خرج الرجلان من المنزل الذي اقتحماه، وخلفهما سكون ثقيل كأن الجدران نفسها شهدت ما حدث وابتلعت صراخ الضحية.

أمام الباب، كان العبد الواشي جالسًا على الأرض، ظهره منحني ويداه ترتجفان. إصبعان من أصابعه قد قُطعا، وقد لُفَّ الجرح بقطعة قماش متسخة، تشبعت بالدم حتى اسودّ لونها.

كان وجهه شاحبًا، وعيناه غارقتين في ألمٍ لم يجرؤ حتى على التعبير عنه.

رفع رأسه حين لمح الصيادين، وحين رأى الطفل الجديد معهما، ارتسمت على شفتيه ابتسامة باهتة، مشوهة، كأنها لا تنتمي إلى وجهه.

بجانبه، كان طفلان ممددين على الأرض، لا حراك فيهما، وقد أنهكهما الضرب حتى فقدا الوعي.

نهظ العبد من مكانه، وقال بصوت متردد:

“سيداي… هل حصلتما على طفلٍ آخر؟”

توقّف أحد الصيادين لحظة، ورمقه بنظرة احتقار باردة، ثم أشاح بوجهه وكأنه ينظر إلى شيء لا يستحق الانتباه. حمل الطفلين على كتفيه ومضى دون أن يجيبه.

أما الآخر، فتنهد وقال:

“هل نكتفي بهؤلاء الأطفال؟”

ردّ الأول بصوت مرهق:

“هذا يكفي لليوم. القائد سيكافئنا عليهم… والباقي، سيجد لهم غيرنا. علينا فقط أن نسلّمهم أحياء… أو قريبًا من ذلك.”

ساد صمت قصير، قطعه تأوه خافت من أحد الأطفال.

العبد، الذي كان يراقبهم، جمع شجاعته مرة أخرى وقال:

“س… سيدي، هل أنتم راضون عن عملي اليوم؟”

توقف الرجل الذي في الخلف، والتفت إليه.

ولأول مرة، ظهرت على وجهه ابتسامة خفيفة… لكنها لم تكن دافئة.

“نعم. أحسنت. تعال معنا… لتأخذ أجرك.”

اتسعت عينا العبد بفرحٍ طفولي، وتحرك بصعوبة، متجاهلًا الألم الذي ينهش يده. تبعهم بخطوات متعثرة، وكأن ما خسره لم يكن سوى تفصيل بسيط.

وصلوا إلى بوابة القرية الداخلية.

كانت بوابة ضخمة، يحيط بها حراس بوجوه قاسية، محفورة بندوب قديمة، وكأن القتال لم يترك جزءًا منهم دون أثر.

أشار الصياد إلى العبد وقال ببرود:

“أعطوه أجره.”

ابتسم أحد الحراس، ابتسامة واسعة لم تصل إلى عينيه.

“بكل سرور.”

اقترب من العبد ببطء، خطواته ثقيلة، مدروسة.

العبد لم يتحرك. لم يشك لحظة.

كان ينتظر مكافأته.

في لحظة واحدة، لمع نصل السيف.

ثم…

غُرس في بطنه.

شهق العبد، وتجمد جسده، وعيناه اتسعتا بذهول.

نظر إلى الدم الذي بدأ ينساب دافئًا على ملابسه، وكأنه لا يفهم ما يحدث.

رفع رأسه بصعوبة، وحدق في الصيادين اللذين دخلا من البوابة دون أن يلتفتا إليه.

خرجت منه كلمة واحدة، مكسورة:

“لماذا…؟”

لم يجباه.

لكن الحارس اقترب منه، وانحنى قليلًا حتى أصبح وجهه قريبًا من وجهه المرتجف، وقال بابتسامة باردة:

“لأنك واشٍ… وخائن.

ولا يوجد ما هو أحقر من عبدٍ خان أهله ليُرضي أسياده.”

ارتجف العبد، وصوته انكسر:

“لكن… أنا… أطعتكم… فعلت كل شيء… من أجلكم…”

غاص السيف أعمق.

“اصمت.”

انطفأ صوته…

وسقط جسده بلا حراك.

في الداخل، تابع الصيادان سيرهما وكأن شيئًا لم يحدث.

قال الصياد المتعب كان اسمه اندل:

“فارغوس… هل ترى ما نفعله صوابًا؟”

نظر إليه فارغوس، حاجباه معقودان.

“أي جزء تقصد؟ ضرب العائلات؟ خطف الأطفال؟ أم قتل من يعترض؟”

“كل ذلك.”

صمت فارغوس لحظة، ثم قال:

“لا أعرف إن كان صوابًا… لكنني أعرف أنه ليس خياري.

أنا فقط أنفذ الأوامر. لو لم يأمرنا القائد… لما فعلت شيئًا.”

خفض اندل رأسه، وكانت الأفكار تضرب داخله بلا توقف، لكنه لم يجد ما يقوله.

“فهمت…”

توقفا أمام منزل طبيب.

طرق فارغوس الباب، ففتح شيخ مسن، يستند على عكاز خشبي، وعيناه حادتان رغم عمره.

نظر إلى الأطفال دون سؤال، ثم قال بهدوء:

“ضعوهم على السرير… وثبّتوا أطرافهم.”

بعد وقت غير معلوم…

فتح مارا عينيه ببطء.

الألم في صدره كان كالنار، ينتشر مع كل نفس. حاول أن يتكلم، لكن صوته اختنق قبل أن يخرج.

جاء صوت الشيخ من جانبه:

“لا تتكلم. إن فعلت… قد تختنق.”

لكن مارا، رغم الألم، حاول:

“أين… أنا…؟”

فجأة، اشتد الألم، وكأن شيئًا يخنق صدره من الداخل.

قال الشيخ بحدة:

“قلت لك لا تتكلم!

إن أردت أن تعيش… فاصمت.”

أغمض مارا عينيه، مستسلمًا.

مرّ اليوم الأول… ثم الثاني…

بدأ يرى ما حوله بوضوح أكبر.

الجرحى يملؤون المكان.

وجوه قاسية… عيون مخيفة… أشخاص كانت أمه تحذّره دائمًا من الاقتراب منهم.

تسلل الخوف إلى قلبه.

“أمي… كيف حالها الآن؟ هل ما زالت حيّة؟”

في اليوم الثالث، تحول الخوف إلى غضب.

“لماذا ضربوها؟ لم تفعل شيئًا… لو أرادوني، كنت سأذهب…”

اشتد غضبه، حتى صار الألم في صدره أقل وطأة من النار التي في داخله.

في اليوم الخامس، استطاع أخيرًا أن يتكلم.

“أيها السيد… أين أنا؟”

جلس الشيخ بجانبه، ونظر إليه طويلًا، ثم قال:

“أنت في المكان الذي يُعاد فيه تشكيل أمثالك.”

اتسعت عينا مارا.

لم يكن يتخيل يومًا أنه سيدخل هذا المكان.

سأل بصوت ضعيف:

“لماذا أحضروني هنا؟”

أجاب الشيخ:

“ليجعلوا منك شيئًا آخر…

جنديًا.”

صمت مارا، ثم قال:

“لكن… لماذا أنا؟”

هزّ الشيخ كتفيه:

“لا معاييرهم…

لكنهم دائمًا يختارون من يشبهك.

2026/04/25 · 1 مشاهدة · 718 كلمة
نادي الروايات - 2026