في كوخٍ متواضع بُني من بقايا الخشب والطين، جلست هانا قرب الموقد الصغير الذي بالكاد قاوم برد الصباح. كانت النار ضعيفة، تتراقص مثل روح متعبة، لا تمنح إلا دفئًا قليلًا ودخانًا كثيرًا. سقف المنزل المنخفض تسللت منه خيوط ضوء شاحبة، بينما الريح تعوي من الشقوق كأنها ترفض أن تترك هذا المكان بسلام.
ارتدت هانا ثوبًا بنيًا باهت اللون، أكلته السنوات والغسل المتكرر حتى كاد يفقد القدرة على ستر ما يستر. كانت امرأة في منتصف الثلاثين، وجهها قاسٍ في نظر الغرباء، لكنه يلين فورًا حين تنظر إلى من تعتبرهم أهلها.
إلى جوارها جلس طفل لم يبلغ خصرها بعد.
شعره أسود قصير، غير مرتب كما لو أنه قاوم المشط ورفضه. عيناه سوداوان جميلتان، لكن النظرة فيهما لم تكن لطفل عادي. كانت حادة، ساكنة، تقيس الأشياء أكثر مما تنظر إليها.
اسمه مارا.
كان في التاسعة من عمره.
وهو لا يتذكر شيئًا عن اليوم الذي وُلد فيه، ولا عن المرأة التي أنجبته، ولا الرجل الذي حمله بين يديه في آخر مرة.
كل ما يعرفه أن هانا أخبرته، حين صار قادرًا على الفهم، أن أمه ماتت في عاصفة، وأن أباه قُتل وهو عائد يحمل الطعام، عندما كان مارا في عامه الثاني.
لم يبكِ يومها.
فقد كان صغيرًا جدًا ليعرف معنى الفقد.
لكن مع مرور السنين، صار يفهم أن بعض الأطفال يملكون ذكريات… وهو لا يملك شيئًا.
ولهذا، حين كانت هانا تضع يدها على رأسه، كان يسكت فورًا.
حين تناديه لتناول الطعام، يسرع.
وحين تمرض، يجلس قربها بلا طلب.
لقد صارت أمًا حقيقية له، حتى لو لم تلده.
رفع مارا قطعة خبز يابس، تأملها قليلًا، ثم كسرها نصفين ووضع أحد النصفين قرب ابنها الأكبر.
قالت هانا دون أن تنظر إليه:
“كل نصيبك.”
رد بهدوء:
“أكلتُ أمس أكثر.”
كانت كذبة واضحة.
لكنها لم تعلّق.
أما ليون، فخطف النصف بسرعة والتهمه كما لو أنه يخشى أن يغير أحدهم رأيه.
كان في الرابعة عشرة، أطول من مارا بكثير، نحيلًا مثل ذئب شاب. بشرته سمراء، وعيناه حادتان. تعلم منذ صغره أن الجوع أسرع معلم في هذا العالم.
قال ليون وهو يمسح فمه:
“سأخرج.”
نظرت إليه هانا ببرود:
“عد قبل الغروب.”
“إن وجدت شيئًا سأعود قبله.”
ثم نظر إلى مارا.
“وأنت، لا تخرج.”
تحدث مارا بجدية لا تناسب عمره:
“أنا لست رضيعًا.”
ابتسم ليون بسخرية:
“لهذا السبب بالذات لن تخرج.”
فتح الباب وغادر.
تابعه مارا بعينيه حتى اختفى.
ثم قال بعد لحظة:
“هو يسرق مجددًا.”
أجابت هانا وهي تضيف قطعة خشب للنار:
“هو يعيش.”
في أزقة قرية العبيد، تحرك ليون بحذر.
الطين غطى الطريق بعد العاصفة الأخيرة، والمياه الراكدة حملت معها رائحة القذارة والصدأ والجوع. البيوت متلاصقة، مائلة، بعضها يستند على بعض كي لا يسقط.
رجال هزيلون جلسوا قرب الجدران بلا هدف.
نساء يحملن أوعية فارغة.
أطفال يركضون حفاة، يتشاجرون على كسرة خبز.
كل شيء في القرية يوحي أن الحياة هنا لا تُعاش… بل تُحتمل.
وصل ليون إلى السوق الأكبر.
لم يكن سوقًا حقيقيًا، بل شارعًا عريضًا تكدست فيه أكشاك خشبية مائلة، يبيع أصحابها الخبز الأسود، اللحم اليابس، أدوات مكسورة، ملابس مرقعة، وأشياء لا يعرف أحد لماذا ما زالت تُباع.
تحرك بين الناس كظل.
عيناه لا تبحثان عن الطعام فقط، بل عن الزاوية العمياء، عن لحظة انشغال، عن يد بعيدة، عن تاجر غاضب بطيء.
فكر وهو يمر قرب كشك:
إن أُمسكت… سأُضرب.
إن لم أسرق… سأجوع.
وكان الجوع أكثر يقينًا من الضرب.
رأى أرغفة خبز موضوعة قرب طرف الطاولة.
اقترب ببطء.
مد يده ثم تجمد في آخر الشارع، ظهروا.
رجال مدرعون، يسيرون بثبات لا يشبه مشي أهل القرية. على ظهورهم سيوف، وعلى ملابسهم بقع دم لم تُغسل. خلفهم عربتان خشبيتان محملتان بجثث حيوانات مقطوعة الرؤوس، يتسرب الدم منها قطرة بعد قطرة.
الصيادون.
انخفضت رؤوس التجار فورًا.
اختفى المارة إلى الجوانب.
حتى الكلاب ابتعدت.
تراجع ليون بسرعة إلى زقاق جانبي، وانحنى خلف جدار مكسور، يراقب من شق ضيق.
في المقدمة سار قائدهم.
رجل ضخم كأن كتفيه صُنعا لحمل باب قلعة. شعره الأسود مربوط للخلف، ولحيته كثيفة فوضوية. ارتدى جلدًا سميكًا مع واقيات حديدية، وعلى ظهره سيف عملاق يكفي لقتل حصان.
لم يكن ينظر يمينًا أو يسارًا.
كان يمشي كمن يعرف أن أحدًا لن يجرؤ على منعه.
توقف فجأة.
اقترب منه رجلان من مجموعته.
قال بصوت خالٍ من المشاعر:
“ابدؤوا مهمتكم"
أومآ بطاعة.
ثم انفصلا عن المجموعة ودخلا أحد الأزقة.
أكمل البقية طريقهم نحو قرية فيلروك.
شعر ليون بقشعريرة.
المهمة؟
أي مهمة تحتاج صيادين؟
تردد.
لكنه لم يتبعهما
وصلا إلى منزل في جنوب القرية.
طرق أحدهما الباب بقبضته.
لم يُفتح.
ركله الثاني.
اهتز المنزل كله.
فتح رجل هزيل الباب بوجه أحمر من الغضب، لكنه ما إن رأى لباس الصيادين حتى شحب وانحنى فورًا.
“أنا… أعتذر يا سيدي، ظننت أن—”
قاطعه أحدهما:
“هل لديك أطفال بلغوا السن؟”
ارتجف الرجل.
“نعم… بعضهم.”
“خذنا إليهم.”
أغلق الرجل الباب خلفه، ومشى أمامهما مطأطئ الرأس.
كان كمن يقود الذئاب إلى بيته.
بعد دقائق توقفوا أمام منزل آخر.
رفع الرجل المرتجف يده ليشرح من يسكن فيه.
لكن الصياد لم ينتظر.
ركل الباب.
انفتح بعنف.
في الداخل، كانت امرأة قرب النار، وبجانبها طفل في العاشرة تقريبًا. وفي الزاوية جلس الأب.
رفع الأب رأسه، ثم نهض فورًا حين رأى الدخلاء.
قبض يده تم تحرك خطوة فضُرب في عنقه بغصن رفيع من الرجل الثاني.
سقط فاقد الوعي.
صرخت الأم من الخوف فأمسكها الآخر من شعرها، ثم دفعها أرضًا وبدأ يضربها حتى أغمي عليها.
وقف الطفل متجمدًا.
ثم اندفع صارخًا نحو الرجل الأقرب.
تلقّى لكمة في وجهه أسقطته.
بكى من الألم و محاولا النهوض.
لكن ركله أحدهم فعاد أرضًا.
نظر الصياد الأول إليه بلا اهتمام، ثم أمسك سيفه من الخصر.
اقترب.
الطفل ارتجف.
أغلق عينيه.
رفع الصياد السيف.
وفي تلك اللحظة…
تغيّر شيء.
خلف المشهد الذي يراه الناس، وفي طبقة خفية من العالم، ظهر خيط فضي باهت، رفيع كالشعرة،
تحرك الخيط فلامس نصل السيف لمسة واحدة.
ارتدّ.
نزل السيف.
لكنه أخطأ العنق تمامًا، وضرب الأرض بجانب رأس الطفل.
فتح الطفل عينيه بصدمة.
أما الصياد… فتوقف.
نظر إلى السيف.
ثم إلى الطفل ثم أعاده إلى غمده استدار وخرج.
فتبعه الآخر بسرعة.
في الخارج، سأله رفيقه:
“لماذا لم تقتله؟”
أجاب بلا مبالاة:
“قد يصبح مثلنا يومًا.”