الفصل الحادي والعشرون: ما يسبق السقوط

في صباح اليوم التالي، لم تستيقظ أورليا على خوف.وهذا، في حد ذاته، كان أسوأ.الخوف واضح.

له اسم، وشكل، ونبض أسرع، وطريقة محددة في الجلوس داخل الجسد.

أما ما استيقظت عليه هذه المرة فكان شيئًا أكثر برودة:

حسابات.فتحت عينيها على ضوء باكر، رمادي قليلًا، لا يزال يحمل بقايا مطر الليل، وبقيت مستلقية للحظة واحدة فقط.

ثم جلست.

مدت يدها إلى الدفتر الصغير عند الطاولة القريبة.

فتحته.

وقبل أن تشرب القهوة، كتبت ثلاث جمل:•أوريون بدأ يشك •السامر ما يزالون صالحين للعودة •روزي خط أحمر لا يُمسنظرت إلى الكلمات.

ثم أغلقت الدفتر.

ومالت برأسها قليلًا إلى الخلف.هذه ليست بداية شاعرية ليوم.

بل بداية امرأة تعرف أن الرواية بدأت تشد خيوطها حول المكان الذي سيؤلمها فعلًا إن انقطع.نهضت.

ودخلت الحمام.

وعادت بعد دقائق أطول قليلًا من المعتاد، كأنها كانت تحتاج الماء ليس للاستيقاظ فقط بل لردم أثر يدين ما تزالان، للأسف، واضحتين في ذاكرة جسدها.اختارت لباسًا نهاريًا بسيطًا:

تنورة مستقيمة بلون كريمي داكن،

وقميصًا أبيض ناعمًا،

وسترة خفيفة بلون أزرق باهت.

شيء لا يستعرض.

شيء يعمل.

اليوم ليس يوم ضوء زائد.حين فتحت باب جناحها، وجدت روزي في الممر، لكن لا تنتظرها.

كانت خارجة من غرفتها، تحمل حقيبتها المدرسية، وشعرها مربوطًا بشريط أزرق بسيط، وتبدو كأنها صغيرة جدًا للحظة واحدة فقط، ثم تستعيد ملامحها المركزة المعهودة.توقفَت حين رأت أمها.“أنتِ مستيقظة.”قالت أورليا:

“أشعر أن هذا إهانة.”قالت روزي:

“هذا تقييم.”

ثم نظرت إلى وجهها أطول قليلًا.

“وأنتِ تبدين كأنك فكرتِ كثيرًا.”قالت أورليا وهي تسند كتفها إلى الجدار:

“أنا أعيش على هذه الهواية.”“وأكرهها لك.”

قالتها روزي ببساطة نادرة.

ثم اقتربت خطوة.

“اليوم عندي مدرسة فقط. ولن أمرّ على الأتيليه.”ابتسمت أورليا خفيفًا.

وهذا جيد.

هذه واحدة من التعديلات التي أرادتها أصلًا للعالم:

أن لا تتحرك الطفلة وصديقاتها كأنهن مرتبطات بكل نبضة من يومها.

لروزي يومها.

ولها عالمها.

وهذا طبيعي.

وأجمل.قالت:

“حسنًا.”قالت روزي:

“وميرا عند قريبتها. وكلارا عند درس البيانو. وتيو عنده نشاط مدرسي.”رفعت أورليا حاجبًا.

“هل هذا تقرير هدوء عام؟”“هذا تذكير.”

ثم مالت قليلًا.

“بأن لديكِ ساعات بلا أطفال اليوم. لا تضيعيها في التوتر.”ضحكت أورليا.

“أنتِ تتحدثين كمعالجة لا أستطيع طردها.”قالت روزي:

“أنا فقط فعالة.”ثم مضت.

وفي منتصف الممر، استدارت فجأة وقالت:

“إذا جاء الرجل الطويل إلى رأسك، أشغليه بمال أو لوحة.”حدقت أورليا فيها.

ثم قالت:

“اذهبي إلى المدرسة.”ابتسمت روزي ابتسامة صغيرة جدًا، نادرة بما يكفي لتوجعها.

ثم اختفت عند الدرج.وبقيت أورليا في الممر ثانية أطول مما يجب.

تفكر أن الأطفال، أحيانًا، يختصرون المعارك كلها في جملة واحدة:

أشغليه بمال أو لوحة.رائع.

لو كان الأمر بهذه السهولة.في المطبخ، كانت أودري قد رتبت الإفطار على نحو يجعل من الخبز المحمص موقفًا أخلاقيًا لا وجبة.جلست أورليا.

أخذت القهوة.

وشربت أول رشفة بصمت.قالت أودري:

“هل أنتِ بخير؟”رفعت أورليا عينيها.

“ما هذه البداية غير المهنية؟”“هذه بداية امرأة ترى وجهًا منذ سنوات.”

ثم وضعت أمامها طبقًا صغيرًا.

“وأنتِ اليوم تجمعين نفسك أكثر من المعتاد.”سكتت أورليا.

ثم قالت:

“عندي شعور سيئ.”أومأت أودري ببطء.

“من ماذا؟”“من الأشياء التي لا أستطيع لمسها بعد.”

ثم أضافت، وهي تنظر إلى سطح القهوة:

“من الشك، مثلًا.”لم تسأل أودري من يشك في ماذا.

وهذا أحد أسباب بقاء البيت حيًا.

بعض الناس يحفظون أسرارنا لا لأنهم يعرفونها،

بل لأنهم يعرفون متى لا يسألون.قالت فقط:

“إذن كلي أولًا.”ضحكت أورليا بخفة.

“هل هذه فلسفتك دائمًا؟”“المرأة الجائعة تتخذ قرارات عاطفية أكثر.”

ثم أضافت:

“وأنا لا أثق بهذا.”أخذت أورليا قطعة صغيرة من التوست.

ومضغتها بهدوء.

ثم قالت:

“سأذهب اليوم أبكر إلى الأتيليه.”“جيد.”“وعندي مراجعة مع ساندي.”

ثم أضافت:

“وسأؤكد القاعة الثانية.”رفعت أودري نظرها هذه المرة.

“حقًا؟”“نعم.”ظهرت لمعة رضا هادئة في وجهها.

لا كبيرة.

لكنها صادقة.“هذا قرار جيد.”قالت أورليا:

“هذا قرار مكلف.”“الأشياء التي تستحق، دائمًا.”وحين قالتها، شعرت أورليا بشيء دافئ وصعب معًا.

لأنها تعرف أن أودري لا تتحدث عن المال فقط.

بل عن حياتها كلها.

عن الفن.

عن روزي.

عن الخروج.

عن أن تبني لنفسها شيئًا لا يُسحب منها بسهولة.وصلت إلى الأتيليه باكرًا.

وكانت ساندي هناك، كما توقعت، تقف فوق سلم صغير وتعلق لوحتي إرشاد جديدتين قرب المدخل.“آه.”

قالت أورليا وهي تغلق الباب خلفها.

“المدينة بخير إذًا. لأنك ما زلتِ تديرينها.”نزلت ساندي من على السلم بحذر أنيق.

وفي يدها دبوسان صغيران.

“أنا أدير هذا المكان فقط.”

ثم نظرت إليها.

“أما أنت فتبدين مثل شخص لم ينم بما يكفي أو نام أكثر مما يجب.”وضعت أورليا حقيبتها فوق المكتب الجانبي.

“هل أقسمتم جميعًا على إزعاجي اليوم؟”“أنا فقط أصف.”

ثم مدت إليها ملفًا.

“هذا جدول اليوم.”

وتوقفت.

“وسبق أن رتبت مكالمة القاعة الثانية عند الحادية عشرة.”التفتت أورليا إليها فورًا.

“سبق أن— ماذا؟”“أنتِ كنتِ ستؤجلين وتفكرين أكثر وتقولين إن الوقت غير مناسب.”

ثم فتحت الملف على صفحة معينة.

“فقررت أن أسبق نسختك المملة.”سكنت أورليا لحظة.

ثم بدأت تضحك.

ضحكًا حقيقيًا، خفيفًا، أنقذ الصباح من ثقله.“أنا أكرهك قليلًا.”قالت ساندي:

“هذا لا ينعكس على الراتب، آمل.”“للأسف لا.”

أخذت الملف.

وقلبته.

“ماذا أيضًا؟”“مجموعة النادي الساعة العاشرة.”

ثم أشارت إلى ورقة ملحقة.

“وبعدها لقاء مع ثلاثة من الناشئين المرشحين للمعرض.”

ثم نظرت إليها بعينين أقل جفافًا.

“وأحضرت لكِ العقود الأولية.”استقامت أورليا قليلًا.

“الناشئون؟”“نعم.”

قالت ساندي.

“أنتِ لا تريدين فقط تعليق أعمالهم ثم التصرف كأن المعرض حدث وحده.”

ثم أضافت:

“يجب أن نختار من سيدخل فعلًا.”

وقبل أن تعترض، قالت:

“وأنا أعرف أنكِ لا تدرسين الصغار فقط، لكن الناس يختصرونك أحيانًا بهذه الصورة.”

ثم نظرت إلى القاعة.

“فلنصححها.”هنا فقط، شعرت أورليا بالرضا.

هذا هو.

هذا ما كانت تريده أصلًا للرواية ولحياتها:

أن يظهر الأتيليه كمساحة حقيقية.

ليس صفوف أطفال فقط.

بل مكان تمر منه أعمار مختلفة، وحساسيات مختلفة، ومستقبلات مختلفة.قالت:

“حسنًا.”

ثم أضافت، وهي تتجه إلى الغرفة الخلفية:

“اليوم سنصحح أشياء كثيرة.”في الغرفة الخلفية، وقفت أمام لوحاتها الأربع مرة أخرى.أربع فقط.

ورغم ذلك، تشعر كل واحدة منها كأنها فصل كامل من حياتها لا مجرد قطعة قماش.الأولى، التي صارت في ذهنها تحمل اسمًا مؤقتًا:

بين أول غيمة وآخر ضوء.

الثانية:

النافذة التي لا تنفتح.

الثالثة:

ما قبل السقوط.

والرابعة:

لم تسمها بعد.

ربما لأنها الأقرب إليها.

وربما لأن تسميتها ستجعلها حقيقة أكثر مما تحتمل.أخذت فرشاة رفيعة.

اقتربت من لوحة “ما قبل السقوط”.

كانت مساحة سماوية واسعة، وفي وسطها أثر جسد يكاد يختفي لو لم تكن تعرف أين تنظر.

وعند الحافة، ظل صغير، حاد، كأنه تردد متجسد.أضافت لمعة ذهبية خافتة جدًا عند طرف الشكل.

ثم مسحت نصفها.

ثم أعادت بعض الزرقة فوقها.هذه هي لحظاتها المفضلة.

لا حين تبدأ اللوحة.

ولا حين تنتهي.

بل حين تقف في المنتصف، بين الرغبة في إنقاذها والرغبة في تدميرها.

هناك فقط تشعر أن الفن صادق.

لأنه يشبهها.طرقت ساندي الباب هذه المرة.

ولم تدخل.“الحادية عشرة بعد عشر دقائق.”قالت أورليا، من غير أن تلتفت:

“هل ستشغلين مؤقتًا على رقبتي؟”“إذا لزم الأمر.”

ثم توقفت.

“وأيضًا، هناك ظرف لك.”التفتت أورليا ببطء.

“من؟”“بلا اسم.”أغمضت عينيها نصف إغماضة.

“الرجال المرضى عادوا.”قالت ساندي:

“لا أظنه من النوع نفسه.”

ثم أضافت:

“الورق مختلف.”خرجت أورليا إلى المكتب الصغير.

أخذت الظرف.

كان أبيض بسيطًا فعلًا، لا أناقة زائدة فيه.

فتحته.داخله بطاقة واحدة فقط.أنتِ أفضل حين لا تنزلين من اللوحة إلى الناس بسرعة.

— ر.ضحكت فورًا.

“رافاييل.”قالت ساندي:

“أفضل من الرجال الذين يرسلون نظارات.”نظرت أورليا إليها.

“هل صرتِ تعرفين كل شيء؟”“لا.”

ثم أضافت بوقارٍ كاذب:

“لكنني أملك خيالًا بنيويًا ممتازًا.”أعادت البطاقة إلى الظرف.

وهذا كان جيدًا.

جيدًا جدًا.

شيء خفيف.

شيء لا يحمل تهديدًا.

فقط رجل يعرف كيف يراها من دون أن يطالبها بأن تكون أكثر أو أقل.قالت:

“احتفظي به على المكتب.”

ثم ابتسمت.

“الناس الهادئون قد ينفعوننا أخلاقيًا.”مكالمة القاعة الثانية كانت أفضل مما توقعت.ليس لأنها صارت مجانية بالطبع — الحياة لا تنضج لهذه الدرجة —

لكن لأن اللجنة كانت أكثر حماسة من حذرها.

كان هناك اهتمام حقيقي بالمعرض.

بالناشئين.

وبفكرة أن تعرض أورليا عددًا محدودًا من أعمالها الخاصة بينهم لا فوقهم.قالت المرأة في المكالمة:

“وجود لوحاتك الأربع أو الخمس سيعطي المعرض وزنًا بصريًا ونقديًا.”

ثم أضافت:

“لكننا لا نريد أن تبتلع الأعمال الكبيرة أصوات الناشئين.”أجابت أورليا:

“ولا أنا.”

ثم نظرت إلى ساندي من خلف الزجاج، حيث كانت ترتب بعض الملفات.

“أريدها كأنها نوافذ في آخر القاعة. لا أكثر.”سكتت المرأة لحظة.

ثم قالت:

“هذا وصف جميل.”ابتسمت أورليا.

“هذا ما أفعله.”انتهت المكالمة على موافقة نهائية مشروطة بالعربون خلال يومين.

ما إن أغلقت الخط حتى أراحت كفها على سطح المكتب، وأخذت نفسًا أعمق مما توقعت.دخلت ساندي فورًا.

كأنها كانت تنتظر الإشارة.“حسنًا؟”رفعت أورليا نظرها إليها.

ثم قالت:

“القاعة الثانية لنا.”لم تبتسم ساندي ابتسامة عريضة.

وهذا ليس أسلوبها.

لكن وجهها لان بشكل واضح.

“جيد.”“هذه كل مشاعرك؟”“لا.”

ثم رفعت الملف.

“مشاعري الأخرى ستكون في الفواتير.”ضحكت أورليا.

لكنها، للحظة، شعرت بشيء آخر أعمق من الضحك.

شيء يشبه الانتصار.

صغير.

هادئ.

لكنه حقيقي.هذه ليست وريثة مدللة تشتري لنفسها هواية لامعة.

هذه امرأة تحسب.

تكد.

وتربط الفن بالمال لا لأنها تبيعه رخيصًا، بل لأنها تعرف أن اللوحة قد تكون حبل نجاة إذا علقتها في المكان الصحيح.جلست.

فتحت دفترها المالي.

وكتبت الرقم.

ثم كتبت تحته:الخطوة التالية ثبتت.ثم أغلقت الدفتر قبل أن تتحول الجملة إلى خوف.حصة النادي الثانية كانت أخف.

مجموعة مختلطة من مراهقين وصغار،

والأهم أن اليوم دخل أخيرًا في ذلك الإيقاع الذي تحبه:

عمل،

ورق،

ألوان،

حركة،

ناس يدخلون ويخرجون،

وحياة لا تجعلها تشعر أنها عالقة فقط بين أوريون وملف قديم.في نهاية الحصة،

وصل رافاييل بنفسه.لم يعلن عن حضوره.

فقط دخل من الباب كمن يعرف أن الأمكنة لا تحتاج دائمًا مقدمة إذا دخلها بالقدر الصحيح من الهدوء.كان يرتدي قميصًا صيفيًا رماديًا فاتحًا وسروالًا داكنًا، ويحمل بيده نظارته الشمسية وشيئًا صغيرًا ملفوفًا بورق بني.رأته أورليا أولًا من الطرف.

ثم التفتت إليه.

ثم قالت:

“أخيرًا. صاحب الرسائل الموقعة بحرف واحد.”ابتسم.

وجاء أقرب.“أنا رجل يحب الاقتصاد.”قالت:

“لا. أنت رجل يحب أن يبدو أقل اهتمامًا مما هو عليه.”رفع حاجبه.

“هذا اتهام جائر.”“وأنا امرأة متعبة.”

ثم أشارت إلى الهدية الملفوفة.

“ما هذا؟”“شيء رأيته وظننت أنك ستكرهين أنك تحبينه.”أخذته منه.

وفكت الورق.

في الداخل، دفتر رسم صغير فاخر، غلافه من جلد سماوي باهت، وصفحاته سميكة جدًا، من النوع الذي لا يشتريه الناس إلا إذا كانوا يحبون أن يلامسوا الورق قبل أن يكتبوا عليه.حدقت به.

ثم رفعت عينيها إليه.“هذا استفزاز دقيق جدًا.”قال:

“أعرفك.”“وهذه جملة ثقيلة من رجل هادئ.”“لهذا قلتها بخفة.”ضحكت.

ثم فتحت الدفتر وقلبت صفحاته.

أحبته فعلًا.

وكرهت أن يكون هذا واضحًا.كان بعض الطلاب ما يزالون يجمعون أشياءهم في الخلفية.

ونظرتان أو ثلاث من الأمهات مرتا من طرف المشهد كما يجب:

فضول.

تقييم.

وتلك اللمعة الصغيرة في العيون التي تقول:

إذن لها رجل آخر في الصورة؟رأى رافاييل ذلك.

ورآته أورليا يرى.

لكن أيًا منهما لم يعلق.قال فقط:

“هل أتيت في وقت سيئ؟”“ليس تمامًا.”

ثم رفعت الدفتر.

“لكن هذا يهدد خطتي بالتصرف كأنني لا أحب الهدايا.”قال:

“هذه خسارة مؤلمة.”وقفا قرب الطاولة الجانبية.

والمشهد، على بساطته، كان جيدًا.

أكثر من جيد.

لأنها، مع رافاييل، لا تشعر بأنها تُقرأ كقضية.

ولا كلغز.

ولا كشيء يجب أن يُفتح ويفهم حتى العظم.

هو يرى السطح والعمق بما يكفي،

ثم يتركها.وهذا راحة.

وربما لهذا بالضبط لا يكفي.اقترب خطوة صغيرة، لا تثير شيئًا علنيًا، فقط بما يكفي كي يراها من قرب أكثر.

وقال:

“أنت تبدين أجمل حين تكونين مرهقة.”

ثم أضاف، بابتسامة جانبية:

“وهذه معلومة غير صحية.”نظرت إليه.

ثم ابتسمت.

“أنا أكره صدقك أحيانًا.”“وأنا أحب أنني ما زلت أستطيع أن أزعجك بأشياء لطيفة.”وقبل أن ترد،

دخلت ساندي من الخلف وهي تحمل ملفين.

رأت رافاييل.

ثم نظرت إلى أورليا.

ثم إلى الدفتر الجديد في يدها.

ثم قالت ببرودها العملي:

“ممتاز. رجل هادئ أخيرًا.”

ثم ناولت أورليا الأوراق.

“هؤلاء الناشئون الثلاثة تحتاجين اختيار لوحاتهم الليلة.”رفع رافاييل حاجبه.

“هل أتيت في قلب الاجتماع؟”قالت ساندي:

“في هذا المكان، كل شيء اجتماع.”ضحكت أورليا.

ثم قالت:

“ساندي، هذا رافاييل.”

ثم أشارت إلى الأوراق.

“ورافاييل، هذه المرأة التي تمنع حياتي من السقوط الكامل.”صافحه برفق.

وقال:

“إذن أنا ممتن لك.”قالت ساندي:

“يجب أن تكون.”

ثم انسحبت بهدوء.التفت رافاييل إلى أورليا.

“أحبها.”“كل الناس يحبونها.”

ثم أضافت:

“وهذا مقلق.”وقفا دقيقة أخرى.

ثم نظر إلى القاعة.

إلى الطلاب.

إلى الألوان.

إلى اللوحات المعلقة.

ثم قال:

“أحيانًا أنسى أن هذه حياتك فعلًا.”

والتفت إليها.

“لا مجرد شيء تفعلينه.”وهذه الجملة، رغم خفتها، أصابت موضعًا دقيقًا.قالت أورليا:

“أتمنى أن يبقى هكذا.”نظر إليها لثانية أطول.

ثم قال:

“إذن دافعي عنه.”ولم تسخر هذه المرة.

فقط أومأت ببطء.بعد أن غادر،

بقي أثره في الجو:

هدوء أنيق.

ولمسة قريبة تكفي لتثبت أن في حياتها رجالًا آخرين غير الرجل الذي يتكلم مع الشك أكثر مما يتكلم مع الناس.وهذا جيد.

لكنه أيضًا خطير.

لأن المدن الصغيرة لا تحفظ المشاهد لنفسها.وفي المدينة نفسها،

عند الظهيرة المتأخرة،

كان اسم أورليا يُفتح في ملفين مختلفين:

في الأتيليه، على عقود المعرض.

وفي مكتب أوريون، على أوراق روزي.جلس أوريون وحده هذه المرة.

لا آدم.

ولا ريان.

فقط الملف الرمادي المفتوح،

وفنجان قهوة لم يلمسه منذ برد،

وشاشة فيها نسخة ممسوحة من شهادة الميلاد المعدلة.نظر إلى التواريخ مرة أخرى.

ثم إلى الاسم.

ثم إلى التغيير الذي حدث قبل أربع سنوات وثمانية أشهر.

ثم إلى ملاحظة صغيرة ملحقة من آدم:

الجهة التي اعتمدت التثبيت النهائي لم تعد موجودة بصيغتها السابقة.هذا قذر.

ومرتب.

ويعني أن من فعل ذلك عرف كيف يحرك أوراقًا قديمة تحت ستار انتقال نظيف.مرّر إبهامه على زاوية الورقة.

ثم أخذ نفسًا بطيئًا.طفلة تُقدَّم كأخت.

امرأة تظهر فجأة بوصفها وريثة يتيمة انتقلت من مكان آخر.

وسجلات تستقر فقط حين دخلت المجتمع الجديد تقريبًا.هذا ليس صدفة.

ولا حبكة صغيرة من تلك التي تختبئ خلف الأثرياء.

بل شيء مصنوع.رن هاتفه.

ريان.أجاب.“إذا كنت ستطلب مني أن أحضر شيئًا مملًا الليلة، فأنا مشغول.”جاءه صوت ريان الضاحك:

“أنت دائمًا مشغول حين لا تريد أن تعترف أنك منزعج.”لم يرد.

فأكمل ريان:

“رأيتها.”سكنت عين أوريون.

“أين؟”“في الأتيليه.”

ثم أضاف، وكأنه يلقي الجملة عرضًا:

“ومعها رافاييل.”لم يتغير وجهه.

لكن صمته تغيّر.

وهذا كافٍ.قال ريان، بنبرة أقل عبثًا:

“لا تقلق. لم يبدُ أنه مشهد كبير.”

ثم سكت.

“لكن الناس رأوه.”أغلق أوريون عينيه للحظة واحدة.

وهذا ما كان ينقصه اليوم.

أن تعود الصورة من جهة أخرى.

لا من شجرة.

ولا من رصيف.

بل من يد رجل يعرف كيف يقف قربها من غير أن يطالب العالم بإعلان.قال:

“شكرًا.”قال ريان:

“أنا لم أرد إلا أن—”“أعرف.”

قاطعه بهدوء.

“شكرًا.”وأغلق الخط.بقيت يده على الهاتف لثانية.

ثم أنزله.

ونظر من جديد إلى شهادة الميلاد.في مكان ما من هذا كله،

كانت هناك حياة تبنيها هذه المرأة.

بيت.

طفلة.

أتيليه.

معرض.

رجال هادئون.

وحضور اجتماعي محسوب.

لكن تحتها،

هناك شيء آخر تمامًا.والأسوأ،

أنه لم يعد يريد فقط أن يعرف ما هو.

بل يريد أن يعرف لماذا هي فيه،

ولماذا ما تزال تستطيع أن تبدو حية هكذا فوق كل هذه الطبقات.قال بصوت خافت:

“ماذا أخفيتِ عن الجميع؟”لكن السؤال، في عمقه الحقيقي، كان:

وماذا أخفيتِ عني؟حين انتهى اليوم في الأتيليه،

وبقيت أورليا وحدها مع ساندي والملفات الثلاثة للناشئين المختارين،

شعرت أخيرًا بذلك التعب الطيب.

تعب العمل.

لا تعب الرجال.

وهذا فرق تحبه.جلسَتا معًا على الأرض في الغرفة الخلفية،

الملفات مفتوحة،

واللوحات موزعة أمامهما.قالت ساندي وهي تشير إلى عمل فتى في الثالثة عشرة:

“هذا يدخل.”قالت أورليا:

“لأن فيه خطأً جميلًا.”“ولأن الخطأ فيه أصدق من نصف ما يعلقه الكبار في صالاتهم.”ابتسمت أورليا.

ثم أشارت إلى لوحة فتاة أخرى.

“وهذه أيضًا.”“مع أنها غير مكتملة؟”“لهذا.”

ثم أضافت:

“ما قبل الاكتمال عنوان مناسب لشيء لا يكتمل عمدًا.”نظرت ساندي إليها.

ثم إلى اللوحات الأربع خلفها.

ثم قالت:

“أنت تتكلمين عن المعرض أم عن نفسك؟”رفعت أورليا عينيها.

ثم ضحكت.

“كم أصبحتِ وقحة.”“هذا لأنني أتعلم.”اختارتا ثلاث لوحات للناشئين أولًا.

ثم اثنتين أخريين محتملتين.

ثم بقيت لوحات أورليا خلفهما، ساكنة، تنتظر أن تقرر أيها يخرج مع هذا الضوء الجديد.قامت أورليا.

وقفت أمام لوحاتها.

ثم قالت من غير أن تلتفت:

“أربع.”قالت ساندي:

“أربع كثير على من لا يريد ابتلاع المعرض.”“أعرف.”

ثم أشارت إلى الثانية.

“هذه أكيدة.”

ثم الثالثة.

“وهذه.”

توقفت عند الرابعة.

“والباقي سأقرر لاحقًا.”نهضت ساندي بدورها.

وقفت إلى جوارها.“أنت تحبين هذه أكثر.”“لهذا لن أعلقها بسهولة.”سكتتا.

ثم قالت ساندي:

“أحيانًا الشيء الذي نخاف عليه أكثر هو الذي يجب أن يخرج أولًا.”نظرت أورليا إلى اللوحة.

ثم أغلقت عينيها ثانيتين.

ثم قالت:

“ليس اليوم.”ولم تضغط ساندي بعدها.

وهذه أيضًا نعمة.في الليل،

بعد أن عاد البيت إلى هدوئه،

وبعد أن نامت روزي،

وقفت أورليا وحدها مرة أخرى أمام الحامل الصغير الذي بدأته البارحة.اللوحة الجديدة، الصغيرة، لا تزال غير مفهومة.

زرقة.

ظل.

خيط ذهبي.

وشيء يتأرجح بين النافذة والسقوط.

مدت يدها.

وأضافت خطًا أغمق.

ثم وقفت بعيدًا.لا تحتاج الليلة إلى لوحة مكتملة.

تحتاج فقط أن تترك شيئًا منها على القماش حتى لا يبقى كله في جسدها.وفي مكان آخر من المدينة،

كان هناك رجل يضع أصابعه على حواف تاريخ قد يقطعها من أكثر مكان حساس إن واصل السير.

أما هنا،

فكانت هي تشتري الوقت.

باللون.

وبالتعب.

وبالحياة العادية التي ما تزال، رغم كل شيء، تنجح أحيانًا في أن تبدو عادية فعلًا.

نهاية الفصل الحادي والعشرين

2026/04/17 · 15 مشاهدة · 2554 كلمة
Qio Ruan
نادي الروايات - 2026