جلس ڤيريان بينهم مجمّدًا، يحدق في فايوليتا وصاحب المظلة السوداء بصمت وقلق. لم يكن وحده من تجمد، بل بدا وكأن الزمن نفسه قد توقّف… لم يتحرك أحد، لم ينبس أحدٌ ببنت شفة.

ثم…

صوت الباب يُفتح ببطء، حفيف خفيف كأن شيئًا ما زحف خلفه.

تحرّك صاحب المظلة السوداء أولًا. رفع يده ببطء نحو مظلته الموضوعة بجانبه، وكأنه استشعر خطرًا قادمًا. في تلك اللحظة، فتحت فايوليتا عينيها، ونظرتها تغيّرت بالكامل… أصبحت حادة، متأهبة، مستعدة للقتال.

“لا تقل لي أن هناك وحوشًا أخرى أيضاً…” همس ڤيريان في داخله، وهو يلتفت ببطء نحو الصوت القادم.

خطوات…

تقترب. ببطء، ثقيلة، وكأنها تزن الأرض.

لكن ڤيريان لم يعد يحتمل الجوع. ببطء، سحب قطعة من اللحم، وقربها من فمه، محاولًا أن يقضمها بلا صوت… مجرد لقمة، مجرد راحة وسط هذا الجنون.

ثم… ظهرتا.

من عتمة المدخل، خرجت امرأتان، لم تكن ملامحهما بشرية تمامًا

الأولى… طويلة، طولها يقترب من ١٨٩ سم، بشرتها شاحبة لدرجة الرماد، ترتدي فستانًا أحمر قصيرًا يصل لركبتيها، وكعبًا أحمر لامعًا، يُصدر طقطقة مع كل خطوة.

لكن الأكثر رعبًا… هو شعرها.

لم يكن شعرًا… بل مجموعة من الثعابين السوداء الحيّة، تتحرك ببطء وتنفث بخفة، وكأنها تشعر بالفرائس.

أما الثانية… فكانت أكثر غرابة. صلعاء تمامًا، بشرتها أكثر شحوبًا، تكاد تكون بلون الطباشير، وعلى خدّها الأيمن صفٌ من الأسنان الحادة ، كأن جلدها انشق عنها ليكشف وحشًا بداخلها.

كانت ترتدي قميصًا أبيض نظيفًا، وسروالًا أسود أنيقًا، وطولها يلامس ١٩٠ سم.

ڤيريان تجمّد، بينما صاحب المظلة السوداء نهض بسرعة، وسحب مظلته بطريقة حادة، ثم اندفع نحو المرأة الصلعاء، وبدأ القتال.

“من أنتما؟!” صرخ بصوته العميق بينما يلوح بالمظلة وكأنها شفرة ضخمة.

لكن المرأة الصلعاء لم ترد… بل أطلقت صوتًا خافتًا، بلغة غريبة، متكسرة، بدت وكأنها لغة الوحوش. رمشت فايوليتا، ثم اندفعت هي الأخرى.

بخطوة واحدة أمسكت بأريكة خشبية صغيرة كانت بجوار المدفأة، ورفعتها بقوة غير منطقية، ثم رمتها نحو ذات الشعر الثعباني.

الفتاة ذات الثعابين وسعت عينيها بذهول، ثم تراجعت نصف خطوة، قالت فايوليتا هامسةً:

“من تكون هذه المرأة…؟”

أما ڤيريان… فكان قد نسي اللقمة في فمه، وبدأ يراقب ما يشبه عرضًا قتالياً فوضويًا…

فايوليتا كانت تتحرك بخفة قاتلة، تضرب وتتفادى، تقفز وتتلوّى، وعينها لا تترك خصمها.

وصاحب المظلة السوداء… كان يقاتل بهدوء، بحساب، يتحرك كأن خطواته موزونة بموسيقى خفية. سحب من تحت معطفه سكينًا صغيرة، ورماها تجاه رقبة المرأة الصلعاء… لكنها انحرفت في اللحظة الأخيرة، وكأنها استشعرت حركته قبل أن تحدث.

وفجأة…

صوت جديد.

باب آخر يُفتح.

يدخل شاب طويل، طوله قرابة ١٨٠ سم، بشعر أشقر مجعد يصل تقريبًا إلى عينيه.

عيناه عسليتان، بريقهما يتوهج وسط الفوضى.

كان ملابسه عبار عن قميصًا زيتي اللون، بأكمام طويلة مرفوعة قليلاً، وربطة عنق سوداء فضفاضة. سروالاً كان أنيقًا داكنًا، وعلى خصره كان يحمل مسدسين من نوع سيج ساور ، مثبتين في حزام جلدي أسود.

قال بصوت هادئ، لكنه يحمل نغمة غير قابلة للتفاوض:

“توقفوا… لا تقتلوا زوجاتي.”

تجمّد المكان.

نظرت فايوليتا وصاحب المظلة السوداء إليه في صدمة. حتى المرأتان الغريبتان توقفتا.

زوجاته؟!

رفع ڤيريان حاجبه، ولا يزال يضغط على قطعة اللحم بأسنانه، نصفها داخل فمه، والنصف الآخر بالخارج

ساد صمت مشحون في غرفة المعيشة، تُقطّعه ألسنة النيران المتراقصة في المدفأة. كان ڤيريان جالسًا في المنتصف، يواصل مضغ طعامه ببطء، بينما عينيه تتنقلان بين الثلاثة الواقفين أمامه وكأنهم مشهد مأخوذ من مسرحية عبثية لا يفهم أحد حبكتها.

رفعت فايوليتا حاجبها وقد تقلصت تعابير وجهها بين الدهشة والغضب، ثم قالت بنبرة حادة:

“زوجاتك؟! ريان… هل فقدت عقلك؟ منذ متى تحوّل وحشان إلى زوجتين؟”

صاحب المظلة السوداء، الذي كان لا يزال يحمل سلاحه، تنهد ببطء وكأن هذا الحديث يستهلك ما تبقى من أعصابه، وقال ببرود وهو يشيح بنظره عنهم:

“هذا جنون… ببساطة.”

ريان، الشاب ذو الشعر الأشقر الكيرلي، ابتسم بخفة وهو يفتح ذراعيه قائلاً بنبرة معتدة:

“أرجو أن تُظهروا بعض الاحترام… اسمحوا لي أن أقدم لكما زوجاتي العزيزتين. صوفيا،” وأشار إلى المرأة ذات شعر الثعابين السوداء، التي وقفت بثقة وكأنها ملكة فوق عرش من السمّ،

“وأوليفيا،” قال وهو يومئ برأسه نحو المرأة الصلعاء ذات الأسنان الحادة، التي لم تبدِ أي تعبير… فقط وقفت في صمت غريب، تراقب.

فايوليتا وضعت يدها على خصرها، تنظر إليه وكأنها تحاول استيعاب ما سمعته للتو، ثم قالت بحدّة:

“نحن لم نطلب منك عرضًا رومانسيًا، ريان… نحن طلبنا تفسيرًا! كيف تصبح الوحوش زوجات؟ وأنت؟! بشريّ؟! منذ متى وأنت تُعجب بكائنات نصفها قاتل؟”

ضحك ڤيريان بخفة من مكانه وهو يواصل الأكل

يبدو أنهم أصدقاء قدامى.

ريان أدار وجهه نحوهم وقال بنبرة فيها شيء من الحنين:

“كان حبًا من النظرة الأولى… عندما رأيت صوفيا لأول مرة وهي تخرج من كهف الظلال، كانت ثعابين شعرها تهمس بلغة لا يفهمها أحد… وقلبي؟ بدأ ينبض بطريقة لم أعهدها من قبل.

أما أوليفيا… فقد أنقذتني من وحش كان سيفصل رأسي عن جسدي. في تلك اللحظة، نظرت إليها، رغم أنها لم تملك شعرًا… رأيت في عينيها العالم كله.”

ثم تابع بجدية:

“فكرت… في هذا العالم المجنون، لا أحد يعلم متى يموت. فقررت… قبل أن يحدث لي شيء، أن أعيش على طريقتي. أن أتبع قلبي، حتى لو قال الجميع إنني مجنون.”

فايوليتا زفرت وهي تهز رأسها، ثم جلست على الأرض مجددًا أمام الطبق الكبير، وكأن كل ما قيل للتو تجاوز قدرتها على الرد.

أما صاحب المظلة السوداء، فقد عاد لمكانه، مسح سلاحه بهدوء ثم قال:

“فليكن… فقط لا تجلب مشاكلك الرومانسية إلى عتبة هذا البيت.”

ابتسم ريان برضا، بينما اقتربت صوفيا وجلست بجانبه كأنها حامية له، تلتف ثعابينها حول كتفه، واحدة منهن تهمس في أذنه، في حين وقفت أوليفيا خلفه بصمت، ووجهها الخالي من المشاعر لا يدل على أي انفعال

جلس ريان على الأرض بجانب زوجتيه، وعلى وجهه ابتسامة غير مبالية بينما يمد يده ليلتقط ثمرة صغيرة من الطبق الموضوع أمامه. ثم نظر نحو ڤيريان، الفتى الذي بدا غريبًا عن كل ما حوله، وتحدث بنبرة مريحة لكن تحمل فضولًا حادًا:

“ومن هذا الفتى؟”

كان ڤيريان يتناول قطعة من الخبز، لكن عند سماعه السؤال، توقفت يده في الهواء. رفع عينيه ببطء، يحدق بريان دون أن يقول شيئًا، بينما تدخل صاحب المظلة السوداء بصوته الرتيب والمألوف:

“اسمه ڤيريان. يبلغ من العمر تسعة عشر عامًا. وجدته تائهًا في وسط الصحراء.”

أمال ريان رأسه بخفة، وكأن شيئًا أثار اهتمامه فجأة، وقال:

“في الصحراء؟ همم… لحظة، هل دفع لك أجرك يا فالريوس؟”

توقفت أنظار ڤيريان للحظة، يحدق في صاحب المظلة، ثم يكرر في ذهنه الاسم الجديد: فالريوس؟… إذًا أخيرًا عرف اسمه.

أما فالريوس، فلم يُظهر أي تفاعل سوى زفرة بسيطة خرجت من صدره قبل أن يرد بجفاف:

“لا. لا يملك مالًا، ولا أي شيء آخر.”

ابتسم ڤيريان بخفة، وربما بسخرية خفية، وهو يحدق في فالريوس، وكأنه يشعر بالنصر بعد أن عرف الاسم الذي لم يُفصح عنه منذ أن التقيا.

تقاطعت نظرات الجميع، قبل أن تتحدث فايوليتا من مكانها، وهي تميل قليلًا إلى الأمام واضعة مرفقها على ركبتها، وقالت بنبرة محايدة لكنها غير خالية من التساؤل:

“إذًا… لما أحضرته؟”

أجاب فالريوس دون أن يلتفت نحوها، عينيه لا تزالان خلف عدسات نظارته السوداء:

“لأنه لا ينتمي إلى هذا العالم. هو شخص عادي، وجاهل بما يجري هنا… باختصار، عبء لا يعرف كيف يحمي نفسه.”

مرت لحظة من الصمت، تبادل فيها الجميع النظرات، بينما خفض ڤيريان رأسه قليلًا، لا يعرف ما إذا كان عليه الشعور بالإهانة أم أن يبتسم مجددًا بتهكم.

لكنه أدرك شيئًا واحدًا…

رغم كل البرود الذي يحيط بشخصية فالريوس،

إلا أنه… لم يتركه هناك في الصحراء

تأمل ريان وجه ڤيريان للحظات، ثم انحنى قليلًا إلى الأمام وهو يمد يده ليعبث بشعرة من شعره الأشعث، وقال بنبرة مازحة لكن تحمل شيئًا من الجدية:

“إذًا، ماذا سنفعل به؟ هل نجعله خادمًا؟”

شهقت فايوليتا بخفة وهي تجلس متقاطعة الساقين، ثم نظرت إليه بنظرة حادة وقالت باستياء واضح:

“هل جننت؟! طفل مثله يكون خادمًا؟ هذا مستحيل تمامًا!”

ضحك ريان بصوت منخفض وهو يرفع إحدى حاجبيه، ثم التفت نحوها قائلًا بسخرية:

“وأنتِ، أيتها العجوز… ماذا تقترحين إذًا؟”

تسمرت نظرة ڤيريان عليهما، مرتبكًا من الكلمة التي خرجت لتوها من فم ريان، عجوز؟

هل كان يقصد أن فايوليتا… كبيرة في السن؟

لكنها بالكاد تبدو في أواخر العشرينيات من عمرها، جميلة، قوية، وصوتها يحمل طاقة لا توحي بالشيخوخة على الإطلاق.

عبس قليلاً، غير قادر على تحديد إن كانت تلك الكلمة إهانة أم مجرد نكتة غريبة بين أصدقاء قدامى.

رفعت فايوليتا ذقنها بشموخ وهي تتجاهل تعليقه، ثم قالت بحزم وهي تشير برأسها نحو ڤيريان:

“لينضم إلينا. في النهاية، هو ليس أكثر من طفل، من العبث أن نعامله كخادم. إن كان لا يعرف كيف يعيش هنا… فليتعلم معنا.”

ساد الصمت لوهلة. تبادل ريان وفالريوس نظرات قصيرة، في حين كان ڤيريان يراقب بصمت، قلبه ينبض بشيء بين الخوف والفضول… وربما، أمل صغير لم يفهمه بعد

تبادل الجميع نظرات صامتة، حتى قطع فالريوس الصمت بصوته البارد الرتيب، وقد أسند ظهره للحائط مكتف اليدين:

“ولكنه لا يجيد القتال… ومثير للمشاكل. كيف بالضبط سينضم إلينا؟”

أجفلت فايوليتا قليلًا، ثم استقامت في جلستها وحدّقت فيه بحدة وهي تقول بثقة:

“سوف نُعلّمه كيف يقاتل!”

رفع فالريوس حاجبًا واحدًا، ثم أطلق تنهيدة طويلة وكأن الكلمات أثقلت عليه، وقال بنبرة كسولة متحفظة:

“أنا أرفض ذلك. لن أكون معلمه. لا أريد أن ينتهي بي المطاف بمصدّع الرأس من الصراخ طيلة الوقت.”

أدار ريان نظره بعيدًا وهو يعبث بحزام مسدسه، وقال بلا اهتمام ظاهر:

“وأنا… حسنًا، لا أملك أي خبرة في تعليم الآخرين، ناهيك عن أنني لا أتحمّل التكرار.”

وبينما خيّم صمت ثقيل مجددًا، فجأة، ارتفعت يد فايوليتا وضربت الأرض بقوة باستخدام قبضتها، فانشق البلاط تحتها بصوت مكتوم جعل الجميع يتجمد للحظة.

قالت بنبرة غاضبة، لكن واضحة وصلبة:

“لا تتهربا بعذركما السخيف! شخص ضائع مثل ڤيريان لن يصمد يومًا بدون توجيه، وإن كنّا حقًا مختلفين عن الآخرين… فلا نترك من يسقط خلفنا.”

ارتفع حاجبا ڤيريان وهو يحدق بها بدهشة، بينما قلبه ينبض بقوة.

إنها قوية …بحق

لم تكن مجرد امرأة جميلة أو مضيفة منزل رحيمة… بل صخرة لا تهتز أمام الاعتراض، حتى أمام رجلين مثل فالريوس وريان

كان ڤيريان جالسًا بصمت، يحدّق في يديه المتشابكتين في حجره، أصابعه تضغط ببعضها بشدة، كما لو كان يتمسك بشيء يهرب منه. رفع عينيه قليلًا، ثم تنهد ببطء وقال بصوت منخفض، فيه بقايا من خوفٍ وصدق:

“أنا… أريد العودة إلى عالمي. لا أريد شيئًا منكم. في النهاية، أنا مجرد شخص غريب بينكم… أعلم أنكم لا تثقون بي، فأنتم ترونني دخيلاً من عالمٍ آخر.”

ساد صمت قصير، ثم رفعت فايوليتا حاجبها الأيسر ببطء، مائلةً برأسها قليلًا ناحية فالريوس، وقالت بنبرة خفيفة:

“عالم آخر؟”

نقلت نظراتها بفضول نحو ڤيريان، ثم عادت تحدّق في فالريوس بتركيز، وكأنها تطلب تفسيرًا أعمق.

أومأ فالريوس برأسه مرة واحدة، إشارة تأكيد صامتة، ثم قال بصوته الهادئ والجاد:

“هو لا يشبه أي أحد من عوالمنا… لا بطريقة كلامه، ولا بنمط طاقته. إن حديثه حقيقي.”

اتسعت عينا ريان قليلًا، وقد استند على مرفقه وهو يحدّق في ڤيريان من جديد باهتمام أكبر، ثم قال بنبرة مليئة بالدهشة:

“عالم آخر، ها؟ الآن بدأت الأمور تزداد إثارة…"

قالت فايوليتا وهي تقاطع حديثهم بسخرية خفيفة، بينما تعقد ذراعيها:

“عالم آخر، ها؟ ما هذا الهراء الآن؟! ربما، كغيره من الضائعين ، مجرد شخص تعثر بطريقه إلى عالمنا الغريب .”

لكن فالريوس، الذي كان جالسًا بجانبه بهدوء ثقيل وظلال مظلته تحجب جزءًا من وجهه، تحدث بنبرة باردة، خالية من الانفعال:

“لا… هذه المرة مختلفة. إنه لا ينتمي لأي من العوالم السبعة. إنه دخيل… تائه بالكامل.”

رفعت فايوليتا حاجبها الأيسر ببطء، وقد تلاشت السخرية من ملامحها، وقالت بشك:

“ولماذا تبدو واثقًا إلى هذا الحد؟”

أجاب فالريوس دون أن يغير نبرة صوته:

“لأني سافرتُ عبر جميع العوالم السبعة… أعرفها حق المعرفة. لغاتهم، طريقتهم في الكلام، سلوكياتهم، حتى نظراتهم. أما هو، لغته غريبة، وطريقته في التصرف… ساذجة، لا تشبه أحدًا. لا يعرف ما هو الوحش، لا يملك فكرة عن القتال، لا يعرف القوانين ولا الخرائط ولا حتى الأساطير البسيطة… إنه أجنبي تمامًا.”

تحول نظر ڤيريان إلى فالريوس ببطء. عوالم سبعة ؟

هل هناك هذا العدد من العوالم ؟ كم عدد الأكوان التي لا يعرف عنها شيئًا ؟

ساد صمت ثقيل، تبادلت خلاله العيون نظراتها بصمت. بدا على الجميع الحذر، وكأن شيئًا لم يُقال بعد. وأخيرًا، قطع ريان الصمت وهو يميل للأمام قليلًا وقال باهتمام:

“أخبرني، أيها الفتى… كيف وصلت إلى هنا؟”

تردد ڤيريان للحظة، ثم أطلق زفيرًا طويلًا، وكأنه يُخرج من صدره شيئًا أثقل من الكلمات، وقال بصوت خافت:

“حسنًا… هذا الأمر غريب حتى بالنسبة لي.”

صمت لوهلة وكأن الذكريات تتسلل ببطء إلى لسانه، ثم تابع:

“كنت في قصر قديم…كان من أملاك والدي ، لكن منحتني إياه زوجة أبي . قالت إنه إن استطعت أن أعيش فيه وحدي، فسأثبت جدارتي ، وتُعطيني حصتي. في مال والدي .”

نظر إلى الطاولة أمامه، عينيه تائهتان، كأنهما تعيدان تشكيل المشهد من البداية.

“القصر كان صامتًا… موحشًا. الجدران عالية، والسقوف تعج بالظلال، وكل شيء فيه بدا كأن الزمن قد نسيه. لكن ذات ليلة… ظهرت فجأة فراشات بيضاء، شفافة، تلمع كالبلور تحت ضوء خافت… كانت تحوم حولي، تضيء المكان بجمال مخيف.”

ارتجف صوته قليلًا:

“بدأت تسحبني نحو القبو. بالطبع، رفضت. شعرت أن شيئًا ليس طبيعيًا… لكن قبل أن أتحرك، شعرت بها تمسك قدمي، لا تسألني كيف! لم تكن فراشات عادية، كانت أقرب لشيء حيّ يملك نية… سُحبت نحو الأسفل… ثم قررت أن أتابعها، ربما بسبب الفضول، ولكنني لم استطع المقاومة. في النهاية… ظننت أنني في حلم.”

ثم ابتلع ريقه وتابع بصوت منخفض:

“في قبو القصر… كان هناك باب لم يكن موجودًا من قبل. باب خشبي داكن، متشقق، تتخلله رموز غريبة، كأنها من زمنٍ سحيق. وفي منتصفه، دائرة فضية… كانت تنبض بوميض خافت، كأنها قلب ينبض في الظلام.”

أخذ لحظة صمت، ثم أكمل:

“الفراشات تجمّعت حول الباب، شعرت كأنها تطلب مني أن أفتحه. لم أفهم كيف، لكنني شعرت بذلك. رفضت… لم أرد التورط، ولكن الباب… فتح من تلقاء نفسه.”

نبرته انخفضت حتى كادت تختفي:

“ثم… ظهرت دوامة… ثقب أسود يبتلع كل شيء من حوله. الأثاث، الجدران، حتى الضوء… وأنا. حاولت الهرب… ولكن لم استطيع . في لحظة، تم سحبي داخله.”

ثم رفع عينيه إلى ريان، وقال بهدوء:

“واستيقظت هنا… في هذا العالم.”

ساد صمت طويل، كأن الجميع يحاول هضم ما سمعه للتو. شيء لم يكن متوقعًا، شيء لا يُفسر بسهولة.

نظراتهم تحولت من الريبة… إلى التفكير العميق

جلس ريان متربعًا على الأرض، تحيط به زوجتاه بصمت، بينما ظلّ يحدق في ڤيريان بنظرة متفحصة لا تخلو من الريبة. ثم مال قليلاً للأمام، وأسند ذقنه إلى كفه، وقال بنبرة مشككة:

“همم… حسنًا، قصتك أغرب مما توقعت. باب يفتح من تلقاء نفسه؟ فراشات تجرّك؟ وتقول إنها تملك نية؟”

رمق فالريوس بنظرة جانبية، وأردف:

“ما رأيك في كل هذا، فالريوس؟”

أجاب الأخير ببرود تام، صوته لا يحمل أي مشاعر واضحة:

“لا يهمني. ليس من شأني كيف وصل هذا الفتى إلى هنا.”

قطّب ريان حاجبيه باستغراب وقال:

“ولكنك أنت من جلبه معنا، أليس كذلك؟”

تحرّك فالريوس في جلسته قليلًا، وأسند مرفقه إلى ركبته قبل أن يرد بلهجة خالية من الانفعال:

“وإن يكن؟ هل كنتَ تفضل أن أترك طفلًا ضائعًا يتجول في صحراء هذا العالم المليء بالوحوش والخراب؟”

صمت ريان لثوانٍ، ثم تنهد ببطء، وعلّق بنبرة أقل تهكمًا:

“وما أدراك؟ ربما يكون هو الخطر الحقيقي. ربما يكون تهديدًا خفيًا لنا جميعًا.”

رفع فالريوس بصره نحوه، نظرته عميقة وثابتة، ثم قال بجفاف قاتل:

“لو اتضح أنه كذلك… فسأقتله.”

ساد صمت ثقيل، تداخل فيه صوت اشتعال النار في المدفأة مع خفقان قلب ڤيريان، الذي كان يجلس بصمت، يراقب الحوار بنظرات قلقة. شعر لوهلة أن حضوره قد أشعل فتيل الشك، وأن مصيره بات معلّقًا بخيط ناعم يتدلّى من يد هذا الرجل البارد المجهول

2025/07/19 · 15 مشاهدة · 2404 كلمة
ميمي
نادي الروايات - 2026