كان الرجل ذو المظلة السوداء يسير بصمت، خطواته ثابتة على الرمل، بينما يتبع ڤيريان خلفه وقد بدأ الألم يعود للظهور ببطء كأن الجرح يطرق على وعيه. حين توقف الرجل فجأة، التفت بعينيه دون أن يحرك رأسه، وحدّق إلى مكان الجرح عند خاصرة ڤيريان.
قال بصوت خافت لكنه حاد:
“اربط ذلك الشيء.”
نظر ڤيريان للأسفل، فرأى الدم قد عاد يتسرب من بين طيّات قميصه الممزق. زفر بضيق، وجثا أرضًا ليعيد ربط قميصه المشدود حول الجرح، هذه المرة بإحكام أكبر، حتى كاد يشعر أن تنفسه انحبس.
همس بتهكّم وهو ينهض مجددًا:
“هل تملك شيئًا أكثر فائدة؟ شريط طبي، ضمادات، إسعافات أولية؟”
رد الآخر ببرود معتاد:
“لا… لا أملك.”
غرق الاثنان في صمت ثقيل، لا يقطعه سوى صوت الرمال تحت الأقدام ولفحات الريح التي تعبر الصحراء كأنها تهمس بأسرارها القديمة.
مرّت ساعات دون أن ينطقا بكلمة. الشمس كانت قد أشرقت، وتوهجها بدأ يرسم ظلالًا طويلة خلفهم، يمدّ الأجساد المنهكة على الرمل كأشباح تطاردهم من الخلف.
توقّف صاحب المظلة السوداء فجأة أمام منزل بدا وكأنه خرج من حكاية نسيها الزمن. كان يقف وحيدًا في قلب الصحراء، متهالكًا، الجدران طُليت بلون رملي شاحب تآكلت حوافه، والباب الخشبي الأمامي مائل قليلًا، كأنه تعب من الانتظار. نافذتان صغيرتان مغطاتان بستائر ممزقة ترفرف مع الرياح، وعلى السطح يظهر مدخنة قصيرة ملتوية، ربما لم يُشعل فيها نار منذ سنوات.
اقترب الرجل وطرق الباب مرتين بظهر يده.
أما ڤيريان، فقد كان يجرّ قدميه بصعوبة، وجهه مبلل بالعرق، ونبضه يطرق خلف أذنه كطبول حرب. وضع كفه المرتجف على الباب، وأسند رأسه عليه وهمس بتعب:
“هذا أسوأ ما مررت به في حياتي… أمشي وأنا مصاب، في صحراء، خلف رجل لا يملك حتى لاصق جروح.”
أجابه الآخر بسخرية ، دون أن ينظر إليه:
“لا تقلق… ستعتاد على ذلك قريبًا."
بعد مضي خمس ثوانٍ من طرق الباب، انفتح ببطء لتظهر خلفه امرأة ذات حضورٍ هادئ لكن لا يُستهان به. شعرها الأحمر ينسدل حتى رقبتها، مقصوص بعناية تامة وكأن كل خصلة فيه قد اختير موضعها بدقة. في أذنها اليمنى، تتدلّى زهرة صغيرة بلون أحمر قاتم، قرط واحد فقط، لكنه بدا كأنه يحمل قصةً لا تُروى.
كانت طويلة، ممشوقة القامة، تقارب المئة وسبعين سنتيمترًا، ذات بشرة حنطية مضيئة بضوء الشمس التي بدأت تتسلل من خلفهم. عيناها زرقاوان كأنهما قطعتان من بحرٍ صافي، عميقتان لدرجة أنك تشعر أنهما لا تريانك، بل تحللانك.
كانت ملابسها عبارة عن كنزة بيضاء عالية الياقة، بنسيج دافئ مطرز بنقوش ناعمة، وأكمام فضفاضة تنتهي بضيقٍ عند الرسغين. تعلو تنورة مزدوجة التصميم، بطبقة علوية قصيرة بيضاء من الدانتيل الرقيق، فوق طبقة داكنة زرقاء من قماش شفاف، تطل من تحته زخارف دقيقة تشبه أوراق الشجر المبللة بندى الفجر. خصرها مشدود بحزام كحلي يعقِده شريطٌ جانبي، ليمنح مظهرها لمسة من الأناقة المتقنة. كانت تمشي بخفة، بثقة، وكأنها تعرف من هي تمامًا ولا تحتاج لإثبات ذلك لأحد.
قالت بصوتٍ ناعمٍ قليلًا:
“أوه، لقد وصلت أخيرًا.”
فتحت الباب على مصراعيه دون استعجال، ليدخل الرجل ذو المظلة السوداء بخطواته المعتادة، يليه ڤيريان الذي لم يتمكن من كبح نظراته الفضولية، يحدق فيها وكأنها لا تنتمي لهذا المكان، أو كأنه يحاول فقط صرف نظره عن الألم الذي يأكل خاصرته.
كادت المرأة أن تتحدث، لكن قاطعها صوت الرجل وهو يتجه للداخل:
“عالجي هذا الفتى.”
وأشار بلا مبالاة إلى ڤيريان، ثم مضى نحو غرفة المعيشة كأن شيئًا لم يكن.
حدقت به لحظة، ثم وجهت نظرها لڤيريان، وقالت بهدوء:
“اتبعني.”
تبعها دون اعتراض. خطواته بطيئة، أنفاسه ثقيلة. كان الألم يغلي تحت جلده، لكنه التزم الصمت. دخل غرفة صغيرة نظيفة بطريقة مدهشة، كل شيء كان في مكانه، من ترتيب الأغطية إلى لمعان الأرضية. رائحة خفيفة من أعشاب طبية ملأت المكان، ممزوجة برائحة قطن مغسول حديثًا.
أغلقت الباب خلفهما، ثم أشارت إلى السرير الخشبي المرتب:
“اجلس.”
جلس، يمسك جانبه المصاب، يتأوه بصوتٍ خافت. لم تسأله، لم تواسيه، بل ذهبت نحو خزانة صغيرة، فتحتها بهدوء، وأخرجت بعض الأدوات: ضمادات بيضاء، خيط وإبرة، قطعة من المطهر. اقتربت، وبدأت بفك ربطة القميص عند مكان الطعنة، بانسيابية وهدوء. ثم توقفت لبرهة، حدقت في الجرح، وخرجت دون كلمة.
عادَت بعد دقيقة وهي تحمل منشفة وصحنًا صغيرًا فيه ماء دافئ. وضعتهما على الطاولة بجانبه، بللت المنشفة، وبدأت في تنظيف الدم من حول الجرح بحذر ودقة. لم يكن في وجهها أي أثر للاشمئزاز أو التوتر. بل كانت هادئة، دقيقة، كأنها تنظف بقعة على قماش وليس لحمًا مفتوحًا.
بعد عشرين دقيقة من التنظيف والتعقيم، أمسكت الخيط والإبرة، رفعت عينيها إليه وقالت فقط:
“تحمّل.”
اتسعت عينا ڤيريان وقال بسرعة:
“ألن تُعطيني مخدرًا؟!”
لكنها لم تجب.
وكأن السؤال لم يُطرح من الأساس، بدأت تخيط الجرح بصمت. إبرة تلو الأخرى تخترق الجلد، والخيط الأبيض يضيق فوق اللحم، وڤيريان يعضّ شفته من الألم، يتلوى قليلًا لكنه لم يصدر صوتًا. كانت عيناها مركزتين، أناملها ثابتة، نظراتها باردة لا تخلو من تركيز عميق.
وكأنها خيطت كثيرًا من قبل… وكأنها اعتادت على إسكات الجراح بالإبر أكثر من الكلمات
ساعة طويلة منذ بدأت تلك المرأة بخياطة جرحه، كان يراقبها بصمت، دون أن يملك شيئًا يقوله. وعندما رفعت رأسها أخيرًا، قالت بنبرة هادئة وهي تنهض:
“لقد انتهيت.”
رفع عينيه نحوها، متألمًا لكنه ممتن، وقال:
“شكرًا… ولكن، ما اسمك؟”
توقفت لحظة، حدقت به بعينيها الزرقاوين، ثم قالت بصوت خافت لكنه واثق:
“فايوليتا.”
بدأت ترتب الأدوات وتنظّف بقايا الدم بهدوء، ثم تابعت دون أن تنظر إليه:
“وأنت؟”
أجاب سريعًا:
“ڤيريان.”
ابتسمت ابتسامة قصيرة، شبه دافئة، وقالت:
“تشرفت بك، ڤيريان… العشاء سيكون الساعة السابعة مساءً.”
أومأ برأسه، وعيناه تتبعان خطواتها وهي تغادر الغرفة، ثم تُغلق الباب خلفها بهدوء.
تنهد بعمق، ثم انسدل بجسده المتعب على السرير، يحدق في السقف المضيء ببقايا شمس الغروب. مرّ كل شيء بسرعة، لكن الألم لا يزال ينبض في خاصرته… الوحوش، الرجل الغامض ذو المظلة السوداء، وفايوليتا التي لا يبدو أنها تخشى شيئًا… وكل هذا لم يكن حلمًا.
ولكن… كيف يعود إلى عالمه؟ إلى قصره؟
هل يبحث عن طريقة للعودة؟ أم يرضخ لهذا الواقع الجديد؟
أغمض عينيه ببطء، واستسلم للنوم.
⸻
فتح عينيه فجأة.
لكنه لم يكن في غرفته.
كانت الأرض حوله مغطاة بأزهار صغيرة متوهجة، تطير منها فراشات شفافة تشبه الكريستال، بيضاء كالنور، ترفرف حوله. امتدت واحدة منها، وسحبت يده برفق. لم يقاوم.
حدّق حوله وهو يسير خلفها… وعلى الجانبين كانت صفوف طويلة من القبور، بعضها مغطى بالحجارة السوداء، وبعضها محفور في الأرض دون شواهد.
السماء فوقه… كانت سوداء رمادية، والقمر في منتصفها، يتغير ببطء… نصفه يتحوّل تدريجيًا إلى لون أحمر كالدم.
شعر بقشعريرة في جسده، حاول سحب يده من الفراشة، لكن لا فائدة.
جسده لا يستجيب، وكأن شخصًا آخر يحركه.
توقفت الفراشة أمام شجرة ضخمة، كريستالية بالكامل، تتلألأ وكأنها من زجاج حي. تداخلت الأحجار اللامعة في جذعها، وفي منتصفها، كانت مربوطة فراشات كثيرة، وكأنها ضحية طقوس خفية.
لكن فجأة…
تحوّلت الشجرة كلها إلى سواد قاتم، وكأن الظلام ابتلعها.
تحولت الفراشات من بيضاء إلى حمراء وسوداء، بدأت تصدر همسات غريبة.
شعر بشيء دافئ وسائل أسفل قدميه، فنظر إلى الأرض… كان واقفًا على بركة من الدماء.
رفع رأسه، وإذا أمامه بحر دمٍ بلا نهاية، وفي وسطه تابوتٌ تلو الآخر، بعضها مغلق، وبعضها مفتوح.
تحرك صوت خلفه، وفي لحظة، شعر بذراع باردة تُطوّق عنقه، وصوت منخفض يهمس قرب أذنه:
“لقد وجدتك.”
صرخ بقوة، فتح عينيه وهو يلهث، ووجد نفسه مجددًا في غرفة فايوليتا، مغمورًا بالعرق، ونظره يركض في كل الزوايا.
رفع يده ببطء إلى أذنه… ما زال يشعر بتلك اللمسة.
نظر إلى المرآة… لا، لم يستيقظ من حلم… هو ما يزال في هذا العالم.
“ذلك لم يكن حلمًا”، همس لنفسه وهو يتنفس بصعوبة.
⸻
جاءه صوت من الخارج، صوت مألوف:
“العشاء جاهز!”
كانت فايوليتا تصرخ .
نظر من النافذة… الظلام قد حل، متى غربت الشمس؟ كم نام؟
تنهد ببطء، ثم غادر الغرفة.
دخل إلى غرفة المعيشة، حيث كان المكان دافئًا على غير عادة هذا البيت.
مدفأة نار صغيرة تشتعل في أحد الزوايا، وأمامها جلس كل من فايوليتا وصاحب المظلة السوداء على الأرض، يأكلان بصمت.
قال ڤيريان وهو يحدق بالمشهد:
“ألا تملكون طاولة طعام؟”
أجابت فايوليتا بنبرة عادية وهي تمسك قطعة خبز:
“لا، تعال وكُل قبل أن يبرد الطعام.”
جلس بينهم، يمد يده نحو قطعة لحم ساخنة، رفعها إلى فمه… ثم تجمّد.
فايوليتا… لا تتحرك.
صاحب المظلة… جالس في مكانه، عيونه مغطاة بنظارته، لا يظهر أي تعبير.
لكنهم لا يطرفون، لا يأكلون، لا يتنفسون.
فايوليتا أغلقت عينيها.
وصاحب المظلة… من يعلم؟ لا يمكن رؤية عينيه خلف النظارات السوداء.
رفع ڤيريان حاجبه، ببطء، وهو يحدق بهم في توتر.
هل… يفعلون طقوسًا؟
توقف اللحم في منتصف الطريق بين يده وفمه…
“لا تقل إنني وقعت وسط طائفة مجنونة…"