«كانَ الرَّجُلُ الَّذي بَنَيْتُ مَعَهُ أَحْلامي، حَتّى أَدْرَكْتُ مُتَأَخِّرَةً أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ سِوى المِطْرَقَةِ الَّتي حَطَّمَتْها.»
«لَمْ يَدْخُلْ حَياتَها غاصِبًا... دَخَلَها مُنْقِذًا، وَما إِنِ اطْمَأَنَّتْ إِلَيْهِ، حَتّى أَوْصَدَ الأَبْوابَ مِنَ الدّاخِلِ.»
«كُنْتُ أَراهُ يَجْمَعُ حُبّي قِطْعَةً قِطْعَةً... ثُمَّ يُزيلُ بِصَمْتٍ كُلَّ مَنْ يَجْرُؤُ عَلى مُشارَكَتي فيهِ.»
«كُلُّ المُصادَفاتِ الَّتي جَمَعَتْنا لَمْ تَكُنْ خَطَأً... بَلْ كانَتْ خُطَّةً كُتِبَتْ بِدِقَّةٍ.»
────────────
«يُغْرِقُني بِالسَّعادَةِ بِجِوارِهِ؛ يُحَقِّقُ كُلَّ ما أَطْلُبُهُ دُونَ تَرَدُّدٍ، وَيَنْظُرُ إِلَيَّ بِتِلْكَ العُيُونِ النّاعِسَةِ الَّتي تَذوبُ لَها رُوحي...»
«لَمْ أَكُنْ أَعْلَمُ أَنَّ خَلْفَ تِلْكَ الابْتِسامَةِ الحَنونِ، كانَ يَخْتَبِئُ رَجُلٌ مُخْتَلٌّ... يَحْبِكُ لي سِجْنًا مِنَ الوَهْمِ، حَتّى أَضيعَ فيهِ دُونَ طَريقٍ لِلنَّجاةِ.»
────────────
«عَيْناها تَأْخُذانِني إِلى عالَمٍ آخَرَ... لَيْسَ ذَلِكَ العالَمُ الوَرْدِيُّ الَّذي يَدْخُلُهُ أَغْلَبُ العُشّاقِ، بَلْ عالَمٌ مُظْلِمٌ وَخاصٌّ بي.»
«كُلَّما نَظَرْتُ إِلَيْها، كَبُرَ هَوَسي، وَازْدادَ شَغَفي بِاحْتِكارِها لي وَحْدي.»
قبل ثلاثة أشهر...
«تحت المطر»
.
.
.
.
كان يمشي برزانة ووقار، رجل ذو قامة طويلة وهيبة مستبدة يطغى حضورها المظلم على كل ما حوله. ممسك بمظلته السوداء بيده، يحمل باليد الأخرى حقيبة جلدية فاخرة، وتنعكس في عينيه الباردتين هالة غامضة تجبر من يراه على التراجع.
في ذلك الوقت، كانت الشوارع الماطرة يلفها هدوء ساكن، حي معزول يغرق في الصمت ولا يقطعه سوى خرير المطر والدخان الأبيض المتصاعد ببطء من مداخن المنازل الملتصقة...
أكمل خطاه نحو متجر صغير في زاوية الشارع، دخل واشترى حاجته بصمت، ثم خرج ليقف عند المدخل يراقب هطول المطر وهدوء الجو.
في تلك اللحظات،
تتقدم نحو الشارع فتاة تحمل مظلة وردية، تبدو عليها علامات البهجة والامتنان لزخات المطر. كان شعرها المرفوع على شكل كعكة فوضوية يضفي عليها عفوية ساحرة. أقتربت من المتجر بخطوات مرحة وأثناء مرورها التف بجسده قليلاً ورمقها بنظرة عميقة طالت لثوانٍ، مما أربكها وجعل الخجل يتسلل لإداركها.
تجاوزته مسرعة ودخلت المتجر، وبدأت تتحدث مع الرجل العجوز بنبرة دافئة وأليفة، توحي بعلاقتهما الطيبة ومعرفتها المسبقة به. في الخارج، كان هو يقف في مكانه دون حركة، أغمض عينيه ببطء منصتاً لنبرة صوتها المتحمسة التي اخترقت صمت الشارع.
بعد لحظات، خرجت وهي تشكر العجوز بابتسامة ثم وقفت على الرصيف تحت حافة سقف المتجر بجانبه تماماً. رفعت رأسها نحو السماء وقالت بحماس:
«يا إلهي، بدأ المطر يشتد!»
مدت يدها الصغيرة لتدع قطرات المطر تتساقط على كفها وهي تبتسم بفرح. في هذه الأثناء، كان هو يقف بثباته المعهود، أدار عينيه بثقل نحو الجهة اليسرى يتأمل حركاتها العفوية ثم قال فجأة بنبرته الرزينة:
«لم أركِ من قبل... هل أنتِ جديدة هنا؟!»
تلاشت ابتسامتها تدريجياً وحل محلها التردد لم تتوقع أن يكلمها. التفتت إليه فيما بفي هو ينظر إليها بطرف عينيه ببرود. أردفت بعفوية وهي تخفض رأسها قليلاً بتوتر: «أجل، انتقلنا حديثاً إلى هذا الحي يا سيدي...»
همهم بصوت خافت ثم أضاف بهدوء يقطر غموضاً:
«أسلوبكِ يوحي بعكس ذلك، وكأنكِ تعيشين هنا منذ زمن.»
ارتسمت الفرحة على وجهها مجدداً، وأجابت بابتسامة أنيقة وهي توضح أنها شخصية اجتماعية واعتادت على المكان سريعاً. لكن نظراته الباردة الثابتة جعلتها تشعر ببعض الارباك من جديد فأنزلت رأسها حياءً.
فتحت مظلتها الوردية، ومشت بخطوات متسارعة تحت زخات المطر، بينما ظل هو واقفاً في مكانه، يلاحق أثرها ببنظراته الغامضة حتى اختفت عن ناظريه...