الفصل الثامن: حتى إشعار اخر

لم يعجبها أن الجملة بقيت معها بعد نهاية الاجتماع. حتى إشعار آخر. كانت جملة عملية، باردة، ومحترمة بما يكفي لتُقال فوق طاولة وملفات.

لكنها، في طريقته، خرجت وكأنها تحمل وزنًا آخر لا يخص المبنى وحده. حين غادرت أورليا المبنى مع مارسيل بعد ساعة تقريبًا، كان النهار قد بدأ يميل قليلًا، والمدينة في الخارج مشرقة على نحو مستفز، كأن شيئًا فيها لا يفهم أن بعض الأيام تخرج من الاجتماعات وهي أكثر ازدحامًا من القاعات. نزلا الدرج الحجري الخارجي ببطء. قال مارسيل وهو يفتح ملفه الصغير مجددًا، كأن الاجتماع لم ينتهِ بعد: “هو لم يعطنا شيئًا صريحًا.”

قالت أورليا: “هذه ليست هوايته.”

“وأنتِ تبدين منزعجة أكثر مما توقعت.”

التفتت إليه. “هل كنت تتوقع أن أخرج وأنا أحمل وردة؟”

“كنت أتوقعك أشد هدوءًا.”

ابتسمت أورليا ابتسامة قصيرة، بلا فرح. “أنا هادئة.”

“لا.”

صمتت لحظة.

ثم قالت، وهي تنظر أمامها: “هو من النوع الذي يجعل كل شيء يبدو مرتبًا… ثم يتركك تتساءل أي جزء في هذا الترتيب كان فخًا.”

أغلق مارسيل الملف أخيرًا. “وهذا تحديدًا ما لا يعجبني.”

“يعجبني أنك منزعج.”

“وأنا لا يعجبني أنك لست منزعجة بما يكفي.”

وصلا إلى السيارة. وقفت أورليا نصف لحظة قبل أن تفتح الباب. “مارسيل.”

“نعم؟”

“أرسل لي كل شيء عن عائلة آستر مرة أخرى. ”

ثم أضافت بعد ثانية: “مرتبًا هذه المرة. من غير تكرار. أريد خط الأب وحده.”

نظر إليها بتركيز. “رولان؟”

“نعم.”

“هل السبب هو المهمة، أم شيء آخر؟”

وضعت يدها على مقبض الباب. “السبب أنني لا أحب أن تتقاطع الخطوط من دون أن أعرف أيها سيجرحني أولًا.”

ولم يكن هذا جوابًا كاملًا.

لكنه كان كافيًا. عادت إلى Rose Hall Atelier بعد الظهر، لكنها لم تنزل إلى الطابق الأرضي فورًا. صعدت مباشرة إلى مكتبها، خلعت حذاءها عند الباب، ومشت فوق السجادة الناعمة بقدمين متعبتين وعقل لم يهدأ.

على المكتب: مزهرية الزهور البيضاء، دفترها الصغير، رسالتان مهنيتان، وملفات كان يفترض أن تراجعها قبل الغد.

وقفت عند النافذة أولًا. الشارع في الأسفل يتحرك بشكل عادي.

سيارتان توقفتا ثم تحركتا.

امرأة خرجت من متجر قريب وهي تضحك في هاتفها.

والسماء فوق المباني صافية على نحو لا يليق بيومها. قالت بصوت خافت: “أنا أكرهه.”

لكنها لم تكره الاجتماع.

وهذا كان الجزء الأسوأ.

لأنها دخلت إليه مستعدة لأن تصطدم، أو أن تخرج بإهانة، أو بتحدٍّ مباشر يسهل عليها حمله.

أما الذي حصل، فكان أكثر صعوبة:

خرجت وهي تشعر أنه لم يلمسها إلا بقدر ما يكفي ليبقيها واعية له. جلست على طرف المكتب، وفتحت دفترها الصغير.

قلبت الصفحة السابقة، وكتبت تحت الاسم مباشرة: ●في العمل أشد هدوءًا

●لا يبدد سلطته

●لا يعرض القوة، يفترضها

●لا يشرح إلا بقدر ما يلزم

●يلتقط الكلمات الصغيرة

●لا يسمح للجملة أن تموت بسهولة

ثم توقفت.

وأضافت: ●خطر لأنه لا يطارد الأثر… يتركه

أغلقت الدفتر سريعًا كأنها ضبطت نفسها تفكر فيه بطريقة لا تعجبها.

في تلك اللحظة، طُرق الباب بخفة. “ادخلي.”

دخلت المساعدة، تحمل ملفين ورسالة قصيرة. “الآنسة، إيفلين آستر اتصلت. سألت إن كنتِ ما زلتِ متاحة لدرس الغد مع سيلفان.”

رفعت أورليا رأسها فورًا. “غدًا كما هو.”

“وأيضًا أرسلت هذه.”

وضعت البطاقة على المكتب ثم خرجت.

أخذت أورليا البطاقة.

كانت قصيرة جدًا: أشكرك مجددًا على وقتك مع سيلفان.

يبدو أخف في الأيام التي يراك فيها.

— إيفلين

ثبتت البطاقة بين أصابعها ثانيتين.

ثم تنفست ببطء.

هذا، على الأقل، شيء واضح.

شيء نظيف.

شيء يحدث بين سبب ونتيجة يمكن فهمهما.

مع سيلفان، تعرف أين تقف.

معه، تعرف كيف تصمت ومتى تدفع، وكيف تترك اللون يفتح بابًا لا يفتحه الكلام.

أما أوريون، فهو من النوع الذي يجعل الصمت نفسه يبدو كأنه ورقة لم يُكشف عنها بعد.

وضعت البطاقة جانبًا، ونهضت أخيرًا.

إذا بقيت في المكتب أكثر، ستقضي ما تبقى من العصر وهي تكتب عنه بعبارات لا تنفع في أي شيء.

نزلت إلى الطابق الأرضي.

في القاعة الكبيرة، كان الضوء أكثر نعومة، والألوان مفتوحة، والهدوء أقل صرامة من ساعات الصباح.

لم تكن هناك ورشة مزدحمة الآن.

فقط سيلفان عند إحدى الطاولات الجانبية، يعمل وحده.

وقرب النافذة، كانت روزي جالسة مع كلارا، بينما ميرا تتكلم أكثر مما ترسم، وتيو يحاول أن يبدو عضوًا مهمًا في مجلس لا يملكه أصلًا.

قالت ميرا فور أن رأت أورليا: “عادت.”

قالت كلارا: “هذا ظاهر.”

أما تيو فرفع رأسه من ورقة مليئة بخطوط وأسهم لا يفهمها أحد غيره. “هل انتصرتِ؟”

وقفت أورليا في منتصف القاعة. “على من؟”

قال بجدية كاملة: “على الرجل الطويل.”

ضحكت ميرا فورًا.

أما روزي، فلم تضحك.

فقط رفعت عينيها إلى أورليا، تزن الجواب.

قالت أورليا: “لا أحد انتصر اليوم.”

قالت روزي: “إذن هذا يعني أن اللعبة لم تنتهِ.”

حدقت بها أورليا لحظة. “أنا أرفض فكرة أن هذه لعبة.”

قالت روزي ببرودها المعتاد: “لا بأس. كثير من الألعاب تبدأ بهذه الجملة.”

تدخلت ميرا: “أنا أحبها.”

قالت كلارا: “لأنك تحبين الفوضى.”

اقتربت أورليا من طاولة الأطفال، وأخذت من تيو ورقته. “ما هذا؟”

قال بتفاخر: “خطة لنادي البوصلة.”

نظرت إلى الورقة.

أسهم.

دوائر.

مربع كتب فيه: الاحتمالات الطارئة

وتحته: إذا رفضت روزي اقتراحًا

إذا وافقت روزي على اقتراح

إذا غضبت روزي من الجميع

رفعت أورليا رأسها ببطء. “أنت تكتب دليل بقاء، لا خطة نادي.”

قال تيو: “هذا الشيء نفسه تقريبًا.”

حتى كلارا ابتسمت هذه المرة.

أما روزي، فمدت يدها وأخذت الورقة من أورليا. “هو يبالغ.”

قال تيو فورًا: “أنا دقيق.”

قالت ميرا: “أنت خائف.”

قال: “أنا منظم.”

قالت أورليا وهي تلتفت نحو سيلفان أخيرًا: “وأنت؟ هل تعمل أم تتجسس على هذه الفوضى من بعيد؟”

رفع سيلفان رأسه.

كانت أمامه لوحة غير مكتملة.

خطوط رمادية زرقاء، ومساحات خفيفة من ذهب مطفأ، ونافذة لا تبدو نافذة بقدر ما تبدو مخرجًا. قال: “أعمل.”

اقتربت منه.

وقفت خلف كتفه ثم إلى جانبه. “هذه أجمل من آخر مرة.”

“لأنني لم أفسدها بعد.”

“هذا تواضع غير صحي.”

“هذا تاريخ.”

نظرت إليه بطرف عينها. “وأنت لست كبيرًا بما يكفي لتتكلم هكذا.”

قال من غير أن يرفع رأسه: “ربما.”

راقبت اللوحة ثانية.

ثم أشارت إلى المساحة الفارغة عند الزاوية اليمنى. “أنت خفت هنا.”

صمت.

لم ينكر.

أخذت فرشاة ناعمة من على الطاولة، وغمست طرفها في لون أعمق بدرجة. “أحيانًا اللوحة لا تحتاج منّا أن نكون مهذبين.”

ناولته الفرشاة. “لا تترك لها الباب نصف مفتوح. إما افتحه أو ألغِه.”

نظر إلى الفرشاة في يدها، ثم أخذها.

وعند هذه اللحظة تحديدًا، رأت روزي المشهد من الطاولة الأخرى، من دون أن تقول شيئًا.

ميرا أيضًا صمتت نصف دقيقة أطول من عادتها.

حتى تيو بدا كأنه فهم أن ثمة شيئًا مختلفًا في الهواء حين تكون أورليا مع سيلفان. قال سيلفان بعد لحظة: “كنتِ متعبة حين دخلتِ.”

رفعت أورليا حاجبًا. “هذا اتهام متكرر اليوم.”

“لكنه صحيح.”

أمالت رأسها قليلًا، ونظرت إلى اللوحة بدلًا منه. “وأنت؟”

“أنا ماذا؟”

“هل أنت متعب اليوم؟”

أجاب بعد صمت قصير: “أقل.”

“جيد.”

قال، وعيناه ما تزالان على المساحة التي أشارت إليها: “هل الرجال يرهقونك أكثر من الرسم؟”

ضحكت أورليا.

ضحكة حقيقية هذه المرة. “أنا أدرسك الفن، لا الفلسفة العدائية.”

قال: “هذا ليس جوابًا.”

نظرت إليه.

ثم قالت بهدوء: “الرجال يرهقونني حين يظنون أن الصمت ميزة شخصية.”

لم يعلّق.

لكنه، بعد ثانيتين، وضع اللون أخيرًا في المساحة الفارغة كما قالت.

وكان أعمق مما توقعت. “أفضل.”

قالتها وهي تبتعد خطوة.

رفع نظره إليها أخيرًا. “هل هذا ينطبق على كل شيء؟”

عرفت أنه لا يتكلم عن اللوحة وحدها.

ثم قالت: “غالبًا.”

وقبل أن يتمدد الصمت بينهما أكثر، دخلت إيفلين.

لم يكن دخولها صاخبًا.

كانت من النوع الذي لا يحتاج صوته لأن يسبق حضوره.

امرأة طويلة، أنيقة، ترتدي معطفًا خفيفًا بلون كحلي، وشعرها مرفوع بنظافة عملية، وملامح تعرف كيف تبدو رقيقة من غير أن تضعف.

توقفت عند المدخل أولًا، ونظرت إلى أخيها.

ثم إلى اللوحة.

ثم إلى أورليا. وقالت: “أظن أنني جئت في وقت جيد.”

التفتت أورليا نحوها وابتسمت. “هذا يعتمد على تعريفك للجيد.”

اقتربت إيفلين بخطوات هادئة. “تعريفي اليوم بسيط. لم يكسر شيئًا، ولم يهرب، ولم يبدُ كأنه يكره العالم.”

قالت ميرا من بعيد: “هذا معيار منخفض.”

التفتت إيفلين نحو مصدر الصوت، ثم ظهرت عند زاوية فمها ابتسامة خفيفة جدًا. “أحيانًا يكون المنخفض نصرًا.”

نظرت إلى سيلفان ثانية. “هل ستنهيها هنا أم تأخذها معك؟”

قال: “هنا.”

أومأت.

ثم التفتت إلى أورليا. “هل لديك دقيقة؟”

“دائما للدقائق الخطرة.”

أشارت إيفلين نحو زاوية أكثر هدوءًا قرب النافذة.

ذهبتا معًا.

في الخلفية، كان تيو قد بدأ يشرح شيئًا لروزي بحماس زائد.

وميرا تقاطعه.

وكلارا تصحح.

والأصوات الثلاثة، على سخافتها، أعطت للمكان طمأنينة غريبة.

قالت إيفلين بصوت منخفض: “أشكرك.”

“على ماذا بالتحديد؟”

“على أنه لم يعد يدخل البيت كأنه يعود إلى سجن. ”

توقفت.

ثم أضافت: “هذا جديد.”

أمالت أورليا رأسها قليلًا. “هو موهوب. فقط يحتاج أن يُترك وشأنه قليلًا.”

قالت إيفلين: “في بيتنا، هذا ترف.”

لم يكن في صوتها شكوى.

بل حقيقة هادئة، أكثر إرهاقًا من الشكوى.

قالت أورليا: “والدك لا يزال يضغط؟”

نظرت إليها إيفلين مباشرة.

لم تبدُ منزعجة من السؤال.

فقط حذرة بما يكفي. “والدي لا يؤمن بأن شيئًا لا يُحوّل إلى منفعة له قيمة حقيقية.”

“وهذا مؤلم لشاب مثل سيلفان.”

“وخطير. ”

قالت إيفلين.

“لأنه إذا ظل يشعر أن أهم جزء فيه عبء، فسيبدأ في كره أفضل ما لديه.”

ثبتت أورليا عينيها عليها لحظة.

ثم قالت: “لن أسمح له بهذا إن استطعت.”

ولأول مرة، بدا الامتنان على وجه إيفلين واضحًا من غير تغليف كامل. “لهذا جئت إليك أصلًا.”

سكتتا لحظة.

ثم قالت إيفلين، كما لو أنها انتقلت إلى مسار آخر أكثر برودة: “هناك شيء آخر.”

رفعت أورليا حاجبًا خفيفًا. “الجزء الذي كنت أنتظره.”

“والدي يقيم عشاءً صغيرًا نهاية هذا الأسبوع.”

“هذه بداية لا أحبها.”

“ولا أنا. ”

قالت إيفلين.

“لكنه يريد أن يراك.”

سكن شيء صغير داخل أورليا. “بصفتي…؟”

“معلمة ابنه. ”

توقفت.

“ولأنه لا يحب أن يبقى في بيته تأثير لا يفهمه.”

نظرت أورليا عبر الزجاج للحظة، إلى الشارع الذي بدأ يهدأ خارج الأتيليه.

رولان آستر يريد أن يراها.

هذا ليس مجرد عشاء إذن.

هذه بوابة.

أو فخ.

أو ربما الاثنان معًا.

وهذه هي المشكلة في حياتها دائمًا:

أفضل الأبواب غالبًا تكون أسوأها من الداخل.

قالت أخيرًا: “هل أقبل؟”

راقبتها إيفلين ثانية أو اثنتين. “هذا يعتمد على أي نسخة منك ستدخل.”

وقبل أن ترد أورليا، اهتز هاتفها في حقيبتها.

أخرجته.

رسالة واحدة فقط.

من رقم لا تحتاج إلى تسجيله كي تعرفه الآن.

التوقيت تغيّر.

الاجتماع الثاني غدًا بدلًا من بعد غد.

الثالثة.

لا اسم.

لا تحية.

لا توقيع.

لكنها لم تحتج أيًا من ذلك.

رفعت بصرها عن الشاشة ببطء.

وقالت إيفلين: “أخبار سيئة؟”

أغلقت الهاتف.

ثم ابتسمت تلك الابتسامة الهادئة التي تعرف جيدًا كيف تستعملها حين تبدأ الأمور بالتعقد أكثر مما ينبغي. “بل فقط… ازدحام جميل.”

نهاية الفصل الثامن

عدد الكلمات التقريبي: 2330 كلمة

.

2026/04/09 · 0 مشاهدة · 1647 كلمة
Qio Ruan
نادي الروايات - 2026