خرج الرجلان يتقدمان نحو العبد الواشي، ذلك الرجل الذي باع أبناء جلدته مقابل ساق حيوان لا تكفيه أسبوعًا، وربما لا يعيش أصلًا حتى ينهيها.
ما إن رآهما يخرجان دون طفل، حتى اجتاحه خوف بارد كالموت. أدرك أن فشله قد يُكلّفه حياته. حاول أن يتكلم بأي شيء، أي شيء قد يخفف غضبهما.
قال بصوت مرتجف:
“هل… هل كان هو الطفل المطلوب؟”
لم يجبه الصيادان.
لكن النظرة الجامدة على وجهيهما كانت أبلغ من أي جواب.
شحُب لون العبد، وبدأ يسير أمامهما مسرعًا. انتقلوا من منزل إلى آخر، يقتحمون الأبواب ويغادرون خاليي الوفاض. بلغ عدد البيوت التي زاروها ستة، ولم يجدوا ما يبحثون عنه.
هذه المرة، نفد صبر أحدهما.
قال بصوت بارد، هادئ على نحوٍ أشد رعبًا من الصراخ:
“المرة القادمة… سنأخذ أحد أصابعك.”
نزلت الكلمات على أذن العبد كهدير وحش يقترب من فريسته.
ارتبك الرجل، ثم اندفع ينظر يمينًا ويسارًا بعينين زائغتين. البيوت تشابهت أمامه من شدة الذعر، لكنّه أجبر نفسه على التماسك، وبدأ يستعيد أسماء العائلات وأعمار أطفالها.
ثم جرى نحو جهة يعرفها.
توقف أمام كوخ من الخشب العتيق، سُدت فتحاته بالحجارة والطين، وكأن أصحابه حاولوا سد الفقر نفسه.
انحنى واضعًا يديه على ركبتيه، يلهث بشدة، ثم قال:
“أعتقد… أعتقد أن أبناء هذه المرأة يلبّيان المعايير… يا سيدَي، أقسم أنني بذلت كل ما لدي.”
لم يلتفتا إليه.
وتوجها نحو الباب.
داخل منزل هانا
كانت هانا تجلس أمام طاولة خشبية صغيرة، تراقب مارا وهو يأكل حصته بنهم، كأنه لم يذق طعامًا منذ يوم كامل.
على الطاولة قطع من الخبز اليابس، وثلاثة أطباق صغيرة من البطاطا المسلوقة بلا ملح ولا زيت.
كانت تبتسم له بصمت، وكأن هذا الطفل وحده ما أبقاها متماسكة أمام قسوة الدنيا.
كلما سقطت لقمة من طبقه، انحنت والتقطتها، ثم أعادتها إليه.
في هذا البيت، لا شيء يُهدر.
مر الوقت سريعًا.
وحين رأت أن ليون لم يعد بعد، أخذت حصته ووضعتها في القدر الأسود قرب الموقد حتى تبقى دافئة.
نهضت بعد ذلك لتعيد ترتيب الأواني.
ثم فجأة…
انفجر الباب إلى الداخل.
تطاير الخشب، واهتز الكوخ كله.
ارتدت هانا إلى الخلف، وتجمد الدم في عروقها.
دخل رجل ضخم الجسد، عريض الكتفين، بارز العضلات، يسير إلى الداخل كما لو كان يدخل ملكه الخاص.
ومن لا يعرفهم، فهم غزاة هذه القرية ومستعبدوها…
النسّاجون.
ثبت الرجل نظره على مارا لحظات.
ثم حوّل عينيه إلى هانا.
كان يحمل غصنًا رفيعًا.
حرّك يده فقط.
انطلق الغصن كالسهم، ومر بجانب عنقها، شاقًا الجلد ومرسومًا خطًا دمويًا رفيعًا.
تجمدت في مكانها.
الخوف سلبها حتى القدرة على الصراخ.
اقترب الرجل خطوة.
ثم أخرى.
وفجأة…
انفجرت قبضته في وجهها.
طار جسدها إلى الخلف، وارتطم بالجدار بقوة أسقطتها فاقدة الوعي.
لكن بعد ثلاث أنفاس فقط، استعادت وعيها قسرًا.
الألم وحده أعادها.
حاولت التحرك…
فلم تستطع.
رأى مارا ما حدث.
فاندفع نحوها دون تفكير.
لكنه لم يكن سوى طفل في التاسعة.
رفع الصياد قدمه قليلًا.
وفي اللحظة التالية، ارتطم جسد مارا بها.
طار الطفل نحو الجدار، وسُمع صوت كسر خافت من جانبه الأيمن.
اختنق الهواء في صدره.
فتح فمه ليصرخ…
فسعل دمًا.
ثم أظلم كل شيء.
استفاق بالقوة.
ليس رحمةً…
بل ليشعر بالألم كاملًا.
حاول أن يتنفس، لكن كل شهيق كان كطعنة جديدة. سعل مجددًا، وخرج الدم من فمه.
إحدى أضلاعه المكسورة اخترقت رئته اليمنى.
كان جسده كله يطلب الإغماء.
لكن شيئًا ما أبقاه واعيًا.
وفي الجانب الآخر من الغرفة، كان الصياد قد بدأ ينزف من أنفه.
مسح الدم بيده.
ثم سال أكثر.
راقبه الرجل الآخر وقال بصوت بارد:
“توقف… لقد بلغت حدودك.”
لم يرد.
بل اتجه إلى هانا.
أمسكها من ثوبها ورفعها نصف واقفة.
ثم بدأ يلكم وجهها.
مرة.
ثم مرة.
ثم مرة أخرى.
حين رأى مارا المرأة التي ربّته تُسحق أمامه، حاول الصراخ.
خرج صوت مكسور.
“أر… ج…”
ثم غرق في سعال دموي.
استمرت اللكمات.
بدأت أسنان هانا تتناثر على الأرض.
تورمت عيناها.
تمزقت شفتاها.
ومارا لا يستطيع حتى الزحف.
في تلك اللحظة، انفجر شيء داخله.
ماتت أمه يوم وُلد.
ومات أبوه قبل أن يعرف ملامحه.
والآن…
ستُنتزع منه المرأة الوحيدة التي منحته معنى الأسرة.
لماذا؟
ما ذنبه؟
هل وُلد فقط ليخسر؟
ألقى الصياد بهانا على الأرض كما يُلقى كيس ممزق.
ثم استدار نحو مارا.
مسح الدم عن أنفه.
وأخرج سيفه ببطء.
لمع النصل في ضوء الموقد الضعيف.
رفع السيف.
ثم هوى به نحو عنق الطفل.
رأى مارا الموت ينزل عليه.
وفي تلك اللحظة…
اخترق احساس وعيه.
لم يأتِ من الفم.
ولا من الغرفة.
ولا من الرجلين.
خرجت من مكان أعمق من الفكر.
أعمق من الخوف.
تحرّك.
شعر أن جسده فهم ما يجب فعله قبل عقله.
أراد الحركة…
لكن رئته ممزقة، وجانبه محطم، والغثيان يملأ رأسه.
ومع ذلك…
تمسك بالهمسة كما يتمسك الغريق بخشبة.
“إن اتبعتها… قد أعيش.”
جمع كل ما بقي فيه من قوة.
ودفع جسده المكسور إلى الجانب.
في اللحظة نفسها، انزلقت قدم الصياد على الدم المنتشر فوق الأرض.
مر النصل بجانب عنقه، وشق ذراعه فقط.
صرخ مارا من الألم.
لكنه بقي حيًا.
اتسعت عينا الصياد الثاني.
ثم ظهرت على وجهه ابتسامة نادرة.
وقال في نفسه:
“اللعنة… كاد يقتله بالخطأ.”
أما صاحب السيف، فسقط على ركبة واحدة، متكئًا على نصله.
الدم ينزل من أنفه بغزارة الآن.
مد الآخر يده ليساعده.
رفضها.
أجبر نفسه على الوقوف، ثم ترنح نحو القدر الأسود.
رفع غطاءه.
وأكل كل ما فيه بيديه، كمن يحاول إخماد نار داخلية تحرقه.
استفاقت هانا ثانية.
الألم وحده أيقظها.
لم تستطع الرؤية.
العالم كله صار أحمر.
فمها امتلأ بطعم الحديد والدم.
رفعت يدها المرتجفة إلى وجهها.
كان مشوهًا.
ملطخًا.
غريبًا عنها.
ثم سمعت صوته البارد:
“هذا… ثمن الوجبة.”
حاولت الكلام.
لكن فمها الممزق خانها.
لم يخرج سوى أنين خافت.
اتجه الصياد المنهك نحو الباب.
أما الآخر، فانحنى، وأمسك مارا من ثوبه كما يُحمل غرض لا قيمة له.
تدلت أطراف الطفل بلا مقاومة.
رفع مارا عينه نصف المفتوحة.
رأى هانا ملقاة على الأرض.
أراد أن يمد يده نحوها.
لم يستطع.
خرج الرجلان.
وأغلق الباب خلفهما.
وبقي المنزل محطمًا…
والنار تموت ببطء…
والمرأة المكسورة تزحف على الدم