الفصل الخامس: ما قبل الحفل
في مساء اليوم السابق للحفل، بدا البيت كله وكأنه يعرف أن أورليا تستعد لشيء لا يشبه خروجاتها المعتادة.لم يكن هناك إعلان رسمي.ولا فوضى كبيرة.ولا أحد يركض في الممرات كما لو أن اختيار القرط الخطأ سيؤدي إلى انهيار اجتماعي لا يمكن إصلاحه.
لكن شيئًا صغيرًا تغيّر في الهواء.أودري طلبت من الخادمة تبديل الزهور البيضاء في الصالة بزهور أهدأ لونًا.“الأبيض الصارخ يرهق العين مساءً.”
قالتها وكأنها تتحدث عن مبدأ أخلاقي لا عن مزهرية
.وروزي وضعت قبعتها الجديدة فوق الكرسي القريب من المدخل، كما لو أنها تذكير صامت بأن البيت مرّ بأزمة وخرج منها بتعويض لائق.أما أورليا نفسها، فكانت هادئة أكثر من اللازم.وهذا وحده كان كافيًا ليجعل أودري تراقبها مرتين أكثر من المعتاد، وليديا تدخل من الباب بعد السابعة بدقيقة واحدة وهي تحمل حقيبة أحذية وصندوق مجوهرات ونظرة امرأة جاءت لتمنع خطأً متوقعًا.
في جناحها المطل على الحديقة، كانت أورليا قد علّقت الفستان على طرف الخزانة الزجاجية، ووقفت أمامه لحظة كما لو أنها تراجعه كقرار، لا كثوب.
كان بلون عاجي ذهبي هادئ.لا يلمع بفظاظة.ولا يعتذر عن نفسه.ينسدل بخط ناعم طويل، ويعرف كيف يلتف على الجسد من غير أن يبدو كأنه يبذل جهدًا.دخلت ليديا، رأت الفستان، ثم تنفست بتقدير واضح.“حسنًا. هذا يريحني.”
كانت أورليا جالسة عند منضدة الزينة، بملابس بيت خفيفة، وشعرها مرفوعًا كيفما اتفق، وأمامها ثلاث زجاجات عطر مفتوحة.قالت من غير أن تلتفت:“أكره الطريقة التي تدخلين بها كأنك منقذة."
قالت ليديا وهي تضع الحقيبة على الأريكة:“وأكره الطريقة التي تتحولين بها إلى خطر على نفسك قبل المناسبات.”
اقتربت من الطاولة ونظرت إلى الزجاجات.“لماذا ثلاثة؟”
“لأنني أراجع الخيارات.”
“بل لأنك تفسدين الأشياء البسيطة.”
أخذت الأولى وشمتها.“لا.”
قالت أورليا:“هذه كانت مرشحتي الأولى.”
“ولهذا أنا هنا.”
أخذت الثانية.“وهذه أسوأ.”
رفعت أورليا حاجبًا.“أنت تبالغين.”
“أنا أحميك.”ثم أخذت الثالثة، وسكتت لحظة.“هذه.”
استدارت أورليا أخيرًا على الكرسي.“أعرف.”
نظرت إليها ليديا طويلًا، ثم ابتسمت.“
أنت متوترة.”
قالت أورليا:“أنا مرتبة.”
“هذا ليس جوابًا.”
“هذا أفضل ما عندي.”
قبل أن ترد ليديا، دخلت روزي.
كانت ترتدي بيجامتها الزرقاء، وشعرها مربوطًا إلى الخلف بربطة صغيرة، وفي يدها الدفتر الوردي نفسه. ما إن رأته أورليا حتى أغمضت عينيها.
“لا.”
قالت روزي:“بل نعم.”
تنهدت ليديا وجلست على طرف الأريكة.“أنا أحب أن هذا البيت يعمل ضدك بنظام كامل.”
تقدمت روزي إلى الداخل، ونظرت أولًا إلى الفستان، ثم الأحذية، ثم أورليا.“جئت لأراجع التفاصيل النهائية.”
أراحت أورليا ظهرها إلى الكرسي.“ما الذي يجعلني أشعر أنني لم أعد صاحبة القرار هنا؟”
قالت روزي ببرود:“خبرة سابقة.”
ضحكت ليديا.
ثم فتحت صندوق الأحذية.
كان الحذاء بلون ذهبي فاتح، بكعب أنيق لا يبالغ في الطول، ولمعة خفيفة تكفي لتلتقط الضوء من غير أن تستجديه.
نظرت روزي إليه ثانيتين.ثم قالت:“مقبول.”
قالت أورليا فورًا:“مقبول فقط؟”
قالت ليديا:“هذه أعلى درجة في لغتها تقريبًا. خذيها وكوني ممتنة.”
ثم رفعت أقراط اللؤلؤ الصغيرة.“وهذه محسومة.”
قالت أورليا:“نعم.”
قالت روزي:“نعم.”
نظرت ليديا بينهما.“أكره اتفاقكما السريع. يجعلني زائدة.”
قالت أورليا:“أنت هنا للدراما.”
“وأقوم بها بإتقان.”
جلست روزي على طرف السرير وفتحت دفترها.قالت أورليا:“ما هذا الآن؟”
“نقاط أخيرة.”
“أنا لا أريد أن أعرف.”
“لكن يجب أن تعرفي.”
رفعت عينيها إليها.“إذا كان باردًا، لا تحاولي تدفئة الجو بينكما ”
قالت ليديا بإعجاب صادق:“جيد.”
قالت روزي:“إذا كان لطيفًا أكثر من اللازم، لا ترتاحي.”
قالت أورليا:“أشعر بسلام داخلي كبير.”
قالت روزي:“لم أصل بعد إلى الجزء غير المريح.”
وضعت أورليا يدها على جبينها.“أكملي يا كارثتي.”
قالت روزي:“إذا ظهر مع امرأة، لا تنظري إليها أولًا. انظري إليه.”
سكتت أورليا لحظة.ثم قالت:“من أين جئتِ بهذه؟”
قالت روزي:“من التفكير.”
قالت ليديا:“أنا أتبناها إذا سئمتِ.”
قالت أورليا:“خذي ميرا بدلًا منها.”
جاء صوت ميرا من خارج الغرفة مباشرة:“سمعتك!”
فتح الباب بعدها بلحظة، وظهرت ميرا فعلًا، ومن خلفها كلارا، كأنهما كانتا تقفان أصلًا خارج الغرفة بانتظار توقيت درامي مناسب.قالت ميرا:“كنت مارّة فقط.”
قالت كلارا:“هي كانت تتنصت.”
دخلتا، وتوقفتا حين رأتا الفستان والأحذية والمجوهرات.وضعت ميرا يدها على فمها.“أوه.”
قالت كلارا بعد لحظة تقييم صامتة:“جيد جدًا.”
رفعت أورليا حاجبًا.“هذا كرم مفاجئ.”قالت كلارا:“لا تعتاديه.”
أما ميرا فاقتربت من الفستان خطوة، ثم توقفت رافعة يديها.“لن ألمسه.”
قالت أورليا:“هذا نمو.”
قالت ميرا:“أنا أزدهر.”
قالت كلارا:“ببطء.”
ضحكت أورليا رغمًا عنها.ثم نهضت.“حسنًا. انتهى العرض. الجميع إلى الخارج.”
قالت روزي:“أنا باقية.”
“طبعًا.”
قالت ليديا وهي تلتقط حقيبتها:“وأنا سأذهب قبل أن أتحول إلى موظفة عندك.”
ثم توقفت عند الباب ونظرت إلى أورليا في المرآة.“
لا تجعليه يظن أنك خرجتِ من البيت من أجله.”
قالت أورليا:“لن أفعل.”
“ولا تجعلي نفسك أنتِ تنسين لماذا تقتربين.”
هنا فقط، التقت عيناهما في المرآة.ثم قالت أورليا بهدوء:“لن أنسى.”
خرجت ليديا، وتبعتها ميرا وكلارا بعد قليل، وبقيت روزي وحدها مع أورليا.ساد صمت قصير.ثم قالت روزي:“هل ستدخلين مع رافاييل لأنك تريدين ذلك، أم لأن هذا يخدمك؟”
سكنت أورليا لحظة.كانت هذه واحدة من أسئلة روزي التي تبدو صغيرة، ثم تلتف تحت الجلد.قالت:“لأن هذا يخدمني.”
رفعت روزي عينيها إليها.“فقط؟”
أعادت أورليا خصلة شعر خلف أذنها.“هذا يكفي.”
لم تعلق روزي فورًا.ثم قالت:“هو رجل مقبول.”
ضحكت أورليا رغماً عنها.“هل هذا أعلى ما عندك؟”
“القبعات تحصل على درجات أفضل.”
اقتربت أورليا منها، وانحنت لتقبل جبينها.“نامي مبكرًا.”
قالت روزي:“إذا تأخرتِ، سأبقى مستيقظة.”
“لا تفعلي.”
“هذا ليس وعدًا.”
------------
في الجهة الأخرى من المدينة، كان أوريون في مكتبه حين بدأ الليل يهبط على الزجاج.المكان لا يشبه البيوت.
ولا يشبه الصالات الاجتماعية.
ولا يشبه أي مساحة تسمح لصاحبها بأن ينسى نفسه.جدران نظيفة، خطوط حادة، إضاءة مدروسة، وطاولة طويلة تحمل من الملفات أكثر مما تحمل من الزينة.
حتى الصمت هناك كان منظمًا.وقف عند النافذة الواسعة، والمدينة أسفل منه تبدو كأنها نسخة أكثر أناقة من الفوضى المعتادة.
أضواء الطرق بدأت تشتعل.
انعكاس البحر البعيد صار أغمق.
والمباني الزجاجية تلتقط المساء كما لو أنها تحفظه لا تعيشه.كان آدم داخل الغرفة أيضًا، جالسًا قرب الطاولة يراجع بعض الأوراق الأخيرة المتعلقة بأحد المشاريع الحكومية.
وجوده، كعادته، لم يكن مزعجًا.
منذ الدراسة، كان من القلة الذين يعرفون كيف يبقون قرب أوريون من غير أن يطلبوا منه تفسيرًا أو دفئًا لا يملك مزاجه.
قال آدم بعد أن أغلق ملفًا أمامه:“النسخة النهائية تصل صباحًا.”
قال أوريون:“إلى المكتب، لا إلى البيت.”
“حسنًا.”
“والاجتماع الأول قبل الظهر.”
“تم.”
دخل ريان من دون أن يطرق، كما يفعل دائمًا، بربطة عنق مفكوكة قليلًا ومزاج رجل خرج من مكان أكثر حياة من هذا.قال وهو يقترب:“أحتاج إلى حجة محترمة للهروب من عشاء عائلي غدًا.”
لم ينظر إليه أوريون.“ارفض.”
قال ريان:“العائلة لا تُرفض.”
قال آدم بهدوء:“اختفِ قبل الحلوى.”
ضحك ريان وجلس على طرف الكرسي.“هذا اقتراح عملي.”
ثم نظر إلى الطاولة.“ما زلتما تعملان؟”
قال أوريون:“نعم.”
ولم ينزعج ريان.
كان معتادًا على أن الجمل عند أوريون تخرج كما تخرج قراراته: قصيرة، لا تطلب قبول أحد.قال ريان بعد لحظة:“على الأقل أخبراني أنكما ستظهران غدًا في فيريتاس.”
قال آدم:“سأمر متأخرًا.”
أما أوريون فقال:“سأكون هناك.”
لم يزد على ذلك.كانت على طرف الطاولة قائمة حضور صغيرة.
أسماء.
وجوه.
عوائل.
والاسم الذي مرّ أمام عينيه أكثر من مرة من غير أن يمد يده إليه.
أورليا فان روز منذ رآها في فيريتاس، والمشهد يعود إليه في أوقات غير مفيدة.الضوء على الماء.الفستان الخفيف.
الاندفاع غير المحسوب.
والطريقة التي بدت بها، لثانية واحدة، كما لو أنها ما تزال تحمل الصورة نفسها التي تخدع الناس أولًا:
شقراء ناعمة،
خفيفة،
وأسهل من أن تُؤخذ على محمل الخطر.كان قد أقنع نفسه منذ زمن أن ما انقطع مرة يمكن تركه في مكانه.لكن ظهورها مجددًا أعاد إليه إحساسًا قديمًا لم يحبه يومًا:
أنه لا يطيق الأشياء التي تختفي من أمامه قبل أن يفهمها.قال آدم وهو يجمع الأوراق:“أرسل الملف الثاني الليلة أم غدًا؟”
أجاب أوريون من غير أن يبعد نظره عن الزجاج:“غدًا.”
قال ريان وهو ينهض:“إذن سأترككما مع الملفات، وأذهب أنا لأقنع عمتي أنني ما زلت صالحًا اجتماعيًا.”
لم يسأله أحد أن يبقى.ولم يفسر أحد شيئًا.خرج ريان أولًا.
ثم غادر آدم بعده بدقائق.
وبقي أوريون وحده.كانت الغرفة واسعة بما يكفي لتبرز وحدته بدل أن تخففها.عاد إلى الطاولة، وأغلق الملف المفتوح، ثم أخذ هاتفه.
كانت هناك رسالة جديدة من أوديت:غدًا لا تتأخر. والدك سيكون حاضرًا.نظر إليها ثانيتين.ثم أغلق الشاشة.الحفل ليس مجرد حفل.
بل وجوه.
وتقييم.
وعائلة تنظر إليه بوصفه امتدادًا، لا رجلًا يحق له أن يضيع وقته.عاد إلى النافذة.
غدًا سيرى أورليا ڤان روز عن قرب.
وهذه المرة لن يسمح للصورة أن تبقى بعيدة عنه كما فعلت من قبل.
_______
في ظهيرة اليوم التالي،
بدا Rose Hall Atelier أكثر هدوءًا من المعتاد.أنهت أورليا عملها أبكر من أيامها الأخرى.
راجعت مع المساعدة بعض مواعيد الأسبوع التالي.
وافقت على حجزين خاصين.
أعطت تعليماتها بخصوص مواد الورش.
وتأكدت بنفسها أن كل شيء في مكانه، كما لو أن ترتيب الأتيليه بيديها سيمنع العالم من الانزلاق عن محوره في مكان آخر.في الطابق الأرضي، كانت روزي تجلس مع تيو على الطاولة الجانبية الصغيرة، يراجعان شيئًا يشبه “لوائح نادي البوصلة” التي قررت روزي أنها تحتاج إلى تعديلات عاجلة.
لم تكن ميرا ولا كلارا معهما هذه المرة، وكانت تلك راحة صامتة للمكان.
قال تيو وهو يكتب بتركيز شديد:“هل أكتب: العضو لا يحق له الصراخ إذا خسر؟”
قالت روزي:“لا. اكتب: الصراخ لا يغيّر النتيجة.”
قال:“هذه أقسى.”
“وهذا أفضل.”وقفت أورليا عند طرف القاعة تراقبهما لحظة.كان هذا من الأشياء التي تحبها في روزي:
أنها لا تحتاج جمهورًا دائمًا لتكون نفسها.
تستطيع أن تقود مجموعة.
وتستطيع أيضًا أن تجلس مع طفل واحد وتعيد ترتيب العالم على ورقة.قالت أورليا:“أنا ذاهبة بعد قليل.”
رفع تيو رأسه أولًا.“الآن؟”
“بعد قليل.”
أما روزي، فرفعت عينيها إليها مباشرة.“مع رافاييل؟”
رفعت أورليا حاجبًا.“هل يوجد شيء لا تعرفينه؟”
قالت روزي:“أشياء كثيرة. لكنك تتحركين بطريقة واضحة حين تقررين شيئًا.”
اقتربت أورليا منهما، وانحنت لتعدل ياقة فستان روزي الخفيف.“سأعود قبل أن تنامي.”
فكرت روزي لحظة، ثم أومأت.“حسنًا.”
ثم أضافت:“ولا تثقي بالرجل الطويل.”
هذه المرة لم تضحك أورليا.
فقط لمست خدها بخفة.“سأكون حذرة.”
قال تيو، وهو يرفع قلمه:“هل أكتب هذا أيضًا في اللوائح؟”
نظرت إليه أورليا.“اكتب: لا أحد يشتري مباني الناس من غير ذوق.”
قال تيو بجدية كاملة:“هذه لائحة ممتازة.”
ضحكت روزي.
وأخيرًا ضحكت أورليا معها.
حين انتهت من الاستعداد في البيت قبل الغروب، وقفت أورليا أمام المرآة الأخيرة.
الفستان العاجي الذهبي ينسدل عليها كما يجب.الشعر مرفوع جزئيًا، بخصل ناعمة حول الوجه.اللؤلؤ خافت وأنيق.والعطر ثابت على بشرتها بقدر لا يسبقها إلى الغرفة، لكنه يبقى إذا اقترب أحد.
دخلت روزي أولًا.
توقفت عند الباب.ونظرت إليها صامتة.رفعت أورليا حاجبًا.“هل هذا الصمت جيد أم سيئ؟”
قالت روزي:“جيد جدًا.”
ثم مشت حتى وقفت قربها.“أنتِ تبدين… مكلفة.”
ضحكت أورليا.“أشكرك على ذوقك الرفيع.”
قالت روزي وهي تعدل بخفة خطًا صغيرًا في القماش قرب خصرها:“لا تبتسمي كثيرًا.”
“لماذا؟”
“لأن الناس سيظنونك سهلة.”
نظرت إليها أورليا من المرآة.“وهل أنا سهلة؟”
قالت روزي ببرودها الجدي:“أنتِ تحبين أن يظنوا ذلك أحيانًا.”
هذه المرة لم تضحك أورليا فورًا.
فقط نظرت إلى انعكاس الصغيرة إلى جوارها، ثم انحنت، وقبلت رأسها.“عودي قبل أن أفسد الماسكارا بطريقة أخرى.”
رفعت روزي عينيها إليها.“إذا تأخرتِ، سأبقى مستيقظة.”
“لا تفعلي.”
“هذا ليس وعدًا.”
ثم خرجت.
بعدها بدقيقة، جاءها صوت سيارة عند المدخل.
نزلت أورليا، ووجدت رافاييل ينتظر عند الباب ببذلة داكنة وربطة عنق بسيطة وصبر رجل يعرف كيف يبدو أنيقًا من غير أن يتعب نفسه في الشرح.نظر إليها حين ظهرت أعلى الدرج.وسكت لحظة.ثم قال:“حسنًا.”
نزلت الدرجات الأخيرة ببطء طبيعي.“هل هذا جيد أم سيئ؟”
ابتسم.“هذا سيئ للناس حولك.”
وصلت إليه ووقفت أمامه.“أنت تجيد المجاملات حين تريد.”
“وأنت تجيدين الظهور كما لو أن كل شيء حدث بالصدفة.”
خفض صوته قليلًا.“هل القرار نفسه؟”
“أي قرار؟”
“أنني مجرد وسيلة دخول أنيقة.”
أمالت رأسها قليلًا.“هذا وصف قاسٍ.”
“لكنه دقيق؟”
فكرت لحظة قصيرة.ثم ابتسمت.“دقيق بما يكفي لأستعمله.”
هز رأسه، لا منزعجًا ولا مندهشًا.“حسنًا. سأكون وسيلة الدخول الأنيقة.”
ثم مد ذراعه إليها.“ونتظاهر بأن هذا لا يعني شيئًا.”
وضعت يدها على ذراعه.“هذا الجزء أجيده.”
كان نادي فيريتاس في تلك الليلة أكثر شبهًا بنفسه من المعتاد.
الواجهة الحجرية الهادئة مضاءة بإضاءة دافئة دقيقة.
الممر الحجري المؤدي إلى القاعة الرئيسية بدا كأنه مهيأ لاستقبال أناس يعرفون قيمة الظهور في الوقت المناسب.
وفي الداخل، كانت القاعة الكبرى مفتوحة على ثلاث طبقات من الضوء:
الثريات العالية،
الأعمدة الرخامية الفاتحة،
والطاولات الصغيرة التي تحمل زهورًا بيضاء وكؤوسًا لامعة وذوقًا اجتماعيًا مكلفًا.منذ اللحظة الأولى، شعرت أورليا بذلك التغير المألوف.تصير أخف في الحركة.أشد انتباهًا.وأكثر وعيًا بمن يراها، ومن لا يريد أن يُرى وهو يراها.مرّت على امرأتين من النادي.
حيّت رجلًا يعرف رافاييل.
تبادلت تعليقًا قصيرًا مع سيدة أكبر سنًا.
ابتسمت.
تحركت.
وتركت العطر والضوء يفعلان نصف العمل.لكن عقلها لم يكن مع هؤلاء تمامًا.كان يبحث عنه.ولأنها كرهت هذا فور ملاحظته، قررت أن تستعمله بدل أن تنكره.قال رافاييل بخفوت:“أأنتِ معي، أم ذهبتِ إلى مكان آخر؟”
أجابت وهي تأخذ كأسًا من صينية مرت قربها:“أنا فقط أرتب اللحظة.”
“مخيف.”
“ومفيد.”
بعد دقائق، رأته.
ليس لأن الناس التفتوا إليه فجأة كما في المشاهد الرديئة.بل لأن الجو حوله كان أكثر انضباطًا على نحو غريب.كان يقف قرب أحد الأعمدة الرخامية، لا في منتصف الحلقة ولا خارجها.
ببدلة سوداء نظيفة الخطوط، وقميص أبيض حاد الهدوء، وربطة عنق داكنة.
يد واحدة في جيب سرواله، والأخرى تحمل كأسًا لم يبدُ أنه شرب منه كثيرًا.ملامحه أوضح الآن.أهدأ.وأبرد.وأصعب من أن تُفهم بسرعة.لم يكن يلاحق الحديث.
ولا يفتعله.
وكان مع ذلك واضحًا أن الناس يضبطون أنفسهم على إيقاعه حين يقفون قربه.رأت آدم على مسافة غير بعيدة.
هادئًا، حاضرًا، ومن النوع الذي لا يزعج الصورة.
ورأت ريان في الجهة الأخرى، يضحك مع امرأة ما، ثم يلتفت إلى رجل يعرفه.
عالم أوريون فالمر موجود.
مغلق.
مرتب.
ولا يبدو فيه فراغ سهل يمكن اقتحامه.
وهنا فقط، اتخذت قرارها.
لن تنتظر.
إذا بقيت تراقبه من بعيد، ستصبح جزءًا من الحفل لا من خطتها.
والليلة ليست للانتظار.
قال رافاييل، كأنه لاحظ التغير في عينيها:“لا أحب هذا الوجه.”
“أي وجه؟”
“وجه المرأة التي قررت شيئًا.”
رفعت كأسها إلى شفتيها، وشربت رشفة صغيرة.“إذن لا تراقبني كثيرًا.”
ثم تحركت.لم تذهب إليه مباشرة كمن يقطع القاعة نحوه.
بل اختارت طريقًا أذكى:
عبرت بجوار طاولة أقرب إلى مجموعته.
توقفت عند سيدة تعرفها معرفة اجتماعية كافية.
تبادلت معها جملتين.
ثم مالت قليلًا كأنها تكمل دورانًا طبيعيًا في المكان.
وحين صارت على مسافة قريبة، رفعت نظرها نحوه للمرة الأولى عمدًا.
رآها.
لكن من دون أن يعطي هذه اللحظة أكثر مما تحتمل.
لم يطل النظر.
ولم يشحه بسرعة.
فقط ثبتت عيناه عليها لمدة كافية لتعرف أنه التقطها بالكامل.
وهذا، وحده، كان مزعجًا بما يكفي.
اقتربت أكثر ببطء محسوب، حتى صارت ضمن الدائرة الاجتماعية نفسها التي يقف عند طرفها.
مرّ رجل يعرفه رافاييل، فتحرك رافاييل نحوه تلقائيًا، ووجدت أورليا نفسها على الحافة الأقرب إلى أوريون من غير أن يبدو المشهد مفبركًا.
التفت إليها أخيرًا.
وقال:“الآنسة ڤان روز.”
كان صوته أكثر هدوءًا مما توقعت.وهذا جعله أخطر.
ابتسمت أورليا ابتسامتها الهادئة، تلك التي لا تعطي الكثير ولا تمنع شيئًا.“السيد ڤالمر.”
توقفت لحظة صغيرة.ثم أضافت:“أظن أننا تأخرنا في التعارف.”نظر إليها مباشرة.
إلى وجهها، لا إلى القاعة من حولها.ثم قال:“ربما.”
وسكت.
وكان الصمت الذي تلاها مركزًا على نحو مزعج.
كأن عليهما أن يقررا من يكسر الخطوة التالية، وبأي سلاح.فعلتها أورليا أولًا.“أتمنى أن فيريتاس عاملَك بلطف أكثر مما عاملني آخر مرة.”
وقعت الجملة كما أرادتها:
خفيفة،
وفيها تذكير،
ومن غير استجداء لأي دفء.نظر إليها أوريون ثانية.ثم قال:“لا يبدو أنك خرجتِ بخسارة حقيقية.”
رفعت حاجبًا.“أشكرك على التعاطف المتأخر.”
“لا يبدو أنك احتجتِه.”كانت هذه ضربة صغيرة.
غير صريحة.
لكنها أصابت موضعها.ابتسمت أورليا أنعم.“أنا لا أحتاج أشياء كثيرة. لكنني أقدّرها حين تأتي في الوقت المناسب.”
سكت لحظة.ثم قال:“وهل هذا أحد تلك الأوقات؟”
شعرت أورليا، للمرة الأولى منذ بدأ الحديث، بالشد الحقيقي فيه.
ليس في الكلمات نفسها.
بل في طريقته في النظر وهو يقولها.
الهدوء فيه لم يكن مريحًا.
كان أشبه بيد ثابتة تُبقي المسافة كما هي… وتشدها في الوقت نفسه.أجابت، وعيناها ثابتتان عليه:“لا أعرف بعد.”
وقبل أن يرد، مرّ رجل أكبر سنًا عند طرف الحديث، فتوقف نصف خطوة ليسلم على أوريون.
رد أوريون عليه بعبارة قصيرة، ثم عاد إليها مباشرة، كأن المقاطعة لم تغيّر شيئًا في تركيزه.وهذا أزعجها أكثر.قالت، لتأخذ المسافة بيدها من جديد:“بالمناسبة، أكره التهنئة على الصفقات التي تخصني.”
عاد نظره إليها ببطء.“هذا مفهوم.”
“إذن لن أقول إنني سعيدة بلقائك تحت هذا الظرف.”
“وأنا لن أطلب منكِ ذلك.”لم يجامل ليُريحها.
ولم يصطدم بها ليُظهر قوته.
فقط وضع الحقيقة في مكانها، وتركها بينهما كما هي.قالت:“هذه بداية غير مشجعة.”
أجاب:“اتفق معك بذلك”
ورغم هدوئه، أصابت الجملة موضعها بدقة مزعجة.
قالت أورليا بعد لحظة:“أنت تبني أحكامك بسرعة.”
قال:“أنا أفضل أن أبنيها مبكرًا ثم أختبرها.”
رفعت كأسها قليلًا.“وهل أنا تحت الاختبار الليلة؟”
أجابها مباشرة:“أنتِ لا تعطين انطباع امرأة تُترك لانطباع واحد.”
لم يكن هذا مجاملة.ولم يكن كشفًا كاملًا.لكنه كان أكثر مما أرادت أن تسمعه منه في أول لقاء.بدت لها الجملة كأنها تقول:
أرى الصورة،
لكنني لا أصدق أنها كل شيء.فابتسمت ابتسامة خفيفة أبطأ من قبل.“هذا أخطر قليلًا من اللطف.”
قال:“اللطف لا يفيد كثيرًا.”
“في الأعمال أم في الناس؟”
“يعتمد على الناس.”
“وهل أنا من النوع الذي لا ينفع معه اللطف؟”
تأخر نصف ثانية فقط.
ثم قال:“أنتِ تبدين من النوع الذي يعرف كيف يستفيد منه.”وهنا فقط، شعرت بشيء أبرد من مجرد شد.
لأنه لم يقل:
أنتِ ساذجة.
ولم يقل:
أنتِ مكشوفة.
بل تركها في تلك المساحة الأشد إزعاجًا:
امرأة تبدو ناعمة بما يكفي ليخطئ الآخرون… لكنه ليس مستعدًا للخطأ نفسه.
قالت، بصوت ناعم لا يخلو من التحدي:“هذا ليس انطباعًا لطيفًا.”
أجاب:“لم أقل إنه لطيف.”
سكتت.ثم ضحكت بخفة.“إذن أنت كما قيل لي.”
“وما الذي قيل لك؟”
أمالت رأسها قليلًا.“أنك لا تضيّع وقتك في جعل الناس مرتاحين.”
قال:“هل هذا أزعجك؟”
أجابت:“ليس بعد.”
ظهرت اللمعة الخفيفة نفسها عند زاوية فمه.
ليست ابتسامة كاملة.
مجرد شيء قصير جدًا يكاد يُرى ولا يُمسك.ثم قال:“استمتعي بسهرتك، الآنسة ڤان روز.”فهمت أنه ينسحب.لا لأنه انتهى منها.
بل لأنه لا يريد أن يعطي اللحظة أكثر مما يكفي.وهذا، بطريقة مزعجة، زادها شدًا بدل أن يطفئها.قالت قبل أن يبتعد:“السيد ڤالمر.”
توقف.“نعم؟”
“لا أحب الصور السهلة.”
نظر إليها لحظة.
ثم قال:“إذن لا ترتدي واحدة.”
ثم التفت وغادر.هكذا ببساطة.لا جملة أخيرة ناعمة.
لا التفاتة ثانية.
ولا أي شيء يمكن أن تستخدمه ضده بسهولة.فقط تركها واقفة مع أثره.عاد رافاييل بعد دقيقة تقريبًا، كأنه تعمّد أن يمنحها المسافة التي تريدها من دون أن يسأل.
وقف إلى جوارها.“هل أنا متأخر عن شيء مهم؟”
أجابت من غير أن تنظر إليه:“للأسف، لا.”
“هذا سيئ.”
التفتت إليه أخيرًا.“بل أسوأ. كان كافيًا.”
نظر إلى الجهة التي ابتعد إليها أوريون.ثم عاد إليها.“هل تريدين أن نغادر؟”
هزت رأسها.“لا.”
“لماذا؟”
ابتسمت ابتسامة أبطأ من بداية السهرة.“لأنني رفضت أن أكون أنا من اقترب… ثم أهرب أولًا.”
فهمها فورًا.“حسنًا.”
تحركا معًا إلى عمق القاعة بعد ذلك.
تحدثت أورليا مع امرأتين.
وقفت مع رجل ممل يشرح شيئًا عن مزاد فني.
ابتسمت لسيدة تعرف والدة رافاييل أكثر مما ينبغي.
وتحركت في المكان كما لو أن شيئًا لم يمس توازنها.لكنها، في الداخل، لم تعد مرتبة بالكامل.كانت تراه أحيانًا على مسافة:
مرة مع رجل من جهة استثمارية،
مرة مع امرأة أكبر سنًا تبدو من العائلة،
ومرة وحده عند طرف الشرفة الداخلية، ينظر إلى المسبح البعيد كما لو أن الماء هناك لا يقول شيئًا يهم أحدًا سواه.وفي واحدة من تلك المرات، شعرت أنه رآها قبل أن تراه.فأشاحت نظرها أولًا.وهذا أزعجها أكثر من كل ما سبق.عند نهاية السهرة، خرجت مع رافاييل أخيرًا.
كان الليل أبرد قليلًا، والهواء أخف من القاعة، والمدينة عند بوابة فيريتاس تبدو كأنها تنتظرهم من غير فضول.
وضع رافاييل سترته على كتفيها فورًا.“لا تجادلي.”
نظرت إليه.“لم أكن سأفعل.”
“إذن هذه ليلة غريبة فعلًا.”نزلا الدرج الحجري ببطء.
وحين وصلا إلى السيارة، التفت إليها قبل أن يفتح الباب.“هل تريدين الحقيقة؟”
قالت:“لا.”
“سأقولها.”
“هذا عنف.”
قال:“حسنا لن اعلق”
ثبتت نظرها عليه.
ثم قالت، ببرود ناعم:“قل.”
ولأنه يعرفها أكثر مما تحب، لم يبتسم هذه المرة.قال فقط:“ انتبهي.”
سكتت لحظة.ثم سألت:“منه؟”
أجاب بعد ثانية قصيرة:“أجل.”
جلست في السيارة من غير رد.وطوال الطريق إلى البيت، لم تتكلم كثيرًا.
ولا هو.كانت المدينة تمر خارج الزجاج في شرائط من الضوء والظل، بينما جملة واحدة فقط تعيد نفسها في رأسها ببطء مزعج:“أنتِ لا تعطين انطباع امرأة تُترك لانطباع واحد.”ولما وصلت إلى البيت، وجدت الصالة هادئة، والزهور الجديدة ما تزال نضرة تحت الضوء الخافت، والقبعة على الكرسي كما تركتها روزي، كأنها تنتمي إلى حياة أبسط من هذه الليلة.نزعت حذاءها عند أول الدرج تقريبًا، وصعدت به في يدها.وعند باب جناحها، وجدت أودري تنتظرها.
لم تقل شيئًا أولًا.فقط نظرت إليها.
ثم إلى السترة على كتفيها.قالت أورليا:“إنها لرافاييل.”
أومأت أودري.“أنا لم أسأل.”
“لكن وجهك سأل.”
“وجهي يسأل دائمًا.”
توقفت.ثم أضافت:“هل سار المساء كما أردتِ؟”
وقفت أورليا لحظة.
يدها على مقبض الباب.
الحذاء في يد.
والسترة على كتفيها.
واللؤلؤ ما يزال عند عنقها كأنه لم يسمع شيئًا مما قيل الليلة.ثم قالت:“لا.”
ورفعت عينيها إلى أودري.“وهذا أسوأ.”
دخلت بعدها إلى غرفتها، وأغلقت الباب.المرآة ما تزال تلتقط انعكاس الفستان.
العطر ما يزال على بشرتها.
والمدينة ما تزال حية خلف الزجاج.لكن شيئًا واحدًا صار أوضح من بداية الليلة كلها:أوريون ڤالمر لم يكن رجلًا يمكن الاقتراب منه بخفة.ولهذا تحديدًا… كانت ستقترب
.نهاية الفصل الخامس
عدد الكلمات التقريبي: 2600 .