الفصل الخامس والعشرون: ما يقترب من الضوء

في صباح اليوم التالي، كان الأتيليه أكثر ازدحامًا من المعتاد.ليس ازدحامًا فوضويًا يرهق الأعصاب،

بل ذلك النوع من الامتلاء الذي يجعل المكان يبدو ناجحًا:

رسائل عند المدخل،

أم تنتظر ردًا على تسجيل ابنتها،

شاب من الناشئين جاء أبكر من وقته لأنه يريد أن يثبت شيئًا لنفسه،

وورقتان معلقتان جديدتان قرب المكتب الصغير تعلنان، بخط هادئ:

معرض “ما قبل الاكتمال” — قريبًا وقفت أورليا عند الباب لحظة قبل أن تدخل تمامًا.

في يدها قهوة،

وفي الأخرى ملفان،

وشعرها مربوط على عجل أنيق،

والتعب ما يزال موجودًا في جسدها، لكنه اليوم من النوع الذي يمكن دفعه إلى الخلف إذا وجدت ما يكفي من العمل.

قالت ساندي من آخر القاعة، قبل أن ترفع رأسها كاملًا:

“لا تقفي عند الباب كأنك ضيفة.”قالت أورليا وهي تمشي نحوها:

“أنتِ تفسدين عليّ لحظات التأمل.”

“أنتِ لا تتأملين. أنتِ تحسبين.”

ثم رفعت ملفًا.

“وعندك اليوم ما يكفي ليمنعك من الحساب الزائد.”

وضعت أورليا أشياءها على الطاولة.

“ما الكارثة الأولى؟”

“ليست كارثة.”قالت ساندي.

“لكن عندك:

•مجموعة أطفال بعد نصف ساعة

•مجموعة ناشئين قبل الظهر

•اتصال من لجنة المعرض

•وزيارة من سيدة تريد أن ترى القاعة وتقترح اسم راعٍ” ثم أضافت: “وأنا لم أوافقها بعد.”

رفعت أورليا حاجبها.

“لماذا؟”

“لأن اسم الراعي يعني نفوذًا، والنفوذ يعني شروطًا.”

ثم نظرت إليها مباشرة.

“وأنا لم أعرف بعد إن كنتِ تريدين هذا النوع من المال.”ابتسمت أورليا ابتسامة صغيرة.

هذا ذكي.

وهذا سبب كافٍ لتبقي ساندي قريبة من قلب العمل كله.

قالت:

“سنسمع أولًا.”

“حسنا.ً”

ثم دخل أول طفل، تليه أمّه، وبدأ اليوم يبتلع نفسه طبيعيًا.مجموعة الصغار هذه المرة كانت مرهقة ولطيفة في آن واحد.

أربعة أطفال وطفلتان،

كلهم في عمر يجعلهم يظنون أن كل لون أهم من الذي بجانبه.

وضعت أورليا أمامهم أشياء بسيطة:

تفاحة،

مفتاح قديم،

وقطعة قماش زرقاء.قالت:

“اليوم لن نرسم الأشياء كما هي.”

ثم رفعت المفتاح.

“أريد من كل واحد أن يختار أي شيء هنا ويقرر: هل هو سعيد أم لا؟”

قال طفل صغير فورًا:“المفتاح غاضب.”

سألت: “لماذا؟”

“لأنه لا يفتح شيئًا.”ضحكت إحدى الطفلتين.

أما أورليا فقالت:

“ممتاز. ارسم غضبه.”هكذا فقط،

امتلأت القاعة الصغيرة بالحركة:

طفل يجعل التفاحة تبكي.

طفلة تقرر أن القماش الأزرق ملكة حزينة.

ولد يلون المفتاح بالأحمر لأنه “يشعر أنه يريد الصراخ”.ومثل كل مرة،

كانت أورليا أخف وسط الأطفال.

أوضح.

أقل التواءً.

لأنهم لا يحتاجون منها لعبًا ذهنيًا،

فقط حضورًا وصوتًا يقول لهم إن ما يرونه ممكن.

مرّت بين الطاولات.

عدلت يدًا هنا.

ومسحت بقعة ماء هناك.

وقالت لطفلة صغيرة:

“إذا كنتِ خائفة من الخط، ارسمِي أسرع.”

وسألتها الطفلة:

“ولماذا؟”

فأجابت:

“لأن الخوف يبطئ اليد ويكذب عليها.”

سألت أم عند الباب، بابتسامة مبهورة قليلًا:

“هل تقولين لهم هذا دائمًا؟”التفتت أورليا إليها.

ثم قالت ببساطة:

“أقول ما ينفع الورقة.”كانت هذه واحدة من الجمل التي تجعل الأمهات يسجلن أبناءهن وتعدن لاحقًا بصديقاتهن.

وفي عالم مثل عالمها، هذا أيضًا جزء من البناء.

__

بعد انتهاء المجموعة،

وبينما كان الأطفال يخرجون واحدًا واحدًا ومعهم رسومات غاضبة وحزينة بشكل يثير الشفقة،

وقفت ساندي إلى جوارها وقالت:

“اثنتان من الأمهات سألتَا عن المعرض.”

ثم أضافت:

“وواحدة سألت إذا كنتِ تقبلين الناشئين الأكثر جدية.”أخذت أورليا منشفة صغيرة تمسح بها أصابعها.

“إذن المسبح أفادنا اقتصاديًا فعلًا.”

قالت ساندي:“قلت لك.”

ثم ناولتها ورقة.

“وهذه أسماء المرشحين الجدد.”

أخذتها .ثم قالت: “جميل.”

وتوقفت.

“لكن لا نملأ القاعة أكثر من اللازم. أريد أن أستطيع رؤية الوجوه، لا مجرد أعداد.”

“أعرف.”

__

قبل الظهر بقليل، دخلت مجموعة الناشئين.وهذه هي الفئة التي تشدها أكثر.

ليسوا أطفالًا لدرجة البراءة الكاملة،

ولا كبارًا لدرجة أن الكذب صار جزءًا ثابتًا من هويتهم.

يقفون في المنتصف.

في عمر يشتعل فيه كل شيء بسرعة:

الخجل،

الطموح،

الكراهية،

والرغبة في أن يُروا.وضعت أمامهم اليوم مرآة طويلة مائلة على الحائط،

لكنها غطت نصفها بقماش أبيض.قال أحدهم:

“ما هذا؟”

قالت أورليا: “الدرس.”

ثم وقفت بجانب المرآة.

“اليوم سترسمون نصف الوجه.”

وسكتت.

“والنصف الآخر ستتركونه ناقصًا.”اعترضت فتاة فورًا:

“لكن هذا غش.”

قالت:“لا.”

ثم أشارت إلى القماش.

“هذا صدق أكثر مما تظنين.”

وأكملت بوضوح:

“لا أحد يُرى كاملًا.

ولا أحد يُظهر نفسه كاملة.

والرسم الجيد يعرف متى يتوقف.”كان هذا أوضح.

ومن غير غموض متعمد.

ومع ذلك، حمل المعنى الذي تريده.بدأوا.

وكانت القاعة ساكنة بشكل جميل.

كل واحد منهم يواجه مرآته ونصف ملامحه.

واحد رسم عينه فقط وبالغ في السواد.

أخرى تجنبت الفم كأنه جريمة.

وواحد من الصامتين جعل نصف وجهه أكثر هدوءًا من النصف غير المرسوم، وكأن الغياب نفسه صار شخصية.وقفت أورليا عند جود.

نظرت إلى ورقتها.

وقالت:

“هذا جميل، لكنكِ لطيفة أكثر من اللازم مع نفسك.”رفعت جود نظرها.

“ماذا أفعل؟”“قولي الحقيقة.”

ثم أشارت إلى الخط تحت العين.

“أنتِ متعبة هناك. ارسميه.”عند كريم، قالت:

“هذا النصف جيد.”

ثم أضافت:

“لكن النصف الغائب أهم. اترك له أثرًا.”سألها:

“كيف؟”أشارت بإصبعها في الهواء:

“ظل خفيف. فراغ محسوب. شيء يقول إنه كان هنا وغاب.”هذا هو النوع من التعليم الذي تريده لها.

واضح.

دقيق.

ومرتبط بفنها هي نفسها.في نهاية الحصة،

تجمعت الوجوه الناقصة على الجدار.

وكان منظرها قويًا فعلًا.

نصف ملامح،

نصف اعترافات،

ونصف أكاذيب.قالت أورليا:

“الناقص ليس دائمًا ضعفًا.”

ثم نظرت إليهم.

“أحيانًا هو الشيء الذي يجعل العمل حيًا.”وقبل أن تكمل،

ظهر ظل عند الباب.رفعت رأسها.

رأته.

أوريون.

وقف عند المدخل الداخلي للقاعة

قميص داكن بسيط،

كمّان مطويان،

والهدوء نفسه الذي يزعجها لأنه يبدو دائمًا كأنه يعرف أين يقف حتى في الأمكنة التي لا تخصه.لم تدخل الدهشة وجهها.

لكن جسدها تنبه كله.سألت، بنبرة عملية واضحة:

“هل أستطيع مساعدتك؟”التفت بعض الناشئين.

ثم عادوا إلى أعمالهم، مع ذلك الفضول الذي لا يخفى عند هذه الأعمار.

قال أوريون:

“أنا هنا لأخذ ملف من الإدارة.”

ثم نظر إلى الجدار.

“ويبدو أنني وصلت في منتصف درس.”كان صوته هادئًا.

قالت أورليا:

“إذن الإدارة في الجهة الأخرى.”تحركت زاوية فمه قليلًا.

“أعرف.”

ثم أضاف:

“لكن بما أنني هنا…”

ونظر إلى الأعمال.

“هذا جيد.”لم يكن مدحًا سهلاً.

ولا مجاملة اجتماعية.

بل ملاحظة حقيقية.

وهذا، لسبب تكرهه، جعلها أكثر توترًا لا أقل.قالت:

“هم جيدون.”

“واضح.”

ثم هبط نظره للحظة إلى نصف الوجوه.

“وفكرتك أوضح من المعتاد.”كانت الجملة عادية لمن لا يعرفه.

لكنها لم تكن عادية لها.

أوضح من المعتاد.

كأنه يلمس التعديل الذي تحاول تثبيته في حياتها كلها.

أقل غموضًا.

أقل مراوغة.

وهذا أزعجها على الفور.قالت:

“أنا أعمل مع طلاب. الوضوح ينفع.”

“وغير الطلاب؟”

رفعت عينيها إليه مباشرة.

“يعتمد على الشخص.”ساد صمت قصير.

الناشئون لم يفهموا طبقاته كلها، لكنهم شعروا به.

وساندي، التي ظهرت عند الباب الخلفي في هذه اللحظة، فهمته أكثر من اللازم واختارت، بذكاء، أن تنادي:

“أورليا، السيدة التي تريد الحديث عن الراعي وصلت.”التفتت أورليا قليلًا.

“دقيقة.”ثم عادت إلى الطلاب.

“علقوا أعمالكم على الجدار، واختاروا واحدًا فقط تظنون أنه الأصدق.”

ثم أضافت:

“ليس الأجمل. الأصدق.”

ونظرت إلى جود وكريم.

“سأعود قريباً.”خرجت من القاعة.

وساندي معها.

وأوريون لم يتحرك فورًا.

لحق بها بعد ثانيتين، لا أكثر.

في الممر القصير، قالت ساندي بصوت عملي:

“السيدة في المكتب.”

ثم نظرت إلى أوريون.

“والملف عند الإدارة فعلًا، إذا كان هذا ما تبحث عنه.”نظر إليها.

ثم قال:

“شكرًا.”

ذهبت ساندي فورًا.

تاركتهما وحدهما في الممر الضيق.قالت أورليا:

“هل جئت للملف فعلًا؟”

“نعم.”

“وهل بقيت لأنك أردت البقاء؟”

“نعم.”

وكان مزعجًا لهذا السبب بالذات.قالت:

“ما الذي تريده؟”نظر إليها مباشرة.

.“أريد أن أعرف إن كنتِ بخير.”كرهت السؤال فورًا.

لأنه بسيط ومباشر.

ولأنه أخطر من الجمل الملتوية أحيانًا.قالت:

“أنا بخير.”

“كذبتك واضحة.”

أورليا: “وجملتك متطفلة.”

تقدم نصف خطوة.

ليس كثيرًا.

لكن بما يكفي ليجعل الممر أضيق.“أورليا.”

قالها بهدوء : “أنتِ متعبة.”

أورليا : “أنا أعمل.”

“وأنتِ كنتِ خارج البيت لوقت متأخر.”

سكن شيء بارد في بطنها.

نظرت إليه.

ثم قالت وصفارات الانذار حلقت بذهنها:

“هل تراقبني؟”

“أراقب ما يخصني.”وهذه الجملة.

هذه بالذات.

هي ما كان يريده فيها: اليد العليا.

الحق في التعريف.

الحق في وضعها داخل دائرة تخصه.رفعت ذقنها قليلًا.

“وأنا لا أخص أحدًا.”ظلت عيناه عليها.

وفيهما ذلك الشيء الذي تكرهه لأنه حار وساكن معًا.

حين تعطيه أقل مقاومة،

يتغير شيء في جسده كله.

لا يقول هذا.

لكنها تراه.

في عينيهط.

في بطء تنفسه.

في الطريقة التي يثبت بها نفسه ،كأنه يمنع نفسه من الاقتراب أكثر.قال:

“أنتِ تجعلين هذا صعبًا.”

“ممتاز.”قالتها ببرود محسوب.

“أحب الصعوبة حين تكون ضرورية.”وفي لحظة قصيرة، كانت تعرف أنه قريب جدًا من أن يمد يده.

ليس لشيء كبير.

ربما فقط ليلمس ذراعها،

أو يوقفها،

أو يجرّ الحديث إلى مسافة أخرى.

أصغر ما تعطيه يكفي أحيانًا ليشتعل داخليًا.

وهذا واضح.

واضح جدًا.

لكنه، هذه المرة، لم يفعل.فقط قال:

“سأتكلم معك لاحقًا.”أجابت:

“لا تضيع وقتي.”ثم مرّت من جانبه،

ودخلت المكتب حيث السيدة الثرية تنتظرها بابتسامة مصقولة وملف رعاة صغير.كان اسم السيدة نيرمين خوري.

امرأة تعرف كيف تجلس كما لو أن الكرسي جزء من سيرتها الذاتية.

في الخمسين تقريبًا،

أنيقة جدًا،

وتتكلم بوضوح جيد لا بتمهل متعالٍ.قالت فور جلوس أورليا:

“أشكرك على استقبالي بسرعة.”

ثم نظرت حول المكتب.

“سمعت عن المعرض وأحببت الفكرة.”قالت أورليا:

“يسعدني هذا.”“خصوصًا الجمع بين الناشئين وأعمالك.”

ثم أضافت مباشرة:

“لكنني لن أخفي عنك ما يهمني أيضًا. أريد أن أضع اسم مؤسسة زوجي ضمن الرعاة الثقافيين إذا كان الأمر مناسبًا.”

قالت أورليا:

“وما المقابل الذي تتوقعينه؟”ابتسمت نيرمين.

“سؤال جيد.”

ثم فتحت ملفها.

“ليس تحكمًا في الأعمال. هذا ليس مجالي.”

وأضافت بوضوح:

“فقط حضور الاسم على الدعوات ولوحة المدخل، ودعوات محدودة لعدد من الضيوف.”سألتها أورليا:

“ولا تدخل في اختيار الطلاب أو أعمالهم؟”

“أبدًا.”

ثم مالت قليلًا.

“أنا أدفع للظهور والربط بالحدث، لا للفن نفسه.”أحبت أورليا الصراحة.

لا تجعلها طيبة.

لكنها مفهومة.

وهذا يكفي.قالت:

“إذن أحتاج أن أراجع الشروط مكتوبة.”

أشارت إلى ساندي، التي دخلت بهدوء ومعها الماء.

“وسنرد خلال يومين."

قالت نيرمين: “ممتاز.”

وانتهى اللقاء بخفة عملية.

فقط صفقة محتملة.

وهذا أيضًا جزء من عالمها

.بعد خروج السيدة،

قالت ساندي:

“هي أفضل من غيرها.”

“نعم.”

“هل سنقبل؟”فكرت أورليا لحظة.

ثم قالت:

“ربما.”

ونظرت إلى الملف.

“إذا بقي الاسم اسمًا فقط.”

أومأت ساندي.: “واضح.”

__

في آخر النهار، وبعد خروج أكثر الموجودين،

مرّت روزي فعلًا على الأتيليه.

وحدها.

كما يجب.

لا مع فوج كامل.

لا مع حياة كاملة محمولة وراءها.

دخلت تحمل كتابًا وحقيبة صغيرة.

نظرت إلى القاعة.

ثم إلى اللوحات المعلقة.

ثم إلى أورليا.“هل أتيت في وقت سيئ؟”

قالت أورليا:

“لا.”

ثم ابتسمت.

“أنتِ أتيتِ في وقت مفيد.”وضعت روزي حقيبتها وجلست عند الطاولة الجانبية.

“أنهيت واجباتي.”

ثم نظرت إليها.

“وأحضرت الكتاب الذي قلت إنك تريدينه.”أخذته أورليا.

“جيدة.”نظرت روزي حولها.

ثم سألت بشكل عادي جدًا:

“هل كان عندك زوار؟”التقطت أورليا السؤال.

“نعم.”

“مهمون؟”

“بعضهم.”

ثم أضافت ببساطة:

“أوريون مرّ.”رفعت روزي نظرها فورًا.

“إلى هنا؟”“نعم.”“لماذا؟”قالت أورليا بوضوح:

“قال إنه جاء لملف عند الإدارة.”

ثم أضافت:

“وبقي ليتكلم معي قليلًا.”

سألت روزي:

“هل أزعجك؟”صمتت أورليا ثانية.

ثم قالت:

“نعم.”

وسكتت.

“وأقلقني أيضًا.”لم تقل روزي شيئًا لحظتها.

فقط أخذت هذه الجملة ووضعتها في مكانها.

وهذا يكفي الآن.قالت بدلًا من ذلك:

“هل أستطيع أن أرى أعمال الناشئين؟”تنفست أورليا أخف.

“طبعًا.”وأخذتها إلى الجدار،

وبدأتا تنظران معًا.

إلى الوجوه الناقصة،

والماء،

والزهور،

والخطوط التي تحاول أن تقول الحقيقة قبل أن تتعلم كيف تزيّن نفسها.

نهاية الفصل الخامس والعشرين

2026/04/20 · 14 مشاهدة · 1691 كلمة
Qio Ruan
نادي الروايات - 2026