الفصل التاسع عشر: الشك الذي يعود متأخرًا
في الطريق إلى البيت، لم تقل أورليا الكثير.ومارسيل، لحسن حظه أو تعبه، لم يطلب الكثير أيضًا.كان الهاتف الآخر بين يديه في المقعد الأمامي، يعيد فتح الصور ثم يغلقها ثم يفتحها مرة أخرى، بينما ظلت أورليا تنظر من النافذة إلى المدينة التي تمر في خطوط ضوئية مكسورة، وفي داخلها ذلك النوع من الصمت الذي لا يكون هدوءًا، بل ازدحامًا شديدًا فقد الرغبة في الكلام.قال مارسيل أخيرًا، من غير أن ينظر إليها:“الصور جيدة.”لم ترد.فأضاف بعد لحظة:“وليست قليلة.”أغمضت عينيها.
“أنا أعرف.”“لكن الثمن كان غبيًا.”هذه المرة، فتحت عينيها والتفتت إليه.
“الثمن لم يكن الشجرة.”قال:
“أعرف.”
ثم سكت ثانية.
“ولهذا أنا منزعج أكثر.”عاد الصمت.المدينة في الخارج كانت تلمع بأسلوبها الكاذب المعتاد، والسيارات تنساب كأن العالم كله يسير على نظام أنيق، بينما كان جسد أورليا لا يزال يتذكر:
حافة النافذة،
الغصن،
اللحظة المهينة التي تعلقت فيها،
ثم يديه وهو يلتقطها،
ثم الأسوأ من كل ذلك:
أنه لم يبدُ متفاجئًا بوجودها في ذلك المكان بقدر ما بدا… مؤكدًا لشيء ما.قالت، بصوت أخفض:
“هو كان هناك.”أجاب مارسيل:
“هذا الجزء الذي لم يعجبني في حياتي قبل أن أسمعه.”“كأنه كان يعرف أني سأكون هناك.”“هل كان يعرف؟”نظرت أمامها.
ثم قالت:
“لا.”
وتوقفت.
“لكنني لا أحب أن أقول لا بثقة.”أراح مارسيل الهاتف على حجره.
ثم قال:
“هل قال شيئًا؟”ضحكت ضحكة قصيرة بلا فرح.
“هل تملك الليلة الكاملة؟”“إذا كان الأمر يخصه، نعم.”مررت أورليا يدها على جبينها.
ثم قالت:
“قال ما يكفي ليكون مزعجًا.”
ثم أضافت ببطء:
“وما يكفي ليجعلني أشعر أنه صار يرى أشياء أكثر مما يجب.”لم يرد مارسيل فورًا.
بقي ساكنًا ثواني، ثم قال:
“هذا ليس جديدًا.”التفتت إليه بحدة صغيرة.
“لا أحتاج الآن إلى حكم بأثر رجعي.”“وأنا لا أحتاج أن أذكرك بأن الرجل ليس غبيًا.”
ثم أكمل، بنبرة أكثر صرامة:
“هو يراك في الدوائر الاجتماعية. في النادي. في فيريتاس. في البيوت. والليلة رآكِ تخرجين من نافذة.”
وتوقف.
“إذا لم يعد الشك إليه بعد هذا، فهو أحمق. وأنا لا أظنه كذلك.”سكنت الجملة في داخلها.
لأنها صحيحة.
ولأنها كانت تعرفها أصلًا.
ولأن سماع الحقيقة من شخص آخر يجعلها أكثر وزنًا حتى لو لم يضف إليها شيئًا جديدًا.قالت:
“الاسم مختلف.”“نعم.”“والوجه مختلف.”
ثم أضافت، كأنها تقنع نفسها:
“والحياة مختلفة.”قال مارسيل:
“لكن العيون ليست مختلفة.”حدقت فيه.
ثم أعادت نظرها إلى الشارع.هذا هو الجزء السيئ.
أن بعض الأشياء لا تتغير.
ليس مهما كم اسمًا تعطيه لنفسك.
ولا كم مالًا تخزن.
ولا كم لوحة تعلق على الجدار لتثبت أنك صرت امرأة جديدة.
العينان اللتان رأتاك في زمن قذر ومختصر قد تعرفانك ثانية، حتى لو احتاجتا وقتًا أطول مما يريحك.قالت أخيرًا:
“هو لا يملك شيئًا بعد.”“لا.”
قالها مارسيل بهدوء.
“لكنه يملك الشك.”
ثم أضاف:
“والشك عند الرجال مثله أخطر من المعلومة أحيانًا.”لم ترد.
لأنها لا تملك ردًا أفضل من الحقيقة.في الجهة الأخرى من المدينة، وفي ساعة متأخرة مما يفترض أن يسمح بها الجدول لأي رجل عاقل، كان أوريون في مكتبه.المدينة خلف الزجاج مضاءة على نحو باهت الآن، أهدأ من صخب النهار، وأكثر صدقًا بقليل. الملف المفتوح أمامه لم يتغير منذ عشر دقائق، والقلم بين أصابعه لم يُكتب به شيء منذ أطول من ذلك.آدم كان ما يزال في الغرفة.
يجلس قرب الطاولة الجانبية، يراجع شيئًا على جهازه اللوحي، لكنه من النوع الذي يلاحظ الصمت حين يتغير نوعه.قال من غير أن يرفع عينيه:
“إذا كنت ستظل تنظر إلى الصفحة نفسها، يمكنني أن أطفئ النور وننهي هذا التمثيل.”لم يجب أوريون فورًا.ثم قال:
“أنت تتكلم أكثر في الليل.”“وأنت تفكر أسوأ في الليل.”
رفع آدم بصره إليه هذه المرة.
“هل هي المشكلة؟ أم الملف؟”أعاد أوريون القلم إلى الطاولة.
ثم قال:
“إذا كان عليّ أن أجيب، فهذه إهانة.”أغلق آدم جهازه.
“إذن هي.”سكت أوريون.
نظر إلى الزجاج.
إلى انعكاسه الباهت.
إلى الرجل الذي صار، بعد كل هذه السنوات، قادرًا على حمل اسم العائلة ووزنها ومشاريعها وغرفها المغلقة.
ثم، على نحو غير مريح، إلى الرجل الآخر الذي لم يمت تمامًا:
الصبي المجروح، ابن البيت الثاني، الذي كان يُنادى باسم آخر في ممرات أخرى، والذي عرف امرأة لم يكن من المفترض أن تبقى في ذاكرته إلى الآن.قال آدم، أهدأ:
“عاد إليك شيء؟”أجابه أوريون بعد لحظة:
“لم يذهب أصلًا.”وهذا، بينهما، كان اعترافًا يكفي.نهض آدم.
اقترب من المكتب.
ووضع أمامه الملف الذي كان يحمله.“هذا يخص السامر.”
ثم أضاف:
“وصلتني الإشارة قبل ساعة.”تحرك انتباه أوريون فورًا.
فتح الملف.
فيه صفحات قصيرة، لا شيء مفصلًا بما يكفي ليكون قضية، لكن ما يكفي ليبقى بيت السامر تحت عين لا تنام تمامًا:
شركات وسيطة.
تحويلات في توقيتات غريبة.
اسم واحد يتكرر في مشاريع ظاهرها مدني، لكن خلفيتها أقل وضوحًا.قال آدم:
“ليس شيئًا نضرب عليه بعد.”
ثم أضاف:
“لكنه ليس نظيفًا.”قلّب أوريون الصفحة الثانية.
ثم قال:
“وهي كانت هناك الليلة.”لم تكن جملة سؤال.
بل حقيقة.قال آدم:
“أعرف.”
ثم سكت لحظة.
“هل كانت صدفة؟”رفع أوريون نظره.“متى كانت هي صدفة؟”لم يجب آدم.
وهذا لا يحتاج جوابًا.أعاد أوريون النظر إلى الملف.
لكن ما كان يراه في رأسه لم يكن الأرقام.
بل نافذة.
وشجرة.
وجسدًا معلقًا في وضع مهين، حي، غاضب.
ثم وجهها بعد أن أنزلها.
ثم إصرارها أن تذهب وهي تعلم أنه رأى.هذا ليس سلوك امرأة مدللة دخلت الحياة متأخرة باسم لامع، كما يُفترض أن تبدو أورليا ڤان روز.
هذا سلوك امرأة تعرف البيوت من جهة أخرى.
تعرف المخارج.
تعرف متى تقفز.
وتعرف كيف تحمل في حقيبتها أكثر من أحمر الشفاه والمفاتيح.قال آدم:
“هل ستراقبها؟”أغلق أوريون الملف.“أنا أراقبها أصلًا.”“أكثر.”سكت.
ثم قال:
“نعم.”أخذ آدم نفسًا قصيرًا.
منذ الدراسة، كان يعرف أن الصمت عند أوريون لا يعني دائمًا البرود.
أحيانًا يعني العكس تمامًا.
يعني أن الشيء دخل أعمق من أن يناقش بسهولة.قال:
“هل تظن أنها مرتبطة بشيء قديم؟”سكنت عينا أوريون ثانية.هذا هو السؤال القذر.
السؤال الذي لم يمنح نفسه له كاملًا حتى الآن لأنه، إن فتحه، لن يستطيع إعادته إلى مكانه بسهولة.أورليا ڤان روز.
اسم ظهر قبل سنوات قليلة فقط،
وبشكل مرتب أكثر من اللازم،
كأنه خرج من يد تعرف كيف تصنع أنسابًا قابلة للتصديق.
امرأة تقول إنها انتقلت فجأة بعد يتم مبكر،
وتبني سمعة راقية بسرعة لا ينالها عادة من يبدأ من الصفر.
ومعها طفلة/أخت.
ورقة الميلاد التي ظهرت في توقيت مثير للاهتمام إذا فكرت فيه طويلًا.
طويلًا بما يكفي.قال أخيرًا:
“أظن أن اسمها لم يبدأ معها.”نظر آدم إليه من غير تعليق.ثم قال أوريون:
“وأظن أن الطفلة ليست ما تقول.”سكتت الغرفة.
لا لأن الجملة مروعة وحدها،
بل لأنها حين خرجت، خرجت من مكان كان صامتًا طويلًا.قال آدم بعد لحظة:
“بناء على ماذا؟”لم يجب فورًا.
ثم قال:
“على التوقيت.”
وقلب صفحة من الملف.
“قبل أربع أو خمس سنوات فقط بدأت الأوراق تستقر حولها كأنها كانت موجودة دائمًا.”
ثم رفع نظره.
“هذا ليس تاريخ امرأة ولدت داخل اسمها. هذا تاريخ امرأة بُني لها اسم.”أومأ آدم ببطء.
ثم قال:
“والطفلة؟”“في العمر المناسب لتكون جزءًا من هذا البناء.”
ثم أضاف، بصوت لا يخلو من شيء أغمق:
“والطريقة التي تنظر بها إليها ليست طريقة أخت.”بقي آدم صامتًا.
ثم سأل:
“هل تنوي أن تنبش هذا؟”رفع أوريون عينيه إليه.
“نعم.”
“ولماذا؟”
ثم أضاف، قبل أن يترك له فرصة الكذب:
“لا تعطِني جوابًا عمليًا.”ظل أوريون ساكنًا.
ثم قال:
“لأنني لا أريد أن تختفي مرة أخرى وأنا لا أعرف من هي.”وكان هذا هو الجواب الحقيقي.
ليس كاملًا.
لكنه حقيقي بالقدر الذي يهم.في البيت، كانت أورليا قد عادت إلى جناحها بعد منتصف الليل، لكنها لم تنم سريعًا.
وضعت الصندوق الخشبي فوق الطاولة.
أخرجت الهاتف الآخر.
راجعت الصور مرة.
ثم ثانية.
ثم أرسلت النسخ المؤمنة إلى مارسيل عبر القناة التي لا تستعملها إلا حين تريد أن يبقى شيء بعيدًا عن العالم كله.بعد ذلك فقط، جلست على الأرض عند طرف السرير، ظهرها إلى الإطار الخشبي، والصندوق مفتوح بجانبها.كتبت في الدفتر:•الليلة نجحت•لكن الخط صار أضيق•أوريون رأى أكثر مما يجب•السامر لا يعودون بيتًا فقط•يجب أن أفكر باسم روزي أيضًاتوقفت.
وأعادت النظر إلى الجملة الأخيرة.هذا هو مركز كل شيء.
ليس الحب.
ولا الخطر وحده.
ولا الماضي.
بل روزي.إذا عاد الشك إليه حقًا،
إذا بدأ يحفر،
فلن يقف عند الاسم.
وسيمر بالطبع من خلالها.
الطفلة التي تظهر كأخت على الورق،
وتتحرك في البيت كشيء أعمق من ذلك بكثير.
والورق؟
الورق جيد.
لكن الورق الجيد ليس حصنًا أمام رجل يملك الوقت والشك والمال.أغلقت الدفتر ببطء.
ثم نهضت.
أخفت الصندوق.
وذهبت إلى السرير وهي تكره شيئًا واحدًا أكثر من كل ما حدث:
أنه لم يعد ممكنًا أن تتعامل مع أوريون كخطر جسدي أو اجتماعي فقط.
بل صار خطرًا على السردية نفسها.
على النسخة التي صنعتها بيديها.
على الاسم.
على الترتيب.
على الحياة التي بنتها كأنها نهائية.نامت متأخرة.
وعيناها لم تنطفئا بسرعة.في صباح اليوم التالي، بدا البيت عاديًا بشكل مؤلم.أودري ترتب المائدة.
روزي نزلت متأخرة قليلًا لأن عندها اختبارًا قصيرًا في المدرسة.
والضوء في المطبخ ناعم ومألوف.
وهذا النوع من الصباحات يجرحها أحيانًا أكثر من الليالي الخطرة.
لأنها ترى بوضوح ما الذي تخاف عليه.قالت روزي وهي تسحب كرسيها:
“أنتِ عادتِ متأخرة.”قالت أورليا:
“قليلًا.”“وكيف كان العمل؟”رفعت الفنجان.
ثم نظرت إليها.
“مفيدًا.”قالت روزي:
“ومزعجًا؟”سكتت أورليا لحظة.
ثم قالت:
“أحيانًا يسير الأمران معًا.”أومأت روزي كأن هذا مقبول.
ثم بدأت تأكل من غير مزيد من التحقيق.
لكن أثناء ذلك، رفعت أودري صحيفة صغيرة كانت قرب الباب، وقالت:
“هناك صورة من فيريتاس أمس.”تجمد شيء صغير داخل أورليا.“أي صورة؟”وضعتها أودري قربها.
زاوية من الرصيف.
فريق يضحك.
ريان يرفع يده.
دينيز بعينين مشتعلتين.
وتيو في الخلفية بشكل غير قانوني.
وفي طرف الصورة، هي.
وأوريون.
ليسا في عناق الآن،
لكن اللحظة مأخوذة بعد ثوانٍ كافية ليبقى القرب مفهومًا.قالت أودري:
“ليست سيئة.”قالت روزي، من الجهة الأخرى:
“هي سيئة.”رفعت أورليا عينها من الصورة إلى الطفلة.“بأي معنى؟”“بمعنى أنها ستجعل الناس يتكلمون.”
ثم مدت يدها وأدارت الصحيفة أكثر.
“وهذا الرجل لا يبدو في العادة كمن يلتقطه الناس في هذه المسافة مع امرأة.”أودري قالت:
“روزي.”قالت روزي:
“أنا لا أنتقد. أنا أقيّم الضرر.”أخذت أورليا الصحيفة.
نظرت إلى الصورة طويلًا.
ثم طوتها.
ووضعتها جانبًا.“حسنًا.”
قالتها بهدوء أكثر مما شعرت.
“إذن سيتكلمون.”قالت روزي:
“وهل هذا يزعجك؟”نظرت إليها.
ثم قالت:
“يعتمد على من سيصدق ماذا.”وهنا فقط، رفعت روزي نظرها بالكامل.
كانت الطفلة ذكية بما يكفي لتسمع الفرق بين جواب عابر وجواب يخفي عمقًا.
لكنها، لحسن الحظ، لم تضغط.
فقط قالت:
“إذا صرتِ تتصدرين الصور، أريد نسبة.”ضحكت أودري.
أما أورليا، فأخذت القهوة وشربت.في مكتبه، في الوقت نفسه تقريبًا، كانت الصورة نفسها على شاشة هاتف أوريون.لم يرسلها أحد من النوع الذي يرسل النميمة.
بل آدم.
وهذا وحده يكفي ليقول إن الصورة خرجت من إطار الحفل إلى إطار المراقبة.دخل آدم من غير طرق، كما يفعل دائمًا.“ظهرت.”أغلق أوريون الشاشة.
“أعرف.”“هل يزعجك؟”“لا.”سكت آدم ثانية.
ثم قال:
“هذا كذب.”نظر إليه أوريون.
لكن آدم أكمل:
“لا لأنها معك في الصورة.”
ثم أضاف، أكثر بطئًا:
“بل لأن الصورة تمنح الآخرين نسخة سهلة من شيء ليس سهلًا.”وهذا، للأسف، دقيق.أعاد أوريون الهاتف إلى الطاولة.
ثم قال:
“أريد ملف الولادة.”“الطفلة؟”“نعم.”وقف آدم لحظة بلا حركة.
ثم قال:
“هذا طريق سيئ.”“أعرف.”“وستفعلها؟”“نعم.”أومأ آدم ببطء.
ثم قال:
“إذا كان هناك تزوير، لن يظهر كاملًا بسهولة.”“أريد التوقيت فقط.”
ثم أضاف:
“متى استقرت الأوراق نهائيًا.”“حسنًا.”غادر آدم بعدها بدقائق.
وبقي أوريون وحده مع الشاشة السوداء المنعكسة على سطحها صورته هو.لم يكن يريد أن يفضحها.
ليس بعد.
ولا يريد أن يواجهها بشيء لم يمسكه بيده.
لكن الشك الآن لم يعد قابلًا للإرجاع.اسم مختلف.
حياة ظهرت دفعة واحدة.
طفلة ليست أختًا في عينيه مهما قالت الأوراق.
وعينان،
نفس العينين،
حتى لو جاءتا هذه المرة وسط الحرير والضوء واللوحات بدل الممرات القذرة القديمة.قال بصوت منخفض، إلى الغرفة لا إلى نفسه:
“من أنتِ الآن فعلًا؟”أما أورليا، فكان عليها أن تمضي في يومها كأن شيئًا لم يتغير.
وهذا هو الجزء الأصعب دائمًا.
ليس القفز من النوافذ.
بل الجلوس بعد ذلك في الأتيليه، وتعليق رسومات الأطفال، والرد على امرأة تريد درس بيانو خاصًا لابنة لا تحب الموسيقى أصلًا، وكأن العالم لم يضق من زاوية ما في الليل.وصلت إلى الأتيليه قبل الظهر بقليل.
وفي القاعة الرئيسية، كانت اليوم أقل ازدحامًا.
هذا جيد.
يسمح للأفكار أن تمشي قليلًا من غير أن يدهسها صوت ميرا أو حماس تيو.كان لديها درس خاص في النادي الهادئ الملحق بالأتيليه:
قاعة أصغر،
نافذة تطل على الحديقة الجانبية،
وبيانو أسود لامع تعرف أمامه دائمًا أنها تمثل أكثر مما تحب.الطالبة هذه المرة فتاة في الحادية عشرة من عمرها، اسمها إيلين، من النوع الذي تلبس أمها الكمال عليها كما تلبسها شريطة الشعر.
جلست أمام البيانو، ويداها صغيرتان ومتيبستان من الخوف أكثر من الجهد.قالت أورليا بلطف هادئ:
“لا تنظري إلى المفاتيح كأنها لجنة حكم.”رفعت إيلين عينيها، مرتبكة.
“أنا أخطئ.”“كلنا نخطئ.”
ثم جلست قربها.
“الفرق فقط أن بعض الناس يملكون شعرًا مرتبًا أكثر حين يفعلون ذلك.”ضحكت الفتاة أخيرًا.
وهذا كفى.
الأطفال حين يضحكون مرة، يصبح الخط الأول فيهم ألين.بدأت الحصة.
وأورليا، كعادتها، عرفت كيف تخفي متوسطة مهارتها تحت أشياء أخرى:•اختيار مقطوعة آمنة•شرح يعتمد على الإحساس أكثر من التقنية المعقدة•لمس خفيف للوتيرة•وثقة في النبرة تجعل الأم الواقفـة عند الباب تنبهر أكثر مما يجبوهذا هو الجزء الذي لم تحبه في هذه النسخة من حياتها.
الرسم هو المكان الذي تكون فيه حقيقية.
أما البيانو، فهو المكان الذي تعرف كيف تكون فيه كافية فقط.
وهذا ينجح.
لكن النجاح لا يعني دائمًا المحبة.قالت أم الطفلة بعد انتهاء الحصة:
“أنتِ تجعلين الأمر يبدو سهلًا.”ابتسمت أورليا ابتسامتها المريحة.
“هذا من حسن حظنا جميعًا.”لكن حين خرجت الأم،
وبقيت هي وحدها لحظة مع البيانو اللامع،
مرت في داخلها الفكرة التي تعرفها جيدًا:
يومًا ما، حين تنتهي،
لن تضطر إلى هذه النسخة.
لن تحتاج إلى شهادات محسنة.
ولا إلى لمسات ناقصة على آلة لا تشبهها.
ستبقى فقط مع اللوحات.
وهذا يكفيها.في العصر، دخلت دينيز إلى الأتيليه من غير إعلان، كعادتها،
لكنها لم تكن وحدها.
كان معها تيو، يحمل صندوقًا صغيرًا من الحلوى كأنه رسالة سلام من دولة أخرى.قال تيو فورًا:
“روزي ليست هنا، لذا أنا أملك حرية القرار.”قالت أورليا:
“هذه بداية كارثة.”قالت دينيز:
“هو أراد أن يثبت أنه ليس مجرد تابع.”قال تيو، مجروحًا:
“أنا ذراع يمنى.”قالت كلارا، التي كانت موجودة مصادفة هذه المرة لتسليم شيء ثم العودة:
“الذراع اليمنى لا تجلب الحلوى من دون إذن.”تنهد تيو.
“الجميع يحاصرني.”ضحكت أورليا.
ثم أشارت إلى الصندوق.
“ضعيه هناك قبل أن يتحول إلى قضية أخلاقية.”جلست دينيز على طرف الطاولة.
وأخذت تنظر إلى القاعة.
ثم إلى أورليا.
ثم قالت:
“أنتِ لستِ بخير تمامًا.”رفعت أورليا حاجبًا.
“أهذه موضة اليوم؟ الجميع صار يقرأ وجهي؟”قالت دينيز:
“لا.”
ثم أضافت، بعفوية غير محروسة:
“لكن سيلفان قال إنك أمس كنتِ تبدين مثل شخص خرج من شيء.”تجمدت عين أورليا جزءًا من الثانية.
ثم قالت:
“سيلفان يتخيل.”قالت دينيز:
“آه.”
ثم ابتسمت نصف ابتسامة.
“إذن هذا صحيح.”ومن الجهة الأخرى، دخل سيلفان نفسه في التوقيت الأسوأ الممكن، وسمع نصف الجملة الأخيرة.
توقف عند الباب.
ثم قال:
“أنا لم أقل—”قالت دينيز فورًا:
“بل قلت.”قال:
“أنتِ سيئة.”قالت:
“وأنت بطيء جدًا.”أما أورليا، فأسندت نفسها إلى الطاولة، ونظرت إليهما، وفكرت أن هذه الفوضى الصغيرة تنقذها أحيانًا من أن تتحول إلى آلة تفكير خطيرة.لكن في عمق اليوم، خلف الضحك والحلوى والبيانو والأطفال،
كان هناك شيء آخر يتحرك.
في مكان بعيد عنها،
لكن باتجاهها.رجل بدأ يشك.
ويملك من السلطة ما يكفي ليمشي خلف الشك حتى آخره.
وإذا وصل يومًا إلى روزي،
فلن يكون ذلك صدفة.
بل نتيجة.وهذا، أكثر من كل شيء،
هو ما جعل نهاية اليوم لا تشبه بدايته.
نهاية الفصل التاسع عشر