الفصل الثالث والعشرون: المستودع الذي لا يعرف الفن
في المساء، بعد أن هدأ الأتيليه أخيرًا وانخفض صوته من حياة كاملة إلى مجرد أشياء تُعاد إلى أماكنها، وقفت أورليا وحدها في الغرفة الخلفية لثوانٍ قليلة قبل أن تغادر.كان الضوء هناك أكثر دفئًا من الخارج.
لوحاتها الأربع إلى الجدار.
الحامل الصغير ما يزال يحمل العمل الجديد الناقص.
ورائحة الزيت والورق والقماش تعيدها دائمًا إلى نفسها، حتى في الأيام التي تكون نفسها فيها أكثر من مكان.خلعت أقراطها أولًا.
وضعتها في الدرج الصغير.
ثم نزعت الساعة.
أغلقت ملف العربون.
وسحبت من أسفل الرف حقيبة أصغر، أقل أناقة، لا تلفت نظر أحد ولا تقول شيئًا عن امرأة تُدرّس الفن وتكسب إعجاب الأمهات وفضول الرجال.دخلت ساندي من دون صوت تقريبًا.
وقفت عند الباب، وفي يدها مفاتيح القاعة الأمامية وكوب قهوة ورقي لم تطلبه أورليا لكنها تعرف أنه لها.“أحضرت هذا قبل أن تتحولي إلى شخص يكره السكر.”
ناولتها الكوب.
ثم نظرت إلى الحقيبة.
“إذن الليلة ليست للمحاسبة.”أخذت أورليا الكوب.
“أشعر أنني مراقبة من دولة صغيرة.”قالت ساندي:
“دولة فعالة.”
ثم أضافت:
“هل ستحتاجين أن أفتح النادي غدًا لو تأخرتِ؟”رفعت أورليا عينيها إليها.
هذه واحدة من المرات القليلة التي كادت تقول فيها شكرًا بصوت أكثر وضوحًا مما اعتادت.
لكنها اختارت الطريق الأقرب إلى نفسها:
“إذا صرتِ أكثر فائدة من هذا، سأضطر لرفع راتبك فعلًا.”قالت ساندي:
“أنا أبني الخطة على هذا.”
ثم سكتت لحظة.
“انتبهي لنفسك.”أومأت أورليا.
وأخذت القهوة.
ثم خرجت.في الخارج، كان المساء قد هبط بالكامل.
الهواء صار أبرد من نهار المسبح،
والمدينة بدت وكأنها أغلقت أزرارها العليا وعادت إلى وجهها الحقيقي:
شوارع أقل ذهبًا،
وأكثر إسفلتًا.
أكثر تعبًا.
وأقرب إلى الأعمال التي لا تُذكر في دعوات العشاء.كانت سيارة مارسيل بانتظارها في الزاوية الثانية من الشارع، لا أمام الباب مباشرة.
طبعًا.
هو من النوع الذي يعتبر الوقوف المناسب مسألة أخلاقية.ركبت.
وضعت الحقيبة بين قدميها.
وأخذت نفسًا قصيرًا.قال مارسيل فور أن أغلق الباب:
“أنتِ متأخرة دقيقتين.”قالت:
“أنتِ أيضًا جميلة هذا المساء.”أدار المحرك.
“إذا بدأتِ بالمزاح، أفترض أنك متوترة.”“إذا بدأتَ بالشكوى، أفترض أنك خائف.”تحركت زاوية فمه نصف حركة.
وهذا عنده يقارب الضحك.“المكان ليس لطيفًا.”“هذا مطمئن.”“ولا فارغًا.”
ثم ناولها صورة مطبوعة صغيرة للموقع.
“مستودع قديم في الطرف الصناعي. الواجهة شركة نقل مغلقة، لكن الحركة في الداخل ما تزال حية على فترات.”
وأشار إلى النقطة الخلفية.
“الدخول من هنا.”أخذت الصورة.
فيها سور معدني.
باب جانبي متآكل.
ومساحة تحميل خلفية ضيقة.“والهدف؟”
“خزانة أرشيف في الطابق النصفي.”
ثم أضاف:
“نريد الصندوق رقم سبعة عشر إذا بقي في مكانه.”
“وإذا لم يبق؟”
“نقرأ بسرعة ونخرج.”
ثم نظر إليها.
“هذه المهمة لا تخص أوريون. لا تخص السامر. لا تخص غرورك أيضًا.”
وتوقف.
“فلا تعامليها كأنها مسرح.”أخفضت أورليا الصورة قليلًا.
“أنت كررت هذا المعنى مرتين خلال يومين. هل أقلقتك فعلاً؟”
“نعم.”
سكتت.
ثم قالت، هذه المرة بلا سخرية:
“حسنًا.”
مرّا عبر أحياء بدأت تفقد لمعانها تدريجيًا.
المباني الراقية صارت أقل.
المحال النظيفة اختفت.
ثم بدأت المدينة تتسع بشكل قاسٍ:
ورش.
مخازن.
شوارع أوسع وأقل بشرًا.
وذلك النوع من الضوء الصناعي الذي لا يجمّل شيئًا، فقط يثبت أن الكهرباء ما تزال تعمل.هنا تعرف نفسها القديمة أفضل.
ليس لأنها تحب هذه الأماكن.
بل لأنها تفهمها.
الأماكن الأنيقة تكذب بالديكور.
أما هذه، فتقول لك مباشرة إنها قد تؤذيك إذا لم تحترمها.قال مارسيل وهو يطفئ الأضواء الأمامية قبل آخر منعطف:
“الحارس الأمامي موجود أحيانًا عند الواجهة.”
ثم أشار إلى الجانب.
“لكن في الخلف، هناك رجلان يتبادلان التدخين والعمل الرديء.”“هل هم مسلحون؟”“واحد على الأقل.”
ثم أضاف:
“لكنهم ليسوا من النوع الحاد. المشكلة ليست المواجهة، المشكلة إذا شعروا أن أحدًا لعب عليهم.”ابتسمت أورليا ابتسامة قصيرة.
“الرجال والكرامة. كارثة مستمرة.”“أورليا.”“أمزح.”أوقف السيارة في نقطة مظلمة نسبيًا خلف مبنى نصف مهجور.
ثم التفت إليها تمامًا.“الخطة بسيطة.•ندخل من الباب الخلفي المكسور•نصعد إلى الطابق النصفي•نأخذ الصندوق أو نقرأه•نخرج من الممر نفسهإذا ساء شيء، لا نرتجل بطولات.”رفعت حاجبها.
“أشعر أنك تعرفني معرفة غير صحية.”“هذه وظيفة طويلة.”
ثم ناولها قفازين خفيفين.
“وأرجوك لا تتدلي من شيء الليلة.”حدقت فيه.
ثم قالت:
“مرة واحدة وتتحول إلى تراث شفهي.”“مرة واحدة أمام رجل كأوريون تكفي لتبقى قرنًا.”انقبض شيء صغير فيها.
لكنه مر.
الليلة ليست له.
ويجب أن تبقى كذلك.قالت:
“دعنا ننتهي.”الوصول إلى الخلف كان أسهل من المتوقع.
وهذا لا يريحها أبدًا.السور الجانبي عند المستودع كان أعلى قليلًا من سور السامر، لكنه أصدق.
معدن قديم، صدئ عند الزوايا.
والباب الخلفي لم يكن مكسورًا حرفيًا، بل مغلقًا بإهمال رجل يظن أن الإغلاق الكسول لا يقل هيبة عن الإحكام.فتحه مارسيل خلال ثوانٍ.
ودخلا.الداخل كان أوسع مما توحي به الواجهة.
رائحة ورق قديم،
خشب رطب،
وزيت آليات مرّ من هنا وبقي.
أعمدة حديدية سميكة.
وصناديق مكدسة على ارتفاعات متعبة.
في الأعلى، يمتد طابق نصفي معدني يشبه شرفة عملية، يطل على المساحة كلها.قال مارسيل بصوت منخفض:
“هناك.”رفعت بصرها.
سلم حديدي جانبي.
ثم ممر ضيق.
ثم صف خزائن وصناديق أرشيف.تحركا من غير كلام.
الخطوات على الأرضية الإسمنتية كانت خفيفة بما يكفي.
وفي الطرف البعيد من المستودع، جاء صوت ضحكة رجل ثم سعاله.
الحراس.
أو العمال.
لا فرق كبير هنا.وصلا السلم.
صعد مارسيل أولًا.
ثم لحقت به.
والحديد تحت الأقدام أصدر طقطقة مزعجة خفيفة جعلتها تشد فكها.
توقفا.
استمعا.
لا حركة.كملا.في الأعلى، كان الهواء أسخن قليلًا وأقدم.
مرت أورليا بأصابعها فوق أرقام الصناديق.
اثنا عشر.
ثلاثة عشر.
خمسة عشر.
ثم ستة عشر.قال مارسيل:
“السابع عشر هنا.”كان صندوقًا رماديًا عاديًا، لا يشي بشيء.
وهذه سمة الأشياء الأخطر أحيانًا.
ما يهم حقًا نادرًا ما يلمع.نزلاه بصعوبة مدروسة إلى الأرضية المعدنية.
فتحه مارسيل.
في الداخل ملفات رقيقة متعددة.
أسماء قديمة.
رموز نقل.
سجلات غير مكتملة.
ثم ظرف بني أثقل قليلًا من البقية.فتحته أورليا بسرعة.
صفحات قديمة.
صور مستندات.
وقائمة بأسماء نساء نُقلن بين جهات مختلفة تحت مسميات عمل لا تشبه الحقيقة.ثبتت عيناها.
مرّ الاسم الثالث.
ثم الخامس.
ثم السابع.شيء ما في صدرها برد.قال مارسيل:
“ماذا؟”أشارت إلى سطر.
“هذا اسم استخدمته امرأة أعرفها.”نظر.
ثم رفع رأسه إليها.
“من؟”“في الدفعة التي سبقتني.”
ثم ابتلعت آخر الجملة.
“كانت اختفت.”سادت ثانية قصيرة من الصمت الثقيل.
ليست مروعة فقط بسبب الاسم،
بل بسبب ما يعنيه وجوده هنا:
أن هذه السجلات ليست ميتة.
وأن ما مضى لم يُدفن كما تحب أن تتخيل أحيانًا.قال مارسيل:
“خذي الصور.”أخرجت الهاتف الآخر.
بدأت تلتقط بسرعة.
صفحة.
ثم ثانية.
ثم صورة للغلاف.
ثم للأسماء الملحقة.وفجأة، جاء الصوت من الأسفل.ارتطام معدن بشيء صلب.ثم صوت رجل:
“من هناك؟”تجمد جسدها.
والتفتت مع مارسيل في اللحظة نفسها.لعنة.قال مارسيل بصوت لا يكاد يُسمع:
“أغلقيه.”أعادت الأوراق إلى الظرف.
دفعاه داخل الصندوق.
ثم أعاد مارسيل الغطاء بسرعة.
لكن الخطوات بدأت الآن.
ليست قريبة جدًا.
لكنها تتحرك إلى الداخل.قال الرجل من الأسفل:
“أقسم أني سمعت شيئًا.”جاءه صوت آخر، مستثقل:
“قطط.”“هذه ليست قططًا.”التقطت أورليا الحقيبة.
ثم أشارت إلى الطرف الآخر من الطابق النصفي.
“المخرج هناك؟”نظر مارسيل.
باب معدني صغير في الجهة المقابلة.
كان قد رآه من قبل،
لكنه لا يعرف إن كان يفتح فعلًا أم يقود إلى غرفة مغلقة.قال:
“نجرب.”حملا الصندوق؟
لا.
هذا مستحيل الآن.
الأخذ انتهى.
المعلومة جزئية لكنها كافية.
النجاة أولًا.تركا الصندوق مكانه كما استطاعا.
وانطلقا عبر الممر المعدني الضيق.
تحتهما، دخل أحد الرجلين الآن إلى منتصف المستودع.
رفع مصباحًا يدويًا.
واستدار الضوء في الهواء مثل إصبع يتهم الفراغ.“هناك!”رآهما.
أو رأى ظلًا.
هذا يكفي.بدأ الرجل يركض نحو السلم.
شتيمة خرجت من فم مارسيل.
أما أورليا فوصلت إلى الباب الصغير.
جربت المقبض.
مغلق.“ممتاز.”
قالتها بين أسنانها.أخرج مارسيل الأداة الصغيرة من جيبه.
لكن الضوء صعد الآن إلى أسفل السلم.
الوقت ضيق جدًا.قال:
“ثلاث ثوانٍ.”“ليس عندنا ثلاث.”“اصمتي.”أخرجت أورليا دبوس الشعر من رأسها وغرزته في يده.
“استعمل هذا أيضًا.”نظر إليها نصف نظرة قاتلة.
ثم استعمله.تحتهم، بدأ الرجل يصعد.
طقطقة السلم المعدني كانت تصعد معهم إلى أعصابهما.انفتح القفل.دفعت أورليا الباب.
وفتح على ممر خدمة ضيق جدًا، مظلم جزئيًا، تنبعث منه رائحة دهان قديم وهواء خارجي.دخلت.
دخل مارسيل خلفها.
وأغلق الباب في اللحظة التي وصل فيها الرجل إلى طرف المنصة.ضرب الباب من الخارج.
مرة واحدة.
ثم صرخ:
“افتح!”قالت أورليا، وهي تتراجع في الممر:
“أحب حين يكون الرجال مباشرين.”“تحركي.”كان الممر ينتهي إلى درج معدني خارجي ضيق يهبط إلى الزقاق الخلفي.
نزلا بسرعة.
في الأسفل، كانت الأرض غير مستوية،
وأكوام من الخشب والبلاستيك وضعت كأنها تنتظر أن تتحول إلى حريق صغير في يوم سيئ.هبطا.
ركضا.من خلفهما، انفتح الباب العلوي أخيرًا.
وصوت الرجل عاد، هذه المرة أغضب:
“هناك! أوقفوهما!”قالت أورليا وهي تركض:
“ما أجمل الأمسية.”قال مارسيل:
“إذا تكلمتِ أكثر سأتركك.”انعطفا إلى الزقاق الجانبي.
ثم إلى آخر.
وكانا يعرفان مسبقًا نقطة الانفصال القصير:
هو يمينًا.
هي يسارًا.
ثم يلتقيان بعد الشارع الثاني عند السيارة.هذا أفضل.
الطاردون يخطئون أكثر حين ينقسم الهدف.قال:
“الشارع الثاني.”أومأت.
وانفصلت.الجري في الأزقة ليس مثل الجري في الحدائق الراقية أو الممرات الحجرية.
هنا الأرض تُفاجئك.
والروائح أقذر.
والعتمة ليست شاعرية.
بل عملية.
وهذا كله، على نحو غير مريح، أعاد إليها نبضًا عرفته طويلًا.
النبض الذي يجعل الجسد يعمل قبل العقل أحيانًا.سمعت خلفها خطوتين فقط.
واحد لحقها.
جيد.
أفضل من اثنين.انعطفت بسرعة عند الزاوية الأولى.
ثم دخلت بين حاويتين معدنيتين كبيرتين.
توقفت نصف ثانية.
التقطت أنفاسها.
وأخذت قطعة معدنية قصيرة كانت ملقاة قرب الحائط.ظهر الرجل عند الزاوية.
ضوء هاتفه في يده.
ينظر يمينًا ويسارًا.قال:
“اسمعي… اخرجي فقط، ولن—”ضربته على الرسغ أولًا.
سقط الهاتف.
ثم دفعت كتفه بكل ثقلها.
لم يكن مستعدًا.
ارتطم بالحائط.
وشتم.
حاول أن يمسكها.
لكنه تأخر.
مرّت من جانبه كنسمة سيئة النية،
وركضت.“قحبة—!”“لغة فقيرة جدًا.” قالتها من بعيد وهي لا تلتفت.وصلت إلى الشارع الثاني.
السيارة لم تكن هناك بعد.
طبعًا.
هذه هي الثواني التي تصير فيها الحياة مهذبة أكثر من اللازم.سمعت الباب الخلفي لسيارة يُفتح.
التفتت.
مارسيل.
قاد السيارة من آخر الزاوية.
فتحت الباب ودخلت قبل أن تتوقف كاملًا.“تحرك.”“أنا أتحرك أصلًا!”انطلقا.
انعطفا بسرعة.
ثم مرة أخرى.
ثم خرجا من المنطقة كلها خلال أقل من دقيقة.
خلفهما، لم يظهر ضوء مطاردة حقيقي.
وهذا جيد.
إما أنهم لا يريدون ضجيجًا.
أو أنهم أبطأ من أن يلحقوا.
وفي كلتا الحالتين، هذه هدية.بقي الصمت في السيارة طويلاً.
أنفاسهما فقط.
ثم ضحكت أورليا.
ضحكة قصيرة أولًا.
ثم أوضح.نظر إليها مارسيل كأنها فقدت عقلها أخيرًا.
“ما المضحك؟”“أنه ما يزال بإمكاني الركض.”
ثم مسحت زاوية فمها بإبهامها.
“كنت أظن أن التدريس قتل هذه الموهبة.”قال:
“ما سيقتلك ليس التدريس. بل ثقتك السخيفة بنفسك.”“هذه محبة مغلفة بشكل رديء.”“هذه نجاة.”
ثم سكت.
“هل أنتِ بخير؟”تفقدت ذراعها.
ركبتها.
نفسها.
ثم قالت:
“نعم.”
وتوقفت.
“أنت؟”“أكرهك، لكن نعم.”ضحكت ثانية.
ثم انخفضت الضحكة ببطء.
حل محلها شيء آخر.
سحب الظرف البني في ذاكرتها.
والاسم.
الاسم الذي ظنته ميتًا في طبقة أخرى من الماضي.قالت بصوت أهدأ:
“الاسم كان حقيقيًا.”نظر إليها لحظة قبل أن يعيد عينه إلى الطريق.
“عرفت.”“إذا كان هذا السجل موجودًا هناك، فهناك غيره.”
ثم أضافت:
“وهذا ليس أرشيف نقل فقط.”“لا.”
قال.
“هذا أرشيف تنظيف.”سكنت العبارة في السيارة بينهما.نعم.
تنظيف.
ليس نقلًا.
ولا حماية.
بل إزالة.
إعادة تسمية.
دفن.وهذا ما جعل البرد يعود إلى عظامها بعد أن هدأ الأدرينالين.
لأنها تعرف هذا الأسلوب.
تعرف كيف تُعاد كتابة النساء.
كيف تختفي الأسماء الأولى.
كيف ينجو بعضهن ويذوب بعضهن في الطريق.مرّت دقائق أخرى.
ثم قالت:
“أريد نسخة من كل صورة الليلة.”“ستحصلين عليها.”
ثم أضاف:
“لكن ليس الليلة فقط. غدًا سنحتاج أن نقرأ كل اسم.”أسندت رأسها إلى النافذة.
الشوارع بدأت تعود مألوفة الآن.
أضواء أنظف.
واجهات أهدأ.
المدينة ترتدي جلدها المحترم من جديد.قالت:
“عندي صف في النادي صباحًا.”التفت إليها بنظرة جانبية قصيرة.
ثم قال:
“طبعًا.”
وبدا عليه، رغماً عنه، شيء قريب من الابتسام.
“اذهبي وادرسي الماء أو التفاح أو المسافة وكأنك لم تضربي رجلًا في زقاق.”“هذا اسمه توازن.”“هذا اسمه مرض.”“ربما.”
ثم أغمضت عينيها لحظة.
“لكنه مفيد.”حين وصلت إلى البيت، كان الليل قد تقدم بما يكفي ليصير كل شيء فيه أهدأ من أن يُناقش.فتحت الباب بهدوء.
خلعت حذاءها عند المدخل.
وصعدت إلى جناحها قبل أن تمر على المطبخ أو غرفة الجلوس.
في هذا الوقت من الليل، حتى البيت يبدو كأنه يتنفس تحت الأبواب.دخلت.
أغلقت الباب.
ثم وقفت لحظة.هذا هو الجزء الذي لا يراه أحد.
ليس الجري.
ولا الزقاق.
ولا الباب الذي فُتح في آخر ثانية.
بل الوقفة اللاحقة.
حين يهدأ الجسد.
وتعود الروح إلى وزنها.
وتكتشفين أنك ما زلتِ تحملينك بالكامل.نزعت معطفها.
ثم سحبت ربطة الشعر.
وانسدل شعرها على كتفيها بطريقة فوضوية لا تليق بأي امرأة محترمة في رواية اجتماعية، لكنها لم تكن في مزاج الاحترام.نظرت إلى المرآة.
ثم قالت لانعكاسها:
“أنتِ ما تزالين مشكلة.”ثم ضحكت بخفة.
ليس سعادة.
فقط اعترافًا.كان يمكن أن تنام.
لكنها لم تفعل.
بل ذهبت إلى الحامل الصغير في زاوية الغرفة،
أخرجت اللون الأزرق الرمادي،
ثم الأسود،
ثم خطًا ذهبيًا خافتًا جدًا.بدأت ترسم.ليس لوحة المعرض.
ولا شيئًا تفكر في بيعه.
فقط أثر الليلة:
ممر ضيق.
ضوء هاتف ساقط.
ظل امرأة تمر بين معدنَيْن.
وشيء في الزاوية يشبه اسمًا محذوفًا من صفحة.مرّت عشر دقائق.
ثم عشر أخرى.
واللوحة الصغيرة بدأت تتشكل كجرح أنيق.
شكلها، لو رآه أحد، سيظنه مجرد تجريد سماوي غاضب.
لكنها تعرف.
هناك في العمق،
خلف الزرقة،
شيء مطارد.
وشيء لم يمت.وأمامها، على الطاولة،
كان دفتر المعرض مفتوحًا.
والأرقام فيه واضحة.
والعربون المستحق بعد يومين.
والحياة التي تبنيها بيديها ما تزال تمضي أيضًا.هذا هو التناقض الذي تعيش عليه:
في النهار، أمهات وطلاب ونادٍ ومسبح ولوحات ناشئين.
وفي الليل، مستودعات وأرشيف تنظيف وأسماء من الماضي.
والأدهى أنها، رغم كل شيء،
تعرف كيف تعود في الصباح وتشرح لطفلة لماذا الفراغ ليس نقصًا.وقبل أن تنهي اللون الأخير،
رن هاتفها برسالة واحدة.ساندي.سأفتح النادي بنفسي غدًا. لا تتأخري أكثر من اللازم.نظرت أورليا إلى الشاشة.
ثم ابتسمت.
ابتسامة صغيرة، حقيقية.كتبت ردًا قصيرًا:
أنتِ طاغية.جاءها الرد بعد أقل من دقيقة:
وأنتِ تدفعين عربون القاعة غدًا. نامي.ضحكت مرة أخرى.
ثم وضعت الهاتف.
ونظرت إلى اللوحة الصغيرة.فيها شيء من العنف.
وشيء من الهواء.
وشيء من نفسها قبل سنوات.
وهذا كافٍ لليلة واحدة
.نهاية الفصل الثالث والعشرين