الفصل الثالث: بين نظرات الناس وهمسات الماضي
كانت خطواتهم بطيئة وثقيلة، كأن كل واحد منهم يحمل جبلًا من الذكريات والخوف.
هيروشي يسير في المقدمة، ريتسو خلفه مترددًا، ويوشي تسير بصمت… تغطي وجهها بقبعة واسعة تخفي ملامحها.
وصلوا إلى أطراف قرية "هاجينو"، قرية صغيرة تحيط بها الجبال من ثلاث جهات، ويغطيها الضباب في المساء.
من بعيد، بدأت الأنوار تلمع، وصوت السوق المسائي يسمع خافتًا، ممزوجًا بأصوات الضحك والبيع.
قال ريتسو وهم يقتربون من البوابة الخشبية:
ـ "هل تعتقد أنهم سيسمحون لنا بالدخول؟"
همس هيروشي:
ـ "طالما لم يعرفوا من نكون… سنتصرف كمسافرين فقط."
لكنّ الأمور لم تكن بهذه البساطة.
عيون القرية
دخلوا من البوابة، لكنّ أعين الناس بدأت تراقبهم فورًا.
رجل يبيع الفاكهة توقف عن المناداة، وامرأة كانت تغسل أمام بيتها نظرت إليهم بقلق، وسحبت ابنها إلى الداخل.
قالت يوشي بصوت منخفض:
ـ "إنهم يشعرون بي... برائحة الدم."
ردّ هيروشي بسرعة:
ـ "ابقي هادئة، سنجد مكانًا نرتاح فيه، وبعدها نقرر."
توجهوا إلى نُزل صغير في طرف القرية، استقبلهم رجل مسنّ بنصف ابتسامة، وعيونه تنظر إلى يوشي باهتمام.
دفع هيروشي بعض العملات، وحصلوا على غرفة خشبية بسيطة.
عندما أغلقوا الباب خلفهم، جلسوا بصمت.
قالت يوشي، وهي تنظر إلى يدها المرتجفة:
ـ "أنا لا أنتمي إلى هنا… ولا لأي مكان بعد الآن."
اقترب منها ريتسو، ورفع يدها، وقال:
ـ "أنتِ أختنا، حتى لو تغيّرتِ… ما نزال نراكِ يوشي."
كانت تلك الكلمات كأنها طعنة من الضوء وسط ظلامها.
لقاء غريب
في الليل، خرج هيروشي لشراء بعض الطعام، بينما بقيت يوشي وريتسو في الغرفة.
في طريقه، أوقفه رجل غريب الشكل، طويل ونحيف، يرتدي عباءة داكنة ويمسك عصا خشبية منحنية الطرف.
قال له بنبرة واضحة:
ـ "أنت تسافر مع مصاصة دماء… لكن غريبة."
تجمد هيروشي في مكانه.
ـ "ماذا تقصد؟ ومن أنت؟"
ابتسم الرجل ابتسامة خفيفة، وقال:
ـ "اسمي كورين. كنت صيادًا للدماء، لكنني الآن مجرد مراقب."
أكمل بهدوء:
ـ "أختك… مصاصة دماء نعم، لكنّها لا تحترق تحت الشمس. هذا غير طبيعي."
سأله هيروشي بسرعة:
ـ "لماذا؟ ماذا يعني هذا؟"
رد كورين بصوت منخفض:
ـ "هذا يعني أن دمها مختلط… نصف بشري ونصف آخر نادر. قد تكون واحدة من 'الحراس'، وهم فئة نادرة تولد من مزيج غير معروف… يُقال إنهم وحدهم من يستطيعون مقاومة سيطرة ملك الظلام."
اتسعت عينا هيروشي:
ـ "هل هذا يجعلها قوية؟"
أجابه الرجل:
ـ "يجعلها... خطيرة."
ثم أدار ظهره، وقبل أن يختفي، قال:
ـ "احذر، يا فتى… ليس كل من يقاوم الظلام، ينجو منه."
---
عاد هيروشي إلى النُزل، وعقله يشتعل بالأسئلة.
وعندما دخل، وجدهما نائمين… لكن ضوء القمر كان يمر من النافذة، ويسقط على وجه يوشي.
لم تكن تتألم. بل كانت تتنفس بهدوء… كأنها تنتمي إلى هذا الضوء.
---
همس هيروشي:
"أختي… ما الذي أصبحتِ عليه؟"
لكن مهما كانت الإجابة، فقد قرر.
لن يتركها… ولن يسمح لأي أحد بأخذها.
لا كاين… ولا الظلام...........
صوت الدم:
كان الليل هادئًا... أكثر من اللازم.
لكن شيئًا ما في الجو تغيّر.
استيقظت يوشي فجأة، أنفاسها متسارعة، وعيناها تلمعان بلون أحمر داكن.
نهض ريتسو مفزوعًا:
ـ "ما بكِ؟!"
تمتمت يوشي وهي تحدق في النافذة:
ـ "رائحة دم… ليست بشرية."
وفجأة، سُمع صراخٌ عالٍ من ساحة القرية.
قفز هيروشي من مكانه، وركض إلى الخارج، وتبعته يوشي وريتسو.
في وسط السوق، كان الناس يركضون في كل الاتجاهات، وألسنة اللهب تتصاعد من بعض المنازل.
وفي المنتصف… كان هناك وحشٌ يشبه مصاص دماء لكنه مشوه، بأذرع طويلة، وأنياب تخرج من جانبي وجهه.
صرخ أحد القرويين:
ـ "إنه تابع ملك الظلام!! جاء يبحث عن صاحبة الدم النقي!!"
صرخت يوشي، ممسكة رأسها:
ـ "إنه يبحث عني…!"
زمجر الوحش، وانقضّ على الناس بسرعة جنونية، وبدأ يقتل بلا رحمة.
ركض هيروشي بين النيران، حمل عصا خشبية من الأرض، وواجهه بلا خوف.
لكن الوحش كان أقوى منه بكثير، وضربه بقوة أطاحت به أرضًا.
صرخ ريتسو:
ـ "أخي!!!"
وقبل أن ينقض الوحش عليه، ظهرت يوشي أمامه، وصدّت الهجوم بيديها العاريتين، رغم أن النار لامست بشرتها.
لكن الوحش دفعها للخلف، وأوشك على الانقضاض عليها مجددًا…
وهنا… سمع هيروشي صوتًا داخليًا، غريبًا، كأنه قادم من أعماق الأرض:
"أنت الذي يحمل الغضب… أنت من اختير ليحمل قوة النور المظلم… مد يدك، وخذ السيف."
فتح عينيه… ورأى أمامه صخرة نصف محترقة، وفيها سيف غامض مغروس داخلها، ينبض بضوء أزرق قاتم.
نهض، وركض نحو السيف، رغم الألم.
وضع يده عليه…
خاتم الظلام يستجيب
فجأة، لمع خاتم صغير كان يرتديه هيروشي منذ طفولته… كان هدية من والده، لم يعرف سرّه أبدًا.
عندما لمس السيف، التحم الخاتم مع مقبضه، وسمع هيروشي صدى صرخة:
"سيف الظلام الطاهر... استيقظ!"
انفجرت موجة طاقة من حوله، أطاحت باللهب والوحش والركام.
وقف هيروشي، والسيف في يده، مغطى بهالة زرقاء وسوداء تتماوج كالدخان، وعيناه تلمعان بتصميم جديد.
قال وهو يتقدم:
ـ "لن أسمح لكم بأخذها. لن تلمسوا أحدًا آخر!"
ركض نحو الوحش، وبدأت معركة شرسة.
استطاع هيروشي، باستخدام السيف، أن يقطع أحد أذرع الوحش، ثم قفز عاليًا ووجه ضربة أضاءت السماء…
صرخ الوحش، وانهار، متفحّمًا.
سقط هيروشي على الأرض، والسيف بجانبه، لكنه كان يبتسم.
هذه المرة… هو أقوى.
اقتربت منه يوشي، وقد اغرورقت عيناها:
ـ "ذلك السيف… لم يكن سيفًا عاديًا…"
قال ريتسو بدهشة:
ـ "من أين جاء؟!"
نظر هيروشي إلى السيف، وقال:
ـ "لا أعرف... لكنني أشعر أن هذا… مجرد البداية."