تحرّك فالريوس بخفةٍ حذرة، يدور حول غُرُماث كذئب يترصّد فريسته. كانت خطوات الوحش الثقيلة تهزّ الأرض، وجسده الضخم أشبه بقلعةٍ حيةٍ بلا ثغرات. لمع جلده القاتم تحت وهج المشاعل كقطع حديدٍ سوداء، فيما أسنانه البارزة تكشف عن مخلوقٍ لا يعرف الرحمة، أدرك أن هذا الوحش ليس كمثل أي خصم واجهه؛ ضخم الجثة، عاري الأسنان، حضوره يفرض رعبًا يفوق كل خطرٍ عرفه.
في تلك اللحظة، صوب ريان مسدسه نحو إحدى عيني غُرُماث، وضغط الزناد بقوة. انطلقت الرصاصة واخترقت مقلة الوحش، أطلق غُرُماث بعواءٍ مرعبٍ اهتزّت له جدران الكهف، وارتجف الهواء المحيط بهم.
في لحظة خاطفة، اندفع فالريوس نحو غُرُماث، سيفاه يلمعان في الهواء. بضربة متقاطعة دقيقة، قطع ذراعه اليمنى بالكامل.. تطاير الدم الأسود من الجرح الغائر، وتراجع فالريوس بسرعة عندما لاحظ الذيل الكاسح يتجه نحوه بعنف، فتفادى الضربة بصعوبة كادت تقتله.
من أعلى الصخور، صرخ قائد الأقزام بصوتٍ جهوري:
“لا تقفوا هكذا! فالريوس وحده لن يصمد طويلاً! أطلقوا السهام، الآن!”
هبّ الأقزام دون تردد، وبدأوا بإعداد أقواسهم وإطلاق وابل من السهام المصقولة نحو غُرُماث. لكن الوحش كان أسرع مما توقعوا. اندفع بجسده الضخم داخل الأرض، وابتلعته الظلال للحظات. فجأة، خرج خلفهم مجددًا، بذراعٍ جديدة كأنها لم تُقطع قط.
تجمد فالريوس في مكانه، يحدق في الذراع المستعادة بذهولٍ عميق.
“يتجدد؟ كيف؟ هل هذا ممكن؟” تمتم بذهنٍ مشوش.
كان واضحًا أن غُرُماث ليس مجرد وحش عادي، بل كائن يتحدى قوانين الحياة والموت…
“هل يمكن أن يكون… خالدًا؟” سأل نفسه، وهو يتراجع بحذر.
في الطرف الآخر، كان ريان يراقب بعينين متسعتين من الذهول.
ذراع غُرُماث تجددت… لكن عينه المصابة لا تزال مشوهة. كانت هذه نقطة مهمة، لاحظها فورًا.
“العين لم تتجدد… هل يمكن أن هذا هو نقطة ضعفه؟”
بينما كان ريان يعيد تعبئة مسدسه على عجل، التفت ليرى الأقزام يقاتلون بشجاعة رغم ضآلة حجمهم مقارنة بغُرُماث، وكانت السهام ترتد من جسده وكأنها تصطدم بصخرة.
في تلك اللحظات المشتعلة، كان القزم الذي أنقذه ڤيريان يحدق في يده الممدودة بصمت تحت الصخور، الدماء قد لطخت التراب، ويده بالكاد تبرز من بين الحجارة. ركض القزم نحو الأنقاض وهتف بصوت ملهوف:
“علينا إخراجه! لا يمكننا تركه هناك!”
بدأ القزم بسحب الأحجار الكبيرة عن جسد ڤيريان، وانضم إليه آخرون. أصوات تناثر الحجارة اختلطت بصيحاتهم اليائسة. كانوا يجرّون الصخور واحدة تلو الأخرى، حتى بدا لهم جسد ڤيريان أخيرًا، ساكنًا… لا يتحرك.
ركع القزم بجانب ڤيريان، يده ترتجف وهو يضع أذنه على صدره. ثوانٍ ثقيلة مرّت، لا صوت… لا نبض… لا حياة.
رفع رأسه ببطء، وملامحه شاحبة كأنها فقدت آخر ذرة أمل. همس بصوتٍ مبحوحٍ مرتجف:
“إنه… ميت.”
سقط الصمت على الجميع، صمتٌ ثقيل يسبق الانهيار، حتى الكهف الذي يهتزّ من صرخات غُرُماث بدا وكأنه فقد صوته للحظة
كان غُرُماث يزأر بجنون، يهوي بذيله على الأرض في محاولة لصد الهجمات المتتالية، بينما تلاحقه أسهم الأقزام من كل جهة. تحرك فالريوس برشاقة من خلفه، يحاول أن يجد ثغرة في دفاعه.
في الوقت نفسه، كان ريان يتربص عن بعد، يراقب حركة الوحش، وخصوصًا عينيه.
لاحظ ريان أن جسد غُرُماث يتجدد بسرعة مرعبة، كل جرح يُحدثه فالريوس سرعان ما يلتئم. إلا أن عينيه، بخلاف جسده، تتجددان ببطء. ركّز ريان على هذه الملاحظة، ثم صوب مسدسه نحو عينه اليسرى، وأطلق.
اخترق الرصاص العين، فصرخ غُرُماث صيحةً اهتزّ لها الكهف بأسره، استغل فالريوس الفرصة، وانقضّ على جسده، ممزقًا لحم كتفه بمخالبه، ثم تراجع بسرعة عندما لمح ذيله ينقض نحوه بقوة. تفادى الضربة في اللحظة الأخيرة، لكنه بدأ يلهث من شدة التعب. ساعات طويلة مرّت وهم يقاتلون، وجراحهم تتكاثر، سقط بعض الأقزام قتلى تحت أقدام الوحش.
ومع ذلك، لم يستسلم فالريوس. رغم أن تعبه كان بادياً على ملامحه، إلا أن إصراره ظل مشتعلاً في عينيه. كان يقاتل بجسده وروحه، باحثًا عن نقطة ضعف، عن أمل صغير يقضي به على هذا الكائن المتجدد. في المقابل، ظل ريان يركز نيرانه على عيني غُرُماث واحدة تلو الأخرى، يحاول أن يخلق لفالريوس فرصة ليُجهز عليه، وكان يناديه من حين لآخر بصوت متهدج:
“فالريوس! جرب من اليسار! هو أبطأ هناك!”
“رائع! أعِدها ثانية! دُر خلفه!”
هذا التعاون بينهما منح الأقزام أملاً، فبدأوا بإطلاق وابل جديد من السهام، يغطون ظهر المحاربين بشجاعة يائسة.
دون سابق إنذار… اهتزت الأرض تحت أقدامهم. سمعوا صوتاً عميقاً، كأن العالم يصرخ من جوفه. تشققت جدران الكهف، واندفع خلفهم ضوء أسود ممزوج بحمرة دموية، كألسنة جحيم تندفع من بطن الأرض.
صرخ قائد الأقزام:
“الكل يهرب! الكهف سينهار!”
لكن صوته اختنق حين سقطت صخور ضخمة فوقهم. انطفأ كل شيء، وعم الظلام.
…
فتح ريان عينيه ببطء، يتنفس بصعوبة. رأى فراشات صغيرة تحوم حوله، حمراء وسوداء، وكأنها تشكل دائرة حماية. نظر حوله، فوجد نفسه خارج الكهف، في قلب صحراء لا نهاية لها.
“كيف…؟” تمتم، مذهولًا. “هل هذه الفراشات أنقذتنا؟”
لمح فالريوس واقفًا بصمت، يحدق في السماء. اقترب منه، فرآه يرفع رأسه، وعيناه متسعتان، تحدقان في شيء بعيد. تبعه ريان بنظره، ليرى عمودًا من الضوء الأحمر والأسود يخترق السماء ويضرب الأرض، لا في مكان واحد، بل في مئات المواقع، في كل أنحاء العالم.
تغير لون الشمس… تحوّل إلى قرص دموي، والسماء اتشحت بلون الرماد.
همس ريان، غير مصدق:
“ما الذي يحدث؟”
…
في مكانٍ آخر، في أعماق مجهولة لا تصل إليها الحياة، طاف جسد ڤيريان في بحيرة من الدم. كان نصف وجهه مغمورًا، وعيناه مفتوحتان، تحدقان في الفراغ، مرهقتان من الألم.
فوق سطح البحيرة، كانت شجرة سوداء شاهقة تنمو، نصفها الآخر متحول إلى لون أحمر قاتم، أغصانها مغطاة بفراشات حمراء وسوداء. وعلى الأرض، قبور منسية، ممتدة بلا نهاية على جانبي البحيرة.
لم يكن ڤيريان قادرًا على الحركة. كان هناك شيء ما يشل جسده
ثم سمع صوتًا…
طفل.
لكن صوته كان باردًا، يقطر سخرية:
“أه… إذًا أنت من أنقذه ذلك القزم؟ ظننتك ستكون بطلًا… لكنك خسرت حياتك.”
حاول ڤيريان أن يرد، أن يصرخ، لكنه لم يقدر. لم يكن يملك سوى عينيه.
فجأة شعر بيد باردة توضع على رأسه. اقترب الصوت منه أكثر، هامسًا في أذنه:
“دعني… أكون مكانك.”
ثم سقط كل شيء في ظلام دامس
وفجأة اهتزت الأرض تحت أقدامهم بعنف، كأن شيئًا عملاقًا يحاول شقّها من الداخل.
حدّق فالريوس بدهشة وصوت أنفاسه المتقطعة يتردد في صدره، ليشاهد غُرُماث، الوحش الذي كان قد فرّ، ينبثق من تحت الأرض مجددًا، يُسحب عنوة كما لو أنّ قوى خفية تجرّه بالقوة من عمق الجحيم. جسده المشوّه يئن يتلوى وهو يُجبر على الصعود.
وفجأة، جاء صوت بارد، ثابت، محمّل بسخرية مخيفة من خلفهم:
“أوه… تحاول الهروب مني؟”
شعر ريان برعشة عنيفة تسري في عموده الفقري، كأن صقيعًا اخترق نخاعه. استدار بسرعة، وقلبه ينبض في صدره كطبول الحرب، ثم توقفت أنفاسه لوهلة عندما وقعت عيناه عليه…
ڤيريان…
وقف ريان مشدوهًا… هذا ليس ڤيريان الذي يعرفه.
وجهه هو ذاته، لكن شيئًا في ملامحه بدا محطّمًا، غريبًا… مختلفًا حد الرعب.
شعره الليليّ تناثرت فيه خصل حمراء متوهجة، كأن النار تنسج خيوطها فيه، وعيناه…
عيناه تحوّلتا إلى جمرتين متقدتين، تتشعب حولهما شقوق سوداء نابضة، كأنها كسور في زجاج روحٍ مكسورة
كان يسير بصمت، خطواته هادئة، وابتسامة باردة ترتسم على شفتيه، وعيناه مثبتتان بثبات قاتل نحو غُرُماث، الذي بدأ يتراجع خطوة بخطوة… وكأنه لأول مرة يشعر بالخوف.
تحرّك ريان لا شعوريًا نحو ڤيريان، صائحًا بصوت ملهوف:
“توقّف! هذا خطير—”
لكنه لم يكمل.
يد قوية أمسكت بذراعه من الخلف.
التفت ريان ليرى فالريوس، وجهه متوتر، وصوته منخفض كهمسة تحذير:
“لا تذهب… إنه ليس ڤيريان.”
تجمّدت عينا ريان عليه، مليئتين بالدهشة والشك.
“ماذا تقصد؟” همس مستفهمًا، لكن فالريوس لم يُجِب، إنما نظر نحو ڤيريان بصمتٍ متحفّز.
حول ڤيريان، كانت هناك فراشات سوداء وحمراء، تطير ببطء حوله، وكأنها خادمة لظله، تسبح في الهواء وتترك أثرًا متوهجًا يتلاشى خلفها.
مدّ ڤيريان يده العارية، بلا سلاح، نحو بطن غُرُماث.
غرست أصابعه في جلده السميك كما يغرس حبل مشنقة في عنق محكومٍ بالموت… بلا رحمة ولا تردد
قال بصوت منخفض، لكنه بلغ مسامع الجميع كهمسة قَدَر:
“كان عليك أن تكون أكثر حذرًا… عندما تُكسر القواعد.”
ثم، دون مقدمات أو تفسير…
ثم—مزّق .
سحب يده بقوة، مخلّفًا صوت تمزقٍ مرعب، انفجر الدم في كل اتجاه، وانبثق من داخل الوحش هيكل عظمي شبه متفحّم، ارتطم بالأرض خلفه بصوتٍ مكتوم ومخيف، بينما جسد غُرُماث بدأ بالانهيار، يتهاوى مثل برج من لحمٍ ودماءٍ فاسدة، وأمطرت دماؤه على الأرض كأن السماء تنزف.
تجمّد ريان في مكانه، عيناه متوسعتان، وفمه مفتوح قليلًا… صدمة حقيقية تجمّدت في ملامحه.
حتى الأقزام وقائدهم… لم يتحرك منهم أحد.
لقد وقفوا مذهولين، تحدق أعينهم في المشهد وكأنهم أمام شيء لم يُكتب له أن يوجد في هذا العالم.
تقدّم ڤيريان بخطى بطيئة وسط دماء الوحش، تطأ قدماه جسده المتهاوي، وقال بهدوء لا يقل رعبًا:
“هكذا تكون… نهايته."
ساد صمت ثقيل، لم يقطعه سوى صوت ريان وهو يهمس بخفوت، وكأنه لا يريد أن يسمعه أحد سواهم:
“ مهلاً… أبهذه القوة هذا الفتى ؟ هل يُعقل أنه كان يتلاعب بنا طوال الوقت متظاهرًا بالضعف؟”
حرك عينيه ببطء نحو فالريوس، الذي ظل واقفًا في مكانه، عيناه مثبتتان على ڤيريان بلا رمشة واحدة، وكأنّه يدرس كل حركة يقوم بها. أجابه فالريوس بصوت منخفض، بارد، خالٍ من أي انفعال:
“لا أعلم… لكن بالنسبة لي، كان دومًا يبدو شخصًا جاهلًا، ضعيفًا، وجبانًا. لم يخطر ببالي أبدًا أنه يمثل أو يخفي شيئًا.”
مرّت لحظة صمت مشبعة بالريبة، كأن الهواء نفسه أصبح أثقل من أن يُتنفس.
لكن صوتًا مرتجفًا جاء من خلفهم، أحد الأقزام الذي بدا متوترًا للغاية، قال بصوت خافت لكنه مسموع:
“حسنًا… أعتقد أنه… عاد إلى الحياة.”
استدار كلٌّ من ريان وفالريوس نحوه بحدة، وارتسمت الدهشة على ملامحهما. سأل ريان بسرعة، بنبرة تجمع بين التوتر والصدمة:
“ماذا… تقصد؟”
ابتلع القزم ريقه في توتر قبل أن يجيب، وصوته هذه المرة أكثر ثباتًا، لكن لا يزال فيه رجفة خوف:
“حسنًا… ذلك الفتى… لقد أنقذ حياتي. دفعني بعيدًا عن الصخور قبل أن تسحقني… لكن الصخور سقطت فوقه. حاولنا إخراجه من تحت الركام، وعندما فعلنا… كان جسده بلا حياة. ميت تمامًا.”
أخذ القزم نفسًا عميقًا قبل أن يكمل، ووجهه يزداد شحوبًا:
“ لكن بعدها مباشرة خرج من جسده ضوء غريب… أسود ممزوج بأحمر، كأنه كيان حيّ يتنف س . بعد ذلك…لا أتذكر ما حدث، سوى أنه… استيقظ مختلفًا.”
خفض ريان نظره نحو ملابس ڤيريان الملطخة بالدماء، وهمس وكأنه يربط الخيوط ببعضها:
“إذًا… هذا سبب أن ثيابه غارقة بالدماء.”
أما فالريوس، فظلّ يحدق بصمت، قبل أن يقول ببطء شديد، ونبرته مشوبة بالريبة:
“شخص… عاد من الموت؟ هذا ليس طبيعيًّا. هل أنت جاد فيما تقوله؟”
رفع القزم رأسه فجأة، وصوته أصبح أكثر صرامة وجدية:
“أقسم بحياتي… أن كل كلمة قلتها حقيقية.”
تبادل ريان وفالريوس نظرات صامتة، مزيج من الدهشة والخوف.
ابتسم ريان ابتسامة متوترة وقال بنبرة خافتة:
“يبدو يا فالريوس… أنك جلبت إلينا شخصًا في غاية الخطورة.”
زفر فالريوس ببطء وقال بصوت عميقٍ حذر: “هذا لا يهم الآن… المهم أن نعرف إن كان عدوًّا أم حليفًا."
رفع ريان حاجبه قليلًا وهو يجيب:
“أعتقد أنه صديق… تذكّر، تلك الفراشات الغريبة هي من حمتنا عندما انهار الكهف.”
لكن فالريوس لم يكن مقتنعًا، رمق ڤيريان بنظرة باردة قبل أن يقول بهدوء عميق:
“مجرد كونه أنقذنا لا يعني شيئًا… قد يكون عدوًّا أو صديقًا، أو شيئًا أسوأ من الاثنين. ما أعرفه هو شيء واحد فقط…”
توقف للحظة، وعيناه تضيقان بتركيز وهو يراقب ڤيريان الذي كان لا يزال واقفًا ببرود وسط الدماء، تتطاير حوله الفراشات السوداء والحمراء في صمت غامض.
“علينا… أن نكون في غاية الحذر معه."
رفع ڤيريان يده ببطء… ثم قبض أصابعه فجأة، كأنه يسحب شيئًا من الفراغ.
هيكل غُرُماث العظمي بدأ يهتز، عظامه تتفكك وتتجمع في الهواء، وكأن قوة خفية تحرّكه كدمية بلا إرادة. الفراشات السوداء والحمراء تجمعت حوله، ترفرف بجنون وهي تُطلق خيوطًا من الضوء الأحمر الداكن الذي تسلل إلى الهيكل العظمي، يغذّيه بطاقة غريبة.
في السماء، بدأت خطوط مظلمة تمتد كأوردة متشققة، تتقاطع مع دوامات من وهجٍ أحمر قاتم، حتى تشكّل ببطء رسمًا هائلًا على هيئة دائرة شيطانية.
ومن قلب تلك الدائرة، انبثق ضوء أسود كثيف امتزج بخطوط حمراء متوهجة، حتى ظهرت بوابة ضخمة – سوداء كالهاوية، تتخللها خطوط بيضاء كريستالية متلألئة، وفوقها هيكل عظمي هائل لرأس بشري ، فكاه مفتوح يقطر دماءً حمراء داكنة تسيل منه كالشلال، لتتساقط نحو الأرض في خيوطٍ ثقيلة.
صعدت دماء غُرُماث من جسده، تدور كدوامة مروعة حول البوابة… كأنها وقود طقوس تُكمل فتحها.
ارتسم الذهول على وجه ريان، وتمتم بصوت مرتجف مليء بالاستفهام:
“ماذا… يحاول أن يفعل؟!”
لكن قبل أن ينطق بكلمة أخرى، اندفع فالريوس بسرعة البرق نحو ڤيريان، سيفه يتلألأ بضوءٍ قاتم، عازمًا على قتله بضربة واحدة.
في اللحظة الأخيرة، انحرف ڤيريان بخفة مريبة، فتجاوزته الضربة بقليل، ليستدير نحو فالريوس بابتسامة باردة.
قال فالريوس بغضب حاد:
“هل تحاول فتح بوابة الجحيم، أيها الوغد؟!”
ابتسم ڤيريان ابتسامة خفيفة وهو يميل رأسه قليلًا، وصوته هادئ وكأن الأمر لا يعنيه:
“ أوه؟ هل تعرفها؟ كنت أظن أنه في هذا العالم لا أحد يعرف عنها.”
خفق قلب ريان بقوة حين سمع المصطلح: «بوابة الجحيم؟!»
ساوره شعور داخلي أن ما يحدث الآن ليس مجرد خطر؛ بل بداية لكارثة لا يمكن التراجع عنها.
اندفع فالريوس مجددًا، حركته هذه المرة أسرع من قبل. أشرقت عيناه بوميض قاتم، ورفع سيفه محاولًا طعن قلب ڤيريان.
لكن الفراشات السوداء والحمراء تحركت فجأة، تشكّلت كدرعٍ متماوج صدّ الضربة قبل أن تصل إلى هدفها.
ارتطم السيف بدرع الفراشات، محدثًا وميضًا شراريًّا وصوتًا معدنيًّا حادًّا.
استدار ڤيريان بهدوء، يراقب فالريوس بعينين متوهجتين كالجمر، وابتسامة غامضة لم تفارق وجهه.
قال فالريوس ببرود، وهو يدور حوله في حركة قتالية حذرة:
“من أنت؟”
أجابه ڤيريان بابتسامة ساخرة:
“هل عليّ حقًا أن أجيبك؟”
شدّ فالريوس قبضته على سيفه أكثر، وصوته أصبح أكثر صرامة:
“أنت لا تبدو ڤيريان الذي أعرفه.”
رفع ڤيريان كتفيه بلا مبالاة، وصوته كان باردًا بشكل مقلق:
“وهل يهمك هذا؟”
صرّ فالريوس على أسنانه وقال بنبرة حادة:
“بل يهمّني… هل استوليت على جسده عندما مات؟!”
توقف ڤيريان لثانية، ثم ردّ بصوتٍ منخفض مليء بالغموض:
“لم يمت… بل كان نائمًا فقط. لكن إن قتلتني… سيموت كلانا، أنا وهو معًا.”
اتسعت عينا فالريوس بذهول، وزفر بحدة:
“ما هذا الهراء؟!”
اقترب ڤيريان خطوة للأمام، والفراشات تدور حوله كأنها كائنات واعية تحميه، وقال ببرود:
“ليست هراء… إنها الحقيقة. ڤيريان لم يمت، أنا فقط… أعدت إليه الحياة قبل أن يحين موعد موته حقًّا.”
شدّ فالريوس على سيفه، وصوته أصبح أكثر حدة:
“أعدت إليه الحياة؟! هل تقصد أنك قادر على إحياء الموتى؟!”
ابتسم ڤيريان بخفة، وأمال رأسه وكأنه يتسلى برد فعل فالريوس:
“تقريبًا… لكن فقط مع أشخاصٍ محددين. صدّقني أو لا تصدّق… الأمر لا يهمني .”
رفع فالريوس سيفه مجددًا، هذه المرة بعزمٍ أكبر، ليبدأ بينهما قتال ملحمي .
كانت ضربات فالريوس سريعة وقاتلة، تتناغم مع مراوغات ڤيريان الخاطفة، الذي كان يتجنب القتال قدر المستطاع، وكأنه لا يريد قتاله، بل يختبره فقط.
كلما هاجم فالريوس تحركت الفراشات لتشكل درعًا أو حاجزًا، أو حتى لتهاجم بحدة ،بينما كانت خطوات ڤيريان خفيفة، أشبه برقصة شيطانية تحت وميض البوابة الجحيمية التي كانت تكتمل في السماء فوقهم، ينبعث منها ضوء أحمر وأسود جعل الهواء يثقل من حولهم
بينما كان القتال يشتعل بين ڤيريان وفالريوس، كانت بوابة الجحيم خلفهم تنفتح ببطء ، خطوطها الكريستالية البيضاء تتوهج أكثر فأكثر، والدماء التي تدور حولها تتصاعد في دواماتٍ كثيفة. الطقوس أوشكت على الاكتمال، والهواء أصبح أثقل وكأن العالم نفسه يختنق.
لحظة خاطفة، شقَّ صوت حاد الأجواء…
رمح أبيض يشعّ بضوء باهت اخترق المكان بسرعة مذهلة، يتدلى من مقبضه سيف أسود صغير وسلسلة معدنية تصدر رنينًا خفيفًا كلما اهتزت.
انحرف ڤيريان بخفة في اللحظة الأخيرة، فتجاوز الرمح وجهه فاصطدم بالأرض محدثًا شرارة قوية. رفع عينيه نحو مصدر الهجوم، ليجد أمامه فتاة ذات شعر أسود طويل ينسدل حتى منتصف ظهرها، بشرتها بيضاء كالقمر، وعيناها تحملان مزيجًا من الحدة والهدوء.
كانت ملابسها عبارةً عن قميصًا أبيض واسع الأكمام، مزدانًا بكشكشات أنيقة حول الرقبة والمعصمين ، يمنحها مظهرًا ملكيًا راقيًا. أما خصرها فمشدود بكورسيه أسود مرتفع يبرز قامتها الرشيقة، ويتصل بسروال أسود طويل يتزين على أحد جانبيه بطبقة شفافة مطوية، تتحرك بخفة مع خطواتها فتمنحها حضورًا قويًا وفاتنًا في آن واحد.
أمسكت برمحها بكلتي يديها، تقدمت بثبات وهي تثبت عينيها على ڤيريان، ثم اندفعت باتجاهه بسرعة مذهلة.
تبادل كلاهما الضربات، كل تصادم بين رمحها وحركاته المراوغة كان يولد شرارات حمراء وسوداء في الهواء، وكأن السماء نفسها تشهد على هذه المواجهة.
من الخلف، كان فالريوس يراقب بصمت، لكن ملامحه حملت دهشة خافتة قبل أن يقترب بخطوات ثابتة وينضم إلى القتال بجانبها، قائلاً ببرود:
“من النادر أن أراكِ.”
التفتت نحوه للحظة وابتسمت بخفة، لتجيبه بصوتٍ يحمل دفء الماضي:
“لقد اشتقتُ إليك.”
عبس فالريوس بانزعاج وقال بصوتٍ بارد:
“هذا مقزز… لا تقولي هذا.”
ضحكت الفتاة بخفة، قبل أن تركز عينيها مجددًا على ڤيريان، وكأن بينهما تاريخًا مشتركًا لا يعرفه أحد. ثم انطلق الاثنان بتناغم نحو خصمهما، حركاتهما متناغمة وكأنهما تدربا معًا لسنوات.
من جهة أخرى، كان ريان يراقبها بدهشة، وعيناه تلمعان بشيء من الإعجاب، ليهمس لنفسه بصوت خافت:
“واو… إنها جميلة… مهلاً! ماذا أقول؟ هذا ليس وقت الآن!"
ثم استدار نحو قائد الأقزام بملامح جادة قلقة، قائلاً بتوتر:
“ماذا علينا أن نفعل؟ هل يجب أن نساعدهم؟ لكن… لا أريد القتال مع ڤيريان. إنه طفل… شخص جيد… لا أستطيع قتله.”
نظر إليه قائد الأقزام بملامح صارمة وقال:
“لكنه يحاول فتح بوابة الجحيم… وهذا أخطر مما تتصور.”
ارتبك ريان أكثر وسأل بصوت مرتجف:
“بوابة الجحيم؟ ما هي بالضبط؟ ولماذا يبدو فالريوس جادًا للغاية في قتله؟ هل الأمر فقط لأنه سيكمل الطقوس؟”
تنهّد قائد الأقزام ببطء، وعيناه تنظران نحو البوابة المتفتحة شيئًا فشيئًا، وقال بصوتٍ عميق:
“لا… الأمر أكبر من ذلك بكثير. تلك البوابة هي كارثة منذ فجر الأزمنة. لم أرَها من قبل… لكن أُسطورة الأقزام تقول إن خلفها عالماً محجوبًا، سجناً للخلود. هناك محبوسون ملوك الموت القدماء، والمخلوقات التي لا تموت، تلك التي حُبست قبل آلاف السنين حتى لا تفني العوالم السبعة.
يقال إن هذه البوابة هي أول باب فُتح في بداية الخليقة، وإنها الطريق الوحيد الذي يمكن أن يُعيد ملك الموت نفسه إلى الحياة. وإن حدث ذلك… فلن يكون هناك مأمن لأي عالم، لا في السماء ولا في الأرض.”
ابتلع ريان ريقه بصعوبة، ملامحه شحبَت وهو يراقب البوابة التي بدأت تتضح ملامحها أكثر:
هيكل ضخم يعلوه جمجمة بشرية عملاقة ، من شقوقها تتساقط قطرات دم كأنها تبكي العالم قبل فنائه.
خطوط بيضاء كريستالية تلتف حول البوابة، تتوهج كلما اقتربت الطقوس من الاكتمال، فيما تصاعدت من أعماقها أصوات أشبه بهمسات أرواح معذبة تنتظر التحرر.
همس ريان لنفسه بخوفٍ لا إرادي:
“يا إلهي… إن فُتحت، فلن يعود هناك شيء كما كان…”
في هذه اللحظة، اشتد القتال أمامه. فالريوس والفتاة كانا يقاتلان بتناغمٍ غريزي، كأن كل حركة منهما تكمل الأخرى. في المقابل، كان ڤيريان يتفادى ضرباتهما بخفة قاتلة، ونظراته المظلمة تزداد برودًا مع كل ثانية… ومع كل لحظة، كانت البوابة خلفهم تفتح أكثر، تكشف عن أعماق جحيم لا يُعرف إن كان للعالم نجاة منه
قفز ڤيريان بخفة إلى الخلف، وابتسامة باردة ترتسم على وجهه وهو يحدّق في فالريوس والفتاة، قائلاً بسخرية لاذعة:
“اثنان ضد واحد؟ يا له من موقف غير عادل… كنت أتجنب قتل النساء، لكن يبدو أن عليّ أن أكون جادًّا معكما… أيتها الحشرات.”
رفع يده فجأة للأعلى، فانبثقت سيوف سوداء طويلة من العدم، وكأنها انطلقت من شقوق في الفضاء نفسه. انقضّت السيوف بسرعة خاطفة نحو الفتاة وفالريوس، لكنهما تفادياها بصعوبة، لتسقط السيوف على الأرض مخلفةً حفرًا عميقة، وتطاير شرارات داكنة.
قالت الفتاة وهي تستعيد توازنها، صوتها يحمل حذرًا شديدًا:
“علينا أن نكون أكثر حذرًا… إنه قوي جدًا.”
وفي لمح البصر، ظهر ڤيريان خلفها مباشرة، يده امتدت نحوها بسرعة خاطفة، وكان على وشك تمزيقها إلى نصفين.
على حين غرة… تجمد جسده بالكامل.
توقفت حركته تمامًا وكأن الزمن نفسه علقه في مكانه.
ومن خلفه، ارتفع صوت هادئ، منخفض النبرة لكنه مهيب بطريقة تبعث القشعريرة في النفوس:
“يا له من مشهد فوضوي…”
خطوات بطيئة لكنها واثقة تقدمت نحوه.
استدار ريان نحو الصوت، فإذا بعينَيه تقعان على رجلٍ طويل القامة، يقف شامخًا بطولٍ يقارب ١٨٩ سم.
كانت ملابسه عبارةً عن قميصًا أسود أنيقًا وسروالًا أبيض طويلًا يصل إلى كاحليه، وعلى جانبه تتدلى سلسلة معدنية صغيرة يتدلى منها تعويذة على شكل غراب أسود. كان يرتدي معطفًا أسود طويلًا يمتد حتى كاحليه، وقفازات سوداء محكمة تغطي يديه. في يده اليمنى، كان يمسك بعصا داكنة أنيقة، لكن طريقة وقوفه لا توحي بالعجز مطلقًا، بل بهيبةٍ مهيبة وحضورٍ صامت يفرض نفسه على المكان.
أمّا أكثر ما شدّ الأنظار فكان القناع الذي يغطي وجهه بالكامل .
كان قناعًا أسود يشبه منقار الغراب الطويل ، مصنوعًا من مزيجٍ من الجلد الداكن والمعدن المصقول، تغطيه نقوش دقيقة باللون الذهبي عند الحواف والمفاصل.
من جانبي القناع برزت عدسات دائرية داكنة مكان العينين، بلا بؤبؤ ظاهر، مما منحه مظهرًا مخيفًا وغامضًا في الوقت نفسه.
حول العنق، كانت هناك سلاسل معدنية رفيعة بلون ذهبي، تلتف على القناع وتتصل بأطراف سترته وكأنها جزء من طقوس قديمة أو درع رمزي.
حضوره كان خانقًا وهادئًا في آنٍ واحد، ليس صاخبًا أو متهورًا، بل أشبه بظلٍ يسيطر على المكان بصمته. حتى ڤيريان، الذي بدا لا يهاب شيئًا، تجمّدت عيناه للحظة وكأنه استشعر شيئًا غريبًا في هذا القادم المجهول.
توقفت الأجواء المشحونة للحظة، والهدوء الثقيل عاد ليسود المكان مع وقوف ذلك الرجل المقنّع بقناع منقار الغراب، هيبته طاغية ونبرته هادئة لكنها تحمل وزنًا لا يمكن تجاهله.
أمال رأسه قليلًا نحو ڤيريان، وصوت معدني عميق خرج من خلف القناع:
“ أوه… أتحاول فتح بوابة الجحيم، أيها الطفل؟ من النادر أن نرى شخصًا يجرؤ على مثل هذه الحماقة.”
بدأ يتقدّم بخطوات ثابتة، عصاه الطويلة في يده اليمنى ترتفع قليلًا. كانت العصا سوداء داكنة، وعلى مقبضها شكل منحوت بدقة لرأس غرابٍ بأعين لامعة وكأنها تراقب كل شيء.
توقف أمام ڤيريان، انحنى قليلًا، ثم رفع عصاه وضرب رأسه بخفة، لكنها كانت كافية لإخماد قوته في لحظة.
همس بصوت منخفض، بارد وجدي:
“حان وقت النوم.”
في تلك اللحظة، تداعت قوى ڤيريان بالكامل، وعيناه الحمراء المتوهجة انطفأت فجأة. سقط جسده بلا مقاومة على الأرض، ومع سقوطه… تلاشت البوابة السوداء في السماء تدريجيًا، اختفى الضوء الأحمر والأسود الذي كان يمزق السماء، وعاد ضوء الشمس الطبيعي ليغمر المكان مجددًا وكأن شيئًا لم يحدث.
ريان، الذي كان يراقب كل شيء دون أن يجرؤ على التدخل، شهق بخفة وهمس لنفسه، وصوته يحمل مزيجًا من الدهشة والإعجاب:
“واو…”
حوّل الرجل المقنّع ببطء رأسه نحو فالريوس وريان، لتلمع عدسات القناع الداكن للحظة وكأنها تقيّم كل تفاصيلهما. ثم تحدث بصوت هادئ لكنه لا يقبل الجدل:
“سنحتجز هذا الفتى… سيكون تحت أعين المراقبة الصارمة قبل أن يقضي علينا جميعًا.”
كانت كلماته ثقيلة، لا تحمل تهديدًا مباشرًا بقدر ما تحمل يقينًا بأنه يعرف تمامًا ما الذي يتعامل معه…