كان جين واقفًا عند حافة القبر بصمتٍ أثقل من الكلام.
التراب بين أصابعه المرتجفة بدا أثمن من أن يُلقى، ومع ذلك فتح كفه ببطء، وتركه يسقط فوق الجسد المسجّى في الحفرة الضيقة.
صدر صوت خافت.
صوت صغير… لكنه بدا له آخر وداع في العالم.
ثبت نظره على التراب طويلًا، كأنه ينتظر منها أن تنهض وتوبخه على تأخره، أو أن تضحك تلك الضحكة القصيرة التي كانت تسبق غضبها.
لكن القبر لا يعيد أحدًا.
شحبت ملامحه أكثر، وغاصت عيناه في فراغ لم يعرف كيف يملؤه. كان يشعر كأنه لا يدفن زوجته وحدها، بل يدفن السنوات القليلة التي استطاع فيها أن ينسى أنه عبد.
تزاحمت الذكريات في رأسه دون رحمة.
صوتها وهي تناديه آخر النهار. يديها وهي تقسم الخبز اليابس بينهما بالتساوي رغم جوعها. نظرتها حين كانت تتظاهر بأن الغد سيكون أفضل.
الآن، لم يبقَ من كل ذلك سوى قبر.
لم يبكِ.
كان حزنه أعمق من البكاء.
ظهر في انحناءة كتفيه، وفي الطريقة التي صار بها أكبر من عمره دفعة واحدة.
ومع آخر حفنة تراب، فهم أن الحياة التي عرفها انتهت.
أدار رأسه نحو مخرج المقبرة.
ثم مشى.
جلس جين أمام كوخ مهترئ في طرف القرية، ذلك الكوخ الذي لجأت إليه هانا، المرأة التي أنقذت طفله الليلة الماضية.
كان الباب مغلقًا، والنوافذ مسدودة بألواح خشبية قديمة.
في حضنه، الرضيع ملفوف بما تبقى من قميصه.
حدّق جين في الخراب الممتد أمامه.
الطين غطى الأزقة. بعض الجدران انهارت. سقوف كثيرة اقتلعتها العاصفة. والناس، كعادتهم، عادوا إلى العمل قبل أن يلتئم الجرح.
فكر في سؤال واحد فقط:
ماذا لو رفضت هانا إرضاعه غدًا؟
شد الطفل إلى صدره أكثر.
لم يرد له أن يكبر عبدًا كما كبر هو. لم يرد له أن يحمل الصخور، أو يحفر في المناجم، أو ينحني كلما مرّ محارب.
أراده أن يكون شيئًا يفخر به.
لكن الرغبات في هذه القرية لا تساوي شيئًا.
فكر بالهرب.
ثم ضحك في داخله من سذاجته.
الهاربون إن أُمسكوا يعودون بلا أقدام… إن عادوا أصلًا.
كل شيء هنا ملك للسادة.
الأرض، الطعام، العمل… وحتى أنفاس العبيد.
كان أهل القرية يعملون في نقل صناديق المعادن، أو الحفر في الجبال، أو جر العربات الثقيلة. يُنظر إليهم كما تُنظر الدواب، وربما أسوأ.
رفع رأسه نحو القرية العليا، حيث بيوت المحاربين الحجرية تلمع رغم الوحل.
وهناك… يقيمون هم.
النسّاجون.
لم يعرف جين يومًا لماذا سُمّوا بهذا الاسم، لكنه تخيلهم منذ صغره كمن يحركون خيوطًا لا يراها أحد.
رجال ونساء تجاوزوا حدود البشر.
رأى أحدهم مرة يرفع رجلًا من عنقه دون أن يلمسه. ورأى آخر يشطر صخرة بكف واحدة.
في هذا العالم، يمكن لأقوى رجل عادي أن يُقتل على يد أضعف ناسج.
وكان حاكم القرية واحدًا منهم.
جاء قبل سنوات من العدم، مع مجموعة من المحاربين. قاومه الحاكم القديم ورجاله… فذُبحوا في يوم واحد.
ومنذ ذلك الحين، صار الأحرار عبيدًا.
لم تنفعهم تحالفاتهم مع القرى المجاورة، ولا صراخهم، ولا توسلاتهم.
اختفى الجميع عندما ظهر الأقوى.
كما يحدث دائمًا.
بينما كان غارقًا في أفكاره، انفتح الباب فجأة.
تجمد جين.
وضعت هانا الطفل أمام العتبة، ثم عادت إلى الداخل دون كلمة، وأغلقت الباب بسرعة.
رفع الرضيع فورًا إلى صدره.
كان لا يزال حيًا.
تنفس جين بارتجاف، ثم انحنى أمام الباب.
“أنا ممتن لكِ… من أعماقي.”
لم يرفع رأسه.
“أنقذتِ ابني. سأرد هذا المعروف يومًا.”
لم يجبه أحد.
تردد، ثم قال بصوت أخفض:
“من فضلك… هل يمكنك إرضاعه؟ لا أملك شيئًا، لكني سأفعل أي شيء.”
جاء صوتها من خلف الباب، باردًا كخشب الشتاء:
“طفلك ليس مسؤوليتي.”
شعر بشيء ينكسر في صدره.
لكنها تابعت بعد لحظة:
“إن أردت مني إرضاعه… فادفع.”
رفع رأسه فورًا.
“ماذا تريدين؟”
“طعامًا لي ولابني.”
سكتت قليلًا، ثم أضافت:
“وجزءًا من الثوب الملفوف حوله.”
نظر إلى القماش.
كان آخر ما يملكه.
بل آخر ما تبقى منه.
قال بلا تردد:
“موافق.”
ساد صمت قصير.
ثم سألت:
“ما اسمه؟”
فتح فمه… ثم أغلقه.
لم يفكر في اسم.
منذ ولادته، كان كل همه أن يبقيه حيًا ساعة أخرى فقط.
نظر إلى وجه الطفل الشاحب، الساكن أكثر مما ينبغي، وكأن الحياة لم تقرر بعد إن كانت ستبقيه.
قال أخيرًا:
“لم أسمّه بعد.”
ثم سأل بسرعة:
“متى أعيده؟”
أجابته:
“بعد ساعتين.”
تردد، ثم قال:
“هل يمكنني تركه عندك؟”
هذه المرة طال الصمت.
ثم جاء الرد:
“يمكنك.”
وشعر جين لأول مرة منذ يومين بأن ركبتيه ستسقطان من الراحة.
لكن صوتها عاد، أكثر قسوة:
“إن تأخرت بالطعام… سأضعه خارج الباب.”
أغلق عينيه.
ثم قال:
“لن أتأخر.”
بعد دقائق، كان جين يسير نحو ساحة العمل.
يداه فارغتان.
ظهره منحني.
وبطنه خاوية.
لكنه للمرة الأولى منذ موت زوجته… كان يحمل هدفًا.
في القرية التي يُباع فيها كل شيء…
حتى الحليب له ثمن.