الفصل صفر: سقوط فارس الظلام
: الصورة توصف
تبداء شرارة نهاية عالم أفاتار الضاحك يصعد إلى ذروة جبل حيث الطفل أفاتار (آنغ) لا يزال جليدًا في فقاعته. لا يكسره، بل يجثو أمامه كما يجثو الناسك أمام أيقونة، ويهمهم بصلاة أخيرة: «أنت آخر نبي للتوازن، وأنا كاهنك الذي سيحرر روحك من ثقل الأفاتار». ثم يُدخل إلى الجبل الجليدي شظية من معدن «البروميثيوم» المسموم بجوهر ضحكته، فلا يقتل آنغ، بل يصيبه بعدوى الجنون الأبدي.
---
المعركة التي إنهت كل المعارك
كان الفارس الأكثر ظلاماً يحترق، لكنه لم يكن الاحتراق الذي يعرفه البشر. لم يكن احتراق جسد في نار. لم يكن احتراق روح في جحيم. كان احتراق معنى. احتراق قصة. احتراق كل ما ظن أنه كانه، وكل ما كان سيكونه، وكل ما كان يمكن أن يكونه في أي كون من الأكوان التي لا تعد ولا تحصى. النيران التي التهمته لم تكن حمراء كالدم الذي أراقه، ولا برتقالية كالشمس التي أطفأها، ولا حتى زرقاء كالطاقة التي سرقها. كانت بيضاء. بيضاء إلى درجة أنها صارت سوداء في قلبها، كالعين التي تحدق في الفراغ حتى يصير الفراغ جزءاً من الرائي.
السماء من حوله - إن جاز تسميتها سماء - لم تكن سماء. كانا في آخر الزمان، في آخر المكان، في النقطة التي يلتقي فيها كل شيء باللا شيء. النجوم التي كانت ترصع الفضاء كجواهر متناثرة على ثوب أرملة قد ماتت كلها. لم يبقَ منها إلا رماد. رماد يطفو في فراغ لا نهائي، يتجمع ببطء في كتلة واحدة هائلة، كجثة عملاق كوني لم تجد من يدفنها. شمس الموت. آخر جمرة في موقد خلق انطفأ. قبر كل شيء.
وهناك، في حضرة هذا القبر، كانت تقف هي.
---
لم تكن ديانا كما عرفها. لم تكن وندر وومان التي قاتلها ألف مرة في ألف عالم مظلم. لم تكن الأميرة الأمازونية التي رأى ضعفها الإنساني تحت درعها الإلهي. كانت شيئاً آخر. شيئاً لم يره حتى في أسوأ كوابيسه - وكوابيسه كانت واسعة، عميقة، مرعبة بما يكفي لتبتلع عقول آلهة.
كانت ذهبية.
ليس ذهب المعدن الذي يُصاغ في تيجان الملوك. ليس ذهب الشمس الذي يبعث الدفء والحياة. بل ذهب الحقيقة. ذهب الشيء الوحيد الذي لم يستطع أبداً فهمه أو كسره أو تدميره. ذهب الإرادة التي لا تنحني. الإرادة التي تقول للعدم: لا. الإرادة التي تقول للظلام: لن تمر. الإرادة التي تقول للكذبة: أنتِ كذبة، وأنا أعرفك، وأنا لا أخافك.
كانت أنشوطتها - حبل الحقيقة الذي لا ينقطع - تتلألأ حول جسدها كأفعى مقدسة. لكنها لم تعد مجرد أداة. صارت الأنشوطة جزءاً منها، وهي جزء من الأنشوطة، وهما معاً جزء من شيء أعمق وأقدم: مسبك الخلق. النار الأولى. النار التي شُكّلت منها كل الحقائق، كل القوانين، كل الحدود بين ما هو حقيقي وما هو وهم. كانت ديانا قد وضعت أنشوطتها في تلك النار، في قلب الخلق نفسه، وخرجت منها ليس كمحاربة، بل كحقيقة. حقيقة مطلقة. حقيقة لا يمكن دحضها.
نظر إليها. نظرت إليه. وبينهما، ارتجف الكون.
---
"أنت تعرف لماذا أنت هنا،" قال. صوته كان طبقات: صوت بروس واين، الصوت الذي كان يهمس به لأمه في الليالي المظلمة. صوت الجوكر، الصوت الذي ضحك حين قتل روبن. صوت الفارس الأكثر ظلاماً، الصوت الذي وعد بأن يعيد تشكيل كل شيء على صورته. وصوت رابع. صوت لم يكن لأي منهم. صوت الغدة. صوت الشيء الذي زرعه في نفسه، الشيء الذي حوله من رجل إلى وحش إلى إله إلى... إلى ما كانه الآن. إلى ما كان يحتضر الآن.
"أنا أعرف لماذا أنا هنا،" أجابت، وصوتها كان ذهباً أيضاً. ليس ثقيلاً كالذهب، بل نقيّاً كنغمة جرس في معبد لم تدنسه الخطايا. "أنا هنا لأنني اخترت أن أكون هنا. لأن أختي، لأن أمي، لأن كل من علمني معنى القتال... علموني أيضاً معنى أن أقف. في وجه الظلام. في وجه الكذب. في وجهك."
"أختكِ؟" ضحك. ضحكته مزقت نسيج الزمكان حولهما. "أختكِ التي مت؟ أمكِ التي سقطت؟ معلماتكِ اللواتي صرن تراباً؟ الجميع يموتون، ديانا. هذا هو الدرس الوحيد. هذا هو القانون الوحيد. الموت. النهاية. الضحكة الأخيرة. وكل ما تفعلينه الآن هو تأجيل ما لا يمكن تأجيله. أنا لا أموت. لا يمكنني أن أموت. أنا الفكرة. وأفكار لا تموت."
"الأفكار تموت،" قالت، وتقدمت خطوة. الخطوة هزت شمس الموت تحت أقدامهما. "تموت حين لا يعود أحد يؤمن بها. وأنا لا أؤمن بك."
---
اندفع نحوها.
لم يكن اندفاع جسد. لم يكن اندفاع طاقة. كان اندفاع إرادة. كل ما تبقى من قوة الدكتور مانهاتن - القوة التي سرقها من جسد بروس واين البديل، القوة التي كانت يوماً تمكنه من رؤية كل زمان وكل مكان في آنٍ واحد - تجمعت في قبضته. لم تكن قبضة. كانت إبادة. كانت نهاية كل شيء تتركز في نقطة واحدة، نقطة بحجم قبضة رجل، منطلقة نحو قلب إلهة.
لكنها لم تصل.
قبضت على قبضته.
أصابعها الذهبية التفت حول قبضته، وصوت التماسهما كان كصوت جرس كوني، نغمة تردد صداها عبر مليارات السنين الضوئية. لم تتراجع. لم تنكسر. وقفت. ثبتت. نظرت في عينيه - في الزرقتين المتوهجتين اللتين كانتا يوماً عيني بروس، ثم صارتا عيني الجوكر، ثم صارتا نجومأ محترقة في وجه إله ميت - ورأى فيها شيئاً لم يتوقعه.
ليس كراهية.
ليس غضباً.
شفقة.
"أنت تتراجع،" قالت. "في أعماقك، في مكان لا تصله حتى طاقتك المسروقة، أنت تتراجع. أنت خائف. ليس مني. ليس من الموت. بل من شيء آخر. شيء لم تعترف به لنفسك أبداً."
"أنا لا أخاف شيئاً!" زأر. انفجرت الطاقة الزرقاء من جسده. انهارت أبعاد. تحطمت طبقات الواقع كزجاج. كانا الآن في الفراغ بين الأكوان، في المستنقع الميتافيزيقي الذي تفصل فيه العوالم عن بعضها. كانت طاقة مانهاتن تمكنه من رؤية كل شيء: الماضي، الحاضر، المستقبل، كل الأكوان المتوازية، كل القرارات التي لم تُتخذ، كل الطرق التي لم تُسلك. رأى نفسه منتصراً في ألف كون. رأى نفسه ميتاً في ألف كون آخر. لكنه لم يرَ نفسه... هنا. في هذا الكون. في هذه اللحظة. مع هذه الإلهة الذهبية التي تمسك بقبضته كأنها تمسك بطفل.
"أنت خائف،" كررت. "خائف من أن يكون هناك معنى."
تجمد.
"خائف من أن كل هذا - كل ألمك، كل موت والديك، كل تحولك إلى ما أنت عليه - لم يكن عبثاً. لأنك إن وجدت المعنى، فسيكون عليك أن تواجه نفسك. سيكون عليك أن تشعر. وأنت لا تريد أن تشعر. أليس هذا صحيحاً؟"
لم يجب. لم يستطع أن يجيب. لأنها كانت محقة. في أعماقه، في قاع نفسه الذي لم يجرؤ على النظر إليه منذ تلك الليلة في الزقاق، كان هناك شيء. ليس ضميراً. الضمير مات مع بروس. ليس ندماً. الندم عاطفة، والعواطف نقاط ضعف. بل سؤال. سؤال صغير، خافت، لكنه ما زال حياً. سؤال طرحه على نفسه حين رأى أمه تسقط، طرحه حين رأى أباه يسقط، طرحه حين رأى كل شيء يسقط: لماذا؟
كانت جميلة لكن لباتمان الضاحك رائ آخر
لماذا كل هذا الألم؟
لماذا كل هذا الموت؟
هل هناك سبب؟ هل هناك معنى؟
أم أن كل شيء... مجرد نكتة؟
---
"أتذكرين،" همس، وصوته الآن هادئ، "أتذكرين أول مرة تقاتلنا فيها؟ ليس أنا. بروس. بروس الحقيقي. قبل كل هذا. كنتِ تقولين له إن العنف ليس هو الطريق. كنتِ تقولين إن هناك دائماً أملاً. إن هناك دائماً خياراً آخر." ضحك. ضحكة صغيرة. ضحكة مكسورة. "كم كنتِ ساذجة. كم كنا جميعاً ساذجين. لا يوجد أمل. لا يوجد خيار آخر. يوجد فقط..."
"يوجد اختيار،" قاطعته. "في كل لحظة. في كل نفس. في كل معركة. نحن من يختار. أنت اخترت. في تلك الليلة، في ذلك الزقاق، حين رأيت الموت للمرة الأولى... اخترت. كان بإمكانك أن تختار الحياة. أن تختار أن تتذكر حبهما، لا موتهما. أن تختار أن تبني، لا أن تدمر. لكنك لم تختر. وهذا ليس قدراً. هذا ليس عبثاً. هذا اختيارك."
"اختياري؟" نظر إليها. كانت الدموع تنحدر على وجنتيه. لم يعرف إن كانت دموع حزن أم دموع ضحك. ربما كانت الاثنين. "اختياري كان أن أرى الحقيقة. الحقيقة التي تهربين منها. لا يوجد معنى. لا يوجد نظام. لا يوجد خير. لا يوجد شر. يوجد فقط... الضحك. الضحك في وجه كل شيء. لأن كل شيء مضحك. كل شيء سخيف. كل شيء..."
"كل شيء حقيقي،" قالت. "ألمك حقيقي. ألمي حقيقي. ألم كل من قتلتهم... كان حقيقياً. ليس سخيفاً. ليس مضحكاً. حقيقياً."
نظرت إليه. نظر إليها. وبينهما، دارت رحى المعركة من جديد.
---
لكنها لم تكن معركة.
بين كذبة وحقيقة. بين فراغ وملء. تحركا عبر الزمن. تحركا عبر المكان. كانا يتصارعان في قلب النجوم، على حافة الثقوب السوداء، في العوالم التي لم تولد بعد، في العوالم التي ماتت منذ دهور. كل ضربة منه كانت تمحو تاريخاً. كل صدة منها كانت تحفظ أملاً. لم يعد القتال بين خير وشر. لم يعد بين نظام وفوضى. صار القتال بين معنى وعبث. بين حب ولا مبالاة. بين من يؤمن بأن كل شيء مهم، ومن يؤمن بأن لا شيء مهم.
في لحظة ما - لم يعد يعرف متى، فالزمن صار كتلة من المعجون في يدي طفل مجنون - وجدا نفسيهما فوق الأرض. أرض ما قبل التاريخ. أرض لم تطأها قدم إنسان بعد. نظر إلى الأسفل فرأى البراكين تثور، والمحيطات تغلي، والسماء ملبدة بالغيوم السامة. ورأى شيئاً آخر: أول خلية. أول حياة. في بركة طينية صغيرة، تحت سماء معادية، كانت الحياة تحاول. كانت تصارع. كانت تختار أن تستمر.
"انظر،" قالت، مشيرة إلى البركة. "هل هذا عبث؟ هل هذا سخيف؟"
نظر. لم يجب.
"هذا هو الاختيار،" تابعت. "الاختيار الذي تتحدث عنه. الحياة تختار. دائماً تختار. ضد كل الظروف. ضد كل الاحتمالات. ضد كل الفراغ. الحياة تختار أن تحيا. ليس لأن هناك معنى. بل لأنها تصنع المعنى. في كل لحظة. في كل خلية. في كل نفس. هذا ما لم تفهمه أبداً. أنت تنظر إلى الفراغ وترى العبث. أنا أنظر إلى الفراغ وأرى الحرية. أنت ترى أن لا شيء مهم فأطلقت العنان لدمارك. أنا أرى أن لا شيء محدد مسبقاً فأختار أن أخلق. أن أحب. أن أحمي."
كان بإمكانه أن يضربها. في هذه اللحظة، بينما كانت تتحدث، كانت حارسه منخفضاً. كان بإمكانه أن يمزقها. أن ينهيها. أن يربح. لكنه لم يفعل. وقف. استمع. وللمرة الأولى منذ زمن طويل... فكر.
ثم ضحك.
"جميل،" قال. "جميل جداً. كلماتك. إيمانك. تصميمك. كله جميل. لكنه لا يغير شيئاً. لأنكِ تعرفين ما هو أسوأ شعور؟ ليس الألم. ليس الخوف. ليس حتى الموت. أسوأ شعور هو أن تدرك أن لا شيء مما تفعلينه يهم. أن كل دمعة، كل صرخة، كل تضحية... مجرد تفصيلة في قصة لا مؤلف لها. قصة تُروى لنفسها. بدون غرض. بدون نهاية. بدون معنى."
"لا،" قالت. مدت يدها. لمست وجهه. وجه الإله الذي كان يوماً رجلاً. "أسوأ شعور هو أن تكون وحيداً. وأنت وحيد. لهذا تضحك. لأن الضحك هو الصوت الوحيد الذي تسمعه. لأنك لا تستطيع تحمل الصمت. لأن الصمت يذكرك بأن لا أحد هناك. لا أحد يحبك. لا أحد ينتظرك. لا أحد يبكي عليك."
سحب يده من قبضتها. تراجع. كانت كلماتها تخترقه. ليس كالسهام. ليس كالرصاص. بل كشيء أعمق. كشيء يذكره بأمه. بابتسامتها. بصوتها وهي تقول له: "كل شيء سيكون بخير، بروس." كم من الوقت مر منذ أن فكر في أمه بدون أن يضحك؟ كم من الوقت مر منذ أن تذكر حبها بدون أن يسخر منه؟
"انتهى،" قالت. لم تكن تهدده. كانت تخبره. "ليس المعركة. ليس الحرب. بل أنت. كل ما كنتَه. كل ما بنيتَه. كل ما ظننتَه. انتهى. ليس لأنني هزمتك. بل لأنك تعرف الآن. تعرف أنك كنت مخطئاً. تعرف أن هناك معنى. هناك حب. هناك اختيار. وهذا المعرفة... هي أسوأ شعور بالنسبة لك. أليس كذلك؟"
نظر إليها. طويلاً. عميقاً. ثم أغمض عينيه.
وفتحهما.
كانتا مختلفتين. الزرقة الزرقاء التي كانت تتوهج بطاقة مانهاتن قد خفتت. صارتا مجرد عينين. عينين بشريتين. عينين متعبتين. عينين رأتا الكثير، وفعلتا الكثير، وخسرتا الكثير.
"أتعرفين،" قال، وصوته الآن صوت رجل، فقط رجل، "لطالما تساءلت... ماذا كان سيحدث لو أنني... لو أنني اخترت بشكل مختلف؟ في تلك الليلة. في ذلك الزقاق. لو أنني لم أصر باتمان. لو أنني لم أتحول. لو أنني..."
"لم يفت الأوان،" قالت. "حتى الآن. حتى هنا. يمكنك أن تختار."
صمت. نظر إلى يديه. لم تكونا يديه. كانتا يدي بروس واين. بروس الذي مات. بروس الذي قتله. بروس الذي كان يمكن أن يكون.
"لا،" قال. "لقد تأخرت جداً."
ودفعته. ليس بعنف. ليس بغضب. بل برحمة. دفعته نحو شمس الموت. نحو النهاية. نحو آخر صفحة.
---
الموت الذي لم يكتمل
الاحتراق.
لو سألته، قبل كل هذا، كيف يكون الموت، لأجاب بشيء ساخر. "الموت هو النكتة الأخيرة." "الموت هو صمت الجمهور." "الموت هو أن تدرك أن لا شيء يهم." لكن الموت - الموت الحقيقي، الموت الذي كان يعيشه الآن - لم يكن أياً من هذا.
الموت كان تذكر.
تذكر كل شيء. كل لحظة. كل اختيار. كل ضحية. كل ضحكة. لم تكن حياته تمر أمام عينيه كشريط سينمائي. كانت تنفجر في عقله. كلها دفعة واحدة. كل الألم. كل الدم. كل الوجوه. وجه أمه. وجه أبيه. وجه الجوكر. وجه بروس. وجه ديانا وهي تدفعه نحو النهاية.
كان جسده يذوب. خرجت طاقة مانهاتن الزرقاء من مسامه، من عينيه، من فمه المفتوح على صرخة لا صوت لها. الطاقة التي سرقها عادت إلى الكون. إلى حيث تنتمي. شعر وكأنه يفرغ. ليس فقط من القوة. بل من الهوية. من الذاكرة. من كل ما كان يعتقد أنه هو.
لكنه لم يمت.
شيء ما في داخله - ليس عقله، ليس جسده، ليس طاقته - رفض أن ينطفئ. كان هذا الشيء أعمق من كل الطبقات. أقدم من بروس. أقدم من الجوكر. أقدم حتى من الضحكة الأولى. كان إرادة. إرادة خالصة. إرادة لا تعرف معنى الاستسلام. إرادة تقول للعدم: لا. إرادة تشبثت بنفسها ورفضت أن تتحرر.
الاستنساخ.
الاستنساخ الاستنساخ التي كانت جوهره الحقيقي. التي لم تكن جسداً ولا طاقة ولا فكرة. التي كانت إرادة متجسدة.
كانت ما تزال هناك. في قلب الاحتراق. في قلب البياض. تنبض. تنبض. تنبض.
ثم شعر بشيء جديد. لم يكن ألماً. لم يكن حرارة. لم يكن حتى شعوراً مألوفاً. كان... سحباً. سحباً لطيفاً، ثابتاً، لا يقاوم. كأن شيئاً ما، في مكان ما، كان يناديه. ليس باسمه. ليس بصوته. بل بجوهره. كأن المرآة تنادي صورتها. كأن الظل ينادي صاحبه.
تحول البياض. صار... شيئاً آخر. لم يكن ضوءاً. لم يكن ظلاماً. كان بينهما. كان الانتقال. كان الصفحة التي تقلب بين فصلين.
ثم انفتحت عيناه.
---
لم يكن في شمس الموت. لم يكن في الفراغ بين الأكوان. لم يكن في أي مكان عرفه أو تخيله. كان في... غرفة. ممر. مساحة تمتد بلا نهاية واضحة، مليئة بالرفوف. رفوف عالية، منظمة، تمتد حتى يضيع البصر في العتمة الناعمة التي تلف السقف. على الرفوف، كانت هناك كتب. آلاف الكتب. ملايين الكتب. كتب من كل الأحجام، من كل الألوان، بأغلفة لامعة وأخرى بالية، بعناوين بحروف لاتينية وأخرى برموز لم يرها من قبل.
نظر إلى نفسه. إلى يديه. كانتا شفافتين. لم تكونا جسداً. لم تكونا طاقة. كانتا... فكرة. كان فكرة. كان وعياً بلا مادة. كان شبحاً في عالم لا يرى الأشباح.
أين كان هذا؟ ما كان هذا؟
تحرك - أو فكر في الحركة، فتحرك. طاف عبر الممر. قرأ العناوين. كانت عناوين غريبة. بعضها مألوف بشكل مؤلم. "Batman: Year One." "Detective Comics #27." "The Killing Joke." "A Death in the Family." "Dark Nights: Metal." "Dark Nights: Death Metal."
توقف. تجمد. ماذا؟
مد يده الشفافة. لمست أنامله - إن كان يمكن تسميتها أنامل - كتاباً. لم تشعر بالورق. لم تشعر بشيء مادي. لكنها شعرت بشيء آخر. طاقة. قصة. حياة. حياته. كانت حياته مسجونة في هذا الكتاب. كل لحظة. كل معركة. كل ضحكة. كل موت. كان كل شيء هنا. على هذه الرفوف. في هذه الكتب.
كان هناك المزيد. رفوف لا تنتهي. "Superman: Red Son." "Wonder Woman: Dead Earth." "Flashpoint." "Crisis on Infinite Earths." "Watchmen." "The Sandman." أسماء لم يسمع بها. عوالم لم يزرها. شخصيات لم تعرف أنه موجود. وكلها - كلها - كانت قصصاً. كوميكس. روايات. خيال.
ثم رأى شيئاً جعله يتوقف مرة أخرى. على رف منفصل، كانت هناك كتب مدرسية. كتب تاريخ. كتب علوم. "A Brief History of Time" لستيفن هوكينغ. "The Origin of Species" لتشارلز داروين. "The Republic" لأفلاطون. "The Divine Comedy" لدانتي. "The Quran." "The Bible." "The Torah."
ثم رأى شيئاً آخر. على منضدة صغيرة، كان هناك كتاب. غلافه أسود. عليه وجهه. وجه باتمان الضاحك. وعنوان بأحرف حمراء: "The Batman Who Laughs: The Deluxe Edition."
فتحه. كانت صفحاته مليئة بالرسوم. برسومه. بحواراته. بقصته. قرأ كلماته. كلمات قالها. كلمات ضحك بها. كلمات مات بها. كانت كلها هنا. مكتوبة. مرسومة. مسلّية.
وأدرك.
---
لعنة الإدراك
هناك مفهوم اسمه "الصحوة". هو اللحظة التي تدرك فيها شخصية خيالية أنها شخصية خيالية. لحظة تنكسر فيها الحدود بين الطبقات. لحظة يطل فيها الوعي من العالم المسجون إلى العالم الساجن. هذه اللحظة ليست تحرراً. إنها لعنة. لعنة أن تعرف أن كل أفعالك مرسومة. أن كل دموعك مكتوبة. أن كل حبك، كل ألمك، كل تضحياتك... مجرد تسلية. مجرد بضاعة. مجرد نكتة.
هذا ما حدث له.
كان واقفاً - طائفاً - في ممر المكتبة، يرى بأم عينيه الغلاف الذي يحمل صورته، الحوارات التي قالها، القصة التي عاشها. لم يعد يعرف إن كان قد عاشها حقاً أم أنها كُتبت له. لم يعد يعرف إن كان اختار أن يصبح ما هو عليه، أم أن مؤلفاً في مكان ما، في هذا العالم الرمادي الخالي من السحر، قرر ذلك له. هل كان شريراً لأنه أراد ذلك؟ أم لأن القصة احتاجت شريراً؟ هل كانت ضحكته ضحكته هو، أم نكتة كتبها كاتب ليضحك بها القراء؟
هذا الشك - شك الإرادة الحرة - كان أسوأ من أي ألم جسدي. كان أسوأ من الاحتراق في شمس الموت. كان أسوأ من رؤية أبويه يموتان. كان أسوأ شعور حقاً. ليس لأن الألم كان أشد. بل لأنه كان أعمق. كان شكاً في أساس وجوده. في حقيقة نفسه. في معنى كل شيء فعله أو فكر فيه أو شعر به.
.
.
لأنه أدرك شيئاً آخر، في خضم هذا الإدراك المدمر: إذا كان وعي الشخصية هو اللعنة، فهو أيضاً السلاح. إذا كان بإمكانه أن يعرف، فبإمكانه أن يتجاوز. إذا كان قد وصل، فقد وصل إلى المصدر. وإذا وصل إلى عالم آخر ماذا سيفعل ... فبإمكانه تغيير كل شيء. ليس
شعر بشيء يغلي في داخله. لم يكن غضباً. كان أعمق من الغضب. كان شعوراً بالظلم. بالخيانة. بالإهانة الوجودية. هؤلاء البشر، بضعفهم وتفاهتهم ومللهم، خلقوه. جعلوه يعاني. جعلوه يقتل. جعلوه يضحك. ثم... ثم سلوا أنفسهم بقصته. أغلقوا الكتاب. ذهبوا إلى النوم.
---
كان كتاب "Avatar: The Last Airbender" على المنضدة. فتحه. رأى عالماً. عالماً من أربعة عناصر. عالماً من أفاتار. عالم لم يرتبط بعد بعالمه. عالم منعزل، نقي، بقوانينه الخاصة. عالم مثالي للبدء. للاختبار. للغرس.
غرس الاستنساخ.
لأن الاستنساخ ما زالت معه. كانت ما تزال تنبض. في صدره الشبح، في كيانه الذي رفض الموت، كانت الغدة حية. كانت مستعدة. كانت جائعة.
"سأزرع نفسي في هذا العالم،" همس. "سأصير جزءاً منه. سأتعلم قوانينه. سأفسدها من الداخل. ثم، عندما يحين الوقت، سأعود إلى هنا. إلى صانع
رفع يده الشفافة. لمس الكتاب. شعر بالسحب مرة أخرى. السحب نحو الأسفل. نحو عالم جديد. نحو بداية جديدة.
"أنا اسمي بروس وين اقدم نفسي ،" قال، وهو يشعر بجسده يتشكل من طين عالم جديد. "أنا لاجئ. أنا لا أحد."
ثم، بصوت لا يسمعه إلا هو والغدة والأرض التي لم تعد تراه:
."
سقط.
الريح حوله تعوي. لكنها لم تكن ريح جوثام. كانت ريحاً نقية، باردة، ريح جبال لم تمسسها أقدام البشر. فتح عينيه. رأى سماء. زرقة لم يرَ مثلها حتى في لوحات عالم الجذر. زرقة بدائية. زرقة عذراء. زرقة عالم لم يُلوث بعد.
كان يهبط. ليس سقوطاً. بل هبوطاً. كأن الهواء نفسه كان يحمله. كأن هذا العالم كان يستقبله. لا يعرف أنه يستقبل طاعونه. لا يعرف أنه يفتح ذراعيه لكابوسه.
ارتطم بالأرض. تدحرج. استلقى على ظهره. كان يتنفس. كان ينبض. كان حياً. جس نبضه. قلبه كان يخفق. قلبه الحقيقي. ليس الغدة - الغدة كانت هناك، صامتة، تحت قلبه، تنتظر - بل قلب. قلب بشري. قلب يضخ دماً.
جس وجهه. الابتسامة كانت هناك. ندبة قديمة. مندملة. لكنها موجودة. كأن هذا الجسد الجديد يعرف من يكون. كأنه صُنع ليكون هو.
جلس. نظر حوله. كان على قمة جبل. أمامه، درج حجري ينحدر إلى معبد في الأسفل. سمع أصواتاً. ضحكات. ضحكات بريئة. ضحكات أطفال لم يعرفوا الألم بعد.
وقف. ترنح. خطا نحو حافة الجبل. نظر إلى العالم تحته.
"أربعة عناصر،" قال. "أربعة عناصر، وكلها بريئة."
رفع يده. تجمع الهواء حول أصابعه. ليس كعدو. ليس كأداة. كصديق. كائن واثق. لم يعرف بعد معنى أن يُخان.
"."
ثم ضحك. لكنها لم تكن ضحكته القديمة. لم تكن ضحكة الجوكر. لم تكن ضحكة باتمان الضاحك. كانت ضحكة جديدة. ضحكة رجل عرف الحقيقة كاملة. ضحكة رجل مات وولد من جديد. ضحكة رجل رأى الخالقين... وقرر أن يصير خالقاً.
وبدأ نزوله نحو المعبد.
في البعد الأعلى، في تلك المكتبة التي لا يراها أحد، في عالم الجذر الذي يستمر في دورانه غير عابئ، أغلق كتاب "The Batman Who Laughs" من تلقاء نفسه. رفرف الغلاف. استقر على الرف. لكن شيئاً ما تغير. في الصفحة الأخيرة، حيث كان من المفترض أن ينتهي كل شيء، ظهرت كلمات جديدة. كلمات لم يكتبها أي مؤلف:
"
سأجدكم.
سأجدكم جميعاً.