حين غادرت أورليا طرف المسبح، لم تكن المشكلة في أن الفستان لا يزال يحتفظ ببرودة الماء على جلدها، ولا في أن شعرها فقد انضباطه تمامًا، ولا حتى في أن ميرا امتلكت مادةً تكفي لابتزازها حتى نهاية الصيف.المشكلة كانت أن النهار نفسه انقسم.قبل مكالمة مارسيل، كان اليوم يبدو سخيفًا وجميلًا ومأمونًا:
قبعة طارت.
قفزة غير محسوبة.
ماسكارا خانتها.
ضحك.
ثم قبلة على رأس روزي، وقبعة جديدة، وانتهى الأمر.أما الآن، فقد صار هناك رجل طويل، اسم ثقيل، ومبنى يحمل اسمها لم يعد لها وحدها.كانت تسير بخطوات أسرع من عادتها نحو الجناح الخاص بالتبديل، والمنشفة البيضاء على كتفيها، والهاتف في يدها، ورافاييل إلى جوارها من غير أن يزاحمها بالكلام. وهذا من الأشياء التي كانت تحبها فيه دائمًا: يعرف متى يكون لطيفًا، ومتى يصير الصمت هو أفضل خدمة يمكن أن يقدمها.لكنه قال عند الباب الزجاجي المؤدي إلى الداخل:
“هل تريدينني أن أوصلك إلى الأتيليه، أم تفضلين أن تحاربي وحدك لتثبتي مبدأً لا داعي له؟”
لم تنظر إليه فورًا. كانت تكتب إلى مارسيل:
أنا في الطريق. لا توقّع على شيء. لا ترد على أحد قبل أن أصل.أرسلت الرسالة، ثم رفعت عينيها إليه.
“أنا لا أحارب وحدي. أنا فقط أحب أن يكون شهودي أنيقين.”
ابتسم.
“هذه طريقة جميلة لطلب المساعدة.”
“اعتد عليها.”
“أحاول منذ شهر.”
التفتت إليه، ثم ضحكت بخفة رغم ثقل صدرها.
“بل منذ أكثر.”
رفع حاجبًا.
“إذن تعترفين.”
“أنا امرأة منصفة في لحظات الضغط.”
فتح لها الباب.
“ادخلي. أعطيك خمس دقائق لتصبحي جميلة من جديد.”
“أنا فاتنة أصلًا.”
“أنت الآن مبللة ومظلومة. هذا شيء آخر.”
دخلت الجناح وأغلقت الباب خلفها.لم تكن المرآة قاسية هذه المرة.
بل مستفزة.وقفت أورليا أمامها لحظة، والمنشفة تلتف حول جسدها، وشعرها الأشقر يقطر على كتفيها، وآثار الماسكارا أُزيل معظمها لكن ليس كلها، والوهج الصيفي الساخر ما زال عالقًا في بشرتها كأنها لم تتلقَّ قبل دقائق خبرًا قد يغيّر مزاج أسابيعها القادمة.قالت لانعكاسها:
“هذا ليس وقتًا مناسبًا لتبدين جميلة هكذا.”
ثم فتحت خزانتها بسرعة.كان داخلها ما يكفي لإدارة أسبوع كامل من الطوارئ الاجتماعية:
فساتين خفيفة، أحذية مسطحة، حقيبة بديلة، عطر، أدوات سريعة، ومجموعة مستحضرات لا تسامح الخيانة. اختارت فستانًا عاجيًا بسيطًا ينسدل بنعومة من غير أن يتطلب مجهودًا، وصندلًا جلديًا منخفضًا، وربطت شعرها نصف ربطة مرتجلة تسمح له بأن يبدو مقصود الفوضى لا ضحية الماء.ثم وقفت أمام المرآة مرة أخرى، وضعت لمسة خفيفة على شفتيها، وحدقت في عينيها.كانت تعرف هذه النسخة من نفسها.
النسخة التي تظهر حين ينتهي اللعب ويبدأ الحساب.
ليست أبرد نسخة، ولا أشدها خطورة، لكن فيها شيئًا مستقيمًا لا يلين بسهولة.قالت:
“حسنًا. رجل اشترى مبناك. لا يعني هذا أنه اشترى يومك.”سكتت لحظة.
ثم أضافت:
“ولا يعني أنك ستجعلينه يفعل ذلك بسهولة.”اهتز هاتفها برسالة من ليديا:
روزي وافقت على تأجيل القبعة الجديدة إلى الغد بشرط ألا تموتي اليوم.ابتسمت أورليا وكتبت:
أبلغيها أنني أرفض الموت قبل أن أرى الفاتورة.جاء الرد فورًا:
هذا هو الكلام الذي أحبّه.أخذت حقيبتها وخرجت.كان رافاييل ينتظر عند العمود نفسه، وقد أعاد ترتيب نفسه كله. قميص جاف، ساعة في مكانها، وشعره الداكن عاد إلى هدوئه المرتب. كان من النوع الذي يستطيع أن يقفز إلى الماء ثم يعود بعد دقائق كأن شيئًا لم يحدث، وهذا أيضًا من صفاته المزعجة.نظر إليها حين خرجت، وقال:
“أسرع امرأة تنهض من كارثة تجميلية إلى كارثة عقارية.”“أنا متعددة المواهب.” قالتها وهي تقترب.فتح لها باب السيارة.
“أنا لم أقل العكس.”جلست، وأغلق الباب، ثم دار إلى مقعده. وما إن تحركت السيارة خارج بوابة فيريتاس حتى ساد بينهما صمت قصير، ليس محرجًا ولا ثقيلًا، بل ذلك النوع الذي يسمح للعقل بأن يسبق اللسان دقائق قليلة.قال رافاييل أخيرًا:
“هل سأعرف ما حدث، أم عليّ أن أبدو رجلًا نبيلًا وأكتفي بالقيادة الجيدة؟”كانت تنظر عبر الزجاج إلى صف النخيل والمباني اللامعة.
“المبنى بيع.”“الأتيليه؟”“نعم.”أدار رأسه إليها لحظة قصيرة، ثم أعاده إلى الطريق.
“هذا ليس خبرًا صغيرًا.”“أعرف.”“هل البيع نهائي؟”“نهائي بما يكفي ليجعل مارسيل يكلمني وسط حفلة مسبح.”تنفس بهدوء.
“ومن المالك الجديد؟”أجابت بعد لحظة:
“أوريون ڤالمر.”قال الاسم معه شيء في داخلها. ليس خوفًا. شيء أقرب إلى الانتباه الحاد.قال رافاييل:
“همم.”التفتت إليه.
“هل تعرفه؟”“معرفة بعيدة.” قالها وهو يراقب انعكاس الضوء على الزجاج الأمامي. “سمعت اسمه في أكثر من مجلس. رجل يصعد بسرعة، أو سمحوا له أن يصعد أخيرًا. وفي الحالتين، هذا لا يحدث بلا سبب.”“مريح جدًا.” قالت بفتور.“أنا لا أحاول أن أريحك.”“واضح.”ثم سكتت لحظة، قبل أن تسأل:
“كيف يبدو لك؟”رفع حاجبًا.
“هل هذا سؤال عمل أم فضول؟”“سؤال لامرأة وجدت اسمه في أوراقها بعد أن رأته من خلف زجاج فيريتاس.”نظر إليها هذه المرة.
“إذن رأيتِه.”“رأيت ظلًا طويلًا ومدير النادي يتصرف كأنه اكتشف للتو معنى الوظيفة.”ضحك.
“هذا وصف دقيق.”ثم أضاف:
“يبدو من النوع الذي لا يطلب مساحة. هو يدخلها فقط.”لم يعجبها الوصف.
ولهذا غالبًا صدقته.قالت:
“جميل. رجل يشتري مباني الناس ويدخل مساحتهم من غير استئذان.”“وهل ستكرهينه من الآن؟”فكرت لحظة.
“لا. الكراهية المبكرة مضيعة للوقت.”“إذن ماذا ستفعلين؟”أجابت، وعيناها على الطريق:
“سأفهم أولًا.”ابتسم من طرف فمه.
“هذه ابتسامتك الخطرة.”“أنا لا أبتسم.”“بل تفعلين. أنت تبتسمين حين تقررين الاقتراب من شيء لا يريحك.”التفتت إليه.
“هل هذا تحليل مجاني؟”“بل خدمة ما بعد العلاقة.”ضحكت، قصيرة لكنها حقيقية.
ثم قالت:
“أنت تتحدث كثيرًا اليوم.”“لأنك صامتة أكثر من اللازم.”لم تنكر.كان رافاييل يعرفها بما يكفي ليلتقط التغيرات الصغيرة.
ولم يكن هذا جديدًا بينهما. شهر واحد فقط، نعم، لكنه كان شهرًا قريبًا بما يكفي ليعرف كيف تصير نبرة صوتها أنعم حين تكذب، وكيف تهدأ حركاتها أكثر حين تغضب. وهذا من الأشياء التي جعلت أورليا تحتفظ به قربها حتى بعد أن أغلقت بينهما الباب الذي لا تريده أن يظل مفتوحًا طويلًا.لم يكن رجلًا سيئًا.
وهذا تحديدًا كان مشكلته.لو كان أقل لطفًا، أو أكثر حماقة، أو أكثر التصاقًا، لكان نسيانُه أسهل.
لكنه كان مناسبًا، مريحًا، يعرف حدودَه، ويقبل القليل إذا جاء منها.
ولهذا ظل موجودًا في محيطها بدل أن يُطرد منه.قال رافاييل:
“هل تريدينني معك عند مارسيل؟”“نعم.”“هذا اعتراف جميل.”“هذا استخدام نبيل للرجال السابقين.”ضحك.
“إذن ما زلتِ تعتبرينني مفيدًا.”“أنت مفيد عندما لا تطلب تفسير كل نفس آخذه.”“أنا أتعلم.”“تعلم بسرعة. قد أحتاجك مرة أخرى.”رفع حاجبًا.
“هل هذا وعد؟”“هذا استغلال صريح.”“وأنا رجل لديه ذوق سيئ في رفض الاستغلال منك.”نظرت إليه لحظة، ثم أعادت نظرها إلى الشارع، لكنها لم تمنع ابتسامة صغيرة. كانت تعرف هذا عنه أيضًا. هو ما زال منجذبًا لها. لا تعلقًا مدمرًا، ولا أملًا كبيرًا، لكن ذلك النوع الهادئ من الانجذاب الذي يجعل الرجل لا يمانع أن يعود إلى الباب نفسه إذا فُتح له ولو قليلًا.وكانت أورليا، إن كانت صادقة، تعرف أيضًا أنها تستطيع فتح ذلك الباب متى شاءت.
وهذه واحدة من الحقائق التي لم تكن تقولها بصوت عالٍ.وقف مبنى الأتيليه في مكانه كما تركته قبل ساعات.
وهذا كان أسوأ.من الخارج، لم يتغير شيء.
الواجهة الزجاجية العريضة.
الشعار المعدني الأنيق:
Rose Hall Atelier
أصيصا اللافندر على الجانبين.
الضوء الذهبي العالق في الحجارة الفاتحة.كل شيء بدا مهذبًا، ساكنًا، كأنه لم يسمع قط عن بيع أو نقل ملكية أو رجل اسمه أوريون ڤالمر.لكن مارسيل كان بانتظارها عند المدخل، ولم يكن من الرجال الذين يقفون هكذا من أجل أخبار صغيرة.فتح لهما الباب بنفسه. وهذا وحده كان كافيًا ليرفع التوتر درجة أخرى.قالت أورليا ما إن دخلت:
“إذا قلت لي جملة من نوع لدينا مشكلة، فسأرمي أول شيء يصل إلى يدي.”
قال:
“لن أقولها. نحن تجاوزنا هذه المرحلة.”
رفعت حاجبًا.
“وأين نحن الآن؟”
“في مرحلة أريدك فيها أن تقرئي قبل أن تغضبي.”
“أنا أقرأ وأنا غاضبة.”
“هذا ما يقلقني.”
دخلت قاعة العرض بخطوات أسرع من المعتاد. كان المكان هادئًا على نحو مؤلم. لوحاتها معلقة حيث تركتها. طاولة الكتالوجات عند المدخل منظمة. رائحة الطلاء القديم والخشب والنظافة الدقيقة ما تزال نفسها. وحتى الركن الذي تترك فيه روزي أحيانًا دفاترها الصغيرة بقي مرتبًا كما هو.قالت أورليا وهي ترفع نظرها إلى الجدار الرئيسي:
“لا أصدق أن شيئًا هنا صار رسميًا على ورق رجل آخر.”قال مارسيل:
“على الورق فقط حتى الآن.”
“حتى الآن.”
كررتها وهي لا تعجَبها العبارة.صعدوا إلى المكتب في الطابق العلوي.كان مارسيل قد أعد كل شيء:
ملفات.
عقود.
ملاحظات.
صورة أولية لسلسلة الملكية.
وقهوة لم تعد ساخنة.جلست أورليا من غير أن يطلب منها. هذه المرة لم يكن لديها مزاج للكرامات الصغيرة.جلس رافاييل إلى يمينها.
وبقي مارسيل واقفًا للحظة، ثم قال:
“الاسم مؤكد.”
مد إليها الملف المفتوح عند الصفحة الأخيرة.نظرت إلى السطر المحدد.
شركة.
ممثل قانوني.
كيان جديد.
ثم في النهاية الاسم الذي صار يزور يومها أكثر مما ينبغي.أوريون ڤالمر.لمست الحرف الأول بإصبعها كما لو أنها تختبر واقعيته.قالت:
“لماذا يفعل هذا؟”
أجاب مارسيل:
“لا أملك إلا الاحتمالات.”
“أعطني إياها.”
“إما أنه يريد الموقع.”
“الموقع وحده لا يحتاج كل هذه اللمسات السابقة.”
“إما أنه يريد السيطرة على السلسلة كلها.”
“وهذا أيضًا لا يبرر التوقيت.”
“أو...” سكت.رفعت رأسها.
“أكمل.”
قال:
“أو أن هذا ليس عن المبنى فقط.”
سكتت.كان هذا ما لا تريد سماعه، لأنه أقرب شيء إلى الصدق.خلال الأشهر الماضية، لم تكن الضربات كبيرة بما يكفي لتسقطها.
بل كانت صغيرة، متكررة، ذكية.
راعٍ انسحب.
مورد أخلف.
موعد تجديد تعثر.
مساعدة استقالت بعد عرض أفضل.
امرأة كانت على وشك أن تحجز سلسلة دروس خاصة ثم اختفت.
كلها أشياء قابلة للتفسير إذا نظرتِ إلى كل واحدة وحدها.
لكن حين جمعها مارسيل على الورق، بدت كأصابع تختبر هيكل حياتها.قالت أورليا:
“أنت تقصد أنه كان يتحرك حولي.”
“نعم.”
“منذ متى؟”
“أظن منذ أشهر.”
ضحكت ضحكة خالية من المرح.
“إذن أنا أعيش داخل رواية رخيصة ولم يخبرني أحد.”
قال رافاييل:
“لو كانت رخيصة، لما بدأها من المبنى.”
التفتت إليه.
“هذا تعاطف سيئ التوقيت.”
“هذا من أجلك.”
“وأنا لا أريده لطيفًا هكذا.”
“للأسف، هذا أفضل ما عندي.”تنفست أورليا ببطء.
ثم أعادت الملف إلى الطاولة.“
حسنًا. لا أريد كلمة خسارة.”
قال مارسيل مباشرة: “لم أقلها.”
“ولا أريدك أن تقولها.”
“لن أقولها.”
“أريد فقط أن أفهم ما الخطوة التالية.”قال:
“قانونيًا، نستطيع أن نراجع بند المراجعة. ونكسب وقتًا. وربما نفتح مسارًا تفاوضيًا.”
“وماذا عن الشخص نفسه؟”
نظر مارسيل إليها لحظة.
وكان يعرف هذا السؤال قبل أن تنطق به.
“لا.”رفعت ذقنها قليلًا.
“أنا لم أقل شيئًا بعد.”
“وأنا أقول لا قبل أن تفعلي، حفاظًا على صحتي.”
قال رافاييل، وهو يراقب المشهد كما لو أنه يعرف نهايته:
“ستفعلها.”
قالت أورليا:
“بالطبع سأفعلها.”
تنهد مارسيل.
“هذا ما قصدته.”
مالت أورليا إلى الأمام قليلًا، وأسندت مرفقيها إلى الطاولة.
“مارسيل، اسمعني جيدًا. أنا لا أقول إنني سأذهب إلى مكتبه وأرمي العقد في وجهه. أنا فقط أقول إنني لا أحب أن أبقى بعيدة عن الشخص الذي دخل حياتي بهذه القوة.”
قال:
“هو لم يدخل حياتك. هو اشترى مبنى.”
أجابت من غير أن ترمش:
“المبنى جزء من حياتي. وهذا يكفي.”
سكت.ثم قالت:
“إذا كان رجلًا بهذه القوة، وبهذا الصعود، وبهذا الهدوء الذي يسمح له أن يحرك أشياء حولي منذ أشهر من غير أن أراه بوضوح… فمن الخطأ أن أكتفي بالردود القانونية.”“إذن؟”“أريد أن أراه.”قال مارسيل بجمود:
“رأيته.”
التفتت إليه بسرعة.
“ماذا؟”
فتح ملفًا صغيرًا آخر، وأخرج بطاقة دعوة.
“كان في فيريتاس اليوم. اجتماع خاص مع الإدارة وبعض الرعاة الجدد. هذا جدول وجوده.”
نظرت إلى البطاقة.
ثم رفعت رأسها ببطء.
“كان فوق.”
“نعم.”
الهيئة التي رأتها خلف الزجاج عادت إلى ذاكرتها كاملة.
الوقفة الهادئة.
الظل الداكن.
الطريقة التي جعل بها مدير النادي يبدو أصغر من بدلته.قالت أورليا:
“إذن رأى عرض القبعة.”
قال رافاييل:
“ورأى كارثة الماسكارا.”
قالت:
“والغرق العاطفي في صدرك.”
ابتسم.
“ذلك أيضًا.”
أغمضت أورليا عينيها لحظة.
ثم ضحكت فجأة.
ضحكة قصيرة، حية، لا تشبه السعادة ولا القلق تمامًا.رفع مارسيل حاجبًا.
“ما المضحك؟”
فتحت عينيها.
“أول صورة له عني أنني قفزت إلى المسبح من أجل قبعة وصرخت لأن الماسكارا سالت.”
قال رافاييل:
“هذه صورة قوية.”
قالت:
“هذه صورة ممتازة.”
ثم نظرت إلى مارسيل.
“دعه يظنني سطحية.”قال:
“أنت لا تظنين أن هذا قد ينجح طويلًا، أليس كذلك؟”
“لا أحتاجه أن ينجح طويلًا. فقط طويلًا بما يكفي.”
هنا فقط فهم مارسيل أنها اتخذت القرار فعلًا.قال بفتور يعرفه جيدًا:
“أنت ستقتربين منه.”
“نعم.”
“بأي صفة؟”
ابتسمت أورليا ابتسامة صغيرة. ليست ابتسامتها الاجتماعية الواسعة، بل تلك التي تظهر حين تلبس أحد وجوهها بإرادتها.
“بصفتي امرأة اجتماعية جدًا، ولطيفة جدًا، ومرئية جدًا، ولا تحب أن يكون بجانبها رجال خطرون إلا وهي في الجهة المريحة لهم.”
قال رافاييل:
“أشكرك لأنكِ تصفين خطة سيئة كما لو أنها تحية صباحية.”
التفتت إليه.
“وهل تريدني أن أكون مملة فجأة؟”
“لا. هذا سيقتل جماليًا ما تبقى من اليوم.”
قال مارسيل:
“أنتِ تمزحين لأنك متوترة.”
“وأنتَ تقف هكذا لأنك تعرف أنني محقة.”
سكت.ولأن مارسيل لا يجادل حين يعرف أنها رأت زاوية صحيحة، حتى لو كرهها، فقد جلس أخيرًا وقال:
“حسنًا. إذا كنتِ ستقتربين، فلن يكون هذا ارتجالًا.”
“بالطبع لا.”
“سيكون عبر مكان منطقي.”
“موافق.”
“وعبر ظرف يبرر الكلام.”
“موافق.”
أخذ بطاقة الدعوة ودفعها إليها.
“في فيريتاس بعد يومين. استقبال صغير. رعاة، إدارة، وبعض الوجوه التي تحب أن تُرى قرب المال.”
أخذتها.
نظرت إلى التاريخ والوقت والمكان.
ثم إلى الاسم أسفل القائمة:
السيد أوريون ڤالمر.قالت:
“ممتاز.”
قال رافاييل:
“هذه الكلمة عندك تقلقني.”
“هي تقلقني أنا أيضًا.”
ثم وقفت.جالت ببصرها على المكتب.
على ملفاتها.
على زجاج النافذة.
على طاولة صغيرة عند الزاوية فيها كوب رسمت روزي على سطحه قبل أسبوع شمسًا غير متساوية وقالت إنه “أكثر صدقًا من الشموس المثالية”.قالت أورليا بهدوء:
“حسنًا. سنكسب وقتًا بالقانون. وسأدخل من فيريتاس.”قال مارسيل:
“وأنا سأكون قريبًا بما يكفي لأمنعك من حرق شيء.”
“هذه إساءة ظن.”
“هذه خبرة.”خرجوا من المكتب بعد ساعة، وكانت الشمس قد بدأت تميل إلى الغروب، مسحوبة بخيوط ذهبية طويلة على واجهات الشارع المقابل. داخل الأتيليه، صار الضوء أهدأ، وأكثر دفئًا، واللوحات على الجدران تبدو أقرب إلى الصمت منها إلى العرض.وقفت أورليا في قاعة العرض الرئيسية وحدها للحظة، بينما كان مارسيل في الداخل يتحدث مع أحد المحامين عبر الهاتف، ورافاييل يقف عند المدخل يرد على رسالة قصيرة.رفعت رأسها إلى لوحتها الكبيرة على الجدار المقابل.
بحر ذهبي وأزرق.
ضوء كثير.
وسطح هادئ يخفي ما تحته.
قال صوت رافاييل خلفها:
“هل سألتقط لك لحظة تأمل درامية، أم أتركك تحتفظين بها لنفسك؟”
لم تلتفت.
“إذا التقطتها، سأحرق هاتفك.”اقترب خطوتين.
“أنت تهددين كثيرًا اليوم.”
“لأن الجميع مزعجون.”
“وأنا؟”التفتت إليه أخيرًا.
“أنت مزعج بشكل أنيق.”
ابتسم.
“أقبل.”ثم صمت لحظة.
“إذا احتجتِ أن أكون موجودًا في الحفل، فأخبريني.”
نظرت إليه جيدًا هذه المرة.كان واضحًا.
كما هو دائمًا.
لا يطلب حقًا أكبر من المساحة التي تعطيها له.
ولا يتظاهر بأنه لا يريد.ولهذا بالضبط كان خطيرًا بطريقته الخاصة.قالت:
“أنت تريد أن تكون موجودًا.”
“نعم.”
“حتى لو كان الأمر مجرد خروج خفيف بعده؟”
لم يرمش.
“حتى لو كان الأمر كما كان.”
“وكان كيف؟”
“لطيفًا.”
ثم أضاف، بصوته الهادئ الذي لا يضغط ولا يهرب:
“وخفيفًا. وممتعًا. وأنا لا أمانع العودة إلى شيء أعرف أنه قد لا يصير أكثر.”
سكتت.
هذا هو رافاييل.
واضح بما يكفي ليجعل الرفض صعبًا.
وخفيف بما يكفي ليجعل القبول أسهل مما يجب.ابتسمت نصف ابتسامة.
“أنت رجل عملي جدًا.”
“تعلمت من امرأة عملية أكثر مما تبدو.”
هزت رأسها ببطء، ثم قالت:
“سأخبرك.”
لم يطلب أكثر من ذلك.
فقط أومأ، كأن الجملة وحدها مكسب معقول.وعند الباب، جاء صوت مارسيل:
“إذا انتهيتما من الحوار الذي لا يطمئنني، فنحن نغلق الآن.”
قالت أورليا:
“هذا حسد.”
قال:
“هذا دفاع عن الموارد.”
عادت إلى البيت بعد المغرب بقليل.كان البيت هادئًا بطريقة لطيفة. لا ضيوف. لا موسيقى. فقط ضوء المصابيح الدافئ، ورائحة شيء حلو خرج قبل قليل من الفرن، وصوت روزي في الداخل تتجادل مع ميرا حول أمر يتعلق بترتيب الألوان داخل صندوق لم يطلب أحد رأيها فيه أصلًا.
دخلت أورليا وهي تخلع حذاءها من أول خطوة، لأن هذا البيت واحد من الأماكن القليلة التي تسمح فيها لقدميها أن تنسيا الأناقة.ظهرت روزي أولًا من باب الصالة.
وقفت، نظرت إليها من أعلى إلى أسفل، ثم قالت:
“أنتِ متأخرة.”
قالت أورليا وهي تفتح ذراعيها:
“وهذا استقبال لا يليق بحضرة الأخت الكبرى.”
“أنا رئيستك إداريًا.”
قالتها روزي وهي تمشي نحوها مع ذلك، وتسمح لها أن تضمها.انحنت أورليا وقبلت رأسها.
“كيف كان يومك؟”
“ميرا كادت تفسد كل شيء.”
ثم أضافت روزي بصرامة:
“لكنني أنقذت الفريق.”
أطلت ميرا من الخلف.
“هي تقول هذا عن كل شيء.”
ووراءها جاءت كلارا، تحمل صندوقًا شفافًا بداخلـه أشرطة وملصقات.
“لأنها تعتقد أنها محقة دائمًا.”
قالت روزي من غير أن تنكر:
“أنا غالبًا محقة.”
ضحكت أورليا.
ثم رفعت نظرها إلى أودري التي ظهرت من الممر الجانبي وقالت بلهجتها العملية المعتادة:
“العشاء خلال عشرين دقيقة. والآنسة روزي رفضت الأكل حتى تعودي.”
نظرت أورليا إلى روزي.
“هذا ابتزاز عاطفي.”
قالت روزي:
“هذا احتجاج.”
“ولماذا لم تأكلي؟”
“لأنني أردت أن أعرف إذا كنتِ ستعودين من الأزمة بشكل مناسب.”
ضحكت أورليا رغم تعبها.
“أنا أوافق على هذا التعريف بشرط ألا تعيدي استخدامه.”
ثم قادت روزي إلى الصالة وجلست معها على الأريكة الطويلة، بينما جلست ميرا على السجادة على بطنها، وكلارا قرب الطاولة الجانبية، وصار الجو كله دافئًا بما يكفي ليذكرها لماذا تقاتل أصلًا.بعد قليل، سألت روزي:
“هل هو الرجل الطويل؟”رفعت أورليا عينيها.
“أي رجل طويل؟”
“الذي كان فوق اليوم.”
قالت ميرا فورًا:
“الرجل الوسيم.”
قالت روزي ببرود:
“أنا لم أقل وسيم.”
قالت كلارا:
“لكنك فكرتِ فيها.”أورليا ضحكت وأراحت رأسها إلى الخلف.
“لا أصدق أنني أعيش مع لجنة تحقيق صغيرة.”ثم نظرت إلى روزي.
“ربما.”
“هل هو سيئ؟”
“لا أعرف بعد.”
“هل سيأخذ الأتيليه؟”
سكتت لحظة.
ثم مدت يدها ومسحت خصل الشعر عن جبين روزي.
“لن أدع أحدًا يأخذ شيئًا بسهولة.”
حدقت بها روزي، كأنها تزن الجملة لا المعنى فقط.
ثم قالت:
“جيد.”
وبينما كانت أورليا تنظر إلى ابنتها، وإلى البيت، وإلى ضوء المساء الناعم، وإلى دفء هذه الفوضى الصغيرة، عرفت شيئًا واحدًا بوضوح كامل:أوريون ڤالمر لم يشترِ مبنى فقط.لقد دخل من بابٍ يؤدي إلى أشياء لن تسمح له بالمساس بها بلا حساب.في وقت متأخر من الليل، بعد أن نامت روزي، وغادرت ميرا وكلارا، وانتهت مكالمة ثانية سريعة مع مارسيل، كانت أورليا وحدها في غرفة الجلوس، حافية القدمين، بثوب ناعم خفيف، والبيت كله يغفو حولها.وضعت كوب الشاي على الطاولة.
ثم أخذت هاتفها.فتحت صورة بطاقة الدعوة التي أرسلها لها مارسيل.استقبال خاص في نادي فيريتاس.
بعد يومين.
بحضور الإدارة والرعاة الجدد وبعض الوجوه التي تحب المال إذا لبس ربطة عنق.وفي السطر السفلي:
أوريون ڤالمر.بقيت تنظر إلى الاسم لحظة طويلة.ثم كتبت إلى ليديا:
أحتاج فستانًا يجعل رجلًا خطيرًا يسيء التقدير.جاء الرد بعد أقل من دقيقة:
أخيرًا. هذه لغتي الأولى. ما المناسبة؟
كتبت:
رجل اشترى مبناي.
تأخر الرد هذه المرة.
ثم جاء:
إذن نحتاج فستانًا يكلّفه أكثر.ضحكت أورليا، خفيفة هذه المرة، ثم أغلقت الهاتف.وأراحت رأسها إلى ظهر الأريكة.غدًا ستراجع الأوراق.
غدًا ستثبت الأقدام.
غدًا ستتأكد من أن الأتيليه لن ينكسر لمجرد أن رجلًا طويلًا قرر أن يضع اسمه على أحد جدرانه.لكن بعد غد…بعد غد، ستقابله.ولم يكن أكثر ما يزعجها هو الغضب.بل الفضول.رفعت يدها إلى عينيها وأغمضتهما لحظة.
ثم قالت إلى الغرفة الخافتة:“حسنًا يا سيد ڤالمر.”فتحت عينيها ببطء.
وابتسمت.“إذا كنتَ قد دخلت من باب الأتيليه…
فسأدخل أنا من باب فيريتاس.”