الفصل الثالث: خطوة إلى الضوء

استيقظت أورليا على طرقات قصيرة، واثقة، ومنتظمة على باب غرفتها.

لم تكن طرقات أودري.

أودري تطرق مرة واحدة فقط، ثم تنتظر كما لو أن الوقار نفسه يقف معها عند الباب.

وليست طرقات خادمة مترددة.

ولا طرقات مارسيل، لأن مارسيل لا يظهر عند باب جناحها صباحًا إلا إذا احترق بنك أو قررت المدينة كلها أن تكون أكثر إزعاجًا من المعتاد.هذه طرقات تعرفها جيدًا.فتحت عينًا واحدة، وتحسست الهاتف قرب الوسادة.

كانت الساعة تشير إلى السابعة والثامنة والأربعين.أغلقت عينها من جديد، وسحبت الغطاء حتى ذقنها، ثم قالت بصوت مبحوح:“إذا لم يكن هناك حريق، أو جزيرة للبيع، أو خصم محترم على قبعات الأطفال… عودي بعد ساعة.”

جاءها صوت روزي من خلف الباب، واضحًا، صارمًا، ومزعجًا على نحو لا يليق بطفلة:“أودري تقول إن الإفطار سيبرد.”

توقفت لحظة قصيرة، ثم أضافت:“وأنا أقول إن لديكِ عشر دقائق قبل أن أعتبرك غير صالحة للإدارة.”

فتحت أورليا عينيها هذه المرة، وحدقت في السقف نصف ثانية، ثم ضحكت ضحكة صغيرة رغماً عنها.“أنا من يربيك.”

جاءها الرد فورًا:“بشكل سيئ أحيانًا.”

جلست أورليا أخيرًا في السرير، وشعرها الأشقر منكوش فوق كتفيها، وثوب النوم الحريري العاجي ملتف حول ساقيها في فوضى ناعمة. كانت الغرفة غارقة في ضوء صباح بحري لطيف؛ الستائر البيضاء تتحرك قليلًا مع الهواء، والنسيم يدخل برائحة حديقة مبللة وملح خفيف، وكل شيء في المكان يدعو إلى العودة للنوم… لا إلى تذكر رجل اشترى مبنى مرسمها.قالت:“ادخلي.”

فتح الباب فورًا.دخلت روزي بثوب صباحي أبيض ذي حاشية زرقاء صغيرة، وشعرها مصفف بعناية مبالغ فيها، وفي يدها دفتر وردي صغير. رأته أورليا فتنهدت بعمق

.“لا.”

قالت روزي:“بل نعم.”

“إذا كان هذا دفتر شكاوى، فسأعود إلى النوم.”

“هذا دفتر إصلاحات.”

مدت أورليا يدها.“هذا أسوأ.”

أعطتها روزي الدفتر.فتحته أورليا، ووجدت في الصفحة الأولى عنوانًا مكتوبًا بخط صغير مرتب:خطة ما بعد كارثة المسبح

وتحته نقاط واضحة:

1.قبعة جديدة

2.حذف الفيديو

3.عدم الوثوق بماسكارا غير مقاومة للماء

4.عدم القفز بفستان جميل أمام الناس

5.شراء شيء جميل لأن الأزمات تحتاج تعويضًا

حدقت أورليا في الصفحة ثانيتين، ثم رفعت عينيها ببطء .“أولًا، أنا لا أستخدم شيئًا غير محترم على وجهي.”

قالت روزي ببرود:“إذن كانت خيانة من جهة موثوقة.”

“هذا أكثر إيلامًا.”

“وثانيًا، أريد القبعة اليوم.”

أغلقت أورليا الدفتر ووضعته على ساقيها.“لهذا أيقظتِني؟”

“نعم.”

“كنت أتوقع انقلابًا اقتصاديًا أو تقريرًا سريًا عن ميرا.”

“القبعة أهم.”

تأملتها أورليا لحظة، ثم فتحت ذراعيها.“تعالي.”

ترددت روزي نصف ثانية فقط، ثم صعدت إلى السرير وجلست قربها. سحبتها أورليا إليها، وقبلت أعلى رأسها، فأراحت روزي رأسها على كتفها أخيرًا.

قالت أورليا:“أنتِ تستغلين أنني أحبك.”

قالت روزي:“هذا ذكاء.”

توقفت لحظة، ثم أضافت:“وقد تعلمته منك.”

أغمضت أورليا عينيها نصف لحظة.“يا للأسف.”

ساد بينهما صمت قصير، دافئ، مألوف، من النوع الذي لا يحتاج إلى شرح. خارج الباب، كانت الحياة في البيت تبدأ ببطء.

خطوات خفيفة. أطباق بعيدة. ورائحة قهوة بدأت تصعد إلى الأعلى مثل وعد صغير بأن النهار قد يكون أقل قسوة مما يبدو.قالت روزي بصوت أخفض:“هل أنت منزعجة جدًا؟”

فتحت أورليا عينيها، ونظرت إليها مباشرة.في مثل هذه اللحظات تحديدًا، كانت روزي تتذكر أنها ما تزال صغيرة. لا في ملامحها. ولا في وقفتها. ولا في طريقتها العجيبة في تقييم العالم.

بل في تلك المنطقة الصامتة داخلها، التي تلتقط تغيّر الهواء حول من تحب قبل أن يصرح به أحد.

مسحت أورليا بإبهامها فوق خدها.“أنا منزعجة بما يكفي لأشتري لك قبعة باهظة جدًا.”

ضيقت روزي عينيها.“هذا ليس جوابًا.”

“هذا أفضل جواب صباحي سأعطيه.”ثم مالت وقبلت جبهتها مرة أخرى.“والآن اتركي لي سبع دقائق لأصبح امرأة تستحق الاحترام.”

قالت روزي وهي تنزل عن السرير:“أعطيتكِ عشرًا. لا تضيعيها.”

“أنتِ قاسية.”

“أنا منظمة.”

ثم خرجت، وأغلقت الباب خلفها بهدوء.

بقيت أورليا جالسة لحظة، تحدق في الدفتر الوردي فوق الغطاء.

ثم مدت يدها إلى الهاتف.

كانت هناك رسالة من مارسيل قبل دقائق:المحامي سيصل العاشرة. لا تغيري خطتك.قرأت الرسالة مرتين.

ثم كتبت:ما زلت أكره طريقتك في قول صباح الخير.

جاء الرد سريعًا:وأنا أكره طريقتك في استقبال الكوارث بفستان سباحة.

ابتسمت رغم نفسها، ثم ألقت الهاتف قرب الوسادة ونهضت أخيرًا.

كانت غرفة الطعام مضاءة بضوء صباحي ذهبي ناعم، ينساب من النوافذ العالية ويستقر فوق الخشب المصقول، والصحون البيضاء، وكؤوس العصير المرتبة بعناية لا تليق ببيت تسكنه أورليا وروزي ومجموعة أطفال يتعاملون معه كمنطقة نفوذ مشتركة.

أودري كانت تقف قرب الممر المؤدي إلى المطبخ، تراقب المائدة بعينها العملية الحادة، كما لو أن الفوضى يمكن ترويضها بالكامل إذا نظرت إليها بما يكفي من الصرامة.جلست أورليا أخيرًا بثوب صباحي بلون كريمي، وشعرها مربوط أعلى رأسها بربطة مرتجلة، ووجهها خالٍ من أي جهد تجميلي حقيقي.

كان هذا من الأوقات القليلة التي تسمح فيها لنفسها بأن تكون أقل اكتمالًا.

فهذا البيت، على عكس العالم الخارجي، لا يطالبها بأن تلمع في كل ثانية.جلست روزي إلى يمينها، تقطع قطعة توست صغيرة بعناية تثير القلق على مستقبلها المهني. أما ميرا وكلارا، فقد وصلتا أبكر من اللازم كعادتهما.قالت ميرا وهي تلتقط حبة فراولة:“أنا ما زلت أقول إن الفيديو تحفة.”

قالت أورليا وهي ترفع فنجان القهوة:“وأنا ما زلت أقول إنك تهددين استقراري النفسي.”

قالت كلارا من الجهة الأخرى:“هي تهدد السمعة أكثر.”

رفعت ميرا كتفيها.“السمعة القوية تتحمل.”

قالت روزي، من غير أن ترفع عينيها عن طبقها:“ليس سمعة أختي.”

التفتت إليها أورليا.“هذا دفاع لطيف.”

قالت روزي:“هذا دفاع استثماري. إذا تضررت سمعتك، ستتأخر القبعة.”

انفجرت أورليا ضاحكة.

حتى أودري أخفت ابتسامة قصيرة، ثم عادت إلى وقارها فورًا.

وفي اللحظة نفسها، دخل مارسيل.رفعت أورليا عينيها إليه مباشرة.

بذلته داكنة كما ينبغي، وملفه الجلدي في يده، وملامحه تحمل تلك الجدية المنظمة التي تجعل كل صباح قربه يبدو كأنه يحمل فقرة قانونية غير مرغوبة.

قالت قبل أن يجلس:“إذا أفسدت عليّ الجبن، فسأعتبر هذا عداءً شخصيًا.”

قال وهو يقترب من الطاولة:“صباح الخير أولًا.”

“هذا يعتمد على الملف.”

وضع الملف قرب فنجانها، ثم جلس.“الأخبار ليست أسوأ من البارحة.”

رفعت حاجبًا.“هذا تعريف رومانسي جدًا للكوارث.”

قالت روزي من مكانها:“أنا أحب هذا الرجل.”

نظر إليها مارسيل.“لأنني أحمل الملفات؟”

“لأنك مفيد.”

قالت أورليا:“هي لا تحب إلا من يثبت فائدته. أنا ربيتها خطأ.”

قالت أودري من الخلف:“بل ربيتها بوضوح.”

فتحت أورليا الملف بسرعة.كان التحديث يخص البنود القانونية التي راجعوها مساء الأمس:

•تأجيل جزئي لبعض آثار المراجعة

•نافذة قانونية صغيرة يمكن استغلالها

•طلب اجتماع تمهيدي خلال أيام

•وعدم وجود أي خطوة مباشرة لإخلاء أو تعديل فوري حتى الآن

قالت، وهي تمرر عينيها على السطور:“إذن لم يبدأ بالهدم بعد.”

قال مارسيل:“لم يبدأ علنًا.”

“وهذا أسوأ.”

“نعم.”وضعت الملف جانبًا، ورفعت نظرها إليه.“أي جديد عن الرجل نفسه؟”

“ليس ما يكفي بعد.”ثم أضاف:“لكن دعوة الحفل ثابتة. وبعد غد ما زال موعدًا ممتازًا.”

أمسكت أورليا فنجانها بكلتا يديها، ونظرت إلى سطح القهوة لحظة.قالت روزي:“هل هو الرجل الطويل؟”

رفعت أورليا رأسها.

كانت روزي تنظر إليها مباشرة، بذلك الانتباه الذي يجعلها تبدو أحيانًا أكبر من عمرها بعدة أعوام.

قالت أورليا:“نعم.”

وضعت روزي السكين الصغيرة جانبًا.“أنا لا أحبه.”

قال مارسيل:“أنت لا تعرفينه.”

قالت:“أنا لا أحتاج.”

سألتها أورليا:“ولماذا؟”

فكرت روزي لحظة قصيرة، ثم قالت:“لأنه دخل يومنا فجأة.”

ساد صمت قصير حول المائدة.

قالت كلارا، بهدوئها المعتاد:“هذه جملة جيدة.”

ميرا:“هي جملة قاسية.”

رفعت روزي كتفيها.“أنا لا أثق بالرجال الذين يدخلون الأيام كأنهم يملكونها.”

نظرت أورليا إلى روزي طويلًا، ثم مدت يدها وربتت على شعرها.“وأنا لا أحب أنك محقة أحيانًا.”

روزي:“أنا محقة كثيرًا.”

أورليا:“هذا ما يخيفني.”

قال مارسيل وهو يغلق ملفه:“جيد. بما أن الجميع كوّن رأيًا عن السيد ڤالمر، هل يمكن أن نعود إلى الخطة الفعلية؟”

أورليا:“تفضل. أفسد الصباح بالكامل.”

“الحفل بعد غد.”

“أعرف.”

“ستذهبين.”

“أعرف.”

“لن ترتجلي.”

نظرت إليه من فوق فنجانها.“أنا لا أرتجل. أنا أتألق تحت الضغط.”

قالت أودري وهي تضع طبقًا جديدًا قرب روزي:“هذا وصف مسرف لنفس السلوك.”

ضحكت ميرا.

أما مارسيل، فهز رأسه فقط.“ستذهبين بوصفك امرأةً لا تحتاج شيئًا.”

“أنا دائمًا هكذا.”

“وستبدين كذلك فعلًا.”

قالت أورليا:“مارسيل، هل تخاف أن أرتدي شيئًا لامعًا جدًا؟”

قالت روزي فورًا:“أنا أخاف.”

التفتت إليها أورليا.“أنت مع من أصلًا؟”

قالت روزي بصدقٍ مدهش:“أنا مع النتيجة.”

ضحك مارسيل هذه المرة فعلًا.

ضحكة قصيرة، لكنها موجودة.

قالت أورليا وهي تضع الفنجان:“حسنًا. سننجو من الإفطار أولًا، ثم نناقش كيف سأبدو كرغبة مكلفة.”

أخفت أودري زفرة متعبة.“في بعض الأيام، أظن أنني كنت أستحق حياة أبسط.”

أورليا:“وأنا أظن أنك أحببتنا أكثر من اللازم لتختاري حياة أبسط.”

لم تجب أودري، لكن زاوية فمها لانت قليلًا قبل أن تستدير إلى المطبخ.

___

حين وصلت إلى Rose Hall Atelier بعد ساعة، بدا المبنى من الخارج كما لو أنه لم يسمع بشيء.

الواجهة الزجاجية النظيفة.

الشعار المعدني الأنيق.

الأصيصان الطويلان عند المدخل.

كل شيء في مكانه.وهذا بالتحديد ما أزعجها.بعض الكوارث تبالغ في اللطف من الخارج.دفعت الباب ودخلت.فور أن لامستها رائحة المكان، خفّ شيء صغير في صدرها رغمًا عنها.

الضوء هنا يعمل بطريقة مختلفة عن ضوء فيريتاس.

في فيريتاس، الضوء يحب أن يُرى.

أما هنا، فهو يحب أن يخدم.

يسقط على الخشب، وعلى أطراف الإطارات، وعلى الأوراق البيضاء، وعلى الوجوه الصغيرة المنحنية فوق الألوان، ويجعل العالم يبدو أكثر قابلية للإصلاح.في القاعة الجانبية، كانت الورشة الصباحية قد بدأت

.أكواب ماء.

فراشٍ مختلفة.

ألوان مفتوحة.

وأطفال يتحركون بين الهدوء والانفجار، كلٌّ بحسب مزاجه.

وقفت أورليا عند الطاولة الطويلة في الوسط، ترتدي فستانًا أزرق ناعمًا، وشعرها نصف مربوط إلى الخلف، وفي يدها فرشاة رفيعة تشير بها كما لو كانت تدير أوركسترا صغيرة أكثر من كونها تشرح درسًا.قالت لطفلة أمامها:“الأبيض ليس لونًا فارغًا.”

رفعت الطفلة عينيها إليها.“لكن أمي تقول إنه ممل.”

ابتسمت أورليا.“أمك تتحدث عن الجدران. أنا أتحدث عن الرسم. لا تخلطي بين ديكور البيوت وحريات الفنانين.”

ضحكت طفلة أخرى.وقالت ثالثة:“هل ينطبق هذا على الفساتين؟”

رفعت أورليا حاجبًا.“ينطبق خصوصًا على الفساتين.”

وفي هذه اللحظة تحديدًا، دخلت روزي وكلارا وميرا وتيو آستر من الباب الداخلي، كأنهم وفد صغير غير مدعو لكنه صار جزءًا من المكان.

كان تيو يحمل حقيبة رسم أكبر من حجمه تقريبًا، ويمشي خلف روزي بذلك الإخلاص الغريزي الذي تمشي به الكواكب الصغيرة خلف شمس صعبة الإرضاء.

قال تيو بحماس:“وصلنا.”

قالت روزي، من غير أن تنظر إليه:“وصلتُ أنا. أنت تبعتني.”

قال:“بالتأكيد يا رئيسة.”

كلارا:“أنت تابع متحمس.”

ميرا:“هذا ألطف تعريف له حتى الآن.”

رفعت أورليا رأسها إليهم، ثم ابتسمت.“أهلاً بالعصابة.”

قالت روزي:“نحن لسنا عصابة. نحن إدارة.”

قال تيو فورًا:“أنا من الإدارة أيضًا.”

قالت روزي:“أنت تحت التدريب.”

ضحكت أورليا.

ثم أشارت إلى الطاولة الجانبية.“ضعوا الأشياء هناك. ومن يسكب ماء الألوان اليوم سيغسل لوحته بنفسه.”

قالت ميرا:“هذه قوانين قمعية.”

أورليا:“هذه حضارة.”

ثم دخلت ليديا بعدهم بدقائق، تحمل هاتفها وقهوة مثلجة، وتبدو كما لو أنها خرجت لتوها من إعلان عن النساء اللواتي يعرفن كيف يمشين بالكعب العالي فوق المزاج المتوتر للآخرين.

قالت وهي تتفحص المكان:“جميل. أطفال. ألوان. ضوء. وأنا الوحيدة التي أعرف أن خلف هذا المشهد امرأة تخطط للدخول إلى حفلة كأنها قدر سيئ شديد الأناقة.”

رفعت أورليا رأسها.“هذه صياغة عدائية.”

“هذه صياغة دقيقة.”قالت ليديا، ثم اقتربت أكثر وخفضت صوتها:“أحضرت الخيارات.”

قالت روزي فورًا:“أين؟”

نظرت إليها ليديا.“لماذا كنت أعلم أنك ستسألين؟”

“لأنني عنصر مهم في القرار.”

ميرا:“وأنا أيضًا.”

كلارا:“أنت لا تفهمين حتى القرار.”

أشارت ليديا بإبهامها إلى الخارج.“في السيارة.”

رفعت روزي حاجبًا صغيرًا.“هذا سلوك مريب.”

“بل حذر من فضول الصغار.”

روزي ببرود:“أنا لا أعد صغيرة.”

ليديا:“بل خطيرة.”

راقبت ليديا أورليا وهي تستقبل طفلة جديدة دخلت مع أمها، ثم مالت نحو روزي وهمست:“أختك خطيرة.”

رفعت روزي ذقنها قليلًا، ونظرت إلى أورليا التي كانت تبتسم للأم الجديدة بتلك الابتسامة الهادئة المضيئة التي تجعل الناس يثقون بها بسرعة أكبر مما ينبغي.

ثم قالت، من غير أن تخفض صوتها كثيرًا:“أعرف.”

التفتت أورليا إليهما من بعيد، وضاقت عيناها بشك لطيف.“أنا أرى مؤامرة صغيرة هناك.”

رفعت ليديا قهوتها.“هذا لأن هناك مؤامرة صغيرة فعلًا.”

قالت أورليا وهي تشير بفرشاتها إلى الطاولة:“إذن اجلسي وكوني مفيدة بدل أن تكوني درامية.”

اقتربت الأم الجديدة بابنتها الصغيرة، وكانت امرأة أنيقة بملامح مرهقة قليلًا، من ذلك النوع الذي يبذل جهدًا منذ الصباح ليبدو متماسكًا بما يكفي ليُحترم.

ابتسمت أورليا لها، وربتت بخفة على كتف الطفلة.“أهلًا بكما.”

تنفست المرأة براحة صغيرة.“أعتذر عن التأخير. كانت لدينا فوضى في البيت.”

مالت أورليا برأسها قليلًا.“إذن أنتما في المكان المناسب. نحن نحوّل الفوضى إلى شيء يمكن تعليقه على الجدار.”

ضحكت الأم.أما الطفلة، فبقيت ملتصقة بجانب ساق أمها، تحدق في الطاولات والألوان بعينين مترددتَين.انحنت أورليا لمستواها.“هل تحبين الرسم؟”هزت الطفلة كتفيها.“لا أعرف.”

ابتسمت أورليا.“هذا جواب ممتاز. أنا أيضًا لا أحب الناس الذين يعرفون كل شيء بسرعة.”

نظرت الطفلة إليها أخيرًا.

قالت الأم بخفوت:“هي لا ترتاح بسهولة في الأماكن الجديدة.”

أجابت أورليا وهي تمد يدها إلى ورقة بيضاء كبيرة:“لا بأس. لن نطلب منها أن ترتاح.”ثم وضعت الورقة على الطاولة، واختارت فرشاة صغيرة بلون وردي باهت، ورسمت دائرة غير كاملة.“

سنطلب منها فقط أن تفسد الورقة قليلًا. وهذا سهل.”

اقتربت الطفلة خطوة صغيرة.

ومن عند الطاولة الخلفية، قالت ميرا وهي ترفع يدها من غير أن يُطلب منها:“أنا أستطيع أن أعلّمها الإفساد.”

قالت كلارا فورًا:“لهذا هي لا ينبغي أن تتعلم منك.”

ضحكت أورليا.“أنتما إعلان حيّ عن الفرق بين العبث والفوضى الرديئة.”

قال تيو من مكانه، وهو ما يزال يلوّن سمكة خضراء بحماس مبالغ فيه:“هل السمكة الخضراء فوضى رديئة؟”

نظرت أورليا إلى الورقة أمامه.“لا.”

مال تيو إلى الأمام بارتياح.“إذن هي فن.”

قالت روزي ببرود:“هي جريمة بحرية، لكنها متماسكة.”

ضحك الأطفال.حتى الطفلة الجديدة ابتسمت أخيرًا.

راقبت ليديا المشهد وهي تحرك الثلج في كوبها، ثم قالت بخفوت أقرب إلى الملاحظة منه إلى الكلام:“لهذا تنجحين.”لم تلتفت أورليا إليها فورًا.

كانت ما تزال تعطي الطفلة الجديدة الفرشاة بهدوء، كأنها تسلمها سرًا صغيرًا لا أداة رسم.“أنجح في ماذا؟”

رفعت ليديا كتفًا واحدًا.“في دخول البيوت من أبواب لا تبدو خطيرة.”

التفتت إليها أورليا هذه المرة.ولثانية قصيرة فقط، برد شيء صغير في عينيها.

ليس خوفًا.

ولا توترًا فاضحًا.

مجرد انتباه حاد.ثم ابتسمت من جديد، وعادت إلى الطفلة.“أنا لا أدخل البيوت.”

قالت ليديا وهي تشرب من قهوتها:“طبعًا. البيوت هي التي تدخلك.”

سمعتها كلارا، فرفعت رأسها.“هذا حوار غريب.”

قالت ميرا:“أنا أحب الحوارات الغريبة.”

أما روزي، فقد ظلت تراقب أورليا لحظة، ثم عادت إلى ترتيب كتيب القبعات على الطاولة المجاورة، كأنها تحفظ هذا النوع من الجمل لمراجعة مستقبلية.كانت تعرف، بطريقتها الخاصة، أن الكلمات التي تُقال بخفة أحيانًا تخفي تحتها شيئًا آخر.وأورليا عرفت أنها لاحظت.لكنها لم تقل شيئًا.فوق الطاولات، كانت الألوان تجف.

وعند الباب، كانت أم جديدة تدخل.

وفي مكان آخر من المدينة، كان هناك رجل لم تقابله بعد، ومع ذلك صار جزءًا من يومها.

لكن الآن، داخل Rose Hall Atelier، كانت أورليا لا تزال تملك ما يكفي من الضوء لتتصرف كأن كل شيء تحت سيطرتها.

وربما، للحظات قليلة أخرى، كان هذا يكفي.

نهاية الفصل الثالث

2026/04/09 · 1 مشاهدة · 2207 كلمة
Qio Ruan
نادي الروايات - 2026