الفصل السابع: على الطاولة نفسها
في صباح الاجتماع، لم تستيقظ أورليا متأخرة. وهذا وحده كان دليلًا على أن الليلة السابقة لم تتركها في حالتها المعتادة، بل في حالة أكثر خطورة:
تلك التي تكون فيها متيقظة أكثر مما يجب. كانت قد استيقظت قبل المنبه بدقائق، وفتحت عينيها على شعور واضح لا تحبه:
أنها دخلت من تلقاء نفسها إلى يوم يحتاج منها نسخة أكثر دقة، لا أكثر جمالًا فقط. الضوء الصباحي كان خفيفًا فوق الستائر البيضاء، والمدينة خلف الزجاج ما تزال في طور الترتيب، والسيارات في الأسفل تتحرك ببطء محسوب كما لو أن أحدًا طلب منها ألا تزعج الصمت الأخير قبل العمل. جلست أورليا في السرير، وسحبت شعرها إلى الخلف بيد واحدة، ثم مدت يدها إلى الدفتر الصغير على الطاولة القريبة. فتحته على الصفحة التي كتبت فيها ليلًا:أوريون ڤالمروتحت الاسم، تلك النقاط القصيرة التي بدت أقل بساطة هذا الصباح: ●لا يجامل بلا فائدة
●لا يشرح نفسه
●لا يبدو مهتمًا… لكنه يلاحظ أكثر مما يظهر
●لا يجب أن أذهب إليه دفاعية
●لا يجب أن أذهب إليه فارغة
●لا أثق بالهدوء إذا جاء منه قرأت السطور مرة أخرى. ثم أغلقت الدفتر. وقالت بصوت خافت إلى الغرفة: “جميل. أنا أبدو مجنونة على الورق أيضًا.”
نهضت بعدها، واتجهت إلى الحمام بخطوات هادئة. اليوم لن تلبس فستان الحفل.
لن تحتاج إلى لؤلؤ.
ولا إلى عطر يثبت فكرة بعينها. اليوم تحتاج إلى شيء مختلف:
شيء لا يجعلها تبدو كأنها خرجت لتقاتل.
ولا كأنها خرجت لتُعجب أحدًا.
بل كأنها امرأة تعرف تمامًا كيف تدخل إلى غرفة رجل يملك أوراقها… من غير أن تمنحه ارتباكها هدية. على مائدة الإفطار، كان البيت أهدأ من الأيام السابقة. ميرا غير موجودة.
كلارا غير موجودة.
وتيو، لحسن الحظ، ليس من النوع الذي يظهر عند الإفطار في بيوت الآخرين إلا إذا دعته روزي.
كانت روزي جالسة وحدها إلى يمين أودري، تقطع شريحة فاكهة إلى أجزاء دقيقة أكثر مما ينبغي، كأنها تعاقبها على شكلها الأصلي. جلست أورليا، وأخذت فنجان القهوة من يد أودري مباشرة. قالت أودري: “أنتِ مستيقظة أكثر من اللازم.”
شربت أورليا الرشفة الأولى. “هذا لأنني لا أحب أن أُؤكل قبل العاشرة.”
قالت روزي من غير أن ترفع نظرها: “إذا أكلوكِ قبل العاشرة، فهذه مشكلتك.”
نظرت إليها أورليا. “أشكرك على المساندة العاطفية.”
“أنا أقدم دعمًا استراتيجيًا، لا عاطفيًا.”
قالت أودري وهي تضع طبقًا صغيرًا أمام روزي: “وهذا واضح.”
سحبت أورليا الملف الموضوع على طرف الطاولة. لم يكن من مارسيل هذه المرة.
بل ملاحظات كتبتها هي بنفسها ليلًا ثم أعادت ترتيبها عند الفجر:
●الاجتماع في مكتبه لا في القاعة العامة
●هذا يعني أنه يريد المساحة لصالحه
●لا أطلب تفسيرًا سريعًا
●لا أظهر أنني جئت فقط لأجل المبنى
●أسمع أكثر مما أتكلم
●وأترك له انطباعًا أنني لن أكون سهلة الإدارة
قالت روزي فجأة: “لا ترتدي الأبيض.”
رفعت أورليا رأسها. “ماذا؟”
“اليوم.”
“لماذا؟”
وضعت روزي السكين الصغيرة جانبًا. “لأن الأبيض يجعلك تبدين ألطف.”
نظرت إليها أورليا لحظة.
ثم التفتت إلى أودري. “هل أنا أربي عبقرية أم كارثة؟”
قالت أودري بهدوء لا يحمل أي إنقاذ: “الاثنان.”
قالت أورليا: “رائع.”
قالت روزي: “ارتدي الأزرق.”
“أي أزرق؟”
“الأغمق. الذي يجعلك تبدين كأنك لا تبتسمين بسهولة.”
ضحكت أورليا رغمًا عنها. “أنتِ خطيرة جدًا.”
“وأنتِ وحدك من تتفاجأ كل مرة.”
وضعت أورليا الفنجان، ونهضت. “حسنًا. سأسمع نصيحة الرئيسة هذه المرة.”
قالت روزي: “لأنها صحيحة.”
“لأنها أزعجتني بما يكفي لأصدقها.”
قبل الظهر بقليل، وصلت أورليا إلى Rose Hall Atelier بملابس أبسط وأكثر هدوءًا من يوم الحفل:
فستان أزرق داكن، بخط نظيف وأكمام طويلة ناعمة، لا يحاول أن يكون بريئًا ولا متسلطًا.
شعرها مرفوع جزئيًا إلى الخلف.
وأقراط صغيرة لا تريد من أحد أن يلاحظها، لكنها تستحق أن تُرى. كانت في الطابق الأرضي أولًا، حين وجدت سيلفان. كان واقفًا قرب الجدار الذي عُلقت عليه بعض الأعمال الجديدة للأطفال، ينظر إلى لوحة ما كما لو أنه يحاول أن يسمعها لا أن يراها. لم يلتفت فور دخولها.
وهذا جزء مما يعجبها فيه.
أنه لا يوزع انتباهه على الحركة نفسها، بل على ما تسحبه الحركة من داخل رأسه. قالت وهي تقترب: “هذه ليست أفضل لوحة في الجدار.”
أدار رأسه إليها ببطء.
كان أطول من تيو بوضوح، وأنحف من أن يبدو مرتاحًا في جسده، وهادئًا على نحو يجعل الصمت حوله جزءًا من شخصيته لا حالة مؤقتة. قال: “أعرف.”
وقفت إلى جواره، ونظرت إلى اللوحة نفسها. كانت لفتاة صغيرة رسمت شجرة مائلة في يوم ممطر.
الألوان غير متوازنة.
والتكوين بدائي.
لكن في وسطها شيء صادق جدًا. سألته أورليا: “إذن لماذا تقف أمامها؟”
أجاب بعد لحظة: “لأنها لم تحاول أن تبدو أجمل مما هي.”
التفتت إليه.
ثم ابتسمت ابتسامة صغيرة، حقيقية. “هذا جواب خطير على شخص في عمرك.”
لم يتغير وجهه كثيرًا، لكن عينيه تحركتا إليها سريعًا. “هل الخطورة سيئة؟”
“لا. ”
قالتها وهي تعقد ذراعيها.
“لكنها مرهقة.”
سكت.
ثم قال: “أنتِ مرهقة اليوم.”
رفعت حاجبًا. “هذه بداية وقحة.”
“ليست وقحة.”
“إذن ماذا هي؟”
نظر إلى اللوحة ثانية. “ملاحظة.”
ضحكت بخفة. “واضح أنني أقضي وقتًا كثيرًا مع رجال يفضلون كلمة ملاحظة على المجاملة.”
لم يسألها عمّن تقصد.
وهذا أيضًا مما يعجبها فيه. قال فقط: “هل لديكِ اجتماع اليوم؟”
نظرت إليه لحظة.
لم تسأله من أين عرف.
لأن سيلفان من النوع الذي يلتقط التغير في ترتيب الهواء قبل أن يلتقط الكلام نفسه. “نعم.”
“مع رجل لا يعجبك.”
ابتسمت هذه المرة بوضوح أكبر. “أنتَ تصبح وقحًا فعلًا.”
“لست وقحًا.”
“بل أنت دقيق بطريقة مستفزة.”
التفت إليها أخيرًا. “هل هذا أسوأ؟”
فكرت لحظة، ثم قالت: “عادةً… نعم.”
مرّ صمت لطيف بينهما.
ثم مدت يدها إلى اللوحة وأشارت إلى الزاوية السفلية منها. “انظر هنا.”
اقترب نصف خطوة.
بقى صامتًا.
“الفتاة لم ترسم المطر كما هو. ”
قالت أورليا.
“رسمته كما شعرت به.”
قال: “أفضل.”
“وأنت؟”
“أنا؟”
“هل سترسم ما تراه… أم ما يفعله بك؟”
نظرت عيناه إلى اللوحة، ثم إليها، ثم بعيدًا قليلًا. “لا أعرف.”
أجابت بهدوء: “هذا يعني أنك بدأت تتعلم شيئًا.”
لم يرد.
لكنه بقي واقفًا إلى جانبها تلك الثواني القليلة كما لو أن الجملة لم تمر عليه بسهولة. دخل تيو في اللحظة نفسها، راكضًا أكثر مما ينبغي. “روزي قالت إن—”
توقف فورًا حين رأى سيلفان.
ثم نظر إلى أورليا. “آه. ”
ثم صحح وقفته فورًا.
“صباح الخير.”
قالت أورليا: “هذا الركض غير قانوني في الأتيليه.”
قال تيو: “أنا أحمل رسالة عاجلة.”
قال سيلفان ببرود أخوي خفيف: “أنت تحمل فوضى.”
احتج تيو: “أنا عضو مهم.”
نظرت أورليا بينهما، وضحكت.
كان الفرق بين الأخوين جميلًا جدًا:
سيلفان يشبه الظل الذي يفكر كثيرًا،
وتيو يشبه الشعاع الذي يصطدم بكل شيء ثم ينجو. قالت: “حسنًا. ما الرسالة العاجلة؟”
قال تيو: “روزي تريد أن تعرف إذا كنتِ ستعودين قبل العصر أو بعده.”
ضيقت عينيها. “هل أرسلتك من هنا إلى هنا من أجل هذا؟”
“نعم.”
“أنا على بعد غرفة واحدة منها.”
“لكن الرسالة تبدو أهم إذا وصلت على لسان شخص.”
قال سيلفان، من غير أن ينظر إليه: “لأنك تحب أن تبدو مهمًا.”
رفع تيو ذقنه. “أنا مهم.”
قالت أورليا: “اذهب إلى روزي وأخبرها أنني سأعود حين أنتهي، وإذا بدأت في إدارة يومي من بعيد فسأغلق نادي البوصلة.”
شهق تيو. “هذا تهديد غير إنساني.”
قالت: “انقل الرسالة كما هي.”
ركض خارجًا.
ثم عاد برأسه من الباب بعد ثانية. “هل أقول أيضًا إنك كنتِ تتكلمين عن رجل؟”
نظرت إليه أورليا.
ثم إلى سيلفان، الذي أدار وجهه بصعوبة واضحة ليخفي ما يشبه الابتسامة. قالت أورليا ببرود جميل: “اختفِ.”
واختفى.
ضحكت بعده.
ضحكة قصيرة، لكنها حقيقية.
وللحظة، خف عنها اليوم كله.
ثم تذكرت الساعة.
ونظرت إلى سيلفان. “هل ستبقى هنا بعد الظهر؟”
هز رأسه. “إيفلين ستأخذني.”
“جيد.”
“ولماذا جيد؟”
أخذت حقيبتها من الطاولة القريبة. “لأنني لا أحب أن تذهب موهبتك إلى بيتك مباشرة كل مرة. هذا يسيء إلى توازن الألوان.”
لم يفهم إن كانت تمزح بالكامل أو لا.
وهذا أيضًا طبيعي معها. قال فقط: “هل ستعودين متأخرة؟”
رفعت عينيها إليه. “هل أنتم جميعًا متعاونون اليوم ضد حريتي؟”
قال، بهدوئه نفسه: “لا. فقط… لا تبدين كأنك ذاهبة إلى شيء عادي.”
ولأن هذا كان صحيحًا أكثر مما تحب، لم تمزح هذه المرة. قالت: “سأعود.”
ثم أضافت، وهي تتجه إلى الخارج: “وأنت، لا تدع أحدًا يقنعك أن الصدق في الرسم ضعف.”
لم يجب.
لكنها عرفت، من نظرة قصيرة جدًا مرت على وجهه، أنه سمع ما يكفي. وصلت مع مارسيل قبل الموعد بثماني دقائق. المبنى الذي يعمل فيه أوريون لم يكن مبهرًا على طريقة الأبراج التي تستعرض ثروتها.
كان أسوأ من ذلك.
كان هادئًا. واجهة زجاجية نظيفة.
ردهة واسعة أكثر مما ينبغي.
موظفون لا يبتسمون إلا بقدر الحاجة.
وهدوء مهني من النوع الذي يشعر الداخل إليه أنه دخل مكانًا لا يُفضل الخطأ. قال مارسيل وهما يعبران الردهة: “إذا أردتِ أن نؤجل—”
نظرت إليه. “لا.”
“أنا مضطر أن أقولها مرة واحدة على الأقل.”
“قلها في داخلك.”
لم يرد.
وصعدا.
في المصعد، انعكس وجهها في المعدن المصقول.
بدت مرتبة.
هادئة.
وربما أكثر قسوة قليلًا من المعتاد.
وهذا أعجبها. استقبلتهما السكرتيرة في الطابق العلوي بصوت منخفض وتدريب ممتاز، ثم قادتهما إلى غرفة اجتماعات جانبية.
ليست مكتبه الرئيسي.
وهذا بحد ذاته كان ملاحظة. جلست أورليا، ووضعت حقيبتها إلى جوارها، بينما بقي مارسيل أكثر تيبسًا من الكرسي نفسه. قالت بصوت خافت: “إذا بقيت هكذا، سيظنون أننا أتينا لدفن أحد.”
قال: “أنا لا أحب هذه الطوابق.”
“وأنا لا أحب الرجال الذين يملكونها.”
لم تكتمل الجملة الثانية في الهواء تمامًا، لأن الباب فُتح في اللحظة نفسها. دخل أوريون.
ليس مسرعًا.
ولا متأخرًا.
ولا حاملًا معه أي أثر للحفل السابق، كأن تلك الليلة لا تملك حق العبور إلى هنا. بذلة داكنة.
ملف رفيع في يده.
ونظرة ثابتة لا تمنح اللحظة أكثر مما تستحق… ولا أقل. وقف نصف ثانية، فقط بالقدر الذي يسمح بتحية لا تذوب. “الآنسة ڤان روز.”
ثم نظر إلى مارسيل. “السيد مارسيل.”
نهض مارسيل وصافحه.
ثم نهضت أورليا أيضًا. قالت: “السيد ڤالمر.”
كان الفرق بين الحفل وهذه الغرفة واضحًا فورًا.
هناك، كان الضوء يشارك في صنع الشد.
أما هنا، فلا شيء يساعد أحدًا.
لا موسيقى.
لا كؤوس.
لا عطر يمر بين الطاولات.
فقط طاولة، وملفات، ومسافات يجب أن تُملأ بالكلام أو تُستعمل ضده. جلس أوريون أولًا، ثم فتح الملف أمامه. “لن آخذ من وقتكما أكثر مما يلزم.”
قالت أورليا: “هذا يعتمد على تعريفك لما يلزم.”
رفع عينيه إليها. “تعريف عملي.”
“للأسف.”
لم يبتسم.
لكنها رأت تلك اللمعة القصيرة نفسها التي لا تعرف هل تكرهها أم تبحث عنها. قال: “المبنى لن يُمس فورًا.”
قالتها الأوراق قبله، لكنها أرادت أن تسمع كيف تخرج من فمه. سألت: “هذا تطمين؟”
“هذا ترتيب.”
“والفرق؟”
“التطمين عاطفي. ”
قالها بهدوء.
“والترتيب يلتزم.”
تدخل مارسيل هذه المرة، وفتح ملفه مباشرة. “نحتاج إلى فهم الخط الزمني، ونطاق المراجعات، وما الذي سيبقى كما هو.”
أومأ أوريون مرة واحدة، ثم بدأ يشرح.
كان يشرح كما يعمل:
من غير زخرفة.
ومن غير رغبة في الإقناع الشخصي.
فقط يضع النقاط في أماكنها، ويترك الآخرين يقررون إن كانوا أذكياء بما يكفي ليلحقوا بها.
وأورليا، رغم أنها كانت تتابع الكلمات، كانت تراقب شيئًا آخر أيضًا:
طريقته في إدارة الصمت بين جملة وأخرى.
الهدوء الذي لا يبدو مترددًا.
وأنه حتى هنا، تحت الضوء القاسي للطاولة، لم يكن يبدد حضوره بالكلام الزائد. قال بعد دقائق: “يمكنكِ الاستمرار في التشغيل المعتاد مؤقتًا.”
قالت: “مؤقتًا كلمة رخيصة.”
“لكنكِ تستخدمينها جيدًا.”
رفعت نظرها إليه فورًا.
كانت الجملة، على بساطتها، أنظف من أن تبدو صدفة.
فهم.
وفهمت أنه فهم.
وهذا وحده شدّ الغرفة نصف درجة. قالت أورليا، وهي تعيد ظهرها إلى الكرسي: “إذن لنستخدم كلمة أفضل.”
قال: “حسنًا. ”
ثم أضاف، وعيناه عليها مباشرة:
“حتى إشعار آخر.”
وساد الصمت ثانية.
وهذا الصمت هذه المرة لم يكن عمليًا بالكامل.
عرفت ذلك.
وعرف أنه عرفت.
لكن أياً منهما لم يمنح الآخر شرف الاعتراف.
نهاية الفصل السابع
عدد الكلمات التقريبي: 2440