لم ينبس أحدٌ منهم بكلمة، واكتفوا بتبادل النظرات العابرة أو التحديق في الأرض ….. خمس دقائق مرّت ببطء قاتل.
ثم كسر ريان الصمت، صوته هادئ لكنه محمّل بنبرة درامية غير مألوفة:
“ڤيريان… أخي الضائع.”
نهض بخفة من مكانه، واتجه نحو ڤيريان، ثم جلس بجانبه ببطء وكأن المشهد معدّ سلفًا، وأسند كفه على كتفه قائلاً بنبرة مصطنعة العطف:
“أين كنتَ عندما كنت أبحث عنك؟ لقد افتقدتك، أخبرني… كم كان يملك والدك من المال؟”
رمش ڤيريان ببطء، وحدّق في وجه ريان المقرّب بشكل مريب. تجمد في مكانه، وفكر بدهشة مشوبة بالشك:
ما هذه التصرفات المفاجئة؟ هل يحاول استغلالي ؟ منذ متى أصبح مهتمًا فجأة؟
همس بصوت منخفض وهو يرفع حاجبه:
“منذ متى صرتَ أخي؟”
ابتسم ريان، ابتسامة عريضة مبالغ فيها، وأجاب بحماس غريب:
“منذ خرجت من بطن أمك! نحن الآن عائلة، أخي! سأحميك مهما حدث… سنسافر معًا، وسنرى النجوم سويًا، سنغني، نأكل، نمرح!”
نظر إليه ڤيريان بتوجس، وعاد يهمس، لكن هذه المرة بصوت مائل للسخرية:
“إن كنا عائلة حقًا… فلنبحث عن ذلك الباب الذي جلبني إلى هذا العالم.”
اقترب ريان قليلًا، نبرته الآن أخفض، وكأنّه يكشف عن وجهه الحقيقي، وهمس بخبث:
“كم تعطيني من إرث والدك… لو ساعدتك في ذلك؟”
سحب ڤيريان أنفاسه ببطء، ثم أجابه بجفاف:
“أنا لا أملك شيئًا. كل ما كان لأبي… استولت عليه زوجة أبي. لم يتبقَّ لي سوى قصر قديم مهجور، ورائحة الذكريات.”
سكت ريان للحظة، تلاشت ابتسامته تدريجيًا، ثم ابتعد قليلاً، وكأنه يبحث عن جملة جديدة تخدم نواياه المتبدلة
أمال ريان جسده قليلًا نحو ڤيريان، ملامحه مليئة بالحماس الزائف، وقال وهو يلوّح بيده كما لو كان يعرض صفقة لا تُرفض:
“ما رأيك أن نبيع القصر بثمن باهظ؟ ثم نقسم المال بيننا، نصفٌ لي… ونصفٌ لأخي العزيز.”
لم يردّ ڤيريان مباشرة. ظلّ يحدق فيه ببرود، ثم قال بنبرة هادئة، لكن مشوبة بالاستغراب:
“وكيف تنوي دخول عالمي أصلاً؟ الباب الذي أوصلني إلى هنا… لم يعد موجودًا في هذا العالم.”
ساد صمت ثقيل للحظة، كأن كلمات ڤيريان خفضت حماسة ريان إلى النصف، قبل أن يتنهد الأخير ويقول على مضض:
“حسنًا… إذًا لنبحث عن ذلك الباب.”
تدخّل صوت فالريوس من خلفهما، ببروده المعتاد، ليقطع الحديث:
“لن أبحث معكم.”
استدار ريان ببطء نحو فالريوس، حاجباه مرفوعان، وتساءل بنبرة فيها شيء من السخرية:
“لماذا؟ ألا تحب المال؟ أليس هو الشيء الوحيد الذي لا يختلف عليه أحد؟”
أجابه فالريوس دون أن يهتزّ صوته:
“أجل… أحب المال، والكل يحبه. لكنني لا أحب أن أخاطر بحياتي من أجل فكرة غبية، تبحث عن باب لا نعلم إن كان موجودًا أصلًا.”
ثم أدار ظهره، وتقدّم بضع خطوات بعيدًا عنهم، وكأن الحديث انتهى بالنسبة له، بينما بقي ريان يحدّق به بتضايق
تنهد ريان ببطء، وكأن ثقل العالم استقر على كتفيه، ثم التفت نحو البقية وقال بنبرة متعبة:
“إذًا… ماذا نفعل بشأن هذا الطفل؟ فالريوس رفض فكرة البحث عن الباب، وكأن الأمر لا يعنيه.”
عمّ صمت قصير، ثم تقدّمت فايوليتا بخفة خطواتها، نظرت إلى ڤيريان نظرة سريعة، ثم ابتسمت وقالت بنبرة هادئة ولكن حازمة:
“دعه ينضم إلينا.”
ثم التفتت نحو ريان، وابتسامتها تزداد اتساعًا، وأضافت بنغمة مرحة لا تخلو من السخرية:
“بما أنك تعتبره أخاك… اعتنِ به.”
قبل أن يتمكن ريان من الرد، كانت قد أدارت ظهرها وغادرت بخفة، كما لو أنها لا تترك له خيارًا.
اتسعت عينا ريان قليلًا، مدّ يده للأمام كمن يحاول الإمساك بكلمة قبل أن تهرب، وقال بصوت مرتفع:
“انتظري! كنت أمزح! أنا لا أعرفه أصلًا!”
لكن فايوليتا كانت قد اختفت عن الأنظار، تاركة خلفها صمتًا ثقيلًا.
أطلق ريان تنهيدة طويلة، ثم التفت ببطء نحو ڤيريان. تبادلت أعينهما النظرات، لم ينبس أحدٌ منهما ببنت شفة، إلى أن هزّ ريان رأسه وقال لنفسه هامسًا، وكأن اعترافًا داخليًا خرج دون إذن:
“لقد ورّطت نفسي…”
ظلّ ڤيريان يحدق فيه بصمت، لا يفهم تمامًا ما يدور حوله… لكن شيئًا في داخله أخبره أن هذه البداية… مجرد البداية
ڤيريان وهو يحدق في ريان بنظرة هادئة، ثم قال بنبرة مائلة للجدية:
“أنت لست مُجبرًا على الاعتناء بي… في النهاية، أنا لست طفلًا.”
ضحك ريان بسخرية خفيفة وهزّ رأسه، ثم رد بنبرة مرحة:
“بل أنت كذلك… أنت أصغر منّا جميعًا.”
رفع ڤيريان حاجبه ببطء، وكأن كلمات ريان قد أثارت فيه فضولًا غريبًا، وقال:
“أوه؟ وكم أعماركم يا ترى؟”
ردّ ريان ببساطة مدهشة، كمن يذكر عدد أكواب الماء التي شربها اليوم:
“أنا أبلغ من العمر خمسة وعشرين عامًا، فالريوس عشرون… وفايوليتا؟ خمسة وخمسون.”
تجمّدت ملامح ڤيريان، واتسعت عيناه كما لو أنه تلقى صفعة غير متوقعة:
“خمســـــة وخمســـون؟! لكنها تبدو شابّة في العشرين بالكاد!!”
لوّح ريان بيده في الهواء بتكاسل، وقال بملل وكأنه خاض هذا الحديث من قبل:
“لا تنخدع بالمظهر… أنا نفسي صُدمت حين عرفت عمرها. وقعتُ في حبها من أول لقاء، قبل أن أعرف عمرها. ولو لم يخبرني فالريوس، لكنت طلبت يدها للزواج في الحال…”
ساد صمت خفيف، ثم اقترب ڤيريان وربّت على ظهر ريان بلطف وقال بصوت خافت:
“أتمنى أن تتخطى الأمر…”
أخفض ريان رأسه قليلًا، ثم رفعه ودموع تتلألأ في عينيه وهو يتحدث بنبرة درامية مفتعلة:
“لا أستطيع… الحقيقة آلمتني… كسرت قلبي كما يُكسر فنجان شاي على أرضية رخامية باردة!”
وفجأة، بدأ دموع ڤيريان تنهمر هو الآخر، وبصوت درامي لا يقل عن ريان، قال:
“وأنا أيضًا… وقعت في حبها من النظرة الأولى…”
رمش ريان مرارًا وهو يحدق به، ثم قال بصدمة:
“ماذا؟؟!!”
أومأ ڤيريان برأسه بتأكيد ثقيل:
“هذا صحيح.”
صمت ريان لحظة، ثم ابتسم فجأة، ومدّ ذراعيه وقال بعاطفة مبالغ فيها:
“أخي العزيز!”
ابتسم ڤيريان بدوره، وفتح ذراعيه ليضمه قائلًا:
“نعم، أخي…”
واحتضن الاثنان بعضهما، كأنهما التقيا بعد سنين من الفراق، والدموع تلمع على وجنتيهما، في مشهد درامي… أكثر مما يجب.
وفي الزاوية، كانت صوفيا وأوليفيا تقفان تراقبان هذا العرض، نظرت إحداهما للأخرى بتنهيدة طويلة
في صباحٍ رماديّ خافت، فتح ڤيريان عينيه ببطء على سقف خشبي داكن متشقق… تأمل المكان من حوله للحظات وهو يحاول أن يسترجع ما حدث. بدا له أنه في غرفة المعيشة، وحده. لم يكن أحدٌ هناك. عبثًا حاول تذكُّر اللحظة الأخيرة، لكن ذاكرته توقفت عند حديثٍ طويل مع ريان… ثم لا شيء، سوى الأرض الباردة التي نام فوقها. جلس ببطء وهو يتأوه، يفرك ظهره بألمٍ واضح، قبل أن يقف بتثاقل.
وقبل أن يُكمل خطوةً واحدة، اجتاحه شعورٌ مفاجئ بالغثيان. وضع يده على فمه، ثم أسرع يبحث عن الحمام. خطواته كانت مضطربة حتى لمح بابًا خشبيًا إلى يسار المنزل، دفعه بسرعة، وانحنى فوق المغسلة ليتقيأ بقوة.
لكن ما خرج من فمه لم يكن عاديًا…
عينيه اتسعتا رعبًا وهو يرى الدم يمتزج بسائلٍ أسود كثيف، يشبه الزيت المحروق، يتصاعد منه بخارٌ خفيف، كأن جسده يطرد شيئًا لا ينتمي إليه. استمر القيء لثوانٍ ثقيلة، قبل أن ينهض وهو يلهث، يحدق بنفسه في المرآة… فتجمد مكانه.
وراءه، في انعكاس المرآة، وقف شخصٌ غامض، ملامحه ضبابية، لكن ما كان واضحًا بحدة هو عيناه… كانتا حمراوين متوهجتين كالجمر، يحيط ببؤبؤيهما خطوطٌ سوداء ملتوية أشبه بتشققاتٍ روحية، وكأن عينه تمزقت من الداخل بفعل الظلام. وعلى شفتيه نصف ابتسامة مخيفة، باردة… ثم اختفى.
شعر ڤيريان بوخزة مفاجئة في عموده الفقري، كأن أحدهم مرّ بإصبعه على فقراته… فاستدار بسرعة، قلبه يخفق بقوة، لكنه لم يرَ شيئًا. الحمام كان فارغًا، هادئًا، ورغم ذلك… الهواء فيه لم يعد مألوفًا. كان ثقيلًا، يحمل شيئًا خفيًا لا يمكن تفسيره.
“أأنا أتخيل؟” تمتم بصوتٍ مبحوح، يضع كفه على صدره، يحاول تهدئة نبضه. وبينما هو في تلك الحالة، سمع صوت فايوليتا تنادي من بعيد:
“ڤيريان؟”
تنفس بعمق، ثم أسرع يغسل وجهه بالماء البارد ليخفي أثر ما شعر به. قال بصوتٍ مرتجف:
“أنا… أتيت.”
وغادر الحمام.
سار نحوها وهو ما زال مرتبكًا. وقفت تنتظره عند مدخل المطبخ، تبتسم له كأن شيئًا لم يحدث. كانت تحمل في يديها طقم ملابس أنيق، يتضمن سترة طويلة بلون الرماد الداكن، محبوكة بخيوط دقيقة، ذات ياقة مرتفعة وأزرار فضية صغيرة مزينة بنقوش هندسية. أما البنطال، فكان أسود اللون، مرن الخامة، مفصّل على الجسم ليمنحه حرية الحركة وأناقة كلاسيكية. وبين طيّات السترة، وضعت قفازين جلديين بلون الكستنائي الداكن، مع وشاح رمادي خفيف.
“عليك أن تُبدّل ملابسك، ستذهب مع ريان إلى دولڤارون.”
قالت بنبرةٍ دافئة وهي تسلمه الملابس.
رفع ڤيريان حاجبًا بتعجب وهمس:
“دولڤارون؟”
أومأت برأسها وقالت:
“ويبدو أنك جائع… سأعد لك شيئًا لتأكله.”
ثم غادرت بخفة نحو المطبخ. بقي ڤيريان يحدق في الملابس لحظة، ثم استدار وعاد إلى الحمام، وأغلق الباب خلفه ببطء. نظر إلى المرآة مجددًا، لكن الانعكاس كان طبيعيًا هذه المرة… لا أحد سواه. رغم ذلك، ظل شعور غامض يلازمه. هناك شيء يتسلل بداخله، شيئًا لا يعرفه… لكنه بدأ يشعر به، بقوة.
تنهد مطولًا، ثم بدأ بالاستحمام.
وبعد عشرين دقيقة، خرج من الحمام وقد ارتدى الملابس الجديدة. السترة الطويلة احتضنت جسده النحيل بشكل مهيب، والبنطال انسدل بانسيابية فوق حذاءٍ جلدي أسود برباطٍ أمامي، مصقولٍ بعناية، ومزين بخط أحمر باهت يمتد من الجانبين نحو الكعب. القفازان جعلا يديه تبدوان أكثر صلابة، والوشاح خفف من برودة المظهر، لكنّ عينيه ظلتا تحملان شيئًا مكسورًا
يمشي بصمت، خطواته بطيئة وثقيلة وكأن جسده يئن من الداخل. شعور غريب يتسلل إليه، شعور بأنه ليس بخير… شيء ما غير معتاد ينهش كيانه. رفع يده ببطء ليفرك أذنه، علّه يبدد ذلك الإحساس المزعج الذي لا يفارقه.
اقترب من غرفة المعيشة، حيث وجد فايوليتا قد وضعت الطعام بعناية على الأرض، كما لو أنها كانت تنتظره. جلس على ركبتيه بصمت، ورفع نظره إليها.
ابتسمت له بوداعة وتحدثت بنبرة دافئة:
“كُل جيدًا، لقد تعبت لأجلك.”
نظر إليها للحظة، ثم همس بصوت منخفض:
“شكرًا…”
ابتسامتها اتسعت قليلًا قبل أن تستدير وتتجه نحو المطبخ. بقي ڤيريان وحده، يمد يده بتردد نحو قطعة لحم مشوية، أخذ قضمة صغيرة وبدأ بمضغها، لكنه ما لبث أن توقف فجأة.
تجمد مكانه، وحدق في قطعة اللحم بذهول…
لا طعم.
لم يكن هناك أي مذاق. لا ملح، لا توابل، لا أثر لأي نكهة… وكأن فمه تحول فجأة إلى فراغ مطلق. رفع القطعة نحو أنفه… لا رائحة كذلك. بالأمس، كان الطعام مليئًا بالنكهة، بتفاصيل الطعم التي ما زالت يتذكرها.
ربما… نسيت فايوليتا أن تضيف البهارات؟
تابع الأكل بصمت، متجاهلًا الغصة التي نبتت في صدره، رغم أن الطعام بدا بلا روح.
بعد أن انتهى، وقف وجمع الأطباق بهدوء، ثم توجه نحو المطبخ، وضعها برفق على الطاولة وقال:
“سأذهب الآن.”
رفعت فايوليتا رأسها من خلف الطاولة، وابتسمت له برقة:
“رافقتك السلامة.”
غادر المنزل، وإذا بعينَيه تقعان على ريان وفالريوس اللذَين كانا يقفان بالفعل خارجًا، وكأنهما بانتظاره.
اقترب منهما وقال:
“هل كنتما تنتظرانني؟”
أجابه ريان بإيجاز وهو يتقدم:
“نعم! لننطلق.”
بدأ الثلاثة بالسير معًا، قطعوا طريقهم وسط رمال الصحراء الصفراء الممتدة بلا نهاية. كانت الشمس ترسل حرارتها القاسية، والهواء مشبع بالصمت. لم يتحدث أحد. ظل ڤيريان يسير خلفهما بخطوات متثاقلة.
مرّت خمسون دقيقة من الصمت التام…
وفجأة، استدار فالريوس برأسه قليلًا لينظر إلى ڤيريان الذي كان يسير خلفه. حدّق فيه باستفهام…
لماذا لم يتحدث؟
ما باله اليوم؟
هذا ليس من عاداته…
رفع ڤيريان حاجبه باستغراب، وكأن نظرة فالريوس أزعجته، أو على الأقل أثارت شكوكه، ثم أعاد فالريوس نظره إلى الأمام دون أن ينبس بكلمة.
ومع مرور الوقت، وبعد صمت ثقيل دام لنصف ساعة إضافية، تحدث ڤيريان أخيرًا، بصوت منخفض لكنه كسر السكون فجأة:
“هل فايوليتا… أحيانًا تنسى أن تضع البهارات في طعامها؟”
توقف ريان عن السير لثانية، ثم التفت ببطء ونظر إلى ڤيريان مستغربًا، قبل أن يسأل:
“ماذا تقصد؟”
رد ڤيريان مترددًا، وكأن كلماته خرجت بتثاقل:
“أقصد… هذا الصباح، طعامها لم يكن له مذاق… لم أشعر بأي طعم.”
رمش ريان باستغراب، ثم هز رأسه وقال بثقة:
“لا مذاق؟ هذا غريب… فايوليتا لا تنسى أبدًا إضافة البهارات. بالعكس، طعامها دائمًا مميز ولذيذ.”
حدّق ڤيريان في ريان بدهشة، ثم خفض نظره نحو الرمال تحت قدميه، وصمت.
فايوليتا لا تنسى؟
إذًا… لماذا لم يشعر بطعم شيء؟
هل يعقل أنه فقد حاسة التذوق؟
أم أن هناك شيئًا أعمق، شيء مرتبط بتلك الكمية الغريبة التي تقيّأها صباحًا… الدم، والسائل الأسود؟
تحركت في عقله أسئلة كثيرة، ولم يجد لها أي إجابة.
لكنه أيقن شيئًا واحدًا…
هناك شيء ليس على ما يرام بداخله
قال ريان بنبرة هادئة وبنصف ابتسامة:
“ربما أنت تتوهم المذاق… شخص غريب مثلك لا بد أن يعاني من بعض الهلوسات أو التشوشات. أنت لست من هذا العالم، وهذا كافٍ لتبدأ حواسك بخيانتك.”
حدّق ڤيريان إليه مطولًا، ثم تمتم بصوت خافت وهو يُشيح بنظره بعيدًا:
“ربما…”
سادت بينهم لحظات من الصمت الثقيل، تقطّعت فقط بأصوات خطواتهم فوق الرمال الصلبة. استمروا في السير إلى أن توقفوا أمام فوهة كهف ضخم. قال ريان وهو يرفع ذراعه مشيرًا نحو المدخل الصخري:
“أخيرًا… وصلنا.”
وقف ڤيريان أمام الكهف يحدّق إلى داخله. الكهف بدا كفمٍ حجري مفتوح على الظلام، تنتشر على جدرانه أحجار بلورية متوهجة بلون أزرق باهت، كأنها شُعلات باردة تنير الطريق بقدرٍ كافٍ لإظهار معالم الممرات المتشابكة داخله.
دخل الثلاثة في صمت، والسكون داخل الكهف بدا خانقًا. كان الهواء باردًا ورطبًا، يشتم فيه رائحة الأرض الرطبة والقدم. وفجأة، اصطدم وجه ڤيريان بظهر ريان، الذي توقف فجأة. تراجع خطوة للخلف وقال بنفاد صبر:
“لمَ توقفت؟”
أجابه ريان دون أن يلتفت:
“لقد وصلنا.”
رفع ڤيريان حاجبًا، ثم تقدّم خطوة ليرى ما أمامه… فغرت عيناه على اتساعهما. حفرة ضخمة كانت تمتد أمامهم، سوداء تمامًا، بلا قرار. بدا كأنها فتحة في الأرض تبتلع النور والصوت والرجاء. لا يرى قاعًا، لا يسمع صدى، فقط ظلام كثيف ينبعث منه برودة خفية. تمتم كأنما يتحدث إلى نفسه:
“أين؟”
أجابه ريان ببساطة:
“سننزل في هذه الحفرة.”
استدار إليه ڤيريان مصعوقًا:
“ماذا؟!!! هل جننت؟!”
ولم يُمهله أحد للرد أو الشرح، إذ قفز فالريوس ببرود داخل الحفرة دون حتى أن ينظر خلفه، كأنما يلقي بجسده في هوّة يعرفها جيدًا. صاح ڤيريان بانفعال:
“يا إلهي، فالريوس!!”
قال ريان ببرود وهو يعقد ذراعيه:
“اهدأ. هذه الحفرة تقود إلى الممر الجوفي المؤدي إلى دولڤارون. لا طريق آخر، علينا أن ننزل.”
رد ڤيريان وهو يتراجع خطوة للخلف:
“هل جُننت؟ لا، مستحيل! لن أقفز فيها… هذا جنون!”
بدأ يستدير للهرب، لكن قبل أن يتمكن من فعل أي شيء، أمسكه ريان من مؤخرة قميصه بقوة وسحب ذراعه للخلف، ثم دفعه دون تردد إلى داخل الحفرة قائلاً بلهجة مملة:
“لا تكن جبانًا.”
صرخ ڤيريان وهو يسقط في الهواء:
“ريان… أيها الوغد!!!”
ثم، دون أن يعلّق، قفز ريان بعده داخل الظلام، لتختفي أصواتهم تدريجيًا، ويبتلعهم السواد الذي لا يُعرف له نهاية
شاسعة تُحيط بها الكثبان من كل جانب. تناثر الغبار حوله، وعلت سحب دقيقة من الرمل في الهواء قبل أن تهدأ. رفع رأسه ببطء، وهو يشعر بطنين مرهق في أذنيه، وصداعٍ حاد ينبض خلف عينيه. العالم من حوله كان يدور… الصور تتداخل، والرؤية تبهت شيئًا فشيئًا.
نهض بتثاقل، بالكاد استطاع الوقوف على قدميه، وبنظرة ضبابية رأى مجموعة من الكائنات الصغيرة تتحرك نحوه.
ضيق عينيه محاولًا التركيز، ثم تمتم بابتسامة غبية:
“واو… أطفال سنو وايت؟”
خطا خطوة غير متزنة، ثم أخرى، كمن يتهادى في حلم غريب… إلى أن تهاوى جسده على الرمال مجددًا، مغشيًا عليه.
بعد لحظات، نزل ريان من الحفرة ووقف يحدق في جسد ڤيريان الممدد على الأرض. انحنى قليلًا ليفحصه، ثم قال:
“ما به؟ هل مات؟”
اقترب فالريوس بخطى واثقة وقال بنبرة غير مبالية:
“لا، جسده فقط ضعيف… لم يحتمل الانتقال بهذه الطريقة.”
رفع نظره نحو مجموعة من الكائنات القصيرة التي اقتربت منهم. كانوا أقزامًا، لكن لا علاقة لهم بأقزام القصص الخيالية. كانوا يرتدون سترات من الجلد المتين، بعضها مغطى بطبقات من الرمل، وجلودهم السمراء المحروقة بالشمس توحي بسنين طويلة في الصحراء. عيونهم اللامعة كانت حادة، كأنها تقرأ من يقف أمامهم بلمحة واحدة، وبعضهم يحمل أدوات حادة وسيوفًا صغيرة متدلية من خصورهم.
كان أحدهم أطول قليلًا من البقية، بلحية بيضاء كثيفة، وندبة بارزة تمتد من حاجبه إلى خده الأيسر. تقدم بخطوات ثقيلة، وعيناه لا تفارقان فالريوس.
قال فالريوس مباشرة:
“أتيتُ لأجل إصلاح سيفي… وأيضًا نحتاج لتدريب هذا الفتى على القتال. أعطه سلاحًا، علّ جسده يتعلم قبل أن ينهار مجددًا.”
رفع القائد حاجبه وسأله بنبرة عملية:
“وما المقابل؟”
ابتسم فالريوس باستخفاف، وأشار بإبهامه نحو ريان:
“أعطيك هذا… تبيعه وتكسب مالًا جيدًا منه.”
شهق ريان وقال مصدومًا:
“مهلًا! أنا هنا! تسمعني؟! كيف تجرؤ على خيانتي بهذا الشكل يا فالريوس؟ ألسنا أصدقاء؟!”
رد فالريوس وهو يحدق في السماء بلا اكتراث:
“وهل تملك مالًا لتدفع به؟”
تردد ريان قليلًا، ثم أجاب بثقة مهزوزة:
“بالطبع لدي مال!”
بدأت يده ترتعش وهو يُدخلها في جيبه ببطء، وكأن روحه تُقاوم. أخرج قطعة نقدية ذهبية صغيرة، تلمع بلون دافئ تحت ضوء الشمس. مدّها ببطء نحو القائد القزم… لكن، وفي اللحظة الأخيرة، تراجع قليلًا، وعانقت أصابعه القطعة من جديد. تمتم بصوت بالكاد يُسمع، كمن يحاول إقناع نفسه:
“لا أستطيع… التضحية بمالي هكذا… لا… لقد كدّستها بجهد… سنوات…”
نظر إليه القائد بملل، ثم بخفة خاطفة، مدّ يده وسحب القطعة من قبضته المرتجفة، كأنما يعرف تمامًا كيف يتعامل مع أمثاله. فحص القطعة بعينين خبيرتين، ثم قال ببرود:
“حسنًا إذًا… هذه تكفي.”
صفق بيديه الصغيرة مرتين، فجاء أربعة أقزام بسرعة، يحملون ڤيريان بعناية وكفاءة، كأنهم تعوّدوا التعامل مع أمثاله. وتوجّهوا به نحو مدخل محفور في الصخور الجانبية، بدا كمنفذ يقود إلى مكان خفي تحت الأرض، ربما إلى مدينة الأقزام أو ورشتهم القديمة المدفونة في باطن الصحراء.
وقف ريان مكانه، يُحدق فيهم وهم يبتعدون، ثم رمق فالريوس بنظرة حانقة وقال:
“سوف أستعيد ذهبي… وسأريك كيف يكون الانتقام.”
ضحك فالريوس بهدوء وقال دون أن يلتفت إليه:
“حاول… إن استطعت."
سار كلٌّ من ريان وفالريوس خلف الأقزام، يتبعانهم بصمت داخل الممر الحجري الضيق الذي لا يتسع لأكثر من شخص في كل مرة. لم يمضِ وقت طويل حتى بدأت الظلمة تُطبق على الجميع، كثيفة كأنها ستبتلعهم بالكامل، لكن تلك العتمة لم تدم طويلًا…
فجأة، اتّسع الكهف أمامهم بانفتاح مهيب، كأنهم دخلوا قلب الأرض ذاتها.
كان الهواء دافئًا، ثقيلًا، مشبعًا برائحة المعدن المصهور والفحم المحروق. الضوء ينبعث من بلورات حمراء وزرقاء نبتت في سقف الكهف، تتلألأ بوميض نابض، كأنها أنفاس مخلوق قديم نائم تحت الصخور.
⸻
الأرضية:
•ممهّدة بصخور سوداء داكنة، محفورة عليها رموز قديمة تتوهّج كلما مرّ أحد فوقها، كأنها تستجيب للحركة.
•في زواياها، تنساب قنوات ضيقة من الحمم الخفيفة، تتلوى كأنها أفاعٍ مضيئة تتنفس بحرارة الزمن.
الجدران:
•منحوتة بدقة نادرة، نقشها الأقزام على مدار قرون، تحكي قصص معارك قديمة وصور آلهة منسية بأعين خالية.
•تتخلل الجدران فجوات تحتوي على أسلحة نصف مكتملة، وسيوف مغروسة تنتظر من يثبت جدارته بها.
الأعمدة:
•مصنوعة من الحمم المتجمدة، ترتفع لتدعم السقف الثقيل، محاطة بسلاسل حديدية تتدلّى منها أجراس صغيرة، ترنّ بخفوت كلما مرّ أحد، كأنها تنذر الحراس بقدوم الغريب.
الورش:
•مصطفّة على جانب الكهف، تمتدّ كأنها صفوف من الأكواخ النارية.
•الأقزام هناك يعملون في صمت مهيب، وكل ضربة مطرقة تصدر صدى عميقًا، كأنها نبضة قلب هذا المكان الحيّ.
المركز:
•في قلب الكهف توجد ساحة دائرية، تتوسطها فوهة نارية، لا تشبه النيران العادية، بل تُعرف بين الأقزام باسم “نار الأسلاف” – لا تشتعل إلا بدم المخلوقات القديمة.
•حول الفوهة، يجتمع كبار الحدادين في صمت حين يُصنع سيف أسطوري جديد، وسط تراتيل تُقال بلغة لا يتحدث بها أحد خارج قبيلتهم.
⸻
اقترب قائد الأقزام من فالريوس، ومدّ يده بثبات وهو يقول بنبرة عميقة:
“أعطني.”
ردّ عليه فالريوس دون كلمة، أخرج مظلته السوداء المميّزة، وسلّمها له دون تردد.
في هذه اللحظة، وفي زاوية جانبية داخل أحد أركان الكهف، تحرك شيء خفيف…
فتح ڤيريان عينيه ببطء شديد، ملامحه شاحبة وصوته غير مسموع، لكنه بالكاد رأى وجهًا صغيرًا ودائريًا أمامه. قزم يقف عند رأسه، عيناه الواسعتان تلمعان بفضول غريب.
صرخ ڤيريان فجأة:
“آآآه!!”
فزع القزم بدوره وصرخ معه، ثم هرب وهو يُلوّح بذراعيه، بينما سقط ڤيريان مجددًا على الأرض، مغشيًا عليه للمرة الثانية .
كان فالريوس جالسًا على الأرض، ظهره مسنود إلى جدار حجري محفور عليه وجه إله قديم، يحدّق في سيفه الموضوع على طاولة منخفضة أمامه، بينما يعمل عليه أحد الأقزام بإتقان عجيب. كل ضربة مطرقة كانت تُصدر صدى معدنيًّا كأنها ترنيمة قديمة تُنشدها جدران الكهف الصامت.
في تلك الأثناء، كان ريان يسير جيئة وذهابًا، يُفتش بعينيه عن أي شيء يلمع. كان يبحث بجشع عن قطعة نقدية ضائعة، ذهبية أو فضية، بين الشقوق أو تحت الطاولات الصخرية المنحوتة. الجو مشحون بسكون غريب، لا يكسره سوى صوت الطرقات المنتظمة، وأنين النار، وهمسات الأقزام الذين يعملون في الورش بتركيز تام.
من الجهة الأخرى، تحرك ڤيريان ببطء.
أخيرًا، بعد مضي نصف ساعة من فقدانه الوعي، فتح عينيه بتثاقل، كأن كل عضلة في جسده تصرخ من الإرهاق. جلس وهو يفرك رأسه، مغمغمًا بشيء غير مفهوم، وبدأ يحدق حوله بتعب. لم يكن يعلم أين هو، لكنه سرعان ما انتبه إلى أن هناك مجموعة من الأقزام تقف بعيدًا، تحدق به بصمت مثير للريبة.
ساد الصمت، حتى تنحنح أحد الأقزام وتقدم خطوة. كان قصيرًا بطبيعة جنسه، لكن جسده ممتلئ ومتين، عضلاته بارزة رغم قصر قامته، وذقنه يغطيه شعر كثيف مضفور بخيوط نحاسية، وعيناه بلون الفحم، حادتان كأنهما تزنانه.
قال القزم بصوت غليظ:
“اتبعنا.”
دون أن ينطق بكلمة، نهض ڤيريان وهو لا يزال يشعر بالدوار، وسار خلفهم بصمت. كان يحدق فيهم باستغراب، يلاحظ تفاصيلهم الدقيقة: الأيدي الخشنة من العمل، النظرات الجدية، الأدوات المعلقة في أحزمتهم.
قادوه عبر ممر ضيق إلى غرفة أوسع، جدرانها تلمع من انعكاس البلورات الزرقاء والحمراء، وفي منتصفها منصة حجرية تحيط بها رفوف ممتلئة بالأسلحة من كل نوع: سيوف، فؤوس، خناجر، ونُصول غير مألوفة. وفي الزاوية، كانت مطارق الحرب مصطفة بعناية، لامعة وقوية.
تحدث أحد الأقزام، مشيرًا بيده:
“اختر أيّ سلاح تريد.”
تجمد ڤيريان في مكانه، ثم استدار إليه وقال بشك:
“لماذا؟”
ابتسم القزم، أو على الأقل ارتفع طرف فمه بشيء يشبه الابتسامة، وقال:
“لكي تصبح قويًّا. وتتعلم كيف تدافع عن نفسك بسلاحك أنت.”
ظل ڤيريان صامتًا للحظة، ثم أومأ برأسه. عينيه تجولتا على الأسلحة حتى استقرتا على مطرقة حربية ضخمة. كانت ذات مقبض معدني ثقيل، مزينة بنقوش نارية، ورأسها مزدوج، ذو نهايتين حادتين، يبدو أن ضربة واحدة منها كافية لسحق صخرة.
أمسك بالمطرقة بكلتا يديه وقال بإعجاب صادق:
“هذه تعجبني. كيف أقاتل بها؟”
رفعها محاولًا التمرن على حركتها، لكنه أخطأ في توازنها… انزلقت من بين يديه بسرعة، و— طاخ
!
ضرب رأس القزم الذي حدثه مباشرة، ليسقط القزم أرضًا وهو يتأوه، بينما ارتفع صوت أحد الأقزام الآخرين يصرخ:
“انتبه أيها الأحمق!"
ضحك ڤيريان ضحكة متوترة، وهو يمرر يده على مؤخرة رأسه بخجل، ثم تمتم معتذرًا بصوت منخفض:
“أعتذر… لم أكن أقصد ذلك حقًا.”
كان القزم الذي تلقّى الضربة لا يزال يفرك رأسه بتأوه، بينما اقترب منه قزم آخر، قصير لكنه ممتلئ البنية، وجهه مغطّى بندوب قديمة وشارب أبيض كثيف يتدلى على جانبي فمه، قال بصرامة:
“جرب سلاحًا آخر، قبل أن تقتل أحدًا عن طريق الخطأ.”
نظر ڤيريان حوله بسرعة، كأنه يحاول إنقاذ ما تبقى من ماء وجهه، ثم لمحت عيناه مجموعة من الخناجر المرتبة بعناية على حامل خشبي منحوت. كانت مصقولة إلى درجة اللمعان، شفراتها نحيلة لكنها حادة كالحدس، ومقابضها مزينة بنقوش فضية دقيقة، تنتهي بعلامة حمراء صغيرة كأنها ختم.
مدّ يده وأمسك بخنجرين، ثم ابتسم بثقة مصطنعة وهو يقول:
“رأيت مثل هذه في الأفلام… إنها سهلة.”
ثم، بحركة مسرحية مبالغ فيها، قذف أحد الخنجرين نحو الجدار الحجري المقابل.
فشششت
!
انغرز الخنجر في الجدار بدقة مذهلة. تهلل وجه ڤيريان وقال بانبهار:
“واو، أنا فعلاً—”
بووووم!!
انفجر الجدار بصوت مدوٍّ، تطايرت منه الحجارة والغبار في كل اتجاه، واهتز المكان بعنف، فيما سقط أحد الأقزام من فوق طاولة من شدة المفاجأة.
صرخ أحد الأقزام من الخلف، وقد احمرّ وجهه غضبًا:
“أحمق! تلك خناجر متفجّرة! ألم تر العلامة الحمراء على المقبض؟!”
تراجع ڤيريان بخطوة، مغطّيًا وجهه من الغبار، ثم حدق في الخنجر الثاني الذي لا يزال في يده، وقد بدأ الآن يدرك حجم الكارثة التي كاد أن يسببها.
قال بخفوت، وهو يبلع ريقه:
“أوه… هذا يفسر الكثير…"
مدّ ڤيريان يده ببطء نحو سلاحٍ آخر كان موضوعًا على الطاولة الحجرية، سيف قصير لامع يبدو أنه مصنوع من مزيج معادن نادرة. كانت أصابعه على وشك ملامسة مقبضه حين دوى صوتٌ حاد من خلفه:
“لا تلمس شيئًا!”
تجمّد في مكانه، وقد ارتفعت حاجباه بدهشة. التفت ليرى قزمًا قصير القامة، أصلع الرأس، يرتدي درعًا جلديًا صغيرًا مغطى ببقع الفحم والزيت، وعيناه تضيقان نحوه بشك واضح.
تابع القزم بلهجة حازمة وهو يشير له بالتراجع:
“سوف نبحث عن حل آخر لك. لا تعبث بما لا تفهمه.”
تراجع ڤيريان خطوة للخلف ببطء، ووجهه يحمل خليطًا من الخجل والارتباك. نظر إلى القزم ثم أومأ برأسه صامتًا، متفهمًا أنه بات أشبه بالطفل في متجر أدوات خطيرة.
قال القزم الآخر، وهو يقترب من رفاقه:
“لا شيء مناسب لهذا الفتى. إنه… شخص عادي.”
جاء صوته هادئًا، لكنه ثقيل كأنه يحمل حكمًا نهائيًا، وترك أثرًا واضحًا على وجه ڤيريان الذي اتّشح بالصمت.
بدأت مجموعة من الأقزام تتجمع على عجل في زاوية الورشة. كان عددهم يقارب السبعة، تختلف ملامحهم وأحجامهم قليلًا، لكنهم جميعًا يبدون كأنهم من معدن واحد: وجوههم سمراء من لهب الأفران، ملابسهم مرقعة من جلد متين، وأيديهم خشنة من سنوات الطرق على الحديد. وقفوا متقاربين، يتحدثون بأصوات خافتة، لكن الإشارات والحركات السريعة بين أيديهم كانت تدل على نقاشٍ محتدم.
وقف ڤيريان على مسافة غير بعيدة، يراقبهم في صمت. نظراته انتقلت من وجه إلى آخر، يحاول أن يفهم ما يقولونه، أو يتوقع قرارهم، لكن دون جدوى. لم يكن يعرف إن كانوا يتعاطفون معه، أم يحاولون التخلص منه، لكن شيئًا واحدًا كان يشعر به بوضوح… أنه غريب عن هذا المكان.
غريب… وضعيف… ومجرد “شخص عادي”
فجأة… دوّى صوتٌ مكتوم من أعماق الأرض، تلاه ارتجاج عنيف هزّ المكان كأن شيئًا عملاقًا استيقظ من سباته.
توقّف الأقزام عن حديثهم دفعة واحدة، وتبادلوا نظرات مشوبة بالتوتر، بينما تمددت أصوات الصرير والاهتزازات في كل زاوية من الورشة.
ڤيريان، الذي كان واقفًا قرب طاولة مملوءة بأدوات السلاح، أمسك بحافتها سريعًا حتى لا يسقط، وحدّق حوله بقلق وهمس:
“ماذا يحدث…؟”
لكن كلماته لم تجد طريقها إلى النهاية، فقد لاحظ تغيّرًا مفاجئًا في سلوك الأقزام. وجوههم أصبحت جادة، عيونهم حادّة، وانطلقوا بسرعة مذهلة نحو المخرج، كأنهم اعتادوا هذا الإنذار من قبل.
تردّد للحظة، ثم تحرّك خلفهم بخطى حذرة، فضوله ممزوج بالخوف، ونبضه يخفق بعنف داخل صدره. وما إن خرج معهم إلى الساحة الكبيرة حتى اتسعت عيناه، وتجمد في مكانه، كأن الهواء نفسه تلاشى من حوله.
من فتحة ضخمة في جدار كهفي على الجانب الآخر… كان مخلوق يزحف خارجًا. مخلوق هائل، يفوق كل وصف.
كان حوتًا، لكن ليس حوتًا عاديًا.
جسده الضخم المغطى بجلد أسود داكن يلمع كأنّه مصقول بالزيت، يتحرك بثقل مرعب، كل خطوة منه تُحدث زلزلة، وكل زفير يُطلق بخارًا كثيفًا يتصاعد من فتحات خياشيمه.
أسنانه الحادة، طويلة ومقوسة، تشبه شفرات سيوف منسية، تصطك معًا بإيقاعٍ مفزع.
أما عيناه… فقد كانتا قرصين من النار الحمراء، تشتعلان بالكراهية، وتبحثان عن شيء بعينه… أو عن أحدٍ ما.
توقّف كل من في المكان.
حتى الحدادون الذين كانوا يصنعون الأسلحة في الطرف الآخر من الورشة أسقطوا أدواتهم دون وعي، وركّزوا أنظارهم على الكهف.
ريان وقف في منتصف الممر، جامدًا كتمثال، فيما قبض فالريوس على مقبض سيفه بشدة، عضلات ذراعه مشدودة، وعيناه لا ترمشان.
ثم انطلق صوت قوي من أعلى، من الحافة التي يشرف منها قائد الأقزام على ساحة التدريب. صوته خرق الصمت كالسهم:
“جهّزوا أسلحتكم!”
ثم أردف بسرعة، دون أن يترك مجالًا للشك أو التردد:
“لقد عاد!”
وفي أعماق الكهف… دوّى زئير الحوت، مخترقًا العظام، كأنه نذير جحيمٍ على وشك أن يبتلع كل شيء
بدأ الأقزام بالتحرّك بسرعة منظمة، كأنهم جيش مدرّب على خوض حرب قادمة. انشغل كل منهم بتجهيز سلاحه الخاص، فتناقلت الأيدي السيوف الثقيلة والمطارق المدببة، وارتفعت أصوات الطرق على المعدن، بينما أضاءت الشرارات الصغيرة وجوههم المتجهمة. الجو امتلأ بتوتر خفي، كأن الأرض نفسها تحبس أنفاسها.
في تلك اللحظة، أخرج ريان مسدسه من حزامه الجلدي، ورفع عينيه نحو الوحش المهيب الذي يزحف من الكهف، ثم قال بصوت متردد، وكأنه لا يصدق ما يرى:
“ما هذا…؟”
لم يتأخر الرد، إذ التفت إليه قائد الأقزام، كانت ملامحه جامدة، لكن صوته كان يحمل ثقل التاريخ وألم الخسارات:
“ذلك هو غُرُماث… آكل لحوم البشر.”
تقدّم القائد ببطء، يراقب من بعيد الكتلة السوداء الضخمة ذات الأنياب التي تلتمع تحت الضوء، ثم أكمل بصوت خفيض لكنه حازم:
“إنه كائن مدمر وخارج عن السيطرة… لا يفكر، لا يرحم. حيثما مرّ، دمّر منازلنا، قتل رجالنا، جرّ أطفالهنا إلى الظلام، ونشر الفساد في كل شبر وطأه. لا هدف له سوى الخراب. لهذا… لا بدّ من إخافته.”
تبادل الأقزام نظرات صامتة، وبدأت ملامحهم تتحوّل من الحذر إلى التصميم. تابع القائد وهو يراقب المخلوق المتقدّم:
“قتله في غاية الصعوبة… لا سلاح نملكه قادر على اختراق جلده، لكننا نعرف نقطة ضعفه: إنه يكره المواجهة المنظمة، يفرّ إن شعر بالخطر الحقيقي. لذلك سنظهر له أننا مستعدون… أننا لن نسمح له بتجاوز حدودنا.”
رفع القائد صوته في الهواء، فأجابته صرخات الجنود وهتافاتهم، وكأن الحمم بدأت تغلي في قلوبهم.
في هذه اللحظة، وقف ڤيريان في الخلف، يراقب المشهد بعينين متسعتين، غير قادر على كبح مشاعر الذهول. كان الحوت الضخم يزحف من الكهف، جسده الهائل يكسوه الجلد الأسود المتين، وأنيابه تلمع كالسكاكين، فيما عينه الوحيدة الحمراء تتوهّج كجمر حيٍّ في قلب الظلمة
طفّ الأقزام في تشكيلٍ حربيّ محكم، صفٌ يقف فوق الصخور العالية، وصفٌ آخر على الأرض، يحملون سيوفًا ثقيلة ومطارق ضخمة، عيونهم تلمع بالعزم والتحدي رغم الخوف المتسلل بين أنفاسهم. وفي لحظة واحدة، علت صرخة قائدهم، فأُطلقت السهام دفعةً واحدة نحو الوحش الهائل “غُرُماث”.
لكن السهام… ارتدت.
جسده الضخم، خاصة ظهره، بدا كدرعٍ صخريٍّ لا يُخترق. لم يتوقف، لم يتردد. كان يركض بثبات، أقدامه تغوص في التراب وتشق الأرض تحتها، وكل خطوة منه كانت كزلزالٍ يقترب.
وفجأة، قفز.
قفز الحوت المظلم في الهواء كأن قوانين الطبيعة قد انكسرت للحظة، ثم هبط بقوةٍ ساحقة، وضرب الأرض بجسده الثقيل، فانبعث دويٌ مزلزل. ارتجّ الكهف بأكمله، وتبعثرت الصخور، وسقط الأقزام أرضًا كدمى خيطية قُطعت حبالها، تتطاير أجسادهم يمينًا ويسارًا.
على بُعد خطوات، تمسّك ريان بالأرض، يضغط بكفه على التربة ليبقى ثابتًا. رفع رأسه بسرعة وحدّق نحو فالريوس، الذي كان واقفًا رغم الفوضى، عينيه موجهتين ببرود غير مألوف نحو غُرُماث، كأن هذا المشهد المعتاد في عالمه.
“لنساعدهم.” قالها فالريوس بلهجة هادئة، ثم اندفع نحو الوحش دون تردد.
ريان هزّ رأسه بإصرار، ثم ركض نحو زاوية بعيدة، أخرج مسدسه، وبدأ يبحث بعينيه عن نقطة ضعف… منطقة مكشوفة، ثغرة صغيرة، أي شيء يمكن أن يخترق هذا الجسد الوحشي.
وفي الناحية الأخرى، كان ڤيريان يركض بين الفوضى، يلاحق بعينيه الصخور التي بدأت تنهار من أعلى الكهف. لاحظ كتلة حجرية ضخمة تنزلق نحو أحد الأقزام الواقفين، ذاك القزم كان غافلًا، لا يدرك أن الموت يُحلّق فوق رأسه.
صرخ ڤيريان وهو يركض:
“ابتعد!!”
لكن القزم التفت إليه في حيرة، لم يفهم قصده. في لحظةٍ خاطفة، اندفع ڤيريان بكل قوته، ودفع القزم بعيدًا.
ثم—
سقطت الصخور.
صرخة مكتومة تبعتها أصوات انهيار. تراكمت الحجارة فوق ڤيريان، واحدة تلو الأخرى، حتى غمرته بالكامل، ولم يظهر من جسده سوى يده الممدودة.
انتشر الدم على الأرض، نقطةً تلو الأخرى، حتى شكّل خيطًا أحمرَ صغيرًا امتدّ في التربة المهتزّة.
في تلك اللحظة، توقف كل شيء في عقل ڤيريان.
انطفأت الأصوات.
سقط في داخله، كأنما وُضع في فقاعة زمنية منفصلة عن الواقع.
رأى نفسه طفلًا صغيرًا… جالسًا على سرير، يداه ملطختان بشيء داكن. أمامه جسدٌ ساكن…
هل هذا ماضٍ حقيقي؟
هل هو شريط حياته ؟
هل هذه نهايته ؟
فكر بمرارة:
هل سأموت هكذا ؟ تحت الصخور ،مجهولًا …بلا وداع ؟
لا… هو لا يريد ذلك. لا يريد الرحيل الآن، ليس هكذا، ليس قبل أن يعرف كيف يعود إلى عالمه .
أغمض عينيه ببطء، والجسد ينزف بصمت…