شعر ڤيريان بشيء يهتز تحته.

كانت الأرض ترتجف برفق، وكأن شيئًا عملاقًا يتحرك في أعماقها. فتح عينيه ببطء، أضاءت أشعة الشمس الساطعة وجهه، فرفع يده ليحجب النور عن عينيه، لكنه تجمّد في مكانه فجأة.

أمام عينيه، قفز حوتٌ عملاق من بين الكثبان الرملية، محلقًا في الهواء كما لو كان يسبح في محيط غير مرئي. كان منظره لا يُصدق.

كان الحوت ذا جسدٍ أزرق فاتح ، ضخم إلى درجة تغطي ظلاله رقعة كبيرة من الرمال تحته. امتدت على جسده خطوط متوهجة من الجواهر اللامعة ، تشكّلت على شكل نمط متموّج ينير باللون الفيروزي كلما تحرك. زعانفه كانت عريضة وممتدة كأجنحة، وتحركت بانسيابية ساحرة وهو يطير في السماء، ثم انخفض مجددًا وغاص تحت الرمال كما لو أنها ماء، دون أن يترك أثرًا خلفه.

نهض ڤيريان من مكانه ببطء، لا يزال مذهولًا من المشهد. همس بانبهار:

"واو…"

لكن إعجابه لم يدم طويلًا.

من الجانب الآخر، خرج حوت آخر ، أكبر حجمًا وأشدّ هيبة. اندفع بقوة من تحت الرمال، يتجه نحوه مباشرة. كانت عيناه رماديتان غائرتين ، وفمه المفتوح يُظهر صفوفًا من الأسنان الطويلة الحادة، تتوزع داخل فكين هائلين يشبهان بابًا للجحيم.

تجمّد ڤيريان في مكانه، يحدق بالحوت الثاني القادم نحوه. بدأ عقله يدرك حقيقة ما يراه.

"هل… هل هذا الحوت يريد أكلي؟!"

لم ينتظر ليتأكد من الإجابة.

استدار فجأة، وركض بكل ما لديه من قوة، يغرس قدميه في الرمال التي كانت تحاول ابتلاعه مع كل خطوة. لم يلتفت خلفه، ولم يتجرأ على النظر إلى الوراء. كل ما في داخله كان يصرخ: اهرب!

صوت الرمال وهي تنفجر خلفه مع كل قفزة للحوت، كان يكفي ليملأ قلبه بالرعب.

وبينما يركض في أرض لا نهاية لها، كان داخله لا يزال عالقًا بين الذهول والرعب…

ما هذا المكان؟

وأي عالم هذا… الذي تسبح فيه الحيتان تحت الرمال؟

كان ڤيريان يركض بجنون، الرمال تتطاير حول قدميه، وأنفاسه تتلاحق باضطراب. لم يجرِ يومًا بهذه السرعة في حياته. خلفه، انعكس ظلٌ ضخم على سطح الرمال — ظلٌ يتسع أكثر فأكثر، يقترب منه بسرعة مرعبة.

التفت للحظة، فرأى أحد زعانف الحوت العملاقة ترتفع من بين الرمال، ثم تهوي عليه بقوة، كأنها مطرقة جحيم.

قفز جانبًا في اللحظة الأخيرة، والسوط الرملي الذي خلفته الضربة غمر نصف جسده بالتراب. شعر بحرارة الضربة تمر بجانبه… ولو تأخر لحظة، لكان الآن تحتها.

غيّر مساره فورًا، وركض نحو اليمين، لكن ظل الحوت لم يختفِ، بل ازداد كثافة… ثم سمع صوت الهواء يُشق من فوقه، فرفع رأسه ليرى الحوت نفسه يقفز في السماء، جسده الضخم يغطي ضوء الشمس، كأن الليل قد حل فجأة.

تجمّد ڤيريان في مكانه. أحس بشيءٍ غير مرئي أمامه… حاجز طاقي ، لا يُرى بالعين، لكنه شعر به كجدار من الهواء الثقيل.

وفجأة، اتسع فم الحوت وهو يهوي نحوه، كأن السماء تسقط عليه.

أغمض عينيه بقوة، يهمس برجاء مرتجف:

"أرجوك… فقط دعني أستيقظ من هذا الكابوس…"

لكن بدلًا من الاصطدام، سمع صوتًا غريبًا…

كأن شيئًا ضخمًا تحطم، وصوت رنين خافت لأجراس صغيرة.

فتح عينيه ببطء، ليرى الحوت وقد تقلّب على الرمال ، يتلوّى بعنف، كما لو أن قوة جبّارة قد دفعته. حبات الرمل تتطاير حول جسده المترامي، وهو يزأر غاضبًا، مجروحًا.

ثم رآه.

شخص غريب يقف أمامه…

كان طويلًا، فارع الطول، يبلغ حوالي 180 سنتيمترًا. ذو بشرة بيضاء باهتة كالرخام، وشعر أسود قصير مائل للفوضى، تنسدل خصلاته الأمامية على جبهته وتغطي جزءًا من حاجبيه وعينيه، مما يضفي على وجهه ظلًا عميقًا وغامضًا.

كانت ملابسه عبارة عن قميصًا أسود طويلًا ضيق الأكمام، وسروالًا أسود بنفس الطول، تغطيهما سترة طويلة سوداء تصل حتى الكاحل، مهترئة الحواف، وكأنها عاصرت العواصف.

وفوق رأسه قبعة سوداء واسعة الحافة، تتدلى منها أجراس صغيرة فضية ، تُصدر رنينًا خافتًا مع كل حركة منه، وكأنها تحذر العالم من اقتراب الموت.

عينيه مخفيتان خلف نظارات شمسية داكنة تعكس الضوء، وعلى يديه قفازات جلدية سوداء مشدودة بإحكام. في يده اليمنى يحمل مظلة سوداء مزينة بأحجار صغيرة لامعة … لكن ما لم يتوقّعه ڤيريان، هو أنه سحب سيفًا طويلاً من داخل المظلة وكأنه يسحب روحًا من جسدها.

من دون كلمة، اندفع الرجل نحو الحوت.

كان الحوت يحاول النهوض، يُصدر زمجرة غليظة كأنها زلزلة، وفتح فمه الواسع، كاشفًا عن صفوف متعرجة من الأسنان الطويلة الحادة التي تلمع كالسكاكين.

اندفع الحوت للأمام، محاولًا ابتلاع خصمه، لكن الرجل قفز للأعلى، دوّر جسده في الهواء بخفة نادرة، وهبط على رأس الحوت مباشرة، وغرس سيفه في جمجمته.

صرخ الحوت بألم، وبدأ يتخبط بقوة، يحاول التخلص منه. لكن الرجل تمسك بزعانفه، وقفز على ظهره، و شق جسده من العنق حتى منتصف الظهر بحركة واحدة خاطفة، تتطاير منها الدماء بلون أزرق داكن في الهواء، كأنها نافورة من لعنة.

الحوت، رغم جروحه، لم يتراجع.

ارتفع بجسده من الرمال، وبدأ يضرب بذيله الأرض بقوة. الرمال انفجرت تحت القوة، وأراد إسقاط خصمه بأي وسيلة. انقلب، داس على الأرض، ثم قذف جسده نحو السماء، محاولًا سحقه بقوة الجاذبية.

لكن الرجل كان كأنما يتنفس القتال.

انحرف عن مساره، ثم وثب نحو جانب الحوت، وقطع إحدى زعانفه الأمامية بضربة حادة سريعة. صرخ الحوت، فقد توازنه، وسقط مجددًا.

أحاطه الرجل من الجهة اليمنى، و غرز سيفه في فمه المفتوح، ثم سحب السيف من الجهة الأخرى وهو يخطّ طريقه بوحشية مهيبة.

وأخيرًا، انهار الحوت، صوته يختنق تدريجيًا، ثم سكن تمامًا.

جسده الضخم تساقط على الأرض، و انفجرت من تحته بحيرة دماء واسعة، كأنها تشققت من رحم الأرض. الدماء انتشرت بسرعة، بلون أزرق غامق مائل إلى البنفسجي، كثيفة ولامعة تحت شمس الصحارى.

الرجل وقف بهدوء، تنفّسه ثابت، لا خدش واحد على جسده.

أعاد سيفه إلى داخل المظلة، وهزها بخفة، كأن شيئًا لم يحدث.

أما ڤيريان…

فكان لا يزال واقفًا في مكانه، يتنفس بصمت، وعيناه تتسعان من الدهشة والذهول. لم يصدق ما رأته عيناه…

هل هو شخص عادي؟

أم كائن خرج من مكانٍ لا ينتمي لهذا العالم؟

رنّت الأجراس الصغيرة المعلّقة في قبعة الرجل الغريب مع كل خطوة اقترب بها، يُحدث وقعها نغمة غامضة في الجوّ الساكن، كأنها نذير لشيء غير طبيعي. تقدّم ببطء نحو ڤيريان، وبهدوءٍ مطمئن، مدّ يده نحوه.

تجمّد ڤيريان مكانه، حدّق في اليد الممدودة باستغراب، ثم رفع حاجبه الأيسر ببطء، عينيه تراقبان الرجل بترقّب وريبة. كان صامتًا، يحاول فهم ما يجري.

نطق الرجل فجأة بلغة غريبة، حروفها تنساب كأغنية مكسورة، لا تشبه أي لغة سمعها ڤيريان في حياته. تجعّدت ملامحه، وقال بارتباك:

"ها؟ ماذا قلت؟"

كرّر الرجل كلماته مجددًا، بلغة لا تقل غموضًا عن الأولى. زفر ڤيريان ببطء، ونظر إليه بتململ، قبل أن يقول بنفاد صبر:

"ما الذي تحاول قوله بحق الجحيم؟!"

لم يبدو على الرجل أي انزعاج. بهدوء اعتاد عليه، سحب يده وأدخلها في جيبه، ثم أخرج حبّة سوداء صغيرة، ذات سطح ناعم يعكس الضوء بخفة غامضة. مدّها نحو ڤيريان، دون أن يقول شيئًا.

حدّق ڤيريان في الحبّة بشكّ واضح، رفع عينيه بتوجس إلى وجه الرجل، وقال بريبة:

"ما هذه؟ تبدو كأنها… هل هي مخدرات؟ أو نوع من السم؟"

ثم لوّح بيده رافضًا وتابع:

"لا، شكرًا. لا أبتلع أشياء من غرباء، خصوصًا إن كانت مشبوهة."

تنهّد الرجل ببطء، ثم، وبحركة خاطفة، أمسك بذقن ڤيريان بشدة، وأجبره على فتح فمه، ودفع الحبّة داخله بالقوة. حاول ڤيريان المقاومة، لكنه بلعها خطأ أثناء دفعه، وبدأ بالسعال وهو يصرخ بانزعاج:

"ما هذا الطعم المقزز… وكأنه فحم مبلل!"

وقف الرجل مكانه دون أن يتأثر، ثم قال ببرود:

"والآن؟ هل تفهمني؟"

فتح ڤيريان عينيه ببطء، كان عقله يدوّي، لكن… شيء ما تغيّر. صوت الرجل أصبح واضحًا، مفهومًا… لم يعد غريبًا.

رمش بدهشة، وارتبك للحظة، ثم قال بصوت منخفض:

"أ-أجل… نعم، أسمعك."

توقف لثوانٍ، قبل أن يهمس لنفسه بصدمة:

"تلك الحبة… هل هي سحرية؟ واو هذا حلم مدهش ."

مدّ الرجل يده مجددًا، هذه المرة بطريقة عملية باردة، وقال:

"أعطني مالًا. لقد أنقذتك، وهذا له ثمن."

حدّق ڤيريان في اليد الممدودة، ثم في وجه الرجل، وقال بذهول:

"مال؟ أنا… لا أملك شيئًا."

زفر الرجل بوضوح هذه المرة، وأدار وجهه بعيدًا وقال ببرود:

"رائع… مضيعة وقت."

ثم أضاف وهو يفتح مظلته السوداء ببطء:

"إن لم تكن تريد الموت، فارحل. لن أكرّر مساعدتي دون مقابل."

سار مبتعدًا، خطواته تعود لتصدر رنين الأجراس الصغيرة، وغطّى ظلّ المظلة وجهه بالكامل.

ڤيريان بقي في مكانه، ينظر نحوه بصمت. لم يعرف إلى أين يذهب. المكان غريب، مخيف، والشمس قاسية فوق رأسه. لم يكن يعرف لماذا هو هنا… فقط كان يعلم أنه لا يريد البقاء وحده.

بدأ يتحرّك، يتبع خطوات الرجل الغريب بصمت.

لاحظ الرجل الأمر، فتوقف فجأة، استدار إليه ببطء وقال بحدة:

"قلتُ لا تتبعني."

ثم استدار من جديد، لكنه لم يمنعه. واصل السير، وتنهّد بعمق، وقال في نفسه:

"يا إلهي… فيمَ ورّطت نفسي هذه المرة؟"

تابعا السير، الرمال تمتد أمامهما بلا نهاية، والمكان يزداد غموضًا كلما تقدما.

نظر ڤيريان حوله وهو يسير خلفه، ثم تساءل بصوت متردد:

"أين نحن؟ وهل أنت… بشري؟ كيف استطعت قتل حوتٍ بهذا الحجم؟ ما اسمك؟"

لم يردّ الرجل. استمرّ في السير وكأن الصوت لم يصله، لكن بعد خطوات قليلة، توقف. بدا كأن شيئًا ما لفت انتباهه. استدار، حاجب واحد مرفوع، وقال ببرود:

"ماذا قلت للتو؟"

توقف ڤيريان بدوره، لم يفهم السبب، لكنه كرر:

"قلت… أين نحن؟ وهل أنت بشري؟ كيف قتلت الحوت؟ ما اسمك؟"

نظر إليه الرجل نظرة طويلة، ثم أنزل رأسه قليلًا، وعاد يحدّق فيه من قدميه حتى عينيه، كأنه يقيّمه.

ثم، بنبرة باردة:

"أنت… لست من هذا العالم، أليس كذلك"

ظلّ ڤيريان يحدّق بالرجل الغريب بصمت، ملامحه متوترة، ونظراته حائرة بين الخوف والشك. مرر يده في شعره وهو يتمتم بنبرة مترددة:

"ها؟ ربما… لا أعلم."

لكنّ الرجل لم يبدُ مهتمًا بإجابات ضبابية. اقترب خطوة أخرى، خطواته تثير رنين الأجراس الصغيرة المعلّقة على قبعته، ذلك الصوت المزعج صار نذير خطر في أذن ڤيريان. ببطءٍ مقصود، سحب الرجل سيفًا رفيعًا ولامعًا من داخل مظلته، وكأنّ هذا الفتى الذي بالكاد يستطيع الوقوف يُشكّل تهديدًا يستحق القتل.

قال الرجل بنبرة حادة وهو يثبت نظره في عيني ڤيريان:

"أخبرني… من أنت؟ ومن أين أتيت؟"

كان هناك شيء في نبرة صوته هذه المرة… شيء يدل على أنه فهم أخيرًا أن ڤيريان مختلف. لعلّ اللغة، لعلّ الملامح… ما من شيء فيه بدا مألوفًا.

تراجع ڤيريان خطوتين، يداه مرفوعتان قليلًا، وصوته يرتعش:

"أنا… ڤيريان، من بلدة تُدعى ماريفن. أرجوك، اهدأ… يمكننا الحديث بهدوء—"

لكنه لم يُكمل.

بخفة مفاجئة، اخترق السيف جسده، أسفل أضلاعه من الجانب، تمامًا قرب كليته.

شهق.

الهواء خرج من رئتيه دفعة واحدة، وارتفع الألم في صدره ككتلة من نار.

توسّعت عيناه، يداه ارتفعتا تلقائيًا نحو الجرح، الدم بدأ يتسرب دافئًا بين أصابعه المرتجفة.

“هذا… هذا مؤلم…!”

بدأ يلهث. عقلُه صرخ بصوتٍ داخلي: لماذا أشعر بالألم؟ هذا حلم، أليس كذلك؟… لماذا لا أستيقظ؟!

سحب الرجل سيفه بهدوء، راقب الدم على نصل سلاحه للحظات ثم ابتسم. كانت ابتسامته غريبة… لا شماتة فيها، بل نوع من القناعة. وقال بنبرة غير مبالية:

"أوه… إذًا أنت لست من هذا العالم."

تجمّدت ملامح ڤيريان. رفع رأسه بصعوبة، نظراته تحمل بين الدهشة والخذلان:

"إن كنتَ تعلم أنني من عالم آخر… فهل ستقتلني؟"

أجابه الرجل وهو يعيد سيفه إلى مظلته كما لو لم يحدث شيء:

"لم أرغب بقتلك، كنت فقط… أتحقق."

صرخ ڤيريان بصوت متقطع من الألم:

"تتحقّق؟! بطعني؟! هل جننت؟!"

ردّ الآخر ببساطة:

"نعم. هذا السيف مسموم. وفي لحظة واحدة كان يجب أن تموت… لكنك لم تفعل. جسدك لم يتفاعل. هذا وحده يخبرني أنك دخيل."

زحف ڤيريان قليلًا إلى الوراء، وجهه شاحب كأنه على وشك الإغماء، لكنه قاوم، تنفس بصعوبة، وصاح ساخرًا:

"ما هذا الهراء؟! هل أنت مجنون؟ هل هربت من مستشفى للمجانين والمجرمين؟!"

توقف الرجل للحظة، ثم نظر إليه نظرة طويلة، باردة، وقال بصوت هادئ يخفي تحذيرًا:

"ربما… لكنّ وجودك هنا مشكلة. إن اكتشفك أحدهم كدخيل، ستكون ملاحقًا. الأسوأ… أنهم قد يعتبرونك فأر تجارب. شيء نادر يجب القضي عليه أو السيطرة عليه."

حدّق الرجل في السماء، حيث بدأت خيوط الشفق تُلوّن الرمال بلون نحاسي باهت، ثم أدار رأسه نحو ڤيريان مجددًا، عينيه جادتين هذه المرة، وصوته منخفض لكنه قاطع:

"اتبعني… ولا تنظر خلفك مهما حدث."

استدار دون أن ينتظر جوابًا، وبدأ يمشي، خطاه ثابتة رغم الأجراس التي تعلن كل حركة له.

أما ڤيريان، فظل جالسًا للحظة، يضغط على جرحه، أنفاسه متقطعة، لكن في عينيه بريق مقاومة. لم يكن يملك خيارًا آخر.

نهض بصعوبة، واتبع خطوات الرجل المجهول، بينما السماء خلفه كانت تبتلع الضوء ببطء… كما لو أن شيئًا كان يستعد للاستيقاظ مع حلول الظلام

كان الليل قد استقرّ تمامًا، والقمر يتدلى من السماء كعينٍ بيضاء تراقب من بعيد. الرمال امتدت من حولهما بلا نهاية، ساكنة… لكن الصمت لم يدم طويلًا.

صرخات.

ضعيفة أولًا… ثم أقرب.

ثم جاءت الهمسات ، كأن أحدًا يتحدث خلف أذنه مباشرة، دون أن يراه.

ارتجف ڤيريان قليلًا وتباطأت خطواته. لم يستطع منع نفسه من التوتر، كانت قدماه تهمّان بالتوقف وهو يستدير بخفة ليكتشف مصدر الأصوات.

لكن الصوت القاطع أوقفه.

"لا تنظر خلفك.”

قالها الرجل الغريب دون أن يلتفت، صوته هادئ لكنه محمّل بالتحذير.

توقف ڤيريان في مكانه، استدار بجسده جزئيًا نحو الرجل وسأله بصوت منخفض، أقرب للهمس:

"لماذا؟”

نظر إليه الرجل الغريب من زاوية عينه، نظارته الشمسية عكست ضوء القمر بلون باهت وهو يجيب:

"إن كنت تريد أن تظل على قيد الحياة، تجاهل كل ما تسمعه خلفك. تظاهر بأنك لم تسمع شيئًا مطلقًا.”

كان صوت الرجل صادقًا بشكل مقلق… لم يكن يخيفه، بل يُعلّمه. كأنه اعتاد هذا الأمر من قبل.

شعر ڤيريان بقشعريرة تزحف على عموده الفقري، لكنه لم يعلّق. اكتفى بإزاحة عينيه عن الرجل، ثم تنهد ببطء وركّز على جسده.

كان الجرح لا يزال ينزف.

مدّ يده إلى قميصه الممزق، مزّق قطعة طويلة منه، وأسند نفسه إلى صخرة قريبة، ثم لفّ القطعة حول خاصرته، مشدّدًا الضغط على موضع الطعنة، متألمًا، لكنه لم يئنّ.

عاد للمشي، هذه المرة بجانب الرجل الغريب، ونظر إليه للحظة، محاولًا كسر ثقل الصمت.

"حسنًا… أيها الرجل ذو النظارات الشمسية، أخبرني… ما هذا العالم؟”

لم يردّ الآخر في البداية. فقط واصل المشي بخطى واثقة فوق الرمال، ظل المظلة يغطي نصف وجهه حتى في هذا الليل.

ثم أخيرًا تحدث:

“نظارات شمسية؟ أهذا لقب؟”

ابتسم ڤيريان بسخرية، محاولًا التخفيف عن نفسه بالكلام:

"لقب جميل، ألا تظن؟ لكن… لحظة، ماذا عن ‘صاحب المظلة السوداء’؟ هذا يبدو أكثر غموضًا."

سارت خطواتهما على الرمال الناعمة تحت ضوء القمر الشاحب، فيما النسيم الليلي يلفح وجهيهما برقة مخادعة. بدا كل شيء ساكنًا، لكن التوتر يملأ الهواء بينهما.

قال الرجل الغريب بنبرة هادئة وهو يواصل السير دون أن يلتفت:

"أنا لا أهتم بالألقاب.”

أدار ڤيريان وجهه نحوه بابتسامة مرهقة، وعلّق بسخرية خفيفة:

"حسنًا، يا صاحب المظلة السوداء… أخبرني، أين أنا بالضبط؟”

توقّف الرجل للحظة، ثم ابتسم ابتسامة باهتة لم تظهر سوى في زوايا فمه، وهمس بصوت منخفض أشبه بالريح:

"أنت الآن في أرِمْ فارونا… أرض الوحوش، والمخلوقات الغريبة. هنا، لا يعيش سوى من يعرف كيف يقاتل. أما الآخرون… فيُنهشون أحياء. الحواش هنا لا تأكل البشر فقط، بل تستمتع بقتلهم.”

حدّق ڤيريان إليه، وعيناه تتسعان بشيء من التوتر، ثم قال محاولًا الحفاظ على صوته ثابتًا:

"هل تحاول إخافتي؟”

ردّ الرجل الغريب ببساطة دون أن يلتفت، وكأن السؤال لا يستحق حتى الرد:

"ولماذا أفعل؟ أنا فقط أخبرك بالحقيقة.”

تنهّد ڤيريان وهمس كأنه يحادث نفسه:

"إذًا… إلى أين نحن ذاهبان؟ هل سنتوقف قريبًا؟ أحتاج لبعض الراحة…”

هزّ الرجل رأسه وقال دون تردد:

"لا. هذا المكان لا يُسمح فيه بالتوقف. يجب أن نغادره بأسرع وقت ممكن.”

أخفض ڤيريان عينيه نحو الرمال، وشهق أنفاسًا مرتجفة. قال بصوت منخفض وهو يسير:

"حسنًا… "

لثوانٍ قليلة، عمّ الصمت بينهما.

ثم حدث ما لم يكن بالحسبان.

بينما يخطو ڤيريان بخطى ثقيلة متعبة، شعر بلمسة باردة، خفيفة… كأنها يد من ثلج وضعت برفق على كتفه.

تجمّدت أنفاسه في صدره، وقبل أن يتذكّر تحذير الرجل… التفت.

عيناه اتسعتا، جسده ارتعش بالكامل.

كان هناك…

وحش.

ذو جسد يشبه جسد الإنسان، لكن رأسه مفقود.

يمتلك خمس أذرع، تمتد من جانبيه وصدره وظهره، وكل ذراع تنتهي بفم مليء بأسنان حادة طويلة، تقطر بسائل داكن كالحبر.

كأنه مخلوق كابوسي خرج من كوابيس عقل مشوّه.

شهق ڤيريان بخفوت، كتم صرخته بصعوبة، وتراجع خطوة واحدة إلى الخلف.

في تلك اللحظة، توقف الرجل الغريب عن المشي، وحدّق إلى الأمام للحظة، قبل أن يقول بصوت بارد مليء بالتحذير:

"ألم أخبرك… ألا تنظر خلفك مهما حدث؟”

لم يلتفت، لم يظهر أي علامات خوف. كأن هذا المشهد تكرّر أمامه عشرات المرات من قبل.

أما ڤيريان…

كان قلبه يضرب صدره كطبول حرب، وصوت أنفاسه المتقطعة اختلط بأصوات الريح… و الوحش يزحف نحوه ببطء

2025/07/12 · 24 مشاهدة · 2530 كلمة
ميمي
نادي الروايات - 2026