.الفصل الثاني والعشرون: نهارٌ يلمع على السطح
في صباح اليوم التالي، دخلت أورليا النادي قبل أن تمتلئ الشرفات بالناس.كانت هذه واحدة من الساعات التي تحبها في الأمكنة الراقية قبل أن تفسدها الأحاديث:
الممرات نظيفة أكثر مما ينبغي،
الماء ساكن كأنه لم يقرر بعد إن كان سيصبح زينة أم مسرحًا،
والعاملون يتحركون بسرعة مهنية أنيقة، لا أحد منهم يريد أن يكون جزءًا من المشهد لكنه يعرف جيدًا كيف يصنعه.النادي في هذا الوقت كان نصف مستيقظ.
من الجهة اليمنى، قاعة التمارين الصغيرة التي تستعملها أحيانًا لحصص الرسم الصباحية للأطفال والناشئين.
ومن الجهة الأخرى، التراس المطل على المسبح الخارجي،
حيث الكراسي البيضاء الطويلة،
والمظلات القماشية،
وطاولات زجاجية صغيرة يظن الناس أنها وُجدت للمشروبات فقط، بينما هي في الحقيقة وُجدت لتسند فوقها النساء أكواعهن بثقة والرجال نظراتهم ببطء.دخلت أورليا من الباب الجانبي وهي تحمل ملفين وحقيبة واسعة خفيفة.
كانت ترتدي ثوبًا صيفيًا بلون كريمي مائل إلى العسلي، بسيط الخط، ضيقًا بالقدر الذي يعرف الجسد ولا يعلنه.
فوقه سترة خفيفة مفتوحة، وشعرها مربوط نصف ربط إلى الخلف، تاركة بعض الخصلات لتتحرك مع الهواء.لم تكن هنا لتجلس تحت الشمس فقط.
عندها صف أولًا.
ثم لقاء قصير مع اثنين من الناشئين من مجموعة النادي.
ثم، ربما، نصف ساعة قرب الماء إذا رحمها اليوم.
وهي، في الحقيقة، كانت تحتاج هذه النصف ساعة أكثر مما تحب الاعتراف.ما إن دخلت القاعة الصغيرة حتى وجدت الأشياء مرتبة بالفعل.
هذا ليس من صنع النادي.
بل من صنع ساندي.
المرأة كانت قد أرسلت مساء الأمس المواد اللازمة إلى هنا، ورتبتها مع موظف الاستقبال كما لو أنها تدير دولة موازية لا أتيليه فقط.وضعت أورليا ملفاتها على الطاولة الطويلة،
ثم مررت أصابعها فوق أوراق الرسم المصطفة.
بعد دقائق فقط، بدأ طلاب النادي الصباحيون يصلون:
طفل بملامح مرتبكة وأم شديدة الترتيب.
فتاة مراهقة تنظر إلى كل شيء كأنه امتحان أخلاقي.
ولد في الثالثة عشرة يظن أن السخرية من الفن تعفيه من الخوف منه.
وأختان أصغر، إحداهما تتكلم عن الألوان كما لو أنها اكتشفتها بنفسها.قالت أورليا حين اكتملوا:
“صباح الخير.”
ثم نظرت إلى وجوههم واحدًا واحدًا.
“بما أنكم حضرتم في هذا الوقت غير الإنساني، سأكافئكم.”
رفعت قطعة ورق كبيرة.
“اليوم سنرسم الماء.”قال الولد الساخر فورًا:
“الماء ممل.”قالت:
“ممتاز.”
ثم أشارت إليه.
“إذن ستكون أول من يكتشف أنه ليس كذلك.”ضحكت الفتاة المراهقة رغمًا عنها.
أما الطفل المرتبك، فتنفس قليلًا وكأن العالم صار أقل تهديدًا.
هذا دائمًا أول ما تفعله أورليا حين تدخل صفًا:
تسحب الخوف نصف خطوة إلى الخلف، ثم تترك الباقي للفحم والورق.وضعت أمامهم ثلاث صور مرجعية:•ماء هادئ جدًا، يكاد يبدو زجاجًا•ماء مكسور بالريح•وصورة ثالثة لسطح مسبح انعكس فيه ظل امرأة من دون أن تظهر المرأة نفسهاقالت:
“لن ترسموا الماء كما يبدو.”
ثم رفعت الصورة الثالثة.
“سترسمون ما يخفيه.”بقي الصمت لحظة.
ثم قالت إحدى الأختين:
“كيف يخفي وهو شفاف؟”ابتسمت أورليا.
“لأن الشفافية لا تعني الصدق.”وهذه الجملة وحدها كانت كافية لتجعلها ترضى عن بداية اليوم.بدأوا العمل.
والقاعة الصغيرة امتلأت شيئًا فشيئًا بذلك النوع من الفوضى الذي تحبه:
صوت فحم على ورق،
اعتراضات صغيرة،
طفلة تطلب اللون الأزرق الخطأ بإصرار،
والولد الساخر يكتشف، بتعبير مزعج على وجهه، أن رسم الماء أصعب من ادعاء احتقاره.مرّت بينهم.
عدلت زاوية يد هنا.
أخذت ممحاة من يد فتاة كانت تمسح أكثر مما ترسم.
ثم وقفت عند الطفل المرتبك، الذي كان يضغط خطًا داكنًا جدًا تحت الماء.“ما هذا؟”قال:
“شيء في الأسفل.”“مثل ماذا؟”هز كتفيه.
“لا أعرف.”
ثم أضاف بصوت أخفض:
“لكن لو لم أضعه، سيبدو كل شيء فارغًا.”نظرت إلى الورقة.
ثم إليه.
وقالت:
“جيد.”
ثم أشارت إلى الظل.
“أبقِه.”بعد ساعة تقريبًا، علقت الأوراق على الحائط الجانبي.
وتحول الماء بين أيديهم إلى أشياء أخرى:•خوف•انتظار•غرق محتمل•سطح كاذب•وهدوء ثقيل عند الطفلة المراهقة لم تكن تعرف أنها تملكهقالت أورليا وهي تقف أمامهم:
“الماء لا يريك ما فيه بسهولة.”
ثم نظرت إلى الرسومات.
“والناس أيضًا.”هذه المرة، لم يضحك أحد.
بل بقيت الوجوه الصغيرة تنظر إلى الأعمال بشيء من الفهم الأول.
وهذه اللحظة بالذات هي التي تجعلها تحتمل التدريس حتى في الأيام التي تشعر فيها أن العالم كله مشروع انكشاف.بعد خروج الصف،
بقي لديها في النادي أقل من ساعة قبل أن تنتقل إلى الأتيليه.
وكانت هذه من تلك الساعات التي تحب أن تتركها للأقدار الصغيرة:
لقاء عابر،
مشروب بارد،
جلوس قصير قرب المسبح،
أو حتى خمس دقائق من لا شيء.خرجت إلى التراس.
الشمس كانت قد ارتفعت بما يكفي لتصير على الجلد لا عليه فقط.
والماء تحتها يلمع بحركة خفيفة كأنه يتنفس.
عدد من النساء جلسن بالفعل تحت المظلات، بقبعات كبيرة وضحكات صغيرة محسوبة،
ورجلان من النوع الذي يلعب التنس أكثر مما يقرأ،
وواحد ثالث عند طرف المسبح بدا كأنه حضر ليُرى وهو لا يحاول أن يُرى.طلبت شيئًا باردًا من النادل.
ثم اختارت مقعدًا قريبًا من الظل، لا بعيدًا بما يجعلها تختفي، ولا قريبًا بما يجعلها عرضًا.
جلست.
خلعت سترتها الخفيفة.
وأخرجت ملفًا صغيرًا فيه أسماء الناشئين المرشحين للمعرض.كانت تحاول أن تقرأ.
لكن الجو لم يكن جو أرقام.
أو ربما جسدها قرر ألا يكون.
الهواء دافئ بما يكفي.
الشمس ناعمة.
والماء نفسه يذكّرها، بشكل مزعج، بمشهد قديم وجديد معًا:
المسبح الأول،
اليخت،
الأجساد حين تصير مرئية أكثر مما كانت تخطط.رفعت نظارتها الشمسية.
وأعادت النظر إلى الملف.
ثم سمعت الصوت قبل أن ترى صاحبه.“أنتِ المرأة الوحيدة التي تبدو كأنها تناقش ميزانية حرب عند المسبح.”رفعت رأسها.رافاييل.كان يرتدي قميصًا أبيض مفتوحًا قليلًا عند العنق، وبنطالًا صيفيًا داكنًا، ويحمل بيده كأسًا باردًا ونظارة شمسية أيضًا.
فيه ذلك النوع من الأناقة التي لا تتعب نفسها كثيرًا لتبدو مرتبة.
وهذا، في الرجال، مريح أكثر مما يجب.قالت أورليا:
“وأنت الرجل الوحيد الذي يقترب من امرأة تقرأ أرقامًا ويظن أنه مرح.”جلس في المقعد المقابل من دون أن ينتظر دعوة كاملة.
لكن ليس باقتحام.
بل كما لو أن بينهما مساحة قديمة تعرف شكلها.“أنا لا أظن. أنا أقرر.”“هذا مرض.”“وأنتِ تحبين المرضى الهادئين أكثر مما تعترفين.”رفعت حاجبًا.
“هذه جرأة جديدة.”ابتسم.
“هذه شمس فقط.”جاء النادل بمشروبها.
ثم تراجع.
وبقي الاثنان في ذلك النوع من الصباح الذي لا يحتاج قصة كبيرة ليكون ممتعًا:
ماء،
ظل،
رجل يقول ما يكفي،
وامرأة تسمح لنفسها أن لا تكون في حالة دفاع كاملة.قال رافاييل:
“سمعت عن القاعة الثانية.”نظرت إليه.
“كيف؟”“ليديا.”
رفع كتفه.
“المرأة ترى الخبر كفاكهة يجب توزيعها.”ضحكت أورليا بخفة.
“هذا صحيح جدًا.”“إذن مبروك.”“ما زال يجب أن أدفع العربون.”“لكن القرار اتُّخذ.”سكتت لحظة.
ثم قالت:
“نعم.”بقي ينظر إليها.
ثم قال بهدوء أقل لعبًا:
“أنتِ سعيدة.”نزلت عينها إلى الكأس في يدها.
ثم رفعتها إليه.
“هل يبدو ذلك؟”“قليلًا.”
ثم أضاف:
“وأنتِ نادرًا تسمحين له أن يبدو.”لم تجب فورًا.
لأن الجملة لم تكن مجاملة عادية.
كانت ملاحظة.
وربما هذا هو سبب الراحة معه.
أنه لا يطلب أن يعرف ما تحت الجلد كله،
لكنه حين يرى شيئًا لا يمر عليه بسطحية غبية.قالت:
“المعرض مهم.”“لأنه أنتِ؟”هزت رأسها.
“لأنه مستقبل.”
ثم أدركت أنها قالت أكثر مما تنوي.
فأخذت رشفة سريعة من مشروبها.
“وأكره أنني قلت ذلك بهذه الجدية.”تحركت زاوية فمه.
“أنا أحب أنكِ قلته أصلًا.”من الجهة الأخرى من التراس، مرّ رجلان بنظرة أطول مما يجب.
رأتهما.
ورآهما رافاييل أيضًا.
لكنه لم يعلق.
فقط مد ذراعه فوق ظهر المقعد الجانبي، حركة مريحة، غير مالكة، لكنها كافية لتقول لأي عين متطفلة:
هي ليست وحدها الآن.التقطت ذلك.
وأحبته.
قليلًا فقط.
وهذا يكفي لخطورة خفيفة.قالت وهي تنظر إلى الماء:
“أنت تملك مواهب اجتماعية مزعجة.”قال:
“أنا رجل يفضل أن لا يشاركني الحمقى المشهد.”“هذه رومانسية بدائية.”“هذه ذوق.”ضحكت.
ثم أغلقت الملف أخيرًا.
“حسنًا. بما أني فقدت هيبتي المهنية، عندي نصف ساعة.”
ثم أشارت إلى المسبح.
“هل جئت لتجلس فقط؟”“أنا؟”
نظر إلى الماء ثم إليها.
“كنت أفكر في السباحة.”“إذن اذهب.”“وأتركك هنا مع لجنة التقييم البصرية؟”
أشار بخفة إلى نظرات بعيدة.
“هذا غير مسؤول.”نظرت أورليا حولها للمرة الأولى بوعي كامل.
نعم.
كان هناك انتباه.
ليس فاضحًا.
لكن واضح.
الرجل عند الطرف الآخر من المسبح ينظر أكثر من اللازم.
امرأتان تحت المظلة يتهامسان ثم تلتفت إحداهما إليها سريعًا.
وشابّان من جهة المقهى يفقدان خيط حديثهما كلما قامت امرأة من مقعدها… أو كلما هي عدّلت جلستها.هذا ليس جديدًا عليها.
لكنه أيضًا لا يبطل أثره أبدًا.
المرأة الجميلة لا تعتاد النظرات تمامًا.
هي فقط تتعلم كيف تحملها من غير أن تنحني لها.قالت:
“دعهم يقيّمون. أحتاجهم في الافتتاح.”قال:
“هذا جواب ذكي جدًا.”“أنا متعبة جدًا لأكون متواضعة.”نظر إليها ثانية.
ثم قال:
“تعالي إذًا.”“إلى أين؟”“إلى الماء.”
ثم وقف.
“أو ابقي هنا ورتبي العالم بقلم أزرق.”نظرت إلى الملف.
ثم إلى المسبح.
ثم إليه.
ثم أغلقت الملف تمامًا.“أكره أنك تفوز أحيانًا.”“ليس كثيرًا.”
قالها وهو يمد لها يده لا ليساعدها، بل كأن الحركة جزء من المزاح.
ومع ذلك، أخذتها.غرف تبديل الملابس في النادي كانت باردة على نحو أنيق، وهذا وصف سخيف لكنها كانت تفكر فيه فعلًا وهي تفتح خزانتها الصغيرة المؤقتة.
في الداخل كان هناك مايوه احتفظت به من مرة سابقة، لون أزرق دخاني يليق بها أكثر مما ينبغي، وقطعة قماش خفيفة شفافة تُربط عند الخصر، لا لتخفي شيئًا بقدر ما لتجعل الحركة أجمل.ارتدته.
تركت شعرها كما هو.
وضعت النظارة الشمسية فوق رأسها.
ثم وقفت لحظة أمام المرآة.هذه أيضًا من المشاهد التي تحتاجها الرواية:
أورليا ليست فقط عقلًا وخطة ودفاتر حساب.
هي جسد أيضًا.
امرأة تعرف تمامًا ما الذي يفعله حضورها في الأماكن.
ولا تتظاهر دائمًا بأنها تكرهه.خرجت إلى التراس.ورأت، فورًا، أثر ذلك.
ليس مشهدًا مسرحيًا مبالغًا فيه.
بل التحول الصغير، المألوف، الصادق:
الرجل عند الطرف الآخر توقفت يده نصف ثانية فوق الكأس.
إحدى النساء رفعت نظارتها لترى أفضل.
شابّ مر من قربها ثم تذكر، متأخرًا جدًا، أن عليه أن ينظر إلى الأمام.
والنادل نفسه صحح وقفته.أما رافاييل،
فنظر إليها مرة واحدة فقط.
لكن النظرة كانت كافية.
هادئة.
واضحة.
ثم قال:
“أنتِ غير عادلة.”رفعت أورليا حاجبها.
“هذا يقال كثيرًا جدًا للنساء الجميلات حين لا يجد الرجال جملة أذكى.”ابتسم.
“إذن لا تعتبريها الجملة الوحيدة.”
ثم أضاف وهو يخطو معها نحو الحافة:
“لكنها صحيحة.”دخلت الماء أولًا.
كان باردًا بدرجة حلوة، تلتهم حرارة الجلد ثم تتركه أكثر وعيًا بنفسه.
نزلت حتى كتفيها.
أغمضت عينيها لحظة.
ثم أبعدت شعرها إلى الخلف.
وفي تلك الثانية القصيرة فقط، شعرت أنها تخلع يومين كاملين من التفكير.نزل رافاييل بعدها.
وأخذ مكانًا قريبًا، لا قريبًا جدًا، كما يحب.
وهذا أيضًا من راحته.
أنه يعرف المسافات.قال:
“أفضل؟”“كثيرًا.”
ثم أضافت، وهي تنظر إلى الطرف الآخر من المسبح:
“أشعر أن ثلاثة رجال نسوا الآن كيف يتصرفون بطبيعية.”قال:
“ثلاثة فقط؟”
ثم ابتسم.
“إذن هذا الصباح هادئ.”ضحكت.
وبدأت تسبح ببطء نحو الجهة الأقل ازدحامًا.
هو لحقها.
وبينهما ذلك النوع من الحديث الذي لا يحتاج إلى وزن كبير:
عن النادي،
وعن لوحة أهدته إياها عمته قديمًا وكانت قبيحة جدًا،
وعن ليديا التي تعتبر الأخبار هواية وجودية،
وعن ساندي التي، بحسب وصف أورليا، قادرة على إدارة انقلاب فني بكعبين منخفضين.لكن خلف الخفة، بقي شيء آخر:
أن الماء يجعل الجسد حاضرًا،
وأن وجود رجل يعرف كيف يلاحظ من غير أن يلتهم بالنظر قد يكون أكثر إزعاجًا من الرجال الآخرين كلهم.في لحظة ما، وهي تعود من حافة إلى أخرى، انزلقت قدمها قليلًا على الدرج المعدني الداخلي.
ليست سقطة حقيقية.
فقط اختلال صغير في التوازن.
لكن رافاييل كان أسرع.
أمسكها من ذراعها، واليد الأخرى استقرت لحظة عند خصرها تحت الماء.استقامت فورًا.
لكن اللحظة بقيت.
قصيرة.
قريبة.
خفيفة بما يكفي لتبقى أنيقة.
ودافئة بما يكفي ليشعر بها الاثنان.قال:
“أنا أتعرض اليوم لخطرين: الناس والدرج.”قالت أورليا، وتنفّسها أسرع قليلًا مما تحب:
“أنت تبالغ لتبدو بطوليًا.”“لا.”
قال، وما زالت يده قريبة أكثر مما كانت قبل ثانيتين.
“أنا أقتنص الفرص.”نظرت إليه.
ثم نزعت ذراعها برفق.
“هذه جملة يجب أن تُمنع قرب الماء.”ابتسم.
ولم يعتذر.
وهذا أفضل.في الخارج، عند الحافة، مرّت نظرتان جديدتان.
واحد من الرجال لم يخفِ الفضول هذه المرة.
نظر إليها، ثم إلى رافاييل، ثم عاد إلى حديثه بعدما تلقى نظرة من المرأة الجالسة معه كانت كافية لتأديبه مؤقتًا.قالت أورليا وهي تخرج من الماء أخيرًا:
“الآن سيبدؤون بتأليف القصص.”قال رافاييل وهو يتبعها بنصف خطوة:
“دعينا نأمل أنها قصص ذات ذوق.”صعدت الدرج.
والماء ينزلق على ساقيها ببطء.
القطعة الشفافة عند خصرها تحركت مع الريح والماء معًا، تلتصق ثانية ثم تفلت.
شعرت بالأنظار. نعم.
لكنها لم تُسرّع.
هذا أيضًا جزء من القوة:
ألا تتصرفي كمن يهرب من النظر ولا كمن يطلبه.
فقط كمن لا ينكسر تحته.ناولها رافاييل المنشفة.
وقالت:
“شكرًا.”“أنا هنا لخدمتك في المآزق الصغيرة.”“رائع.”
ثم جففت ذراعها.
“وهل تتضمن الخدمة الرسمية حراسة سمعتي؟”“إذا كان ثمنها غداءً، نعم.”نظرت إليه من فوق المنشفة.
“أنت ترتفع في التكاليف.”“وأنت تزدادين شهرة.”وهنا فقط، شعرت أن الخفة أدت ما يكفي.
يكفي لتكسر الجدية.
يكفي لتعيد الجسد إلى النص.
يكفي لتلمّعها قليلًا قبل أن يعود كل شيء أثقل.بعد أقل من ساعة، كانت في الأتيليه من جديد.هذا التحول بين العالمين دائمًا يدهشها.
قبل قليل كانت في الماء، تحت الشمس، وبين النظرات والمشروبات الباردة.
والآن هي في الطابق الأرضي، وسط روائح الورق والألوان، وساندي تلوّح لها من آخر القاعة بملف جديد وكأن الجسد لا وجود له في الاقتصاد الإداري للفن.قالت ساندي، ما إن رأت أثر الرطوبة الخفيف في شعرها:
“جيد.”
ثم تناولتها بعينيها كلها.
“على الأقل خرجتِ من النادي باستفادة بصرية.”ضحكت أورليا.
“هل ستصيرين شاعرة الآن؟”“لا.”
ثم رفعت الملف.
“لكن ثلاث أمهات تركن رسائل بعد أن رأينك عند المسبح.”
وأضافت ببرود:
“واحدة تريد تسجيل ابنتها في النادي، واثنتان تسألان عن المعرض.”
ثم توقفت.
“الجمال مورد اقتصادي، آسفة.”ضحكت أورليا بصوت واضح هذه المرة.
“أنتِ وقحة جدًا.”“وأنتِ مستفيدة.”هذا صحيح.
وهذا ما يجعلها تحب ساندي أكثر مما تعترف.
لا أحد عندها يسمح لنفسه بأن يكون أحمق تجاه المال.
ولا تجاه العمل.
المعرض ليس لعبة.
الأتيليه ليس ديكورًا.
والناس أنفسهم، بنظراتهم وتعليقاتهم وفضولهم، قد يتحولون إلى عربون أو دعوة أو باب.في منتصف هذا اليوم، جاء سيلفان.دخل وحده،
كعادته حين يكون متعبًا أو مشتتًا.
لكن هذه المرة كان في وجهه شيء أقرب إلى التوتر الصامت من الحزن المعتاد.
وأورليا، التي كانت قد بدلت ثوب الماء إلى قميص فضفاض وتنورة داكنة سريعة، رأته من بعيد وفهمت أن الخفة انتهت مؤقتًا.قالت وهي تشير إلى الطاولة الخلفية:
“تعال.”
ثم أضافت بعد أن أخذت وجهه ثانية:
“ما المشكلة؟”جلس.
ووضع حقيبته.
ثم قال بعد ثوانٍ:
“أبي يريد مني أن أترك حصتين في الأسبوع هنا.”سكنت يدها فوق الملف.“لماذا؟”“لأنه يرى أن هذا يأخذ كثيرًا من الوقت.”
ثم أضاف بمرارة هادئة:
“ولأن عندي أمورًا أكثر فائدة، على ما يبدو.”جلست قبالته فورًا.
وهذا هو المكان الذي تتغير فيه علاقتها به من معلمة إلى شيء آخر أكثر صدقًا.
لا أم بديلة.
ولا منقذة.
بل شخص يرى فيه ما لا يراه بيته كما يجب.قالت:
“وماذا قلت؟”“لا شيء.”
ثم نظر إلى الورقة البيضاء.
“إيفلين قالت إنها ستحاول.”
وسكت.
“لكنني لا أريد أن أحتاج أن يحاول أحد.”تأملته أورليا طويلًا.
هذا هو قلبه مرة أخرى:
ليس فقط أنه يريد أن يرسم.
بل يريد أن يُترك ليفعل ذلك من غير أن يشعر أنه شفقة أو إذن مؤقت.قالت:
“حسنًا.”
ثم سحبت نحوه ورقة جديدة.
“إذن اليوم لن نضيعه في الغضب.”
وأشار إصبعها إلى المنتصف.
“ارسم ما لا يريدون أن يعترفوا أنه جزء منك.”رفع رأسه إليها.
“هذا ليس تمرينًا.”“لا.”
قالت بهدوء.
“هذا دفاع.”ولم يبتسم.
لكنه بدأ.
والصمت بينهما هذه المرة لم يكن صمت طالب ومعلمة.
بل صمت شخصين يعرفان أن الفن، أحيانًا، ليس رفاهية.
بل المكان الأخير الذي يمكنك أن لا تكذب فيه.بعد ربع ساعة تقريبًا، دخلت دينيز.
كالعادة.
لكنها لم تندفع.
رأت وجه سيلفان.
ورأت أورليا.
وفهمت فورًا أن الجو ليس للضحك بصوته المعتاد.اقتربت بهدوء أكثر من المعتاد.
ووقفت عند طرف الطاولة.“ماذا حدث؟”لم يرد.
لكن أورليا قالت:
“البيت يظن أن الفن هواية مؤقتة.”
ثم رفعت نظرها إليها.
“كعادته.”وضعت دينيز حقيبتها على الأرض.
ثم قالت، من غير تردد:
“هذا غباء.”رفع سيلفان رأسه.
ونظر إليها.
ثم إلى الورقة.
ثم قال:
“أعرف.”جلست دينيز إلى جانبه، لا قريبة جدًا، لكن قريبة بما يكفي.
وسكتت.
وهذا، منها، كان عناية أكثر من الكلام.
راقبت أورليا ذلك.
وحفظته.
العلاقات الصغيرة الحقيقية تبدأ أحيانًا من لحظة يعرف فيها شخص فوضوي كيف يصمت لشخص منغلق.مرّت دقائق.
ثم قالت أورليا، وهي تعود إلى ترتيب الألوان على الطاولة الأخرى:
“بالمناسبة، إذا أرادوا تقليل عدد حصصك، سنجعل الحصتين الباقيتين أفضل من أربع.”
ثم أضافت:
“وأيضًا، أنا لا أتنازل عنك بسهولة. هذا جزء من سمعتي.”هنا فقط، خرجت من سيلفان ضحكة قصيرة متعبة.
وقالت دينيز فورًا:
“أحبها.”قالت أورليا:
“أنا أعلم.”وعاد اليوم إلى الحركة.في آخر العصر، بينما كانت ساندي تغلق إحدى الخزائن وتراجع أرقام العربون مع أورليا، وصل اتصال لم تتوقعه.مارسيل.أجابت وهي ما تزال تنظر إلى كشف الحساب.
“إذا كنت ستقول لي إني أنفقت أكثر مما ينبغي، فأنا مع ساندي وستهاجمك بدلًا عني.”جاء صوته جافًا كعادته:
“كنت سأحب هذا، لكن عندي شيء آخر.”
ثم أضاف:
“مهمة.”رفعت أورليا رأسها فورًا.
وفي الطرف الآخر من المكتب، التقطت ساندي التغير في وجهها، لكنها لم تقل شيئًا.
فقط انشغلت بجمع الأوراق ببطء مدروس، مانحةً المساحة من دون أن تغادر.قالت أورليا:
“من أي نوع؟”“مستودع.”
ثم صمت لحظة.
“علاقة قديمة. لا صلة له بالسـامر. ولا بأوريون.”
وأضاف بوضوح:
“وأحتاجك الليلة.”تغير شيء في داخلها.
ليس خوفًا.
بل ذلك الانتباه الحاد الذي كان يعيش في جسدها قبل أن تبني هذه الحياة كلها.
أكشن.
دخول.
خروج.
خطر لا يحمل اسم الرجل نفسه في قلبه.
وهذا، على نحو غير مريح، أعاد لها جزءًا من نفسها أيضًا.قالت:
“ماذا فيه؟”“صندوق أرشيف انتقل قبل أسبوعين.”
ثم أكمل:
“قد يكون فيه سجل من الدفعات القديمة.”
وسكت.
“وإذا لم نأخذه الليلة، سيُرحّل غدًا.”نظرت إلى ساندي.
ثم إلى القاعة.
إلى الضوء الدافئ الداخل من النوافذ.
إلى سيلفان الذي يرسم بصمت.
إلى دينيز إلى جواره.
إلى حياة الأتيليه كلها.
ثم سألت:
“كم الوقت؟”“دخول سريع.”
ثم أضاف:
“لكن المكان سيئ. حراس من النوع الكسول الذي يصير خطيرًا فقط إذا شعر بالإهانة.”ابتسمت ابتسامة صغيرة لا فرح فيها.
“أفضل الأنواع.”“أورليا.”“أنا أمزح.”
ثم أغلقت الملف أمامها.
“أرسل العنوان.”أنهت الاتصال.
وبقيت ثانيتين ساكنة.
ثم رفعت عينيها إلى ساندي.لم تسأل ساندي: من كان؟
ولا: ما الذي حدث؟
فقط قالت:
“سأُنهي الحسابات وحدي.”هذا هو السبب الذي يجعل أورليا تثق بها أكثر كل يوم.قالت:
“قد أتأخر الليلة.”“أعرف.”“وعندي غدًا صف مبكر في النادي.”“سأكون هناك.”
ثم دفعت إليها ورقة صغيرة.
“وهذه قائمة بالأشياء التي نسيتِها أمس.”
نظرت أورليا فيها:•شاحن•ربطة شعر إضافية•قفاز خفيف•مسكنرفعت رأسها.
“هل تعملين معي أم تراقبينني لصالح جهة أعلى؟”قالت ساندي:
“الجهة الأعلى هي أن لا تتعطلي غدًا أمام المراهقين.”
ثم أضافت:
“وتأكدي أن لا تمزقي شيئًا ترتبطين به عاطفيًا. ليس لدي وقت لإصلاح الأرواح والفساتين معًا.”ضحكت أورليا، رغم كل شيء.
“هذا طلب تعجيزي.”لكن في الداخل، كانت قد عادت إلى شيء قديم:
المهمة.
الخطوات.
الدخول.
الخروج.
وللمرة الأولى منذ عدة فصول، كانت هذه الحركة القادمة لا علاقة لها بأوريون.
ولا بنظرته.
ولا بشكه.
فقط بعالم آخر،
ما يزال يمد خيوطه إليها من أماكن لا ترى الشمس.وفي هذا، للأسف،
كان جزء منها يشعر بالحيوية.
نهاية الفصل الثاني والعشرين