الفصل الثاني عشر
في صباح اليوم التالي، استيقظت أورليا قبل المنبه بدقائق قليلة، وعلى غير عادتها لم تبقَ في السرير تراقب السقف أو تتفاوض مع نفسها حول مزاج اليوم.
كان في جسدها ذلك النوع من اليقظة التي لا تأتي من الراحة، بل من وجود عدة خيوط مفتوحة في الرأس، كلها تشد في اتجاهات مختلفة:
•عرض أوريون الجديد
•رسالة رولان غير المرسلة بعد لكنها قادمة في ذهنها
•جدول الدروس الخاصة
•القاعة الثانية للمعرض
•والملاحظة الأثقل التي لا تزال تدور فيها منذ الليلة السابقة:
أن حياتها بدأت تمتلئ بأبواب لا يمكن فتحها كلها، ولا تجاهلها كلها أيضًا
جلست، سحبت شعرها إلى الخلف بيد واحدة، ومدت الأخرى إلى الهاتف.
لا رسالة جديدة من أوريون.
وهذا أزعجها أكثر مما ينبغي.
قالت لنفسها مباشرة، بصوت لا يزال مبحوحًا من النوم:
"مثير للشفقة."
ثم أغلقت الشاشة وألقتها على الغطاء بعصبية صغيرة.
في الخارج، كان الضوء باهتًا بعد.
والبيت ما يزال بين الليل والصباح.
وهذا الوقت بالذات كانت تحبه:
حين يبدو كل شيء كأنه لم يقرر بعد أي نسخة من اليوم سيعطيك.
دخلت الحمام.
ثم عادت بعد عشرين دقيقة مرتدية قميصًا أبيض واسعًا وبنطالًا منزليًا خفيفًا، وشعرها مرفوع بإهمال لا يزال مقبولًا.
وحين فتحت باب جناحها، وجدت روزي جالسة على الأرض قرب المدخل، ظهرها إلى الحائط، وبين يديها صندوق خشبي صغير وكأنها تحرس كنزًا أو تخطط لانقلاب.
توقفت أورليا.
"هل هذا طبيعي؟"
رفعت روزي عينيها إليها.
"يعتمد."
"على ماذا؟"
"على إذا كنتِ تقصدين وجودي هنا أو وجود الصندوق."
أراحت أورليا كتفها إلى إطار الباب.
"لنبدأ بالأقل رعبًا. لماذا أنتِ أمام بابي؟"
قالت روزي:
"لأنني انتظرتك."
"هذه جملة لا أحبها من أحد، وخصوصًا قبل القهوة."
نهضت روزي بهدوء، وحملت الصندوق.
"إذن تعالي إلى المطبخ."
مشت أورليا خلفها وهي تراقب الصندوق الصغير.
"إذا كان فيه شيء حي، سأرميك أنتِ وهو معًا."
"ليس حيًا."
"هذا لا يطمئنني."
في المطبخ كانت أودري قد سبقتهم كعادتها إلى النظام.
القهوة جاهزة.
والطاولة مرتبة.
والصباح كله يبدو كما لو أن امرأة عاقلة صنعته، لا امرأة تملك بيتًا تسكنه روزي وميرا وأحيانًا تيو.
وضعت روزي الصندوق على الطاولة.
وجلست.
ثم فتحت الغطاء.
كان داخله:
•حزمة أوراق صغيرة
•بطاقة مصرفية قديمة
•ظرفان
•دفترًا صغيرًا
•ومفتاحًا معدنيًا صغيرًا
حدقت أورليا فيه.
ثم في روزي.
"هل سرقتِ حياة شخص أكبر منك؟"
قالت روزي، ببرود يكاد يكون مهينًا:
"هذا صندوقك."
اقتربت أورليا ببطء.
ثم سحبت الكرسي وجلست.
"صندوقي من أين؟"
"من الدرج السفلي."
أغمضت أورليا عينيها نصف إغماضة.
آه.
ذاك الدرج.
"ولماذا فتحته؟"
قالت روزي:
"لأنك لا تنظمين ما يهمك إذا تعبْتِ."
تدخلت أودري، وهي تضع الفطور بهدوء على الطاولة:
"وهذا صحيح."
نظرت أورليا إلى المرأتين، الكبيرة والصغيرة، ثم إلى الصندوق.
"هل أنا محاطة بمحاكمة إدارية كل يوم؟"
قالت روزي:
"هذا ليس محاكمة."
ثم دفعت الدفتر الصغير نحوها.
"هذه حساباتك القديمة."
فتحت أورليا الدفتر.
كانت أرقامًا وتواريخ وتحويلات وملحوظات قصيرة.
بعضها بلون حبر قديم.
بعضها من السنوات الأولى بعد روزي.
وبعضها من وقت كان فيه كل شيء في حياتها يُحسب على أساس:
هل يمكنني أن أهرب إذا اضطررت؟
قالت، أخفض قليلًا:
"أغلقي الصندوق."
قالت روزي:
"لا."
"روزي."
"أنت تحتاجين أن تنظري فيه."
رفعت أورليا نظرها إليها.
وكان في عيني الطفلة ذلك الشيء الصعب نفسه: الإصرار النظيف.
ليس فضولًا.
ولا تدخلًا لمجرد التدخل.
بل نوعًا من الفهم المبكر للنجاة.
قالت روزي:
"إذا كنتِ ستأخذين قاعة ثانية للمعرض، وإذا كنتِ ستزيدين الدروس الخاصة، وإذا كنتِ ستدخلين بيوتًا جديدة، فأنتِ تحتاجين أن تعرفي بالضبط كم معك وكم تريدين."
ثم أضافت:
"ولا يكفي أن تعرفي هذا في رأسك."
سكتت أورليا.
ثم مدت يدها ببطء إلى القهوة.
شربت رشفة.
ثم قالت:
"أنتِ مزعجة جدًا."
قالت روزي:
"لكنني مفيدة."
"للأسف."
أخذت الصندوق نحوها.
وفتحت الظرف الأول.
كان فيه جزء من الأوراق القديمة المتعلقة بحساب أمان لم تستعمله منذ شهور.
والثاني فيه ملاحظات قصيرة كتبتها لنفسها في فترة أصعب:
•ثلاث سنوات إذا اختفيت تمامًا
•سنة ونصف إذا بقي الأتيليه
•لا أثق بالوعود
•لا أحسب على أحد
وقفت الكلمات القديمة أمامها بثقل غريب.
كأن النسخة التي كتبتها لم تكن تثق حتى بالنسخة التي تجلس الآن على هذه الطاولة، في بيت مرتب، أمام طفلتها، وتفكر في معرض.
قالت أودري بهدوء وهي تضع طبق التوست:
"أنا سأخرج الآن إلى السوق."
ثم نظرت إلى روزي.
"اتركي أمك تتنفس."
لم تتحرك روزي فورًا.
لكنها أغلقت الصندوق أخيرًا.
وحين نهضت، قالت لأورليا:
"راجعيه اليوم."
ثم أضافت:
"ولا تهملي القاعة الثانية إذا كنت تريدينها فعلًا."
نظرت أورليا إليها.
ثم سألت:
"هل أنا ربيتكِ أم فاوضتكِ على مدى سنوات؟"
قالت روزي:
"النتيجة جيدة، أليس كذلك؟"
ثم خرجت.
وتركت الصندوق على الطاولة.
وبقيت أورليا وحدها مع القهوة، والضوء الصباحي، والأرقام القديمة، ومعرفة واضحة جدًا:
هي لا تعمل من أجل الأناقة.
ولا حتى من أجل الحرية المجردة.
هي تعمل لأن عليها أن تبني مستقبلًا يمكن أن تعيش فيه أخيرًا من دون أن تكون تحت رحمة أحد.
بحلول العاشرة والنصف، كانت في الأتيليه.
لكنها لم تبدأ يومها من القاعة الرئيسية.
بل من الغرفة الصغيرة الخلفية التي تستعملها أحيانًا للرسم وحدها أو لترتيب الأعمال التي لا تريد لأحد أن يراها قبل أن تنضج بما يكفي.
على الحامل الخشبي الكبير، كانت هناك لوحة لم تكتمل بعد.
امرأة جالسة عند حافة كرسي نصف مرئي، جسدها ملتف قليلًا إلى الداخل، ووجهها غير مكتمل، والضوء الساقط عليها يأتي من جهة لا تراها اللوحة كلها.
خلفها مساحة واسعة من زرقة رمادية وذهب ممسوح، كأن الغرفة نفسها معلقة بين الخروج والبقاء.
وقفت أورليا أمام اللوحة طويلاً.
ثم أخذت الفرشاة.
هذه هي الحقيقة الوحيدة التي لا تضطر إلى ترتيبها اجتماعيًا:
حين تقف أمام اللوحة، لا تحتاج شهادة.
لا تحتاج اسمًا محسّنًا.
لا تحتاج نبرة ولا مدخلًا ولا كذبة ناعمة عن البيانو.
هنا، فقط، يدها وعينها وشيء مظلم ومضيء معًا بداخلها يعرف أين يجب أن يذهب اللون.
وضعت ضربة داكنة عند طرف الكتف.
ثم مسحتها نصف مسح.
ثم أضافت لمعة أخف قرب العظم.
وتراجعت خطوة.
جاء صوت ليديا من خلف الباب المفتوح:
"إذا أغمضتِ عينيك أكثر سأغار."
التفتت أورليا.
دخلت ليديا ببدلة نهارية كريمية وقبعة شمسية تحملها بيدها وكأنها جزء من ديكور ذكي لا ضرورة له عمليًا لكنه يرضيها.
"كيف دخلتِ؟"
"بجمالي."
"هذا يفتح أبوابًا أقل مما تظنين."
قالت ليديا وهي تقترب من اللوحة:
"كذب."
ثم توقفت أمام العمل.
وصمتت.
راقبتها أورليا.
وليديا، رغم كثرة كلامها، تملك ميزة نادرة:
حين يصمتها الفن، تصمت فعلًا.
قالت أخيرًا:
"هذا مرعب قليلًا."
"أشكرك."
"أقصد جميلًا بشكل مزعج."
ثم التفتت إليها.
"هذا ليس مما يجب أن يبقى في غرفة خلفية."
وضعت أورليا الفرشاة في الوعاء الزجاجي.
"أنا أعرف."
"إذن خذي القاعة الثانية."
"القاعة الثانية تحتاج مالًا."
"وأنت عندك مال."
ضحكت أورليا ضحكة جافة.
"عندي رغبة في الأمان. وهذا يكلف أكثر من المعرض."
أراحت ليديا حقيبتها على الطاولة الصغيرة، وجلست على طرف المقعد القريب.
"اسمعي. أنا لا أحب حين تتحولين إلى مصرفية منهكة."
"وأنا لا أحب حين تنسين أن العالم ينهار أسرع مما نظن."
"العالم ينهار دائمًا."
ثم أشارت إلى اللوحة.
"لكن هذا؟ هذا لا يجب أن يبقى مشروعًا مؤجلًا لأنك تخافين من كل شيء."
نظرت أورليا إلى العمل مرة أخرى.
ثم قالت:
"أنا لا أخاف من كل شيء."
وتوقفت.
"فقط من الأشياء التي تعرف كيف تصلني."
قالت ليديا:
"والفن يصل."
"لهذا أحاول أن أؤمن له بيتًا أولًا."
سكتتا لحظة.
ثم قالت ليديا فجأة:
"أخبريني عن الرجل."
أغلقت أورليا عينيها.
"أعرف أنني أخطأت حين فتحت الباب لك."
قالت ليديا:
"أي رجل؟ رجل العرض؟ أم رجل الملف؟ أم الرجل الذي يتركك تتكلمين بوجهك بينما تقولين إنك لا تفكرين فيه؟"
التفتت أورليا إليها ببطء.
"أنت مرهقة."
"وأنا محقة."
تنهدت أورليا.
ثم جلست هي أيضًا، على المقعد المقابل.
"هو لا يفعل شيئًا واضحًا."
"وهذا هو الفعل."
قالتها ليديا فورًا.
"الرجال الذين يزعجون النساء مثلك لا يأتون بوردة. يأتون بباب مفتوح، وعرض لا تستطيعين رفضه بسهولة، ونبرة تجعلك تشعرين أن القرار ما زال في يدك."
ثم مالت نحوها.
"هل أنا مخطئة؟"
أمسكت أورليا بطرف المنشفة الملقاة قربها.
ثم قالت، بصوت أخفض:
"لا."
ابتسمت ليديا برضا.
"رائع. أعيش من أجل لحظات الإنصاف هذه."
لكن قبل أن تتمادى، جاء الطرق الخفيف على الباب.
ثم دخلت المساعدة.
"الآنسة أورليا، عندك اتصال من عائلة السامر. يريدون تأكيد الموعد وتعديل الوقت."
استقامت أورليا فورًا.
"أي ساعة؟"
"الخامسة بدل الرابعة. في البيت كما طلبتِ."
أومأت.
"ثبتيه."
خرجت المساعدة.
ونظرت ليديا إلى أورليا بفضول صريح.
"من هم السامر؟"
أخذت أورليا حقيبتها من على الطاولة الصغيرة، وأخرجت منها الورقة التي فيها معلومات الطلب.
"عائلة تجارية."
ثم أضافت بهدوء:
"وابنهم يريد درسًا خاصًا فجأة."
رفعت ليديا حاجبًا.
"هذا وحده مريب."
"أعرف."
"وهل تقصدين… مريبًا فقط؟"
لم تجب أورليا فورًا.
بل أعادت الورقة إلى مكانها، ثم قالت:
"أقصد أنه لا يوجد بيت يُفتح بسهولة إلا وفيه شيء يريد أن يُرى… أو شيء أهم يريد أن يختبئ."
راقبتها ليديا بتعجب، ثم قالت:
"إذاً كل شيء هنا لعبة أحجام وأبواب."
ابتسمت أورليا ببطء.
"أحيانًا نعم."
ثم نظرت إلى اللوحة مرة أخرى.
"لكن أحيانًا تكون الحقيقة أخف كثيرًا مما نظن."
"حقًا؟"
"حقًا."
وقفت، ومدت يدها لتأخذ الفرشاة من الوعاء الزجاجي.
ثم تابعت:
"لهذا أبدأ من هنا. أرى ما يمكن أن أفعله الآن."
"أنتِ دائمًا تبدأين من مكانك الخاص."
"أجل."
صمتت قليلاً.
ثم قالت أورليا:
"وروزي؟"
"روزي؟"
"تراقب كل شيء."
"أعرف."
"وهذا يجعلني أشعر أنني لا أملك أي خصوصية."
قالت ليديا:
"أو أنها تعرف كيف تحميك."
ابتسمت أورليا هذه المرة بخفة.
"ربما."
"ربما دائمًا أفضل من لا شيء."
ثم جاء صوت الهاتف مرة أخرى.
أخذته أورليا.
"نعم."
"الاستقبال؟"
"نعم، شكراً. سأكون في الموعد."
وضعت الهاتف جانبًا.
ثم قالت ليديا:
"إذن ستستمرين في كل شيء، رغم الصناديق والملاحظات والرجال المريبين؟"
نظرت أورليا إلى اللوحة، ثم إلى الضوء الذي يسقط على وجهها.
"نعم."
"مستعدة؟"
"دائمًا."
ابتسمت ليديا برضا.
ثم خرجت، تاركة أورليا وحدها مع اللوحة، القهوة، والصندوق الصغير الذي لم يفتح بعد.
جلست أورليا، وأخذت الفرشاة مرة أخرى، وبدأت تضيف خطوطًا دقيقة على اللوحة، وكأن كل ضربة هي فصل من فصل حياتها، وكل لون يختار طريقه بين الضوء والظل.
كانت تعرف شيئًا واحدًا واضحًا:
حتى مع كل المراقبة، الصناديق، المواعيد، والمفاجآت، هذا هو المكان الذي تملك فيه السيطرة الكاملة.
مكان يمكن فيه للفن أن يصبح الحياة، والحياة أن تتحول إلى شيء يمكن ترويجه، مقبول، ومستمر.
وفي لحظة قصيرة، شعرت بالسلام، رغم كل الضوضاء التي تنتظرها في الخارج.
كانت تعلم أن اليوم كله سيأتي بما لا تتوقعه، لكن هذا الوقت، هذا الصباح، كان ملكها وحدها.
أغلق باب الأتيليه بهدوء، وسمحت للضوء أن يملأ المكان بالكامل، واللوحة، والصندوق، وكل شيء بينهما، وكل ما لم يقال بعد.
ثم أخذت أورليا نفسًا عميقًا، وعادت لتعمل على التفاصيل الصغيرة، كأنها تعيد ترتيب العالم من جديد.