1 - فصل الأول "البداية "

وقفت سيارة سوداء لامعة أمام قصر ضخم يقع في عمق غابة كثيفة، تكاد الأشجار تحجب نور الشمس عنه. توقفت السيارة ببطء، ثم فُتح بابها الخلفي وخرج منه شاب في التاسعة عشرة من عمره، يحمل حقيبة سوداء على ظهره.

كان قصير القامة، لا يتجاوز طوله المئة والستين سنتيمترًا. بشرته شاحبة كمن لم يرَ الشمس منذ أيام، وعيناه زرقاوان بلون البحر في ليلةٍ باردة. شعره الأسود القصير يصل بالكاد إلى رقبته، تتناثر خصلاته بفوضى طبيعية فوق جبينه.

كانت ملابسه عبارة عن سروالًا أسود طويلًا وقميصًا أبيض بسيطًا، لا يحمل أي علامات فخامة، كما لو كان قد غادر المدينة دون أن يفكر كثيرًا في مظهره.

وقف يتأمل القصر المهجور أمامه، ثم التفت إلى السائق الذي لا يزال جالسًا خلف المقود وقال بهدوء:

"شكرًا لك."

أدار السائق رأسه نحوه، وعيناه تنطقان بالقلق، وقال:

"سيد ڤيريان… كن حذرًا، لقد سمعتُ أن بعض الناس يتحدثون عن أصوات غريبة تصدر من هذا المنزل."

ابتسم ڤيريان بسخرية، وقال بثقة هادئة:

"لا تقلق، يا سيدي. أنا لا أخاف."

أومأ السائق برأسه، دون أن يتفوه بكلمة، ثم قاد السيارة مبتعدًا، ليغيب صدى المحرك تدريجيًا في صمت الغابة.

بقي ڤيريان وحده أمام بوابة القصر الحديدية العتيقة، تنهد ببطء، ونظر إلى المبنى المتهالك وهو يضحك بسخرية:

"أصوات؟ ها؟ مجرد هراء."

دفع الباب بيده، فصرّ الحديد كما لو أنه يحتج على الحركة بعد سنين من السكون. دخل إلى الداخل، وسرعان ما استقبلته رائحة الغبار والعفن. كانت الأرضية مغطاة بطبقة سميكة من التراب، وأثاث القصر مغطى بملاءات بيضاء مهترئة، تكاد تتفتت من القدم.

“هل هذا ما تركه لي والدي؟” همس في نفسه، وهو يحدّق في القصر.

كان والد ڤيريان رجلًا ثريًا معروفًا، لكنه توفي مؤخرًا، وترك له هذا القصر كميراث وحيد. لم يكن ڤيريان مهتمًا بالقصر، بل كان يريد المال. لكن زوجة والده، المرأة التي طالما اعتبرته عبئًا، رفضت منحه أي شيء، بحجة أنه غير عاقل ولا يعرف كيف يتصرف بالمال، وأضافت: “عليك أن تدرس جيدًا وتثبت أنك ناضج، حينها فقط سأفكر بمنحك حقك.”

وهكذا، انتهى به المطاف هنا، في هذا القصر القديم المهجور، بعيدًا عن الناس، في قلب الغابة.

دخل خطوة بعد خطوة، يتفحّص المكان بعينيه. السقف عالٍ جدًا، مغطى بنقوش باهتة بالكاد تُرى، والثريات القديمة تتدلّى منه بسلاسل صدئة. الجدران مغطاة بورق حائط ممزق، واللوحات الفنية كانت إما مائلة أو مكسورة. الطابق الأرضي يمتد على مساحة واسعة، يحوي بهوًا طويلًا، وسلّمًا خشبيًا ضخمًا يتفرع إلى جناحين علويين.

وضع حقيبته على الأرض، وأطلق تنهيدة عميقة، كأنها محاولة لطرد كل التعب من صدره، ثم قال بصوت مسموع:

"إذًا… أين سأنام؟ يبدو أن عدد الغرف هنا لا يُعد."

بدأ يمشي داخل القصر، يفتح الأبواب واحدة تلو الأخرى. الغرفة الأولى كانت مليئة بالغبار والعناكب، الثانية تحتوي على سرير مهترئ بمرتبة ممزقة، والثالثة كانت أرضيتها مغطاة بالحطام. كل غرفة كانت أسوأ من التي قبلها، ما جعله يتنهد بإحباط عميق.

كان القصر عظيمًا في حجمه، لكنه مهجور لسنوات طويلة، وكأن الزمن قد تجمد داخله. كل شيء يصرخ بالوحدة… والصمت الذي يملأ المكان لم يكن مريحًا، بل ثقيلًا، كأن هناك شيئًا يراقبه من بين الجدران

فرك ڤيريان أذنه بانزعاج، وهو يتجول في القصر المتّسخ قائلاً بضيق:

"أين من المفترض أن أنام؟ كل هذه الغرف… ولا واحدة صالحة للعيش."

كانت الغرف مليئة بالغبار، تغطي أرضياتها طبقات من الأوساخ التي لم تُمس منذ سنوات. العناكب نسجت شبكاتها في الزوايا، وبعض الحشرات الزاحفة تحركت بين الشقوق القديمة في الجدران.

بدأ بالبحث عن المطبخ، يتنقل من ممر إلى آخر، حتى وجد بابًا خشبيًا متهالكًا في الزاوية البعيدة من الطابق الأرضي. فتحه ببطء، فإذا به يكتشف مطبخًا صغيرًا نسبيًا، مغلق النوافذ، مضاءً بنور خافت يتسلل عبر شقوق الخشب.

كانت الخزائن العلوية مفتوحة، معظمها فارغة، لكن من حسن حظه وجد في أحدها زجاجات منظّف، وإسفنجة قديمة، ومكنسة كهربائية صغيرة الحجم يبدو أنها بالكاد تعمل. ابتسم بخفة، كما لو أنه عثر على كنز ثمين وسط هذا الخراب.

"على الأقل، هناك بداية."

أخذ المنظّف والمكنسة، ثم عاد يتجوّل باحثًا عن غرفة تصلح للنوم. اختار غرفة تقع قرب الدرج، كانت أوسع من غيرها، رغم أنها مغطاة بطبقة كثيفة من التراب. السرير فيها متهالك، لكن يمكن إصلاحه، أما الجدران فباهتة اللون ومغطاة ببقع الرطوبة والعفن.

فتح نافذتها الصدئة بصعوبة، لتدخل أول نسمة هواء نقي منذ وقت طويل. ثم أمسك بالمكنسة الكهربائية وضغط زر التشغيل… لا شيء.

توقف للحظة، ثم جرّب مرة أخرى… لكن دون جدوى.

تنهد بضيق، وحدّق في السقف بملل.

"لا كهرباء… حقًا؟ سأعيش في منزل مظلم دون كهرباء؟"

شعر بالإحباط يتسلّل إلى قلبه. أوقف تنظيف الغرفة، التقط حقيبته من الأرض، وخرج من القصر غاضبًا، عازمًا على الرحيل.

"مستحيل أعيش في مكان مثل هذا، مستحيل!"

لكن خطواته توقفت فجأة. تذكّر حينها كلمات زوجة أبيه، وهي تنظر إليه بازدراء وتقول:

“أثبت لي جدارتك، إن كنت تريد حصتك من المال.”

شعر بحرقة داخل صدره. قبض على حقيبته بقوة، ثم رماها أرضًا بانزعاج، وتنفس بعمق، بينما يحدّق في القصر من الخارج.

" لا! ، لن أستسلم…!"

قالها بصوت خافت، وكأنها وعد لنفسه. التقط حقيبته من الأرض، وعاد إلى الداخل بعزيمة جديدة.

توجّه مباشرة إلى الغرفة التي اختارها، أخذ المكنسة، وبدأ في تنظيف الأرضية بحركات سريعة. مسح الغبار عن النوافذ، ثم استخدم الإسفنجة والمنظّف لتنظيف الطاولة الخشبية المهترئة. ورغم الظلام، استطاع أن يزيل طبقة القذارة القديمة، كاشفًا عن أرضية من الخشب الأصلي، بدا وكأنه ما زال يحتفظ ببعض من جماله القديم.

ورغم العرق الذي بدأ يتصبب من جبينه، لم يتوقف. كان هناك شيء داخله يشتعل… شيء أقرب للعناد، أقرب للثبات، وكأن هذا القصر المتهالك هو فرصته الوحيدة لإثبات نفسه

كانت الساعة تشير إلى الثامنة مساءً حين جلس ڤيريان على سريره في غرفته داخل القصر المظلم، والشمعة الوحيدة التي أضاءها كانت بالكاد تكفي لتبديد جزء بسيط من الظلام المحيط به. ألسنة اللهب الهادئة ترقص فوق الفتيل، ترسم على الجدران ظلالًا مرتجفة تزيد من رهبة المكان.

الوحدة بدأت تثقل على قلبه. لم يكن اعتزال العالم من طبعه، ولم يكن القصر المهجور هو ما تخيله كبيت. همس لنفسه بضيق:

"غدًا… سأطلب من أصدقائي العيش معي هنا. حتى لو اضطررت إلى إجبارهم، لا يهم."

تمدد على السرير وأخذ كتابًا عشوائيًا من حقيبته، فتحه وبدأ يقرأ بصمت. ومع مرور الساعات، تسللت يد النعاس إلى جفنيه، وأخيرًا، غرق في نومٍ عميق.

في منتصف الليل، استيقظ ببطء، يشعر بشيء غريب في الهواء. أدار رأسه، وحدّق في السقف. ما رآه جعل عينيه تتسعان بالصدمة والذهول.

غرفته كانت ممتلئة بعشرات الفراشات البيضاء المضيئة.

كانت تحوم بصمت تام، أجنحتها شفافة كالكريستال، تصدر ضوءًا ناعمًا بلون القمر. بدا المشهد ساحرًا بشكل غير واقعي. كانت تطير بانسيابية، دون صوت، تنثر خلفها ذرات مضيئة تتلاشى في الهواء.

رمش ڤيريان بعينيه، يظن أن ما يراه مجرد حلم.

أغمضهما بقوة للحظة، ثم فتحهما من جديد.

لكن الفراشات لا تزال هناك.

جلس على سريره، مصدومًا، وتمتم:

"ما هذا بحق الجحيم…؟"

اقتربت منه إحدى الفراشات، حطّت بلطف على طرف إصبعه، ثم بدأت تسحبه نحو باب الغرفة، كما لو أنها تطلب منه اللحاق بها.

رمش عدة مرات، ثم ضحك بدهشة ممزوجة بسخرية:

"هل أنا في فيلم رعب؟ لا، مستحيل. لن أتابعك."

توقف، ثم ضرب جبهته بيده.

"لحظة… هل أنا أتكلم مع فراشة؟ يا إلهي… يبدو أنني فقدت صوابي."

عاد يتمدد على السرير، متظاهرًا بأنه لم ير شيئًا. أغلق عينيه وأخذ نفسًا عميقًا، محاولًا إقناع نفسه أن كل ما يراه هو مجرد حلم غريب… لكنه شعر فجأة بشيء يمسك بقدمه!

فتح عينيه فورًا، ونظر أسفل السرير.

كانت عدة فراشات تمسك بطرف قدمه وتسحبه بهدوء.

صرخ مندهشًا:

"ما هذا بحق الجحيم؟!"

حاول سحب قدمه، لكنه فقد توازنه وسقط أرضًا، وانسحب نحو الباب حتى صرخ:

"حسنًا! حسنًا! سأخرج!"

في تلك اللحظة، توقفت الفراشات عن سحبه، كأنها فهمت ما قاله.

نهض من الأرض، يحدق بها، ثم تنهد بانزعاج.

"لا بد أنني ما زلت في حلم."

فتح الباب وخرج إلى الممر المظلم. كان القصر غارقًا في السواد، باستثناء ضوء الفراشات التي استمرت تطير أمامه، مكوّنة ممرًا من النور الناعم. تابعها بصمت، وقد اختفى كل أثر للسخرية من وجهه.

قادته الفراشات إلى الأسفل، نحو القبو.

السلالم كانت قديمة وباردة، وكل خطوة كانت تُصدر صريرًا يملأ المكان. تقدم ببطء، حتى وصل إلى قبو واسع، رطب، تنبعث منه رائحة العفن. وهناك، في الجدار المقابل، رأى بابًا غريبًا .

كان الباب مصنوعًا من الخشب الداكن، تتخلله شقوق غامضة تشبه الرموز القديمة. في منتصفه، دائرة فضية تنبض بضوء ضعيف، كأنها قلب حي.

رفع ڤيريان حاجبه باستغراب، ثم التفت إلى الفراشات، التي بدأت تلتصق بالباب وتدور حوله كأنها ترسم شكلًا معينًا.

اقترب بخطوات بطيئة، حدّق في الباب طويلًا، ثم هز رأسه وتراجع.

"أنا لست فضوليًا كأبطال أفلام الرعب. لن أفتحه."

استدار لينصرف، لكنه توقف فجأة. الفراشات تجمعت خلفه، مكونة حاجزًا مضيئًا يمنعه من العودة.

تنهد بعمق، ثم نظر حوله ووجد مكنسته القديمة التي استخدمها سابقًا في التنظيف. أمسك بها ولوّح بها في الهواء:

"ابتعدوا…!"

لكن قبل أن يُكمل، انبعث ضوء قوي خلفه.

استدار ببطء، وإذا بالباب يفتح من تلقاء نفسه ، كاشفًا عن دوامة سوداء عميقة بدأت تمتص كل شيء من حولها!

صرخ بدهشة، بينما شعر بقوة خفية تجذبه نحو الداخل. أمسك بعمود حجري قريب منه بكل قوته، لكن العمود نفسه بدأ يتشقق تحت الضغط. صرخ بقوة:

"لا! لا لا لا!"

لكن لا فائدة. انفجر العمود أخيرًا، وفقد توازنه، وسُحب بالكامل داخل الباب. انغلق الباب خلفه في لحظة، واختفى كل شيء.

فتح ڤيريان عينيه فجأة، ليجد نفسه يسقط في الهواء ، لا يرى شيئًا سوى السواد تحته. قلبه ينبض بجنون، وصوته يصرخ دون توقف:

"لا… لا! لا أريد الموت!"

هل ما يحدث الآن حُلم؟ هل سينجو؟ هل سيطير؟

بدأ يرفرف بذراعيه يائسًا، وكأن جسده قد ينقذه من السقوط.

لكن لا فائدة…

الجاذبية أقوى من أي أمل.

وفجأة…

بوم!

سقط على الأرض، اصطدم بالتراب الحار، وتلاشى كل شيء.

آخر ما رآه قبل أن يُغمى عليه، كان سماءً خالية، وشمسًا ساطعة فوق صحراء واسعة لا نهاية لها .

ثم…

سقط في اللاوعي

…….

2025/07/12 · 53 مشاهدة · 1532 كلمة
ميمي
نادي الروايات - 2026