الفصل التاسع: عشاء رولان آستر
حين أغلقت أورليا هاتفها بعد رسالة أوريون، لم تفكر أولًا في الاجتماع. فكرت في إيفلين. وفي عشاء رولان آستر. وفي الحقيقة الأبسط والأخطر معًا:
أن يومين متقاربين قررا فجأة أن يفتَحا لها بابين في وقت واحد، وكلاهما لا يدخل إليه الناس بطمأنينة.
وقفت قرب النافذة في مكتبها، والهاتف ما يزال في يدها، بينما كانت إيفلين تراقبها بهدوء من الجهة الأخرى من الطاولة. في الطابق الأرضي، كانت أصوات الأطفال خافتة بما يكفي لتذكّرها أن العالم ما يزال يحتفظ بترتيبه المعتاد، حتى حين يبدأ عالمها الشخصي بالانزلاق عن محوره قليلًا.
قالت إيفلين، بعد أن طال الصمت: “أنتِ لا تبدين متفاجئة.”
أبعدت أورليا الهاتف عن نظرها، ووضعته فوق حافة المكتب. “أنا متفاجئة.”
“لكن ليس كثيرًا.”
التفتت إليها أخيرًا. “لأن الرجال الذين يحبون تحريك المواعيد في اللحظة الأخيرة لا يفاجئونني.”
مالت إيفلين قليلًا، وفي عينيها تلك اللمعة الهادئة التي تملكها النساء العمليّات حين يقرأن المشهد أسرع من سواه. “هذا الرجل تحديدًا؟”
ابتسمت أورليا ابتسامة صغيرة، لا تؤكد ولا تنفي. “هذا الرجل تحديدًا لا يحب أن يترك للآخر مساحة يرتّب فيها نفسه أكثر مما يجب.”
سكتت إيفلين لحظة.
ثم قالت: “إذن أنتِ تفهمينه.”
أجابت أورليا فورًا: “لا. ”
ثم أضافت، وهي تعود إلى الوقوف المستقيم: “وهذا جزء من المشكلة.”
لم تبتسم إيفلين.
لكن ملامحها لانت قليلًا، كأن الجواب أعجبها.
قالت: “بالنسبة إلى عشاء أبي… هل أعتبر الموافقة قائمة؟”
نظرت أورليا إلى سيلفان من بعيد.
كان ما يزال عند الطاولة نفسها، منحنياً على لوحته، بينما تيو عند الطرف الآخر من القاعة يشرح لروزي بندًا جديدًا في لوائح نادي البوصلة، وروزي تصححه ببرودها الإداري المضحك، وميرا ترفض أن تعترف بأنها هي سبب نصف البنود أصلًا.
قالت أورليا: “سأحضر.”
“هل أنتِ متأكدة؟”
“لا. ”
ثم رفعت كتفًا واحدًا.
“لكنني سأحضر على أي حال.”
أومأت إيفلين ببطء، كما لو أنها سمعت ما يكفي. “أبي سيحاول أن يراكِ ببساطة، لكنه نادرًا ما يرى الناس ببساطة.”
“وأنا أيضًا.”
في هذه المرة، ظهرت عند زاوية فم إيفلين لمحة ابتسامة واضحة. “جيد. ”
ثم أضافت: “سأرسل لك الوقت.”
قالت أورليا: “أرسلي أيضًا نوع الحرب المتوقعة.”
“مع أبي؟”
“نعم.”
فكرت إيفلين ثانية قصيرة.
ثم قالت: “هادئة. وهذا أسوأ.”
وغادرت بعد ذلك بلحظات، بعدما أخذت سيلفان معها على مضض واضح منه، أما تيو فبقي لأنه أقنع الجميع أن عنده “مهمة إدارية” مع روزي لا يجوز تعطيلها.
وقفت أورليا في مكانها بعد خروجهم، وراقبت الباب المغلق لحظة.
عشاء مع رولان. اجتماع متقدم مع أوريون. ملف مفتوح في يد مارسيل. وسيلفان يزداد ارتباطًا بها أكثر مما خططت له أولًا.
هذا ليس أسبوعًا. هذا كمين طويل يرتدي ملابس أنيقة.
في المساء، جلست أورليا وحدها في جناحها، والملف الذي أحضره مارسيل مفتوح أمامها للمرة الثالثة.
على الورق، بدا كل شيء نظيفًا:
تفاصيل عن رولان آستر، استثماراته، شبكة أعماله، بعض الشركات الواجهة، تحركات قديمة، مجلسه الضيق، وأسماء ثلاثة رجال يدورون حوله في الأعمال الحساسة.
لكن تحت النظافة كان هناك شيء آخر.
ذلك النوع من الرجال الذين لا يحبون الفن إلا إذا أمكن بيعه، ولا يحبون البشر إلا إذا أمكن توظيفهم، ولا يفتحون أبواب بيوتهم إلا حين تكون الفائدة واقفة خلف الباب معهم.
مررت أورليا إصبعها على أحد الأسماء ثم أغلقت الملف.
لا.
الورق لن يعطيها ما يكفي.
هي تعرف هذا النوع.
تعرف أن الدخول الحقيقي إلى رجل مثل رولان لا يكون من ملف.
بل من البيت.
من ترتيب الكراسي.
من شكل نظرته إلى أولاده.
من الأشياء التي يسخر منها.
ومن التي يصمت عنها أكثر مما يجب.
رن هاتفها.
كانت رسالة من مارسيل.
أحتاج عشر دقائق صوتيًا.
كتبت له: اكرهك.
جاء الرد بعد ثوانٍ: هذا جيد. افتحي.
تنهدت.
ثم ضغطت الاتصال.
جاء صوته مباشرًا، من غير أي تمهيد. “العشاء فرصة ومشكلة.”
قالت أورليا وهي تعود إلى المقعد: “شكراً. هذا تحليل يليق بطفل.”
“اسكتي واسمعي.”
ابتسمت رغمًا عنها. “تفضل.”
“أنتِ ذاهبة بصفة معلمة. لا امرأة لامعة، ولا صديقة ابنه، ولا شخص يريد أن يفهمه.”
“ممل.”
“ضروري.”
مدت أورليا ساقيها فوق المقعد المقابل. “أنت تنسى أحيانًا أنني أجيد هذا أكثر منك.”
“أنا لا أنسى. أنا فقط لا أثق بإعجابك بنفسك.”
ضحكت بخفة.
أما هو فأكمل، غير متأثر. “إذا رأيت فرصة للدخول إلى مكتبه، لا تغامري بلا حساب.”
“كم أنت رومانسي.”
“وأنت تتسلين أمام الأشياء الخطأ.”
سكتت لحظة.
ثم قالت: “إذا ظهرت فرصة حقيقية… سأستعملها.”
“أعرف. ”
ثم أضاف، بصوت أثقل قليلًا: “وهذا بالضبط ما يقلقني.”
كانت تعرف أن هذا هو الجزء الصادق منه دائمًا.
مارسيل لا يخاف من الملفات.
يخاف من اللحظة التي تشعر فيها أورليا أن الغرابة تستحق المجازفة.
قالت أخيرًا: “سأنتبه.”
“وأوريون؟”
استقامت قليلًا. “ماذا عنه؟”
“الاجتماع غدًا.”
“أعرف.”
“أنت ذاهبة من دوني.”
“أعرف.”
“هذا ليس سؤالًا.”
“وليس قرارًا جديدًا.”
سكت للحظة.
ثم قال: “إذن اذهبي إليه بعقلين.”
رفعت حاجبًا رغم أنه لا يراها. “من أين آتي بالثاني؟”
“استعيريه من روزي.”
ضحكت ضحكة قصيرة حقيقية هذه المرة. “هذه أول جملة جيدة منك اليوم.”
أنهت المكالمة بعدها بدقائق، لكن الاسم بقي في رأسها:
روزي.
نعم.
روزي كانت ستقول لها الآن، على الأرجح، شيئًا مثل:
إذا كان الرجل يبدّل المواعيد، فهو يريد أن تبقي خطوتك ناقصة. لا تعطيه هذه المتعة.
وهذا، على نحو مزعج، صحيح جدًا.
في صباح اليوم التالي، جاءت روزي إلى المطبخ قبلها بدقائق، ووقفت فوق كرسيها قرب المنضدة تراقب أودري وهي تصب عصير البرتقال في الكؤوس كأنها تشرف على عملية جراحية.
دخلت أورليا بثوب صباحي أبيض مائل إلى العاجي، وشعر مرفوع بإهمال أنيق، ووجه لا يزال يحتفظ بآثار نوم لم يكن عميقًا بما يكفي.
قالت روزي فورًا: “لم تنامي جيدًا.”
أخذت أورليا فنجان القهوة قبل أن تجلس. “صباح الخير لك أيضًا.”
“هذا ليس ردًا.”
“هذا دفاع.”
جلست، ورفعت الفنجان إلى شفتيها.
راقبتها روزي ثانيتين، ثم نزلت عن الكرسي وجاءت لتجلس مقابلها مباشرة. “هل ستذهبين إليه اليوم؟”
سألتها أورليا: “هل هناك رجل آخر في حياتي يملك هذه الكمية من الاجتماعات المزعجة؟”
“إذن نعم.”
“نعم.”
هزت روزي رأسها وكأنها قررت أن العالم يخذلها مرة أخرى. “لا ترتدي الأزرق نفسه.”
رفعت أورليا عينيها إليها. “لماذا؟”
“لأنه سيتذكره.”
سكن شيء صغير داخلها.
صغير بما يكفي لتتجاهله لو أرادت.
لكنه لم يكن صغيرًا بما يكفي لتفشل في الشعور به.
قالت أودري من خلفهما، وهي تضع طبقًا جديدًا على الطاولة: “الطفلة معها حق.”
نظرت أورليا إلى الاثنتين. “ماذا يجري؟ هل عندي مجلس حرب في بيتي من دون إذني؟”
قالت روزي: “عندكِ ضعف في الاستعداد.”
“أنا مستعدة.”
“أنتِ جميلة ومتفكرة. ”
ثم أضافت ببرود: “لكن ليس هذا ما أتحدث عنه.”
شربت أورليا رشفة أخرى من القهوة.
ثم قالت، وهي تنظر داخل الفنجان: “حسنًا. ماذا أقترح عليّ يا رئيسة؟”
قالت روزي: “شيئًا أبسط.”
“هل هذا كل شيء؟”
“وشعرك إلى الخلف أكثر. ”
ثم توقفت.
“وألا تبدين كأنك تحاولين أن تكوني ناعمة.”
ضحكت أورليا. “يا إلهي. كم أكره أنك تفهمينني.”
قالت روزي: “أنا أفهمك لأنك واضحة أكثر مما تعتقدين.”
قالت أودري: “هذا صحيح.”
رفعت أورليا يديها مستسلمة. “رائع. حتى طاولة الإفطار ضدي.”
لكنها، حين صعدت لاحقًا إلى جناحها، بدّلت الأزرق فعلًا.
واختارت فستانًا رماديًا فاتحًا بخطوط نظيفة، وشعرًا مرفوعًا إلى الخلف أكثر، من دون الخصل الناعمة التي أحبها رافاييل في الحفل السابق، ومن دون اللؤلؤ أيضًا.
وحين رأت نفسها في المرآة قبل الخروج، فهمت ما قصدته روزي:
هذه النسخة لا تطلب أن تُقرأ بلطف.
وهذا أفضل.
كان مكتب أوريون في هذا اليوم أكثر هدوءًا من المرة السابقة.
أو ربما لأنها دخلت إليه هذه المرة وحدها.
هذا غيّر ميزان الغرفة فورًا.
استقبلتها السكرتيرة بالطريقة نفسها:
صوت منخفض،
ابتسامة مقننة،
وحركة محترفة لا تعطيك شيئًا تتذكره عنها بسهولة.
لكن هذه المرة، لم تُدخلها إلى غرفة الاجتماعات الجانبية.
بل إلى مكتبه نفسه.
وهذا بحد ذاته كان رسالة.
دخلت أورليا، وتوقفت نصف لحظة فقط.
المكتب واسع، لكن ليس بشكل استعراضي.
الزجاج من جهة كاملة يطل على المدينة.
الخشب داكن وهادئ.
المقاعد مختارة لمن يعرفون أن الراحة ليست دائمًا الهدف.
والترتيب كله لا يعطيك شعور رجل يحب الأشياء الجميلة، بل رجل يحب الأشياء التي تعمل.
كان أوريون واقفًا عند النافذة حين دخلت.
التفت إليها عندما أُغلق الباب خلفها.
وقال: “الآنسة ڤان روز.”
كان صوته كما هو.
أهدأ مما يجب.
وأقل ترحيبًا مما يزعجها بوضوح.
قالت: “السيد ڤالمر.”
ثم مشت إلى أقرب مقعد من الطاولة، من دون أن تنتظر دعوة مباشرة للجلوس.
راقبها وهي تفعل ذلك.
وهذا أيضًا لم يعجبها.
أنه من النوع الذي يجعل أصغر حركة تشعر بأنها جزء من قراءة أوسع.
قال: “كنت أظن أن السيد مارسيل سيحضر.”
وضعت حقيبتها الصغيرة إلى جوار الكرسي وجلست. “كنت أظن أن التغيير المفاجئ في الموعد يحتاج إلى مكافأة.”
اقترب ببطء من المكتب. “وهل تعتبرين غيابه مكافأة؟”
“أعتبر حضوري وحدي مجاملة.”
كانت هذه أول ضربة صغيرة منها، وأحبّت أنها خرجت نظيفة.
وقف أمام المكتب، وفتح ملفًا رفيعًا جدًا، ثم قال: “سأحاول أن أكون ممتنًا بالقدر الكافي.”
رفعت حاجبًا. “حاول أكثر.”
للمرة الأولى، ظهرت تلك اللمعة الخفيفة نفسها عند زاوية فمه.
لا ترتقي إلى ابتسامة.
لكنها تكفي لتزعجها.
جلس أخيرًا. “أردت أن أوضح شيئًا قبل أن يستمر التخمين.”
“أنت لا تحب التخمين؟”
“أحبه فقط حين يكون تحت سيطرتي.”
أجابت فورًا: “هذا يفسر أشياء كثيرة.”
فتح الملف أمامه، وأخرج منه ورقتين فقط.
ورقتان.
هذا كل شيء.
كأن الرجل لا يحتاج إلى أكثر من صفحتين ليعيد ترتيب حياة الآخرين.
قال: “المبنى لن يُعاد تشكيله في الأشهر القريبة.”
نظرت إليه مباشرة. “هذا يشبه اجتماع الأمس.”
“لكن الفرق أنني لا أكرره اليوم للتهذيب.”
“إذن لماذا أكرره أنا بالحضور؟”
وضع إحدى الورقتين أمامها. “لأنني أقدّم لكِ عرضًا.”
لم تلمس الورقة فورًا.
نظرت إليه أولًا.
ثم إلى الورقة. “أنا لا أحب العروض من الرجال الذين يملكون بابي.”
“ليس عرضًا شخصيًا.”
“وهذا عادةً أسوأ.”
أخذت الورقة أخيرًا.
كان العرض بسيطًا ظاهريًا:
استمرار تشغيل الأتيليه مدة أطول،
ضمان عدم المساس ببعض الأنشطة الخاصة،
وتوسعة محدودة لمساحة عرض موسميّة داخل الجهة الجديدة بعد إعادة التنظيم.
كل شيء مكتوب بلغة عملية وباردة.
لكن أثره واضح جدًا.
هو لا يحاول فقط أن يهدئها.
هو يحاول أن يبقيها في المكان.
قالت بعد أن انتهت من القراءة: “كريم.”
“عملي.”
“ومفيد لك.”
“غالبًا.”
أعادت الورقة إلى المكتب. “ما الذي تريده مقابله؟”
رفع عينيه إليها.
وللمرة الأولى منذ دخلت، شعرت أن الغرفة ضاقت نصف درجة فقط. “أن تقبلي ما هو واضح بدل أن تبني عداوة أسرع من اللازم.”
سكتت.
ثم قالت: “هذه جملة أخطر مما تبدو.”
“هذا يعتمد على الطريقة التي تسمعينها بها.”
مالت قليلًا إلى الخلف. “وأنت؟ كيف تقصدها؟”
لم يجب فورًا.
وهذا ما كرهته فيه من اللحظة الأولى:
أنه يعرف تمامًا متى يترك السؤال معلقًا فوق الطاولة بدل أن يقتله بجواب واضح.
ثم قال: “أقصد أن الحرب المبكرة مرهقة.”
ابتسمت ابتسامة صغيرة، لم تصل إلى عينيها. “والسلام معك يبدو أغلى مما أطيق.”
“لكنكِ ما زلتِ هنا.”
كان الجواب بسيطًا.
لكنه أصاب موضعه.
وبقيت تنظر إليه ثانية أطول مما يفترض.
ثم قالت: “أنا هنا لأنني لا أحب أن أفهم الرجال من بعيد.”
“وهل فهمتِ شيئًا حتى الآن؟”
رفعت الورقة مرة أخرى، ثم أنزلتها. “فهمت أنك تعرف كيف تُبقي الأشياء قريبة من غير أن تسمي هذا رغبة.”
تحرك شيء صغير جدًا في ملامحه.
اختفى سريعًا.
لكنه لم يختفِ عنها.
قال: “وهل يزعجك القرب؟”
أجابت: “يهمّني أن أعرف سببه.”
“ليس كل سبب يُقال.”
“هذا لا يجعل وجوده أقل.”
سكت.
ثم نهض.
نهض بهذه البساطة، وكأن الجلسة انتقلت من الورق إلى شيء آخر، من غير إذن معلن.
مشى إلى الخزانة الجانبية، وصبّ ماءً في كأس، ثم وضع الكأس أمامها من غير أن يسألها إن كانت تريده.
نظرت إلى الكأس.
ثم إليه. “أهذه جزء من العرض؟”
قال: “هذه ملاحظة.”
“ما الملاحظة؟”
“أنك تتكلمين أكثر حين لا تشربين شيئًا.”
ضحكت.
لم ترد أن تضحك.
لكنها فعلت.
وهذه كانت غلطتها الصغيرة اليوم.
شربت جرعة من الماء، فقط كي تخفيها.
ثم قالت: “أنت تراقب أشياء تافهة أكثر مما ينبغي.”
قال: “الأشياء التافهة عادة لا تكون تافهة.”
وقبل أن تبني ردًا مناسبًا، طُرق الباب.
دخل آدم هذه المرة، ومعه ملف أزرق.
توقفت عيناه عليها لحظة قصيرة محترمة، لا فضول فيها ولا ارتباك.
ثم قال لأوريون: “النسخة النهائية وصلت.”
أخذها أوريون منه. “اتركها.”
أومأ آدم، ووضع الملف على الطرف الآخر من المكتب.
كان حضوره هادئًا جدًا.
من النوع الذي لا يقتحم المشاهد، بل يمر عبرها.
ولذلك فهمت فورًا لماذا يثق به أوريون في العمل.
رجل لا يشرح نفسه، ولا يحاول أن يصبح حاضرًا أكثر مما يجب.
وحين غادر آدم، بقي الملف الأزرق على الطاولة بينهما مثل شاهد ثالث على أن هذا المكتب لا ينسى عمله حتى حين تزدحم هواؤه بشيء آخر.
قالت أورليا: “صديقك هادئ.”
“هذا مفيد.”
“وهل كل ما لا ينفعك تستبعده؟”
“غالبًا.”
رفعت حاجبًا. “قاسٍ.”
“عملي.”
ثم عاد إلى مقعده.
وأخذ الورقة من أمامها، ووضعها داخل الملف من جديد. “لا أطلب جوابك الآن.”
قالت: “هذا سخاء غير متوقع.”
“لا. ”
ثم رفع عينيه إليها. “هذا لأنني أفضل أن تأتي قراراتك بعد تفكير.”
قالت بهدوء ناعم: “وهل تظن أنني أتخذها بغير ذلك؟”
“أظن أنكِ أحيانًا تتخذينها بسرعة حين تخافين أن يسبقك الشيء إلى جلدك.”
هبط الصمت بعد الجملة.
هذه أول مرة يلمس فيها شيئًا بهذا القرب من الحقيقة.
ليس من حقيقة خوفها منه.
بل من طريقتها هي في الحياة كلها.
نظرت إليه مباشرة.
ثم قالت، بصوت أخفض قليلًا: “وأنت تظن أنك تعرفني الآن؟”
قال: “لا. ”
ثم أضاف: “لكنني لا أظن أنك سهلة كما تحبين أن يظن الناس.”
ولم تكن هذه مجاملة.
بل أسوأ.
كانت ملاحظة صحيحة.
نهضت أورليا ببطء.
أخذت حقيبتها.
ونظرت إليه وهي تقف على الجهة الأخرى من المكتب. “إذن لا تعطهم هذا الظن.”
قالها بهدوء.
فهمت أنه لا يتكلم عن الناس وحدهم.
وربما فهمت أكثر مما يجب.
قالت: “هذا ليس سهلًا مع بعض الرجال.”
أجاب: “إذن اختاريهم أفضل.”
وكانت هذه ضربة أخرى.
أبرد من أن تُسمى غيرة.
وأكثر دقة من أن تكون عابرة.
ابتسمت، لكن ليس برضا. “سأفكر في عرضك.”
“جيد.”
“وسأفكر أيضًا إن كان عليّ أن أعتبرك رجلًا عمليًا… أم مجرد رجل يحب أن يُبقي الأبواب نصف مفتوحة.”
نظر إليها لحظة.
ثم قال: “هذا يعتمد على الباب.”
ولم يمنحها أكثر.
خرجت بعدها.
ومشت عبر الردهة الهادئة نفسها، والمصعد نفسه، والشارع نفسه.
لكن كل شيء بدا أقل وضوحًا مما كان قبل ساعة.
حين ركبت السيارة أخيرًا، بقيت يدها على المقود من غير أن تشغّل المحرك فورًا.
وأعادت في رأسها جملة واحدة فقط، بنبرة أقل برودًا مما أحبّت:
لا أظن أنك سهلة كما تحبين أن يظن الناس.
ثم تنفست ببطء.
وشغّلت السيارة.
وفي داخلها كان شيء واحد واضحًا أكثر من الصباح كله:
الرجل لا يقترب في الظاهر.
لكن الغريب… أنه صار أقرب مما يجب.
نهاية الفصل التاسع
عدد الكلمات التقريبي: 2320 كلمة
.