مرّ أسبوعان منذ الحوار الذي دار بين مارا والطبيب، لكنهما لم يكونا مجرد أيام عابرة؛ بل شكّلا نقطة تحوّل حقيقية أعادت صياغة نظرة مارا إلى العالم من حوله.
لم تعد القرية في عينيه كما كانت سابقًا، ولم يعد يراها مجرد مكان يعيش فيه المحاربون حياتهم اليومية، بل كيانًا معقّدًا تحكمه قوانين خفية لا تُكتب ولا تُناقش، وإنما تُفرض بالقوة ويُحافَظ عليها بالخوف.
ومع مرور الأيام، بدأ مارا يدرك أن البقاء في هذه القرية لا يعتمد على الشجاعة أو القوة الجسدية وحدهما، بل على فهم السلطة: من يملكها، وكيف تُدار، ولأي غاية تُستخدم. ففي مكان كهذا، لا يعني الجهل سوى الهلاك.
وكان الخطأ الواحد لا يكلّف صاحبه حياته فقط، بل قد يمتد ثمنه إلى كل من يرتبط به. ولهذا تغيّر معنى الخوف في ذهن مارا؛ فلم يعد يراه ضعفًا كما كان يظن، بل أداة ذكية يستخدمها أصحاب النفوذ لإبقاء الجميع تحت السيطرة، من دون حاجة إلى القتال في كل مرة.
وفي قلب هذه المنظومة المظلمة، برز اسم واحد يختصر كل شيء؛ اسم يكفي وحده لإخماد أي رغبة في التمرّد قبل أن تولد: دراكو المشتعل .
لم يكن مجرد رجل يجلس على عرش، بل كان رمزًا حيًّا للقوة المطلقة والعنف غير المحدود. لم يؤمن بالحوار يومًا، ولم يعترف بأي صورة من صور الرحمة، بل واجه كل مشكلة بالطريقة الوحيدة التي يعرفها: القوة. حتى غدت النار امتدادًا لوجوده، والدم وسيلته في فرض إرادته.
ولم يكن حكمه قائمًا على البطش وحده، بل على قوانين صاغها بعناية لتضمن بقاءه في القمة. وكان أخطرها قانون يسمح لأي شخص بتحدّيه في نزال مباشر على الحكم، لكنه يفرض على الخاسر عقوبة مرعبة: لا يُقتل وحده، بل تُباد عائلته بأكملها.
وهكذا تحوّل هذا القانون إلى سلاح نفسي أكثر من كونه فرصة حقيقية، لأن كل من يفكّر في التحدي كان مضطرًا إلى التفكير أولًا في مصير أحبّائه قبل مصيره. لذلك لم يكن غريبًا أن يختفي أي تمرّد جاد، وأن يصبح الخوف جدارًا غير مرئي يطوّق الجميع.
ومع ذلك، لم تكن قوة دراكو نابعة منه وحده، بل من النظام الذي أحاط نفسه به. فقد وقف تحته ستة محاربين، كانوا أدواته في فرض السيطرة على القرية، حتى إن الناس أطلقوا عليهم سرًّا لقب كلاب الحاكم ؛ لا بسبب ولائهم المطلق فقط، بل لأنهم كانوا ينفّذون أوامره بلا تردد ولا رحمة.
أقواهم بلا منازع كان تيرون ، رجل اشتهر بدقته القاتلة، وعدم تردده في القضاء على خصومه. وقيل إنه لا يحتاج إلى رؤية هدفه مباشرة، بل يستطيع اقتفاء أنفاسه وحركته قبل أن يظهر، مما جعله كابوسًا لكل من يفكّر في مواجهته.
أما دريك ، ابن الحاكم، فكان حالة مختلفة. لم يكن وريثًا ينتظر دوره فحسب، بل عقلًا استراتيجيًا خطيرًا يسعى إلى تطوير نظام الحكم بوسائل أشد قسوة وفعالية. رأى أن قانون التحدي المباشر ينطوي على مخاطرة غير ضرورية، فعدّله بطريقة جعلت الوصول إلى دراكو شبه مستحيل؛ إذ فرض شرطًا جديدًا يقضي بألّا يحق لأحد تحدّي الحاكم إلا بعد هزيمة واحد من الستة. بدا الأمر ظاهريًا فرصة عادلة، لكنه في الحقيقة لم يكن سوى وهم، إذ لم ينجح أحد يومًا في تجاوز أيٍّ منهم.
أما أركاس ، زعيم الحرس، فمثّل نوعًا مختلفًا من القوة. لم يكن الأقوى جسديًا، لكنه كان الأكثر ولاءً لدراكو. ولم يكن ولاؤه نابعًا من الخوف، بل من إيمان كامل بالحاكم ونظامه. لذلك كافأه دراكو بمنحه سلاحه الشخصي، وهو شرف لم ينله أحد غيره، مما جعله صاحب مكانة خاصة بين المحاربين.
وفي المقابل، كانت أركينا ، ابنة دراكو، شخصية أكثر تعقيدًا. بدت للوهلة الأولى هادئة ولطيفة، لكن تلك الصورة كانت خادعة؛ ففي الحقيقة كانت الأكثر قسوة بينهم، والأشد موهبة في القتال. حتى دريك نفسه لم يتمكن من هزيمتها في أي مواجهة مباشرة، وهو أمر نادر جعلها مصدر قوة لا يُستهان به، وربما تهديدًا غير معلن للمستقبل.
أما القاضي ، الذي عُدّ الأضعف جسديًا بينهم، فقد امتلك نوعًا آخر من القوة: قوة العقل والحكمة. لم يعتمد على السلاح بقدر ما اعتمد على فهمه العميق للناس والقوانين، ولذلك عُدّ اليد اليمنى لدراكو، لأنه الرجل الذي يمنح قراراته طابعًا قانونيًا، ويحوّل بطشه إلى نظام يبدو منظمًا في أعين الآخرين.
أما السادس والأخير، دراكن ، فقد اعتبره دراكو أخًا بالدم. غير أن نهايته كانت غامضة؛ إذ مات في الجبال أثناء بحثه عن شيء كلّفه به الحاكم، وظل ذلك السر مدفونًا معه.