الفصل الرابع عشر: تحت شمسٍ لا ترحم
في صباح الغد، لم يكن عند أورليا وقت كافٍ لتكره اليوم كما يجب.وهذه، في بعض الأحيان، كانت أفضل طريقة للنجاة:
أن تكون الساعات مزدحمة إلى درجة لا تترك للمشاعر رفاهية الجلوس بكامل حجمها.استيقظت قبل المنبه بدقائق، لكن على عكس اليومين السابقين لم تستلقِ تحدق في السقف وتعيد ترتيب رجال مزعجين في رأسها. نهضت مباشرة. دخلت الحمام، خرجت، جففت شعرها نصف تجفيف، ووقفت أمام الخزانة كما تقف امرأة تعرف أن نوع القماش الذي ستختاره اليوم قد يغير مزاج غرفة كاملة.لغداء آل آستر، اختارت ما خططت له في الليلة الماضية:
فستانًا كريميًا مائلًا إلى البني الفاتح، بخط نظيف، أكمامه طويلة حتى الرسغين، والرقبة مفتوحة بما يكفي ليبقى أنثويًا من غير أن يتحول إلى دعوة. شيء يقول: أنا امرأة أعرف قيمتي، ولا أحتاج أن أرفع صوتها.أما لفيريتاس مساءً، فقد بقي الفستان الأزرق المائي مطويًا فوق الكرسي قرب النافذة، كأنه وعد سيئ التهذيب ينتظر دوره.كانت تضع القرط الثاني حين سمعت الطرق القصير على الباب.“ادخلي.”دخلت روزي أولًا، طبعًا.
وقفت عند الباب لحظة، أخذتها بنظرة كاملة، من الحذاء إلى طرف الشعر، ثم دخلت كأنها عضو لجنة تحكيم سئم من الهواة.قالت:
“أفضل.”قالت أورليا وهي تلتقط سوارها:
“أعيش لأجل موافقتك.”“هذا واضح.”دخلت أودري بعدها بثوانٍ، تحمل كوب القهوة الأول.
ثم، من دون تعليق زائد، وقفت قرب السرير ونظرت هي الأخرى.“الأكمام فكرة جيدة.”نظرت أورليا إلى المرأتين ثم رفعت الكوب.“هل أرسل الله إليّ اليوم مجلسًا استشاريًا متنقلًا؟”قالت أودري:
“لو تُرك الأمر لكِ لذهبتِ إلى البيوت الخطأ في الألوان الخطأ.”قالت روزي:
“وأحيانًا إلى الرجال الخطأ.”حدقت أورليا بها.“هل نحتاج إلى هذا قبل العاشرة؟”قالت روزي:
“نحتاج دائمًا إلى هذا.”أخذت أورليا رشفة طويلة، ثم جلست أمام المرآة لتضع أحمر شفاه هادئًا.
من خلفها في انعكاس الزجاج، رأت روزي تتقدم قليلًا وتضع على الطاولة الصغيرة ظرفًا أبيض.“ما هذا؟”قالت روزي:
“نسخة مختصرة.”“من ماذا؟”“أسماء ضيوف غداء اليوم مما استطعت تذكره من حديث تيو ودينيز في الأيام السابقة، مع احتمالات من عندي.”استدارت أورليا ببطء.
أخذت الظرف.
فتحته.
فيه ورقة صغيرة لا تتعدى نصف صفحة:•امرأتان من دائرة رولان التجارية•زوجان قديمان من أصدقاء العائلة•احتمال حضور أوديت•احتمال حضور دينيز متأخرة•لا تثقي بامرأة تلبس لؤلؤًا في النهار وتتكلم عن الحريةرفعت أورليا عينيها.
ثم ضحكت.
ضحكة حقيقية، قصيرة، خففت عنها نصف التوتر.“الجملة الأخيرة من عندك.”قالت روزي:
“طبعًا.”قالت أودري:
“وهي صحيحة غالبًا.”وضعت أورليا الورقة داخل حقيبتها الصغيرة.“أنا خائفة من اليوم الذي تكتشفان فيه أنني لست ضرورية في هذا البيت.”قالت روزي، ببرود قاتل:
“لن يحدث. أنت جميلة، وهذا يفيدنا.”انفجرت أودري ضاحكة على غير عادتها.
حتى أورليا نفسها انحنت قليلًا من الضحك وهي تهز رأسها.“رائع.”
قالتها وهي تنهض.
“ممتاز جدًا أن أُقدَّر على أسس صلبة.”قالت روزي:
“أنتِ أيضًا ذكية.”
ثم أضافت بعد ثانية:
“لكن الجمال أسرع في الطوارئ.”في السيارة إلى بيت آل آستر، مرّ الطريق على نحو أهدأ مما كانت تتوقعه.
هذا، في العادة، لا يطمئنها.
حين يسير كل شيء بسهولة أكثر من اللازم، تبدأ تشك أن الفوضى تنتظرها عند النهاية.كانت الأشجار العالية على جانبي الطريق تؤطر الشارع الطويل المؤدي إلى البيت، والضوء في هذا الوقت من الظهيرة ناعم بما يكفي ليجعل كل شيء يبدو أهدأ من حقيقته. وحين توقفت السيارة أمام المنزل، رأت أن البيت نفسه أقل صلابة من صورته في المساء. الضوء النهاري كشف تفاصيل أكثر إنسانية في الحجر والحديقة والشرفات. لكن هذا لم يغير شيئًا أساسيًا:
ما يزال بيتًا يعيش تحت إدارة رجل يريد أن يفهم كل ما يتحرك داخله.استقبلتها هذه المرة إحدى العاملات عند الباب، ثم ظهرت إيفلين من الممر الداخلي بسرعة من تعرف أن لديها ضيفة يجب أن تُلتقط قبل أن تبتلعها الغرفة الخطأ.قالت فور أن وصلت إليها:
“أنتِ هنا. جيد.”أجابت أورليا:
“هذه ليست جملة استقبال مطمئنة.”“لأنني لا أملك وقتًا للكذب.”
ثم نظرت إليها من الرأس إلى القدمين.
“تبدين مثالية.”رفعت أورليا حاجبًا.
“هل هذا مدح أم تحذير؟”“اليوم؟”
قالت إيفلين وهي تقودها إلى الداخل.
“الأمران معًا.”كان البيت أكثر ازدحامًا من المرة السابقة.
صوتان نسائيان من الصالون الأمامي.
خطوات متكررة في الردهة.
ورائحة طعام خفيف باهظ الثمن تسبح في الجو بلا خجل.
على الطاولة الطويلة في المدخل، تغيرت اللوحة الوحيدة التي علقتها إيفلين في المرة الماضية إلى مزهرية ورود بيضاء، وهذه بحد ذاتها إشارة إلى أن البيت قرر اليوم أن يبدو “قابلًا للزيارة”.قالت أورليا:
“أين سيلفان؟”قالت إيفلين:
“في الخلف. يحاول أن يبدو أقل ضيقًا.”
ثم خفضت صوتها قليلاً.
“وأبي في مزاج المراقبة، لا الهجوم. وهذا لا يريحني.”مرتا عبر الصالون الجانبي.
وفيه رأت امرأتين تجلسان أمام بعضهما، ترتديان ما ترتديه النساء اللواتي يعتقدن أن الحياد اللوني علامة حكمة. إحداهما رفعت رأسها فور دخول أورليا، ونظرتها استقرت على وجهها ثانية أطول من الأدب المعتاد. سجلت أورليا ذلك من دون أن تعطيه وزنًا ظاهريًا.في الحديقة الخلفية، كان سيلفان واقفًا قرب الطاولة الحجرية الصغيرة، وإلى جانبه دينيز، التي لم تكن ترتدي شيئًا مناسبًا لبيت رولان إطلاقًا، وهذا أسعد أورليا فورًا. ثوب نهاري قصير بلون أزرق داكن، شعرها مربوط بشكل غير مكتمل، ونظارة شمسية موضوعة فوق رأسها كأنها تستعد إما لنقاش عدائي أو للهرب.ما إن رأت أورليا حتى رفعت يدها وقالت:
“آه، النجدة وصلت.”قالت أورليا وهي تقترب:
“إذا كنتِ تعتبرينني نجدة، فأنتِ في ورطة أكبر مما تخيلت.”قالت دينيز:
“هذا معروف.”أما سيلفان، فاكتفى بأن نظر إليها نظرة قصيرة، لكنها كانت أهدأ مما توقعت. مجرد وجودها هنا خفف عنه فعلًا، وهذا ظهر قبل أن يتكلم.قال:
“أتيتِ.”أجابت بنبرة خفيفة:
“أنت طلبتني. هذا خطأك.”تحركت زاوية فمه قليلًا.
أما دينيز فقالت:
“أحبه حين يفعل هذا.”التفتت أورليا إليها.
“يفعل ماذا؟”“يبدو كأنه لم ينم منذ أسبوع، ثم يرخي كتفيه نصف سنتيمتر حين يراك.”قال سيلفان ببرود واضح:
“أنتِ أكثر شخص لا يحتاج إلى عينين.”ضحكت دينيز.
ثم أشارت إلى الصالون الخلفي.
“أوديت وصلت.”استقرت الجملة في الهواء.
وفهمت أورليا فورًا السبب الذي جعل دينيز في هذه الحالة المتحفزة.قالت:
“وهل يجب أن أهنئك أم أهرب؟”قالت دينيز:
“سنقرر بعد عشر دقائق.”دخلت أوديت كما تدخل النساء اللواتي يعرفن أن الأبواب لا تُفتح فقط بالمفاتيح، بل بالأسماء الصحيحة.
كانت أطول قليلًا مما توقعت أورليا، بشعر أشقر غامق مرتب بصرامة، وعقد لؤلؤ لا يناسب الظهيرة إلا إذا كنتِ تريدين أن يناسبها بالقوة.
وجهها جميل، نعم، لكن على نوع الجمال الذي يتغذى من الوعي بنفسه.حين قدمتها إيفلين، مدت أوديت يدها بأناقة موزونة، ثم قالت:
“سمعت عنك.”ابتسمت أورليا، داخليًا فقط تقريبًا.
كل النساء الثقيلات يقلن هذه الجملة بالطريقة نفسها، كما لو أن المعرفة عنك فضل مُنح لكِ لا معلومة صادفتها الحياة.قالت:
“آمل أن ما سمعته لم يكن مملًا.”تحركت عين أوديت قليلًا.
ثم قالت:
“على العكس. سمعت أنك شديدة التأثير.”قالت أورليا:
“هذه تهمة واسعة.”تدخل رولان في هذه اللحظة، من الجهة الأخرى من الحديقة، حاملاً كأس ماء لا يبدو أنه يشرب منه كثيرًا أصلًا.“وأحيانًا تكون التهم الدقيقة أكثر ظلمًا.”التفتت أورليا إليه.
أومأت برأسها.
“السيد آستر.”قال:
“الآنسة ڤان روز.”كان صوته كما هو: لا يرفع كثيرًا، ولا يلين بسهولة، لكنك تشعر أن كل جملة تُسجل في مكان ما.بعد دقائق، تحرك الجميع إلى مائدة الغداء الطويلة في الشرفة الزجاجية المطلة على الحديقة.
وهناك، خلال أول نصف ساعة، تأكدت أورليا من فكرتها:
رولان لا يريدها اليوم ليراها فقط.
بل ليرى كيف تُرى.
كيف تتحرك بين نسائه وضيوفه.
كيف يتعامل معها سيلفان.
كيف ترد على الأسئلة.
وما إذا كانت تصلح لأن تبقى في الصورة أو يجب أن تُعاد إلى الهامش.جلست أوديت في الجهة المقابلة لها.
وهذا لم يكن مصادفة طبعًا.
فيما جلست دينيز قرب سيلفان، لحسن الحظ أو لسوءه.
أما إيفلين فاختارت مكانًا يمكّنها من مراقبة الجميع، كالعادة.بدأ الحديث آمنًا بما يكفي:
الفعاليات الفنية،
موسم الصيف،
إحدى الرحلات البحرية التي ينظمها فيريتاس مساءً،
ومعرض خيري سيقام بعد أسابيع.لكن أوديت لم تكن امرأة للسطح طويلًا.قالت وهي تنظر إلى أورليا فوق حافة كأسها:
“أخبرتني دينيز أنكِ لا تدرسين الرسم فقط.”التفتت دينيز فورًا.
“لم أقل هذا.”
ثم رفعت كتفيها.
“ربما قلت شيئًا يشبهه.”أجابت أورليا:
“أدرّس ما أستطيع أن أدرّسه بكرامة.”قالت أوديت:
“ومن ضمنه البيانو، أليس كذلك؟”كانت هذه من تلك الضربات الناعمة التي يبدو السؤال فيها بريئًا، لكنه لا يُطرح بريئًا.
التقطت أورليا ذلك فورًا.
ليزا؟ لا. أوديت فقط من النوع الذي يجس النسيج ليرى أين يتمزق.قالت بهدوء:
“إلى حد ما.”“إلى حد ما؟”
كررت أوديت.
“هذا تواضع جميل.”قالت أورليا، وهي تأخذ رشفة ماء:
“هذا اقتصاد لغوي.”من الطرف الآخر، خفضت دينيز رأسها لتخفي ابتسامة.
أما رولان، فلم يتدخل.
وهذا معناه أنه مهتم.قالت أوديت:
“أحب الناس الذين يملكون أكثر من باب.”أجابت أورليا:
“هذا لأن البيوت الكبيرة تفضلهم.”“والنساء؟”رفعت أورليا عينيها إليها.
“النساء الذكيات يفضلن ألّا ينحبسن في باب واحد.”هنا فقط، دخلت إيفلين:
“وهذا صحيح بدرجة مزعجة.”تحرك الحديث بعد ذلك إلى خطوط أخرى، لكن أورليا كانت قد فهمت ما يكفي:
أوديت قررت أن تختبرها.
ورولان يراقب.
ودينيز تتسلى.
وسيلفان، للأسف، بدأ يفقد شهية الأكل كلما ارتفعت نبرة الطاولة نصف درجة.عند الطبق الثاني، حدث الشيء الوحيد الذي أنقذ الجو من الوقوف الطويل على الحواف:
تيو، الذي كان قد غاب أول المائدة قسرًا مع مُعلّمه الخاص، دخل متأخرًا إلى الشرفة، وقف لحظة، ثم قال بأعلى درجات الجد الممكنة:
“اعتذر عن التأخير.”صمتت الطاولة.
ثم قالت دينيز:
“ادخل قبل أن أموت.”دخل تيو، ووقف قرب كرسيه، ثم رأى أورليا.
“أنتِ هنا.”
ثم إلى سيلفان.
“أنت حي.”
ثم إلى أوديت.
وتوقف ثانية.
“مرحبًا.”قالت أوديت بنعومة مهذبة:
“مرحبًا يا تيو.”جلس أخيرًا، وهمس بعد ثوانٍ إلى سيلفان بصوت سمعته أورليا رغمًا عنه:
“روزي قالت إنني إذا تكلمت كثيرًا في هذا الغداء فأنا خائن تنظيميًا.”قال سيلفان:
“اسمعها هذه المرة.”كادت أورليا تضحك في كأسها.بعد الغداء، تحرك الجمع إلى الحديقة الخلفية الواسعة.
بعض الرجال اتجهوا إلى الجانب الحجري قرب الظل.
النساء إلى الطاولات الأخف.
ورولان، كما توقعت، بقي قريبًا بما يكفي من الجميع ليبدو اجتماعيًا، وبعيدًا بما يكفي ليظل المسيطر على المشهد.كانت هناك لحظة قصيرة، خرج فيها سيلفان مع تيو نحو الطرف الأبعد من الحديقة،
وانشغلت دينيز في جدال طائش مع أوديت حول فعالية في فيريتاس،
فيما وجدت أورليا نفسها مع إيفلين قرب المزروعات العالية التي تفصل الحديقة عن الجناح الجانبي من البيت.قالت إيفلين بصوت منخفض:
“أنت نجوتِ.”قالت أورليا:
“هل كان هذا الهدف الوحيد؟”“لا.”
ثم نظرت إلى أبيها من بعيد.
“لكنه إنجاز.”سكتتا لحظة.
ثم قالت أورليا:
“هو لا يريدني معلمة فقط.”أجابت إيفلين من غير مفاجأة:
“أعرف.”“ماذا يريد إذن؟”نظرت إيفلين إلى البيت، لا إليها.
“أن يفهم ما الذي تفتحينه في أخي.”
ثم أضافت بعد لحظة:
“وإن كنتِ ستبقين مؤقتة… أم تصبحين جزءًا من توازنه.”حدقت أورليا في وجهها.
“هل هذا يزعجك؟”التفتت إيفلين أخيرًا.
وكان جوابها صادقًا إلى درجة غير مريحة:
“نعم.”
ثم أكملت:
“ولذلك أنا ممتنة لكِ.”“هذا تناقض.”“لا.”
قالت إيفلين.
“هذا معنى أن تحبي شخصًا وتحاولي في الوقت نفسه أن تبقي العالم منظمًا حوله.”سكتت أورليا.
ثم سألت:
“ورولان؟”ضحكت إيفلين ضحكة قصيرة، بلا مرح.
“أبي لا يفهم الأشخاص كما هم. يفهمهم كما يمكن أن يُستعملوا.”وجاءت الخطوات من خلفهما قبل أن ترد.
كان رولان.“هل أنا موضوع سهل لهذه الدرجة؟”استدارتا معًا.
ولم ترتبك أورليا.
لكنها أحست بظهرها يستقيم تلقائيًا.قالت:
“الموضوعات الصعبة تُغري أكثر.”قال رولان:
“هذا يفسر أشياء كثيرة.”ثم نظر إلى إيفلين.
“أحتاجك دقيقة.”أومأت ابنته وغادرت.
وبقيت أورليا معه وحدها قرب النبات الطويل والهواء الصيفي الثقيل.قال بعد ثانية:
“ستكونين في فيريتاس مساءً؟”رفعت حاجبها.
“هل هذا سؤال من أب قلق على جدول ضيفته؟”“هذا سؤال من رجل يحب أن يعرف أين تتحرك الخيوط حوله.”أجابت:
“إذن نعم.”
ثم أضافت:
“ولن أطمئنك أكثر من ذلك.”نظر إليها طويلًا.
ثم قال:
“سيلفان يتنفس بشكل مختلف منذ عرفك.”لم يكن هذا مديحًا.
ولا اتهامًا صريحًا.
شيء بين الاثنين.
وهذا بالضبط ما جعل الجملة ثقيلة.أجابت أورليا بهدوء:
“ربما لأنه وجد مكانًا لا يُطلب منه فيه أن يبرر نفسه كل خمس دقائق.”تحرك شيء خفيف عند زاوية فم رولان.
لا يصل إلى ابتسامة.
بل إلى اعتراف داخلي بأن الضربة أصابت.ثم قال:
“أنتِ شديدة الثقة.”قالت:
“لا.”
ثم رفعت عينيها إليه.
“أنا فقط لا أحب أن أرى الموهبة تُسحق باسم الواقعية.”بقي ينظر إليها لحظة.
ثم قال:
“الواقعية هي ما يبقي البيوت واقفة.”نظرت إلى الجناح الجانبي.
إلى النوافذ الطويلة.
إلى الباب الذي لمحته سابقًا.
ثم قالت:
“وأحيانًا تجعل البيوت واقفة وفارغة.”لم يرد.
لكنه سجّلها.
عرفت ذلك.وبعد ثوانٍ قليلة، انتهت اللحظة حين عادت أوديت إلى المجموعة بصوتها الناعم الثقيل، وعاد معها الهواء الاجتماعي كله.
لكن أورليا خرجت منها وهي تعرف شيئًا واحدًا على الأقل:
رولان لم يقرر بعد إن كانت خطرًا أو إضافة.
وهذا يمنحها وقتًا.
والوقت، في مهنتها القديمة والجديدة معًا، من أفضل العملات.في السيارة إلى فيريتاس مساءً، بدلت أورليا جلدها كله تقريبًا.ليس بالمعنى الحرفي.
بل ذلك التحول الذي تعرفه النساء جيدًا:
كيف تخرجين من بيت ثقيل بمزاج دفاعي، ثم ترتدين شيئًا آخر فتستعيدين جزءًا من نفسك لا علاقة له بالمواجهة المباشرة.الفستان الأزرق المائي فعل ما توقعته ليديا.
لا أكثر.
ولا أقل.
ينساب من الكتفين ببرود هادئ، يلتقط الضوء بدل أن يصرخ له، ويجعل الحركة حول الخصر أخف مما يجب.
شعرها هذه المرة تركته منسدلًا مع تثبيت جانبي بسيط.
والمكياج أدفأ قليلًا.
والعطر أقل براءة.كانت تعلم أنها ستذهب إلى فعالية بحرية متدرجة:
سطح خشبي،
ماء،
شمس هابطة،
ثم ضوء مسائي.
أي بيئة مثالية كي يصبح الجسد جزءًا من الحديث حتى لو لم يتكلم أحد عنه.استقبلتها ليديا أولًا، بالطبع.
تقف عند مدخل الرصيف الخاص كأنها من نظّمت الكون لا الدعوات فقط.“ها هي.”
قالتها وهي تأخذها بعينيها.
“الآن يمكنني أن أموت راضية.”قالت أورليا:
“أنت مرهقة بصوت مرتفع.”“وأنت جميلة بشكل عدائي.”
ثم أمسكت ذراعها.
“تعالي. لا تنظري مباشرة إلى اليمين.”نظرت أورليا مباشرة إلى اليمين.ورأت أوريون.كان يقف قرب الحافة الخشبية للرصيف، يتحدث إلى آدم.
قميص أبيض خفيف مفتوح عند العنق، أكمامه مطوية إلى ما تحت المرفقين، وبنطال داكن بسيط.
والأمر المزعج في الرجال مثله أنهم حين يخففون مظهرهم قليلًا لا يصبحون أقل خطرًا، بل أكثر.
كأن السلطة حين تخلع طبقة واحدة من ملابسها يصير النظر إليها أسوأ.قالت ليديا:
“أنتِ لا تسمعين التعليمات.”“أنا أكرهها.”“أنا أيضًا، لكنني ذكية بما يكفي لإعطائها.”كان يراها الآن.
هذا واضح.
ورغم المسافة، عرفت من سكونه نصف ثانية أنه انتبه.قالت ليديا:
“حسنًا. قبل أن يأتينا أحد الرجال بنظرته الهادئة المريضة، هناك فعالية صغيرة أولًا.”“ما هي؟”“لعبة فرق. شيء سخيف ممتع على الشاطئ الرملي الصغير قبل الصعود إلى اليخت.”أغمضت أورليا عينيها نصف إغماضة.
“أنت تمزحين.”“للأسف لا.”
ثم لمعت عينا ليديا.
“ودينيز في فريقك.”التفتت أورليا فورًا.
ورأت دينيز أبعد قليلاً، في شورت أبيض وقميص بحري قصير الأكمام، تلوّح لها بكل طاقة العالم.
وراءها ريان يضحك لسبب ما.
وتيو، نعم تيو، كان هناك أيضًا، وقد أقنع أحدًا بالغالب أن وجوده في فعالية راشدين خطوة حضارية ضرورية.قالت أورليا:
“كيف دخل تيو هنا؟”قالت ليديا:
“مع إيفلين.”
ثم ابتسمت.
“الولد يملك مستقبلًا في اختراق الأنظمة.”بدأت الفعالية بخفة سخيفة:
سباق صغير على الرمل،
ثم لعبة بحث عن أشياء مخفية قرب الشاطئ الخاص،
ثم تقسيم المشاركين إلى مجموعات.
كانت من تلك الأنشطة التي تبدو تافهة جدًا على الورق، ثم تكتشف أن الأثرياء إذا ملّوا بما يكفي سيتعاملون معها كأنها بطولة دولية.وكان فريق أورليا يضم:•دينيز•ريان•امرأة اجتماعية لم تحفظ اسمها•وتيو بوصفه “العضو السريع قصير القامة”قال تيو بفخر:
“روزي ستعتبر هذا تقدمًا استراتيجيًا.”قالت دينيز:
“أنا أعشق هذه العائلة المصغرة التي لديكم.”قال ريان، وهو يبتسم إلى أورليا:
“أشعر أنني انضممت إلى شيء أكبر منّي من دون استمارة.”أجابته أورليا:
“هذا لأنك تتكلم كثيرًا.”ضحك.
أما هي فالتفتت للحظة فقط، صدفة ظاهريًا، نحو مكان أوريون.
كان في الفريق الآخر.
طبعًا.
ويقف كما يقف الرجال الذين لا يؤمنون بالألعاب لكنهم نادرًا ما يخسرونها.بدأت الجولة.
وكانت أكثر حيوية مما توقعت.
ركض على الرمل،
ماء يصل إلى الكاحلين،
دينيز تصرخ تعليمات متضاربة،
ريان يتصرف كأنه نجم حملة صيفية،
وتيو يحمل علم الفريق الصغير بجدية طفل قرر أن المجد الوطني يمر من يده.أما أورليا، ففاجأت نفسها بكمّ المرح الذي دخلها سريعًا.
ربما لأن النهار كان أثقل مما يجب.
وربما لأن بعض النساء يزهرن في الحركة.
وحين تكون الشمس على الجلد والماء قريبًا والهواء مفتوحًا، يسقط عن الجسد جزء من دفاعاته المعتادة، ويصير أكثر حيوية، وأكثر صدقًا، وأكثر خطورة أيضًا.في الجولة الأخيرة كان عليهم التقاط شريط أزرق مربوط عند طرف العوامة البعيدة نسبيًا وإعادته.
ركضت دينيز أولًا.
ثم تراجعت وهي تضحك من الماء.
فمرّت أورليا من جانبها، ورفعت طرف فستانها الصيفي القصير المخصص للنشاط فوق ركبتيها، ونزلت إلى الماء أسرع مما توقع الفريق الآخر.
التقطت الشريط.
التفتت.
وعادت.وحين وصلت إلى الرمل، كانت تلهث وتضحك، وكتفاها يلمعان قليلًا من الماء، والشعر حول وجهها خرج من ترتيبه الناعم إلى شيء أصدق.رفع تيو الشريط في الهواء كأنه فتح مدينة.“فزنا!”صرخت دينيز.
وضحك ريان.
وصفق بعض من على الرصيف.وفي اللحظة التالية، التفتت أورليا تلقائيًا نحو أوريون.لم تفكر.
أو فكرت بسرعة خطيرة جدًا.كان واقفًا أبعد قليلًا، قرب الحافة الخشبية، ينظر إليها بذلك السكون المقلق نفسه. لا يصفق. لا يضحك. فقط ينظر. والشيء الأسوأ أنه بدا كأنه يعرف أن فرحتها الآن نصف حقيقية ونصف سلاح.وهذا كان كافيًا.ركضت نحوه.لم يكن الركض طويلًا.
ولا عقلانيًا.
ولا بريئًا بالكامل.
ضحكت وهي تصل.
ثم، قبل أن تعطي نفسها فرصة للتراجع، قفزت عليه بدفعة سريعة من الحماس المصطنع-الصادق.التقطها.
طبعًا التقطها.يداه أحاطتا بها بغريزة أسرع من التفكير.
واحدة عند ظهرها.
والأخرى تحت ثقلها مباشرة.
واللحظة كلها حدثت أسرع من أن يوقفها أحد.شعرت بجسده يتصلب تحتها.
لا من الرفض.
بل من الصدمة المضبوطة.كانت قريبة جدًا.
أقرب مما خططت له حتى هي.
والنصف الأسوأ من عقلها كان واعيًا تمامًا لما فعلته:
ضحكتها،
الماء على جلدها،
تنفسها السريع،
وأن رأسه صار في موضع أخطر مما تحب الاعتراف به حتى لنفسها.رفعت وجهها عنه قليلًا.
وقالت بمرح لاهث:
“قلت لك إن فريقنا سيفوز.”لم يجب فورًا.وهذا وحده كان إنذارًا.كانت عيناه، حين رفعت نظرها إليهما، أغمق من المعتاد.
لا برود فيهما الآن.
بل شيء ساكن، حار، ومشدود بقدر كافٍ ليجعل اللعبة كلها تبدو أغبى مما ينبغي.نزلت هي أولًا.
أو حاولت.
لكنه، في نصف ثانية سابقة لابتعادها الكامل، مال قليلًا — أو ربما لم يمل، وربما هي فقط أحست القرب أكثر مما وقع — وكانت هناك لمسة قصيرة جدًا، خاطفة، مزلزلة في مكان لم تكن تنوي أن يصبح جزءًا من المشهد أصلًا.تجمدت.تمامًا.ليست لمسة يمكن أن تصرخي وتشرحيها للناس.
وليست شيئًا يمكن أن تبتلعيه بسهولة أيضًا.ابتعدت فورًا.
دفعت كتفه دفعًا صغيرًا من الصدمة أكثر منه من الغضب.حدقت فيه.أما هو، فلم يعتذر.
ولم يتحرك كثيرًا أصلًا.
فقط ظل ينظر إليها.ثم، ببطء بالغ، هبطت عيناه إلى حيث تعرف هي أنهما لا يجب أن تذهبا.
وبقيتا هناك ثانية كاملة.
ربما أقل.
لكنها في جسدها كانت زمنًا آخر.ارتفع الدم إلى وجهها.
وهذا أسوأ ما في الأمر.
أنها لا تغضب فقط.
بل تشعر.
بوضوح.
وبقوة.قالت، بصوت أخفض مما أرادت:
“أنت—”لكن ريان وصل في اللحظة نفسها، يصفق ويضحك، وقتل ما تبقى من المشهد اجتماعيًا:
“هذا غش! لم أقل إن جائزة الفوز أن ترمي نفسها على المنافس!”ضحكت دينيز من الخلف بصوت عالٍ:
“بل هذه أفضل جائزة ممكنة!”أما أورليا، فاستعادت وجهها بسرعة قاتلة.
التفتت نحو الفريق.
رفعت الشريط الأزرق فوق رأسها.
وقالت:
“هذه مهارة. لا تبكوا.”وعادت الضوضاء.
عاد الناس.
عاد الهواء إلى شكله الاجتماعي.لكنها عرفت.
وهو عرف أنها عرفت.والأسوأ:
أن تكتيكها انقلب ضدها.
بالكامل.طوال الدقائق التالية،
حتى بعد أن انشغلت دينيز بسباق كلامي مع ريان،
وحتى بعد أن انحنى تيو يشرح لماذا كان دوره حاسمًا،
وحتى بعد أن صعد بعضهم إلى سطح اليخت،
كانت تشعر بنظره يعود إليها بين لحظة وأخرى.
ليس إلى وجهها دائمًا.
بل إلى الموضع الذي أحرجها أنها صارت واعية له.
حرارة ساكنة.
داكنة.
ومقصودة أكثر مما تحب.وكان هذا أسوأ من اللمسة نفسها.حين صعدوا إلى اليخت أخيرًا، كانت الشمس تميل إلى الانخفاض،
والخشب تحت الأقدام دافئًا،
والهواء المالح أخف من ثقل النهار.اختفت أورليا لدقائق عند الجناح السفلي لتبدل ملابس النشاط بما يناسب الرحلة اللاحقة.
خرجت بعد قليل مرتدية بكيني أنيقًا بلون عاجي مائل إلى الأزرق الخافت، وفوقه قطعة شفافة معقودة بخفة حول الخصر.
غطاء خفيف جدًا أكثر مما هو ثوب، يترك الحركة تفعل ما تشاء.
وشعرها بقي منسدلًا على كتفيها مع بعض التموجات التي سببها الماء والهواء.حين صعدت الدرج المعدني القصير إلى السطح العلوي، أحست بالنظر قبل أن تحدد مصدره.
ليس نظرات الرجال عمومًا.
هذه تعرفها وتعرف كيف تمر بينها.
بل نظرته هو بالذات.كان عند الجهة الأخرى من السطح، يتحدث مع آدم.
توقفت جملة آدم نصف ثانية، وهذا وحده كشف أن أوريون لم يعد يسمعها كاملة.
رفع عينيه.
ورآها.ومن أسوأ صفات الرجل أنه لا يحتاج أن يطيل النظر كثيرًا ليجعلك تشعرين أن جلدك صار أكثر وعيًا بنفسه.قالت ليديا، التي ظهرت من العدم كأنها أم روحية للفوضى:
“حسنًا.”
ثم أخذت أورليا من المرفق.
“لو لم أكن أحبك لكرهتك الآن.”قالت أورليا من غير أن تنظر إليها:
“لأنني جميلة؟”“لأنك تعرفين أنك جميلة حين تغضبين، وهذا غير عادل.”أعطتها أورليا نظرة جانبية.
“أنا لا أغضب.”قالت ليديا:
“وجهك يقول عكس ذلك.”
ثم لمعت عيناها.
“هل حصل شيء تحت الرصيف هناك؟”“لا.”“إذن حصل.”
ثم خفضت صوتها.
“عيناك تقولان: أريد قتله وربما عضّه.”ضحكت أورليا رغماً عنها.
“أنت مقرفة.”“وأنا دقيقة.”تفرقت المجموعة قليلًا بعد ذلك.
بعضهم عند المشروبات الباردة.
آخرون عند الطرف حيث يمكن الجلوس ومد الساقين نحو الماء.
ريان يدور بين النساء كأنه اختُرع لهذا الضوء.
دينيز عند الدرابزين تضحك بشراسة على شيء قاله تيو.
وسيلفان، نعم، كان هناك أيضًا، في ظل أقرب، أقل راحة من الجميع لكنه موجود، وهذه وحدها معجزة صغيرة.أما أوريون فبقي حيث هو.
لا يقترب.
ولا ينسحب.
فقط يترك المسافة تؤدي خدمتها القديمة.
وهذا، للأسف، كان ينجح.اقتربت أورليا من طاولة المشروبات.
أخذت كأسًا باردًا.
ثم أحست به قبل أن يقف بجانبها.قال من غير مقدمة:
“فريقك يتصرف بفوضى.”أجابت وهي تنظر إلى البحر لا إليه:
“هكذا يفوزون.”“هل هذه خطتك دائمًا؟”“أي خطة؟”سكت لحظة.
ثم قال:
“الاندفاع حين تريدين شيئًا.”رفعت الكأس إلى شفتيها.
ثم التفتت إليه أخيرًا.“أنت تخلط بين الحماس والانتصار.”“لا.”
قالها بهدوء.
“أنا لا أخلط.”وهبط الصمت ثانية.
هذا الصمت بالذات، بينهما، صار له وزن جسدي تقريبًا.
يمكن أن تقيسه في التنفس لا في الثواني.قالت، أخفض قليلًا:
“كنت أحتفل.”“أعرف.”“إذن؟”ثبت عينيه عليها.
ثم قال:
“كونكِ تعنين شيئًا لا يجعل أثره أقل.”شعرت بحرارة صاعدة في عنقها.
وكرهت ذلك.قالت:
“يبدو أنك متأثر جدًا بلعبة شاطئ.”مال قليلًا.
ليس بما يكفي ليعد اقترابًا واضحًا.
لكن بما يكفي لتشعر أن الهواء بينهما تقلص.“أنتِ لستِ لعبة شاطئ.”هذه الجملة، أكثر من أي شيء آخر، هي التي أجبرتها على الابتعاد نصف خطوة.
استدارت كأنها تعيد وضع الكأس فقط.
ثم قالت:
“جيد. لأنني أكره أن أُصنَّف بتفاهة.”قال:
“وأكره أنا أن تتظاهري أن كل ما تفعلينه مزاح.”نظرت إليه.
وصار واضحًا الآن أنه لم ينسَ.
ولا سيتصرف كأنه نسي.قالت، بصوت أقل صلابة:
“وهل كل ما أفعله ليس مزاحًا؟”نزلت عيناه عليها مرة أخرى.
هذه المرة إلى وجهها أولًا.
ثم، ببطء يكرهها، إلى الأسفل ثانية.
لا وقاحة صريحة فيه.
ولا حياد.
شيء ثالث أسوأ.
امتلاك مؤقت للنظر.
ثم عادت العينان إلى عينيها.“لا.”هذه الـ “لا” وحدها كانت كافية لتجعلها تريد صفعه أو جرّه من ياقة قميصه.
وهذا أحد التعريفات السيئة جدًا للانجذاب.قالت ليديا من بعيد:
“أورليا! تعالي قبل أن يأخذ ريان الكرسي الأفضل!”كان النداء نجدة، وإن لم تعترف بذلك.أجابت من غير أن ترفع صوتها:
“أنا قادمة.”ثم نظرت إلى أوريون آخر مرة.
“استمتع ببرودك.”قال:
“استمتعتِ به أقل من اللازم حتى الآن.”ولم يمنحها فرصة للرد.
تحرك وابتعد.وبقيت هي مكانها ثانية،
يدها على الكأس،
نفسها غير مرتب تمامًا،
وعقلها يقول بوضوح لم يعجبها:
هذا الرجل لا يرتبك بصمت فقط بعد الآن.
إنه بدأ يرد.وبجرأة أسوأ من الصراحة
.نهاية الفصل الرابع عشر