصف إلى جناحين علويين في حركة مسرحية قديمة لا تزال جميلة.

الجدران بلون عاجي باهت، معلقة عليها لوحات منتقاة بعناية… لكن ليست بحب.

أشبه بما يعلقه رجال الأعمال حين يريدون أن يقولوا إنهم قدّروا الفن طالما بقي مؤطرًا وصامتًا.

قالت أورليا وهي تنظر إلى لوحة كبيرة فوق الطاولة المستطيلة في الوسط:

"من اختار هذه؟"

نظرت إيفلين إلى اللوحة ثم إليها.

"أنا."

توقفت لحظة.

"ولم يلاحظها أحد في البيت إلا سيلفان."

التفتت أورليا إليها.

"أعنيها كإهانة إذا كان هذا يريحه."

"بل سأعتبرها شهادة."

جاء صوت تيو من الجهة الداخلية قبل أن يظهر هو نفسه:

"روزي كانت ستلاحظها."

ظهرت ابتسامة أورليا فورًا.

ثم رأت تيو يركض في الممر الجانبي قبل أن يتوقف حين تذكر، على الأرجح، أنه في بيت أبيه وليس في الأتيليه.

عدل وقفته بسرعة، ثم قال بجدية مصطنعة:

"مساء الخير."

قالت أورليا:

"هذا تطور حضاري."

قال تيو:

"إيفلين قالت لي لا أركض."

قالت إيفلين من غير أن تنظر إليه:

"وأنت لم تسمع."

"أنا خففت فقط."

ضحكت أورليا.

ثم سألت:

"أين سيلفان؟"

قال تيو:

"في الداخل."

ثم مال نحوها قليلًا.

"هو متوتر."

قالت إيفلين:

"تيو."

"ماذا؟ هذا صحيح."

نظرت أورليا إلى الممر الممتد نحو الداخل.

لم تكن تحتاج إلى كثير خيال لترى سيلفان هناك، في واحدة من تلك الغرف المرتبة أكثر مما ينبغي، واقفًا بكتفين متيبستين وعقل يفكر في أشياء لا تساعده أصلًا.

قالت:

"سأعتبر أن هذا سببي في القدوم."

أجابت إيفلين:

"وأنا سأكون ممتنة لذلك."

قادتْها عبر الردهة إلى الصالون الرئيسي.

الصالون كان أكبر مما تحب أورليا عادة، لكنه أنقذ نفسه من برودة الحجم ببعض التفاصيل القليلة الصحيحة: إضاءة جانبية دافئة، أريكة بلون زيتوني عميق، طاولة خشبية قديمة عليها كتابان مفتوحان بشكل يوحي بأن أحدًا قرأهما منذ أيام لا منذ دقائق، ونافذة خلفية عريضة تطل على الحديقة الداخلية حيث تنعكس آخر خيوط المساء على سطح ماء ضيق يشبه بركة مصممة للهدوء لا للسباحة.

كان سيلفان واقفًا قرب النافذة.

لم يكن مرتديًا شيئًا رسميًا بشكل خانق، والحمد لله.

قميص رمادي نظيف وبنطال أسود بسيط، وشعره مرتب على نحو يدل على محاولة واضحة، لا على راحة حقيقية.

حين التفت إليها، رأت في عينيه الشيء نفسه الذي رأته عند بعض الأطفال قبل دخولهم أول يوم إلى معرض:

ليس خوفًا من المكان.

بل خوفًا من أن يُخطئوا فيه أمام الآخرين.

قالت وهي تقترب:

"إذا كنت ستبدو كأنك في طريقك إلى إعدام، فسأعود إلى البيت."

تحركت زاوية فمه أخيرًا.

"أنا لا أبدو هكذا."

قال تيو من الخلف:

"بل تبدو."

التفت إليه سيلفان.

ثم إلى أورليا.

"هو يكذب كثيرًا."

قالت أورليا:

"أنا أثق بكلامه أكثر حين يكون عنك."

وهذا، أخيرًا، أخرج من سيلفان شبه ابتسامة حقيقية.

خفيفة.

سريعة.

لكنها كافية كي تلتقطها إيفلين وتقف للحظة وكأن كتفًا كاملًا أُنزل عنها بصمت.

قالت:

"هذا وحده يجعلني أدين لكِ بعشاء ثانٍ."

قالت أورليا:

"لا تستعجلي الوعود. لم نصل إلى الأب بعد."

وفي اللحظة التي قالت فيها الجملة، دخل رولان آستر.

لم يدخل بصوت.

ولا بإعلان.

لكن دخول بعض الرجال لا يحتاج أكثر من أن يتغير اتجاه الوقوف في الغرفة نصف درجة.

كان أطول مما توقعت بقليل، وأعرض كتفًا، وشعره يميل إلى الرمادي الأنيق الذي لا يضعف الملامح بل يزيدها قسوة.

يرتدي بدلة داكنة مفتوحة الصدر، لا ربطة عنق فيها، كأن الرجل يريد أن يرسل رسالة مزدوجة: أنا في بيتي… لكن بيتي نفسه لا يسمح لك أن تنسى من أنا.

توقفت أورليا في مكانها.

والتفتت إليه.

لم يذهب أولًا إلى ابنته.

ولا إلى ابنيه.

ولا إلى الضيفة.

وقف عند مدخل الصالون نصف ثانية، ومسح المشهد بعينيه كما يفعل الرجال الذين يرون البيت أيضًا بوصفه تقريرًا عنهم.

ثم قال:

"الآنسة ڤان روز."

لم يكن في صوته دفء.

لكنه لم يكن فظًا أيضًا.

فقط من النوع الذي يجعل كلمة واحدة تبدو كأنها جملة كاملة.

ابتسمت أورليا، ومالت برأسها إمالة اجتماعية خفيفة.

"السيد آستر."

تقدم، وصافحها.

يده باردة أكثر مما توقعت.

وثابتة.

ولا تضغط أكثر من اللازم، لكنك تعرف من أول لحظة أنها لا تعطي وزنها مجانًا.

قال:

"سمعت عنك كثيرًا."

قالت من غير أن تتسرع:

"آمل أن نصفه كذب على الأقل."

كانت هذه أول مغامرة صغيرة.

وشعرت بإيفلين تلتقطها من طرف الغرفة.

نظر إليها رولان لحظة.

ثم قال:

"هذا يعتمد على المتحدث."

قالت أورليا:

"إجابة ذكية."

"إجابة دقيقة."

وهذا، فكرت أورليا فورًا، رجل من نفس الفصيلة التي تستعملها العائلات الثرية حين تريد أن تربي أبناءها على الشعور بأن الجملة إذا لم تكن نافعة فلا داعي لها.

قال وهو يلتفت قليلًا إلى الطاولة القريبة:

"آمل أن سيلفان لم يرهقك."

قالت أورليا:

"سيلفان لا يرهقني."

هنا فقط، نظر رولان إلى ابنه.

نظرة سريعة، لا يدركها من لا يعرف الآباء.

فيها سؤال قديم، متكرر:

كيف استطعتَ أن تكون أسهل على غيرنا مما أنت علينا؟

أجاب رولان:

"إذن هو يختار ضحاياه بعناية."

قالت أورليا:

"أو يختار من لا يطلب منه أن يكون شخصًا آخر."

هبط الصمت.

لم يكن في نبرتها تحدٍّ فج.

لكن الجملة وقفت في الهواء كما لو أنها وضعت شيئًا صغيرًا حادًا على مائدة مرتبة.

رأت إيفلين تُخفض بصرها لحظة.

وسيلفان يثبت كتفيه.

أما تيو، فبدا وكأنه لم يفهم الطبقة التي مرت، وقرر لحسن الحظ أن يسأل سؤالًا أقل كارثية.

"هل سنتعشى الآن؟"

التفت الجميع إليه.

ثم قالت إيفلين:

"نعم يا تيو، شكرًا لإنقاذ الجو."

قال تيو، بفخر كامل:

"أنا أعرف متى أتدخل."

قالت أورليا:

"وأحيانًا يكون هذا مفيدًا."

تحركوا بعد ذلك إلى غرفة الطعام.

كانت الغرفة أقل برودة من الصالون، بفضل الإضاءة الأقل ارتفاعًا، والمائدة الطويلة من خشب داكن، والكراسي الثقيلة التي تشبه الرجال الذين يشترونها.

لم تكن هناك أطباق كثيرة من النوع الاستعراضي.

وهذا أعجبها رغم كل شيء.

رولان من النوع الذي لا يحتاج إلى إقناع ضيوفه بأنه غني عبر الطعام.

يعرف أنه غني.

ويعرف أنهم يعرفون.

جلسوا جميعًا حول المائدة.

أورليا جلست مقابل سيلفان.

تيو بجانبه مباشرة.

إيفلين على الجانب الآخر، وبالقرب منها رولان.

الصمت لم يطل.

رولان بدأ الحديث عن موضوع عائلي عادي، لكنه كان يحمل دائمًا طابعًا امتحانيًا: معرفة كيف يفكر الآخرون قبل أن يقولوا كلمة.

قال:

"كيف كانت المدرسة اليوم، سيلفان؟"

ابتسم الطفل بابتسامة خفيفة.

"جيدة."

قالت أورليا بسرعة:

"هل تعلم أن المدرسة تعلم الأطفال أشياء مفيدة جدًا؟"

نظر إليها رولان.

"مثل ماذا؟"

قالت أورليا:

"مثل الصبر، الانتباه، والقدرة على التعامل مع الآخرين دون كذب."

هنا ابتسم رولان ابتسامة صغيرة، لم تظهر إلا في عينيه.

"هذا يبدو مفيدًا."

قال تيو بسرعة:

"أورليا تقول أشياء كثيرة مفيدة."

ضحك الجميع قليلاً.

ثم توقفوا عن الضحك حين وضع النادل الأطباق.

الأطباق كانت بسيطة، لكنها دقيقة جدًا في التقديم، وكأنها تقول: أنا لست للتفاخر، لكن يجب أن تقدرني.

قالت إيفلين:

"تفضلي."

أرادت أورليا أن تجرب كل شيء، لكنها تذكرت حساسيتها تجاه بعض المكونات، فأخذت بعناية قطعة صغيرة.

قال رولان:

"لقد اخترت الطعام بعناية، كل شيء طازج وموسمي."

ابتسمت أورليا.

"هذا ما أحبه."

تبادلوا أطراف الحديث عن المدرسة، العمل، والأصدقاء.

لكن أورليا لم تستطع تجاهل إحساسها بالمساحة المراقبة حولها.

كل حركة صغيرة كانت تُحسب.

كل نظرة تتقاطع مع عيون الآخرين كانت تُسجل في مكان ما.

هنا تذكرت ما قاله مارسيل قبل قليل: "تذكري".

قالت لنفسها: سأظل على حذر، سأراقب، سأعرف متى أتحرك ومتى أصمت.

سيلفان كان ينظر إليها أحيانًا بابتسامة صغيرة.

كان يشعرك أن الطفل يعرف شيئًا لا يعرفه البالغون.

تيو، على الجانب الآخر، كان يلعب قليلاً بعصا صغيرة تحت المائدة، لكنه لم يفقد التركيز الكامل على المحادثة.

رولان تحدث فجأة عن مشروع عمله القادم.

أورليا استمعت بعناية، ملاحظة كيفية تعامله مع التفاصيل.

كل كلمة، كل توقف، كل ميلان في الرأس كان محسوبًا.

أرادت أن تفهم الرجل أكثر، حتى لا تكون في موقف ضعيف.

قالت بصوت منخفض:

"أعتقد أن هذا المشروع سيكون صعبًا."

ابتسم رولان.

"دائمًا تكون الصعوبات فرصة لمن يعرف كيف يتعامل معها."

هنا شعرت أورليا بلمسة من الاحترام.

رأى الرجل أنها لا تقول كلمات عابرة، وأنها تزنها قبل أن تنطق بها.

أكملوا العشاء في هدوء نسبي.

لم تكن محادثة سهلة، لكنها لم تكن صعبة أيضًا.

كانت مثل رقصة دقيقة، كل طرف يعرف متى يخطو خطوة للأمام ومتى يتراجع خطوة للوراء.

بعد العشاء، قاد رولان الجميع إلى غرفة الجلوس.

الجو أصبح أخف.

قال رولان:

"أورليا، أعتقد أنك ستقضين وقتًا ممتعًا معنا."

ابتسمت أورليا:

"آمل ذلك."

هنا تذكرت كل ما سمعته عن هذا الرجل: صارم، دقيق، أحيانًا شديد الصرامة مع من حوله.

لكن الآن، كانت هناك فرصة لفهمه أكثر، لرؤية الرجل خلف القواعد.

سيلفان جاء وجلس بجانبها، مبتسمًا.

تيو بجانبه يلعب بعصا صغيرة.

إيفلين جلست على الأريكة المقابلة لهم، تراقب كل شيء بصمت.

رولان جلس على كرسيه المفضل، ظهره مستقيم، عيناه تتابع كل تفاصيل الغرفة.

أورليا أخذت نفسًا عميقًا.

أدركت أن هذه ليست مجرد ليلة عشاء.

هذه كانت بداية اختبار، ربما أطول من أي اختبار آخر واجهته في حياتها.

لكنها كانت مستعدة، بذكاءها، بهدوئها، وبحدسها الذي لم يخطئها أبدًا.

قالت لنفسها: سأبقى على وعي بكل شيء، سأعرف كل حركة وكل كلمة، ولن أسمح لأحد بالسيطرة عليّ بسهولة.

ابتسمت ابتسامة صغيرة، لنفسها فقط.

هنا، انتهى الفصل العاشر.

2026/04/09 · 0 مشاهدة · 1857 كلمة
Qio Ruan
نادي الروايات - 2026