الفصل الثاني: في ظلال الغياب
كانت الليلة حالكة السواد، والقمر يختبئ خلف الغيوم الثقيلة كأنه يشاركهم أسرارًا لا يريد أن تُكشف. سار هيروشي بخطوات مترددة في أرجاء الغابة الكثيفة، يتبعه أخوه الصغير ريتسو بقلق واضح على وجهه.
"يا هيروشي، هل تعتقد أننا سنجد يوشي؟" سأل ريتسو، صوته يحمل رجاءً مختلطًا بالخوف.
هز هيروشي رأسه ببطء، وهو يحاول كظم ألم يعتصر قلبه، "لا أعرف يا ريتسو، لكن لا بد أن نحاول. لا يمكننا أن نتركها وحيدة في هذا الظلام."
كانوا يبحثون منذ ساعات، ينادون اسمها بين الأشجار وكأنها نسمة هواء خافتة. لم يكن هناك رد سوى صدى أصواتهم الضعيفة في الظلال. كلما ترددت خطاهم، تزايد شعور هيروشي بأن شيئًا ما مختلفٌ، شيء مظلمٌ يلوح في الأفق.
وقف هيروشي فجأة، أصغى بانتباه، وفجأة سمع صوتًا خافتًا، همسًا بعيدًا، لكنه مألوف. "يوشي..."
اقتربا بحذر من مصدر الصوت، ووجدا ظلاً يتحرك بين الأشجار، كانت يوشي. لكنها لم تكن هي نفسها، فقد كانت عيناها تتلألأ بلون غريب، ووجهها شاحب كأنه فقد روحه.
"يوشي؟ هل أنتِ حقًا؟" همس هيروشي، محاولًا أن يصدق عينيه.
لم تجب يوشي، بل اقتربت منهم ببطء، بعيون لا تحمل ذلك اللمعان البشري المعتاد، بل توهج مظلم كأنه صدى الليل ذاته.
شعر ريتسو بقشعريرة تسري في جسده، لكنه تمسك بيد هيروشي وقال بصوت مرتجف، "هل هي... هل هي لا تزال يوشي؟"
وقف هيروشي في صمت، تحدق بها، يحاول أن يجد في عينيها بصيص الأمل، لكنه لم يكن واضحًا. ثم همس، "علينا أن نكتشف الحقيقة... مهما كانت الثمن."
ابتعدت يوشي قليلاً، ثم توقفت، ونظرت إلى هيروشي وريتسو بنظرة غريبة، لم يعتادا رؤيتها من قبل. كانت عيناها كالنجمتين في ليل مظلم، تحملان في طياتهما حزنًا عميقًا وغموضًا لا يُفهم.
قالت بصوت منخفض لكنه حاد:
"لم أعد تلك الفتاة التي تعرفونها... لقد تغير كل شيء."
تقدم هيروشي نحوها ببطء، وهو يشعر بقبضة الألم تخنق قلبه،
"يوشي، مهما حدث، نحن هنا من أجلك. أخوتك لن يتركوكِ وحيدة."
التفتت يوشي ببطء نحو الأشجار، كأنها تستمع إلى همسات لا يسمعها أحد، ثم قالت بمرارة:
"هناك عالمٌ لا ترونه، عالمٌ من الظلال، قد ابتلعني... ولن أستطيع العودة بسهولة."
اقترب ريتسو بحذر، وقال بصوت مرتعش:
"هل أنت بخير؟ هل نستطيع مساعدتك؟"
أغمضت يوشي عينيها للحظة، ثم نظرت إليهم بعيون تفيض بالألم،
"إنقاذي... قد يكلفكم الكثير، وربما... يفقدكم أنفسكم."
صمت الجميع لحظة، والريح تعصف بأوراق الشجر حولهم، وكأن الطبيعة بأسرها تئن من ثقل الحقيقة التي انكشفت للتو.
قال هيروشي بثبات، رغم الخوف الذي يتسرب إلى صوته:
"لن نترككِ، مهما كان الثمن."
نظرت إليهم يوشي، وكأنها تستعيد بقايا إنسانيتها، ثم همست بكلمات تختلط فيها العزيمة والألم:
"إذاً... استعدوا... لأن الظلام الذي تنتظرونه أعظم مما تتصورون."
وقفت يوشي، ثم تنهدت بعمق، نظرت إليهم بعينين حزينتين وقالت بصوت خافت:
"لقد تغيرت... لم أعد الإنسانة التي كنتم تعرفونها."
تردد هيروشي قبل أن يسألها:
"ماذا حدث لكِ يا يوشي؟"
نظرت إلى الأرض قليلاً، ثم رفعت عينيها التي كانت تلمع بغموض، وقالت:
"تحولت... إلى مزيج من شيطان ومصاص دماء."
كانت الكلمات كالصاعقة على أذنيهما، حتى ريتسو بدت الدهشة واضحة على وجهه الصغير، وصمت.
أكملت يوشي ببطء، كأنها تكشف سرًا خطيرًا:
"لقد استيقظت قوة في داخلي... قوة لم أكن أعرفها من قبل. أصبحتُ نصف شيطان، بنصف دمٍ مظلم، ونصف مصاصة دماء... عالقة بين عالمين لا أنتمي إليهما."
وقف هيروشي مشدودًا، يحاول استيعاب الموقف، وقال بحزم:
"مهما كنتِ، أنتِ يوشي، أخته. وسنقف بجانبكِ مهما صار."
نظرت لهوشي بعيون دامعة، ثم همست:
"أنا لا أريد أن أفقد نفسي... لكنني أخاف أن أفقدكم."
اقترب ريتسو واحتضن يوشي برقة، قائلاً:
"لن نخذلك، لن نتركك وحدك في هذه الظلمة."
ارتفع صوت الريح كأنه يردد عزمهم، وبين ظلال الأشجار، تعاهدوا جميعًا على مواجهة المصير المجهول، متحدين في معركتهم ضد الظلام الذي يبتلعهم.
-------------