لفصل العشرون: ما يُرى في الضوء وما يُخفى خلفه
حين وصلت أورليا إلى الأتيليه في صباح اليوم التالي، كانت ساندي قد سبقتها كعادتها.ومن الأشياء التي تحبها أورليا في ساندي أنها لا تدخل المكان كموظفة.
بل كجزء من آلية خفية تحفظ اليوم من الانهيار.
لا تصنع ضجيجًا حول كفاءتها،
ولا تدّعي فهم كل شيء،
لكنها، بطريقة مريحة جدًا، دائمًا تكون قد رتبت ما يجب قبل أن تضطر أورليا إلى التفكير فيه.كانت القاعة الرئيسية نصف جاهزة.
الطاولات نظيفة،
قوائم الطلاب على الحامل الصغير قرب المدخل،
وصندوق الشحن الجديد من أقلام الفحم مفتوحًا بعناية، وكل شيء فيه مصنف كما لو أن أحدًا احترم الفوضى المتوقعة فسبقها بالنظام.وقفت أورليا عند المدخل لحظة، وأخذت المشهد كله بعينيها.كانت ساندي في آخر القاعة، ترتب مجموعة ألواح بيضاء مائلة على الجدار.
شعرها البني الفاتح مربوط إلى الخلف بإحكام، وقميصها الأزرق السماوي مطوي الأكمام، ووجهها يحمل ذلك الهدوء الذي يجعلها تبدو دائمًا أصغر أو أكبر من عمرها بحسب الضوء.قالت أورليا وهي تدخل:
“أخاف اليوم الذي تكتشفين فيه أن هذا المكان يستطيع العيش من دوني.”رفعت ساندي رأسها، ونظرت إليها بابتسامة قصيرة معتادة.“لن يحدث.”
ثم أضافت:
“أنتِ الفوضى الراقية هنا. أنا فقط أحاول أن أجعلها قابلة للإدارة.”ضحكت أورليا رغمًا عنها.
ثم خلعت نظارتها الشمسية ووضعتها على الطاولة الأقرب.“هذا أفضل تعريف سمعته عن نفسي هذا الأسبوع.”تقدمت ساندي نحوها، وفي يدها ملف صغير.“وأنتِ تأخرتِ ثلاث دقائق.”ضيقت أورليا عينيها.
“هل بدأتِ أيضًا؟”“أنا لا أبدأ. أنا أوثق.”
ثم فتحت الملف.
“عندك اليوم:•مجموعة الناشئين في العاشرة•مراجعة فردية مع سيلفان بعد الظهر•اتصال مع لجنة المعرض•وطلب جديد من سيدة تريد درس بيانو خاصًا لابنتها”وتوقفت ثانية.
“ورفضتُه مبدئيًا لأن الوقت سيئ.”نظرت إليها أورليا.
ثم ابتسمت ببطء.“يا إلهي.”
ثم أخذت الملف من يدها.
“أنتِ تزدادين قيمة كل يوم.”قالت ساندي:
“لهذا يجب أن تدفعي لي أكثر.”قالت أورليا:
“هذا طمع مقرف.”“هذا وعي طبقي.”ضحكت أورليا مرة أخرى، ومشت باتجاه الغرفة الخلفية.
وللحظة، وهي تفتح الباب الخشبي، فكرت أن وجود ساندي وحده من الأشياء القليلة في حياتها الحالية التي تشعرها بأن هذا المشروع حقيقي.
ليس مجرد غطاء.
ولا مجرد حياة مصنوعة للفرار.
بل مكان فيه امرأة أخرى تأتي كل صباح، وترتب، وتسأل، وتعرف أسماء الطلاب، وتفهم معنى أن يكون للضوء ترتيب وللفوضى جدول.في الغرفة الخلفية، كانت لوحاتها الأربع مصطفة إلى الجدار.
أربع فقط.
ولم تكن أي واحدة منها مكتملة تمامًا.وهذا، عندها، طبيعي.هي لا ترسم أعمالًا كثيرة.
ولا تعرف كيف تكون من الرسامين الذين يخرجون من كل شهر بمجموعة جاهزة للبيع.
لوحاتها تأخذ وقتًا طويلًا.
تتعب معها.
تتغير خلالها مرات عديدة.
وتظل أحيانًا لأيام أو أسابيع في مرحلة لا تحب أن يراها أحد.وقفت أمامها واحدة واحدة.الأولى:
فضاء أزرق رمادي، وفي وسطه شكل أنثوي بعيد، نصف شفاف تقريبًا، كأنه يطل من بين سحابتين ولا يقرر النزول.
الثانية:
نافذة بيضاء طويلة مفتوحة على ضوء لا نعرف هل هو فجر أم آخر النهار، وأسفلها ظل جسد جالس لا يظهر كاملًا.
الثالثة:
مساحة ذهبية باهتة، فيها شيء يشبه جناحين أو قماشًا مرفوعًا أو حلمًا يكاد يتشكل.
والرابعة:
امرأة عند حافة شيء، رأسها منحني قليلًا، وخلفها اتساع سماوي بارد، كما لو أنها تجلس عند طرف عالم لا عند طرف كرسي.قالت أورليا بصوت خافت:
“أربع فقط.”
ثم مررت أصابعها على طرف الإطار الخشبي لإحداها.
“وهذا أكثر من كافٍ.”لوحاتها، كما تحبها، لا تقول كل شيء.
تلمّح.
تفتح.
تترك فراغًا.
وفيها دائمًا شيء سماوي، نعم،
لكن ليس سماويًا بريئًا.
بل ذلك النوع من العلوّ الحالم الذي يأتي وفيه وحدة، وبعد، وشوق غير مفسر، كأن السماء نفسها شيء جميل لكنه لا يهبط لينقذ أحدًا.سمعت حركة ساندي عند الباب المفتوح.قالت ساندي:
“اللجنة أكدت مكالمة الظهر.”
ثم نظرت إلى اللوحات.
“والثالثة أفضل من أمس.”التفتت أورليا.
“أي ثالثة؟”أشارت ساندي.
“هذه.”
ثم اقتربت منها.
“الفراغ فيها صار متعمدًا أكثر، أقل ترددًا.”نظرت أورليا إلى اللوحة.
ثم إلى ساندي.“هل أدفع لكِ أيضًا على قراءة روحي؟”قالت ساندي:
“لا. هذه خدمة مجانية لأني لطيفة.”
ثم أضافت، بعينين تعرفان ماذا تقولان:
“لكن عليكِ أن تختاري قريبًا أيها يخرج مع لوحات الناشئين. لا يمكن أن تبقي الأربعة معلقة في حال نصف حياة.”أخفضت أورليا نظرها قليلًا.
هذه ملاحظة صحيحة.
المعرض ليس معرضها وحدها.
هو للناشئين أولًا.
ولذلك بالضبط تريد أن تكون لوحاتها قليلة.
لا تريد أن تبتلعهم.
تريد فقط أن تكون مثل ضوء مرتفع في آخر القاعة،
يرى الناس من خلاله الطريق الطويل الذي يمكن أن تصل إليه اليد إذا بقيت صادقة بما يكفي.قالت:
“أربع لوحات كثيرة أصلًا.”قالت ساندي:
“أعرف.”
ثم أضافت:
“لكنها أيضًا قوية بما يكفي.”
ونظرت إليها.
“لا تدفنيها لأنك خائفة من الحسابات.”ظلت أورليا صامتة لثانيتين.
ثم قالت:
“أنا لا أدفنها.”
وتوقفت.
“أنا فقط… أرتب التوقيت.”لكن الحقيقة كانت أقل راحة من ذلك.
هذه اللوحات، رغم أنها تباع وتساوي وتُخزن في حسابات المستقبل،
تظلّ أكثر شيء يشبهها.
وكل ما يشبهها فعلًا يخرج من يدها بصعوبة.في العاشرة، بدأت مجموعة الناشئين.وهذه الفئة كانت أحبّ إليها من الصغار أحيانًا،
وأشد إنهاكًا في الوقت نفسه.
لأنهم ليسوا أطفالًا تمامًا،
ولا ناضجين بما يكفي ليحموا أنفسهم من الظهور.
عندهم هشاشة واضحة،
وغطرسة سريعة،
وموهبة تظهر ثم تختبئ بسرعة إذا خافت من أن تُرى.كانت المجموعة اليوم من ستة:•فتاة طويلة جدًا وتكره أن تُرسم وجوه الناس•ولد يبالغ في كل شيء لأنه يخاف من البساطة•توأم يختلفان عمدًا حتى في الألوان•وفتاتان أخريان عندهما حس جيد لكنهما تكرهان الاعتراف بذلكوقفت أورليا أمامهم.
وفي يدها صورة مطبوعة للسماء عند الغروب، لكن بشكل غير متوقع:
لا شمس واضحة،
ولا أفق منتظم،
فقط تحولات لون،
وفراغات،
وضوء ينسحب لا يشرق.قالت:
“اليوم لن ترسموا سماء.”قال أحدهم فورًا:
“إذن لماذا أحضرتِها؟”قالت:
“لأنكم ستفعلون ما هو أسوأ.”
ثم وضعت الصورة على الحامل.
“سترسمون المسافة.”ساد الصمت.ثم قالت الفتاة الطويلة:
“هذا ليس شيئًا.”قالت أورليا:
“كل الأشياء المهمة تبدأ هكذا.”بدأت الحصة، وبدأ معها الضيق الطبيعي:•كيف نرسم شيئًا ليس له حدود؟•كيف نرسم ما بين اللونين؟•كيف نرسم الإحساس أن شيئًا يبتعد من غير أن يختفي؟وهنا بالضبط تحبهم.
حين يغضبون من الورقة لأن الورقة لا تكفي.
حين تبدأ الموهبة فيهم بالاحتكاك بالعجز بدل التلوين الجميل فقط.مرت بينهم،
وقالت جملها القصيرة،
تعدل هنا،
تمنع الإفراط هناك،
وتدفعهم إلى ما بعد الحذر.“لا ترسم الخط الفاصل. اجعله يضيع.”
“هذه السماء مؤدبة جدًا. أفسديها.”
“لماذا خفتِ من هذه الزرقة؟ هي أفضل ما عندك.”
“نعم، اترك البياض. الفراغ ليس دائمًا نقصًا.”من طرف القاعة، كانت ساندي تمر بصمت، ترتب المواد لحصة لاحقة، لكنها كانت تلتقط المشهد أيضًا، وتعرف مثل أورليا تمامًا أي طالب اليوم اقترب خطوة من نفسه وأيهم هرب منها.في منتصف الحصة، علقت إحدى الفتيات، اسمها جود، فرشاتها في الهواء وقالت:
“أنا لا أفهم.”اقتربت أورليا منها.
نظرت إلى الورقة.
كانت الألوان جميلة، نعم، لكنها خاوية.
سماؤها مرتبة جدًا، نظيفة جدًا، ليس فيها ما يكفي من المسافة.قالت أورليا:
“تعرفين ما المشكلة؟”هزت جود رأسها.“أنتِ ترسمين ما يجب أن يعجب.”
ثم أخذت فرشاة أخرى، ومررتها بخفة في طرف اللون البنفسجي، فسحبت منه شيئًا رماديًا حزينًا.
“ولا ترسمين ما أوجعك فيه.”رفعت جود عينيها إليها.
ثم إلى الورقة.
ثم ابتلعت ريقها كأن الجملة دخلت في مكان حساس أكثر مما كانت تتوقع.قالت أورليا، أخفض:
“انسي من سيراه. قولي الحقيقة أولًا.”ورجعت إلى مكانها.
وبعد خمس دقائق، كانت جود قد أفسدت نصف العمل ثم أنقذته بالكامل.
وهذا بالضبط ما يجب أن يحدث.عند نهاية الحصة، علقت أورليا الأعمال كلها على الجدار الطويل قرب النافذة.
السماء الواحدة صارت ست سماوات مختلفة:•واحدة تكاد تختنق•واحدة تلمع ثم تنطفئ•واحدة فيها فراغ هائل جميل•وأخرى تبدو كأنها تنتظر شخصًا لن يأتيوقفت أمامهم وقالت:
“هذا هو الفرق بين الرسم والتلوين.”
ثم نظرت إلى الجدار.
“التلوين يملأ. الرسم يكشف.”كانت هذه من الجمل التي تحب أن تقولها.
لا لأنها حكيمة.
بل لأنها حقيقية.وبينما كان الناشئون يجمعون أدواتهم ويخرجون، رأت في وجوه بعضهم ذلك الشيء الذي تريده أصلًا:
الانزعاج.
وهو، في الفن، علامة صحية جدًا.بعد الحصة،
دخلت ساندي تحمل ملفين ورسالة مطبوعة.“اللجنة أرسلت تأكيدًا نهائيًا تقريبًا.”
ثم أضافت:
“والسيدة ليديا تركت لكِ هذا لأنها قالت إنك ‘ستتظاهرين لاحقًا أنك لم تسمعيها’.”أخذت أورليا الرسالة.
فتحتها.
وفيها، بخط ليديا السريع:القاعة الثانية لكِ إذا دفعتِ العربون قبل نهاية الأسبوع.
لا تفكري أكثر من اللازم.
أيضًا: إذا واصلتِ التحديق في الأفق بهذه الطريقة، ستخرج لوحاتك أكثر جمالًا من اللازم، وهذا مزعج للمنافسات.ابتسمت أورليا.
ثم أعادت الورقة إلى الملف.قالت ساندي:
“ستفعلينها.”لم تكن سؤالًا.قالت أورليا:
“أحتاج أن أرى الأرقام أولًا.”“رأيتها.”
قالت ساندي.
“أنتِ تستطيعين.”رفعت أورليا عينيها إليها ببطء.
“هل كنتِ تقرئين ملفاتي؟”قالت ساندي ببرود ممتاز:
“أنتِ تركتِ الحسابات مفتوحة.”
ثم أضافت:
“ولن أفعلها لو لم تكوني تتصرفين كأن المعرض ترف، بينما هو واضح جدًا أنه ليس كذلك.”سكتت أورليا.
ثم قالت:
“وما هو واضح جدًا أيضًا؟”أغلقت ساندي الملف الأول ووضعت الثاني فوقه.
“أنك تجمعين المال لشيء أبعد من لوحة وحائط جميل.”نظرت إليها أورليا طويلًا.
لم يكن في وجه ساندي فضول رخيص.
ولا اتهام.
فقط ملاحظة ذكية، هادئة، بلا رغبة في اقتحام ما ليس لها.وهذا جعل الصمت بينهما أقل تهديدًا.قالت أورليا أخيرًا:
“أنا أحب حين لا تسألين.”قالت ساندي:
“وأنا أحب حين لا تكذبين بلا داعٍ.”
ثم ابتسمت ابتسامة صغيرة.
“خذي القاعة. لوحاتك الأربع وحدها تكفي لأن يخرج الناس وهم يشعرون أن السماء جرحتهم قليلًا.”نظرت أورليا إليها.
ثم ضحكت.
“هذا أسوأ مدح وأفضله.”قالت ساندي:
“أنا متخصصة.”في الجهة الأخرى من المدينة،
كان أوريون لا يملك هذا النوع من الصباحات.لم يكن عنده أطفال يرسمون المسافة.
ولا ساندي توبخه بهدوء.
ولا لوحات معلقة نصف اكتمال تنتظر أن يقرر متى يمنحها للعالم.كان عنده مكتب.
وأوراق.
وشك بدأ يكتسب عظامًا.دخل آدم في الوقت نفسه تقريبًا الذي أنهت فيه أورليا حصة الناشئين.
ووضع ملفًا رماديًا رفيعًا أمامه.“هذا كل ما استطعت أخذه اليوم من دون أن أفتح أبوابًا ستفتح علينا أبوابًا أخرى.”رفع أوريون الملف.
فتحه.
قلب الصفحة الأولى.قيد الميلاد النهائي لروزي لم يثبت بصيغته الحالية إلا قبل أربع سنوات وثمانية أشهر.ثبتت عيناه على السطر.
ثم انتقل إلى ما بعده.تعديل الوصاية.
تاريخ الإقامة.
نقل السجلات.
اسم الأوراق التي رافقت الظهور الاجتماعي الجديد لأورليا.
والأهم ليس وجود الأوراق.
بل تزامنها.هذا هو الشيء الذي لا يحبه في الملفات المصنوعة.
ليست كاذبة بما يكفي لتسهل قراءتها.
بل صحيحة جزئيًا، ومصقولة، ومرتبة بحيث تبدو عادية لمن لا يملك سببًا للبحث.أما هو، فلديه الآن أكثر من سبب.قال آدم:
“هذا لا يثبت كل شيء.”“لا.”
قالها أوريون بهدوء.
“لكنه يثبت أن ما قيل لم يكن القصة كلها.”“هل ستذهب أبعد؟”أغلق الملف قليلًا.
ثم فتحه من جديد.
“نعم.”بقي آدم صامتًا.
ثم قال:
“وماذا عن الطفلة؟”رفع أوريون بصره إليه.
“ماذا عنها؟”“إذا كنت ستصل إليها…”
توقف.
“فلا تنسَ أنها ليست فقط جزءًا من لغزها.”عرف ما يعنيه.
روزي ليست ورقة في ملف.
ولا رقمًا في تزامن.
بل طفلة تنظر إلى أورليا بطريقة لا تخطئها العين، وتُبنى حياتها كلها على هذه المرأة.
ولهذا بالضبط،
كان هذا الخط أقذر.
وأخطر.قال أخيرًا:
“أنا لا أنوي إيذاءها.”أجاب آدم بصدق جاف:
“أحيانًا يكفي أن تعرف الحقيقة كي تؤذي.”ولم يرد أوريون.
لأنه، للمرة النادرة، لم يملك جملة أفضل من الحقيقة.في الأتيليه،
بعد الظهر،
جاء سيلفان متأخرًا عشر دقائق.
وحده.
والتأخير نفسه جعله يبدو كأنه يحمل في جسده شيئًا لم يرتب له مكانًا بعد.قالت أورليا وهي تنظر إلى الساعة:
“هل فقدت الطريق أم اكتشفت أن الحياة لا تستحق السرعة؟”جلس.
ووضع حقيبته.
ثم قال:
“كنت مع دينيز.”تحركت زاوية فم أورليا.
“آه.”
ثم جلست أمامه.
“وفي أي مرحلة من الوعي نعترف بهذا الآن؟”قال، منزعجًا:
“لم يكن شيئًا.”أشارت إلى الفرشاة.
“ابدأ بالكذب على اللوحة، لا علي.”خفض رأسه.
ثم أخذ الفحم.
وبعد لحظة صمت، قال:
“هي تريد أن أذهب معهم مساء الجمعة إلى فعالية.”“وأنت؟”“لا أعرف.”“إذن أنت تريد.”
ثم أشارت إلى الورقة البيضاء.
“وهذا ليس وقتًا سيئًا لتتعلم الاعتراف.”قال:
“الأمر ليس هكذا.”“بل غالبًا هكذا.”
ثم مالت قليلًا إلى الأمام.
“ما الذي تخافه؟”ظل صامتًا.
يرسم خطًا خفيفًا.
يمسحه.
ثم يرسمه من جديد.
وأخيرًا قال:
“أن أبدو سخيفًا.”
ثم رفع عينيه.
“هي لا تبدو كأنها تخاف من شيء. وأنا…”
سكت.أكملت أورليا عنه بهدوء:
“وأنت لا تحب أن تكون الشخص الأكثر ارتباكًا في الغرفة.”هز رأسه ببطء.قالت:
“هذا ليس سببًا لتفوت الحياة.”
ثم ابتسمت.
“فقط سبب لتلبس جيدًا وتذهب مرتبكًا.”رآها.
ثم، على نحو جعلها تحبه أكثر، ضحك.في منتصف الدرس، دخلت دينيز فعلًا.
ولم تدخل وحدها هذه المرة.
كان معها ريان.وقف عند الباب كأنه دخل المكان بالغلط لكنه قرر أن يغريه الخطأ.“أرجو أنني لا أفسد معبد الفن.”قالت أورليا من غير أن تنهض:
“هذا يعتمد على نيتك.”قال ريان:
“نيتي دائمًا ممتازة.”قالت دينيز:
“هذه أول كذبة قالها منذ وصلنا.”رفعت أورليا عينها نحوه.
“ولماذا أنتما هنا؟”قال ريان، مبتسمًا:
“في طريقي أنا وهذه الكارثة إلى اجتماع ممل، فظننت أننا نستحق شيئًا حيًا خمس دقائق.”
ثم نظر حوله.
“وأيضًا أردت أن أرى المكان الذي يجعل رجالًا صامتين أكثر صمتًا.”لم يعلق سيلفان.
لكن أذنيه احمرّتا مرة أخرى.
أما دينيز فضحكت من غير رحمة.قالت أورليا:
“أحب أن الرواية كلها قررت اليوم فضح هذا المسكين.”قال ريان:
“الرواية؟”
ثم رفع حاجبه.
“إذن نحن شخصيات الآن؟”قالت:
“أنت شخصية ثانوية مغازل جدًا.”قال:
“هذا مؤذٍ.”قالت دينيز:
“ومستحق.”وجود ريان غيّر جو القاعة قليلًا.
أدخل إلى الضوء شيئًا أكثر اجتماعية،
وأكثر وعيًا بالمشهد.
ولأن أورليا تعرف جيدًا قيمة الرجال الذين يتكلمون كثيرًا حين يكونون أذكياء بما يكفي ليلاحظوا أيضًا،
ظلت تراقبه بحذر خفيف.خلال الدقائق القصيرة التالية،
دار حديث سريع بينه وبينها،
بقي على سطحه خفيفًا،
لكن تحته شيء مفيد:
هو يعرف أوريون من زمن طويل،
ويعرف كيف يراه الناس.
ولا يتكلم عنه مباشرة،
لكنه يلمّح بما يكفي.قال وهو يتأمل إحدى لوحات الناشئين المعلقة:
“أنتِ تجعلين الأشياء الطرية تبدو أقل براءة.”قالت أورليا:
“وأنت تقول هذا كمدح أم تحذير؟”“كمعرفة.”
ثم نظر إليها مباشرة.
“بعض الناس يفضلون ما يبدو بسيطًا. حتى يقتربوا.”قالت:
“وماذا بعد الاقتراب؟”تحركت زاوية فمه.
“يعتمد على قدرة الشخص على الهرب.”سجلت الجملة في داخلها.
لأنها ليست عن اللوحات.
ولا عنه فقط.
وريان يعرف أنه يعرف.لكن قبل أن يطول المشهد،
رن هاتفه.
نظر إلى الشاشة.
ثم قال لدينيز:
“علينا أن نذهب، وإلا قتلونا على تأخرنا الاجتماعي.”قالت دينيز:
“هذا تهديد فارغ.”ثم التفتت إلى سيلفان.
نظرت إليه ثانية واحدة فقط.
ثم قالت:
“الجمعة.”
ولم تضف شيئًا.
ثم خرجت.وبقيت الكلمة معلقة في هواء القاعة:
الجمعة.قالت أورليا بعد ثوانٍ:
“إذن… هذه مرحلة جديدة.”قال سيلفان، منزعجًا:
“أرجوكِ.”أجابت:
“لا.”
ثم ابتسمت له.
“لأنني، بصراحة، أستمتع بهذا.”ولم ينكر هذه المرة.
وهذا وحده كان تقدمًا آخر.في المساء،
حين هدأ الأتيليه،
وبقيت ساندي وحدها في الطابق الأرضي ترتب آخر الفوضى،
عادت أورليا إلى الغرفة الخلفية.هذه المرة لم تذهب إلى اللوحات الأربع مباشرة.
وقفت أولًا عند الحامل الفارغ،
ثم أخذت لوحة جديدة صغيرة،
وثبتتها.أخرجت الألوان.
وقفت.
ثم وضعت أول لمسة:
زرقة داكنة.
ثم رماديًا شفافًا.
ثم خيطًا ذهبيًا خافتًا جدًا،
كأن الضوء يوشك أن يضيع أو يولد، لا فرق.هذه ليست إحدى لوحات المعرض.
ليست عملًا للبيع.
ولا مشروعًا طويلًا.
بل تفريغ.
بعض الأيام تحتاج لونًا جديدًا حتى لا يتحول ما في داخلها إلى قفل.رسمت من دون تخطيط واضح:
شكلًا لا يكتمل.
شيئًا بين نافذة وسقوط.
بين ظل رجل بعيد وامرأة معلقة في الضوء.
ثم توقفت فجأة.
ونظرت إلى ما فعلته.“رائع.”قالتها بصوت خافت.
“الآن حتى لوحاتي تسخر مني.”عند الباب، كانت ساندي قد توقفت في صمتها المعتاد.
لم تدخل.
فقط قالت:
“إذا كانت هذه ليست للمعرض، فهي أخطر.”التفتت أورليا.
ثم ابتسمت.
“أنا أكره أنك تظهرين في اللحظات الصحيحة.”قالت ساندي:
“هذه مهارة وظيفية.”
ثم أضافت:
“سأغلق القاعة وأتركك.”
وتوقفت.
“لكن قبل ذلك، أريد جوابًا: هل أحجز القاعة الثانية؟”نظرت أورليا إلى اللوحات الأربع.
ثم إلى العمل الجديد.
ثم إلى دفتر الحسابات الذي ما يزال في الحقيبة.
ثم قالت:
“نعم.”ابتسمت ساندي.
ابتسامة خفيفة جدًا، لكنها حقيقية.
“جيد.”
ثم خرجت.وبقيت أورليا وحدها.مع الضوء.
واللون.
والقرار.المعرض لم يعد احتمالًا فقط.
صار التزامًا.
وكل التزام من هذا النوع يعني:
مالًا سيخرج،
ومالًا سيعود،
وحلمًا يقترب،
وخطرًا آخر:
أن تصير النسخة التي تريد أن تعيشها حقيقية فعلًا،
فتخاف أكثر أن تُسلب.رفعت يدها إلى اللوحة الصغيرة الجديدة.
ومررت فوق الزرقة بإصبع ملوث قليلًا بالذهب.
ثم أغمضت عينيها.وفي مكان آخر من المدينة،
كان رجل يفتح ملفات عن طفلة ليست أختهـا كما يقول العالم،
ويجمع من الشك ما يكفي ليصنع سكينًا.
أما هي،
فكانت ترسم السماء مرة أخرى،
كأنها تحاول أن تسبق السكين إلى مكان أعلى.
نهاية الفصل العشرين.