الفصل 184....
الـــــــــلأب...
---
الوقت كان ساكن.
النهار دخل أكتر.
الضوء لعب على الأرضية القديمة…
خطين ضوء بيجروا على الحيط…
بيعملوا أشكال غريبة…
كأن الغرفة نفسها بتحاول تحكي.
أنس قاعد جنب مهند… ساكت.
عينه على مهند… اللي مغمض عينه…
لكن جسمه مش هادي.
كل رمشة عين ليه كانت مرعبة…
كل نفس كان بيحسّه بالتهديد…
مش بالأمان.
إيده رجّته خفيفة على السرير…
كل عضلة في جسمه متوترة.
أنس شافه… وحس بالقلق…
مصحهوش…فضل قاعد جمبه ساكت…
حضوره ساعد مهند يمسك نفسه.
بعد دقيقة…
مهند بدا جسمه يهدي…
واحده...واحده...
غمّض عينه…بدون ضغط عليها...
ولأول مرة…
بدأ النوم يجي له شوية.
جسمه ارتاح شوية…
النفس اتبطأ…
لكن العقل…
العقل ما استراحش.
الكوابيس بدأت تدق عليه ببطء…
صور من الطفولة…
أصوات…
ضحك غريب…
صوره الأب…
صوت ضرب مش بعيد…
كانت مشاهد ثابتة…
واقعة قدامه كأنه بيشوفها بعينه دلوقتي…
مهند اتصبّ قلبه…
عيناه مغمضين…
جسمه بيرتجف…
أنس لاحظ ده… قرب منه أكتر…
شد الكتف شوية…
قال بصوت واطي: «يابني… متخافش… أنا هنا.»
مهند بلّع ريقه…
حاول يتحكم في نفسه…
صوت النفس اللي طال يبان كأنه صراخ داخلي.
كل نفس فيه خوف…
كل اهتزاز في إيده كان نتيجة صدمة متجمّدة من الطفولة.
الكوابيس بقت واضحة…
مهند حس نفسه رجع للبيت بتاعه…
نفس الغرفة…
نفس الباب اللي بيتقفل…
نفس السكات اللي بيدخل في العضم…
الأب واقف… ساكت…
بس وجوده كافي يخلي قلبه يقف.
أنس حاول يهدي مهند…
لمسه برفق…
كل كلمة كانت محاولته تثبيت اللحظة:
«مافيش حد هنا… مفيش حد هيأذيك… أنا موجود…»
مهند ببطء حاول يركز…
حاول يخلّي نفسه يقنع دماغه…
بس الذكريات كانت أقوى…
كل ضحكة أو حركة من الطفولة كانت تعيده للوجع…
للكوابيس…
للصوت اللي لسه جوه دماغه.
النفس بدأ يرجع ببطء…
لكنه مازال عالي…
كل عضلة في جسمه متوترة…
كل عين ترف…
كل رمش كإنها إعلان عن صدمة مستمرة…
لكنه ساكت…
ثابت…
مجرد عينين مغمضين…
بتتأرجح بين الواقع والطفولة القاسية اللي بتحاصره.
أنس فضل جنب مهند… ساكت…
بيناديه أحيانًا: «مهند… يابني… أنا هنا…»
بدون ضغط…
بس متواصل…
حضوره كان الضوء الوحيد وسط الظلام اللي جوا مهند.
وهكذا، الوقت عدّى…
مهند مغمض عينه…
بين الكوابيس والذاكرة…
أنس موجود… ساكن… حذر…
وببطء، المهند بدأ يتحرك في النوم…
يتنفس بعمق شوية…
يحس بمساحة أمان…
مع إنه كان واضح إن الصدمات لسه جوه دماغه…
لسه حاضرة…
بس هدوء النهار، مع وجود أنس…
خفف شويه من وطأتها…
وخلى القلب يقدر يتنفس دقيقة صغيرة…
بس كل حركة…
كل نبضة…
كانت بتفكره إن الخطر لسه قريب…
حتى لو غير موجود قدامه.
---