في وسط سلسلة من الجبال العملاقة، تقع قريتان ملتصقتان ببعضهما امامهما سهل واسع وسط الجبال كانت المساحة و سط الجبال شاسعة. اتسمت الصغرى بكونها قرية للعبيد، فقد أنشأها الحاكم لكثرتهم.

لكن عاصفة رعدية لم تميز بين منازل قرية العبيد و قرية المحاربين. ضرب البرق احد الجبل، ثم نزلت السيول الجارفة من القمة لم تميز تلك السيول بين للعبيد أو للمحاربين.

أحدثت العاصفة في القريتين خرابًا لا يمكن اصلاحه ، لكن من تواجدوا في الحواف لم يلقوا ما لقي من بالمركز.

ففي المركز، إما أن المنازل هُدمت، أو أن الجثث سُحقت بالصخور النازلة من الجبل.

في الحافة الشرقية من القرية الكبرى، وُجد منزل صُنع من الخشب والطين، ودُعم من الجوانب بالصخور. كان مثل الكوخ القديم الذي عفا عليه الزمن. لكن العاصفة والريح زادتا الضغط على هيكله، فصار قاب قوسين أو أدنى من السقوط. مال هيكله، وتسرّبت المياه إلى داخله.

نزلت قطرات الماء على طاولة قديمة من الخشب الرديء، وُضع عليها فانوس من الحديد الصدئ.

صدر منه ضوء باهت لم يتجاوز حتى المتر .

بجانب تلك الطاولة، سرير من القش الرطب بالماء والعرق، اتكأت عليه امرأة هزيلة الجسم، بارزة الوجنتين من قلة الطعام. شعرها فوضوي، كأنها لم تعرف معنى للاعتناء به. كان وجهها مشوَّهاً من كثرة الألم والعذاب الذي تشعر به. كانت ترتدي ثوبًا رماديًّا أحرش الملمس من الطين والتراب الملتصق به.

ضرب البرق بضع مرات، لكن المرات لم تكترث لأمره. أمسكت بقاعدة الطاولة بجانبها، وعضت مقبض سكين خشبي.

بدأت بالصراخ من جديد.

حاولت عدت مرات قبلا

لكن هذه المرة، خرج مولود من تحت ثوبها المتسخ.

لقد أنجبت مولودًا دخل الحياة لتوه، محاولاً الصراخَ والتنفسَ لكنه لم يستطع. لقد تقبّضت أذناه من صوت الرعد، ولسع البرد جلده، فهو لم يعد محميًّا برحم أمه.

حاولت أمه المتعبة مسح السوائل اللزجة من على جسده الصغير، وأن تحتضنه لتدفئته، فاحتضنته، مقاومةً البرد وألم الولادة حتى الرمق الأخير لإنقاذ ابنها.

مدّت يدها المرتجفة إلى الفانوس لكنها لم تستطع رفعه. لقد وصلت إلى حدودها، خارت قواها من الولادة المرهقة وقلة الأكل. ثم نزلت الدموع بغزارة من عينيها السوداوين، لقد وصلت إلى نهايتها.

وجّهت نظرها إلى السقف بابتسامة مسترخية، ثم أنزلت نظرها إلى وجه ابنها وتحدّثت بصوت مرتجف:

"أتمنى لو أبقى أكثر معك، لا، لكن هذا قدرنا. عِشْ حياةً أفضل."

أظلم بصرها، ارتخت عضلاتها، وانحنى رأسها.

ثم صارت الأم خاوية العينين، لكنها لم تفلت الطفل من حضنها رغم موتها.

استطاع المولود الصراخ أخيرًا.

استطاع التنفس، لكن البرد مزّق رئتيه من الألم، ثم حاول خفض حرارته، لكن حضن أمه الدافئ أبقاه حيًا.

في صباح اليوم التالي، هدأت العاصفة، لكن بقيت الغيوم السوداء كأنها جدار يزحف فوق الأفق، تبتلع الضوء شيئًا فشيئًا. كانت متشابكة تغطي سماء القرية والجبال التي ترتفع إلى السماء، كأنها وحوش حية.

وسط خراب العاصفة، جرى رجل بأقصى ما لديه. مرة ينزلق في المياه، ثم مرة يتعثر بالصخور، لكنه يقف مرة تلو الأخرى. كان رجلاً هزيلاً من بين العبيد.

عظامه برزت من ظهره، أضلاعه كأنها قفص طير فارغ. بطنه التصقت بظهره فكأنها لم تر غير الجوع. كان بحالة مأساوية، كأنه آخر يوم في حياته.

جرى ثم جرى، لكن رغم جريه وصل متأخرًا.

دفع الباب سريعًا ففتح، لكن المنظر أمامه جعله جامدًا.

زوجته كانت متيبسة الجسد، محتضنةً طفلاً يحاول التنفس بكل ما لديه.

اقترب الرجل من جثة زوجته، ثم مدّ يده ليداعب وجهها لكنها لم تتحرك.

رفع الطفل من بين يديها واحتضنه، فلم يبقَ له غيره في هذه الحياة.

نزلت دمعة من عينه بدون قصد.

نزع قميصه ثم لفه حول ابنه.

خرج جين من المنزل تاركًا جثة زوجته بالداخل.

نظر إلى ابنه، ثم تحرك نحو منازل المرضعات التي يعرفهن.

عبر الدمار والشوارع المبتلة والزلقة، تحرك بخطوات ثابتة لكي لا يتعثر أو ينزلق، يحمل طفله بين ذراعيه كأنما يحمل حياته كلها. كان الطفل ساكنًا أكثر من اللازم، وأنفاسه خفيفة بالكاد تُسمع.

رفع بصره عن ابنه ملاحظًا الأجواء حوله.

كانت القرية منخفضة كأنها منحنية تحت ثقل الفقر، بيوتٌ من طين وخشب مهترئة، متلاصقة حتى يكاد الجدار يختنق بجاره.

الأزقة ضيقة، مليئة بمياه الأمطار، لا تسمع فيها ضحكًا… بل أنين حياة ثقيلة.

لا شيء في المكان يوحي بالراحة؛ حتى الهواء بدا وكأنه مرهق، الوجوه شاحبة، العيون مطفأة، كأن كل واحد منهم يحمل قصة ألم لا تُروى.

نظر حوله بعينين مضطربتين، لكي يميز ما محته العاصفة.

اقترب من أول باب، طرقه بتردد: "هل من امرأة ترضعه؟… أرجوكم."

أغلق الباب في وجهه.

أغلق فمه واتجه نحو منزل آخر، مرفوضًا من منزل، متجهًا نحو آخر.

فاض به الكيل من عدم اهتمامهم، لكنه بحث بين المنازل.

طرق ولكن بصوت أعلى، هذه المرة فُتح قليلاً ثم أُغلق في وجهه. فصرخ غين من شدة القهر:

"أرجوكم… لم يبق لي غيره."

ساد الصمت لحظة.

جاء صوت من أحد المنازل:

أرني إياه.

أدار جين رأسه بسرعة نحو مصدر الصوت، وتحرك بثبات لتفادي الانزلاق، وازن نفسه فرأى منزلاً على بعد سبعين قدمًا.

تحدثت امرأة من داخله في الثلاثين من عمرها، ترتدي ثوبًا بنفسجياً بهت لونه من كثرة الغسل، واسعًا يغطي من كتفيها حتى قدميها، ومبللاً من أسفل القدمين. كانت عابسة الوجه من احتمالية غدر الرجل بها أو تهجّمه عليها. بجانب قدمها طفل في سن الرابعة من عمره، لم يرتدِ ما يقيه من البرد سوى قميص صُنع معظمه من بقايا ثياب العبيد التي بلت من كثرة الاستخدام.

وصل حين أمامها فنقل لها الطفل بلطف.

دخلت المنزل وأغلقت الباب ورائها لكي لا يدخل أو يتهجم عليها. ماذا قد تتوقعه من قرية العبيد، التي قهرها الجوع والبؤس؟

نظر جين نحو الباب لمدة

ثم عاد إلي منزله.

2026/04/24 · 8 مشاهدة · 853 كلمة
نادي الروايات - 2026