كان ريان يحدّق في ڤيريان الممدّد على الأرض فاقدًا للوعي، وأنفاسه متقطعة ، وجهه شاحب، وجسده ساكن كأن الحياة قد سُحبت منه. انعكست نظرات القلق والارتباك في عيني ريان، ثم سرعان ما ارتفع بصره نحو الرجل المقنّع الواقف أمامهم، وصوته يتردد بنبرة متوترة:
“ مهلًا إلى أين—”
لكنّه لم يُكمل جملته.
قاطع حديثه صوتٌ بارد، صوت فالريوس، خالٍ من أي انفعال:
“إلى أين؟… تأخذه؟”
يميل الرجلُ المقنّعُ رأسَه قليلًا ، ثم قال بنبرة هادئة تحمل طيفًا من الجدية:
“همم، من حقكما أن تعرفا، بما أنكما من أصدقائه. سنأخذه إلى سجن تحت الأرض. ستُعقد محاكمة، ويجتمع حكّام العوالم السبع ليقرّروا ما إذا كانوا سيحكمون عليه بالإعدام.”
همس فالريوس، كأن الكلمة ارتطمت بشيء داخله:
“إعدامه؟"
ردّ الرجل المقنّع دون تردّد:
“نعم. لقد ارتكب فعلاً محرّمًا وخرق قوانين العوالم السبع. عقوبة ذلك واضحة… الإعدام.”
ضاقت عينا ريان، وعاد ينظر إلى ڤيريان، ثم تحرّك خطوة للأمام متحدثًا بعصبية:
“مهلًا… كيف يمكنكم إعدام شخص لا ينتمي أصلًا إلى هذه العوالم؟! ڤيريان لم يكن واعيًا، ولا يعرف شيئًا عن القوانين أو المحرّمات هنا… هذا غير عادل.”
ساد صمت ثقيل على المكان، وكل العيون التفتت نحو ريان. الهواء بدا ساكنًا، وكأن الزمن قد توقّف.
الرجل المقنّع تقدّم بخطوات بطيئة نحو ڤيريان، وانخفض بجانبه. مدّ يده بهدوء نحو وجهه، ورفع ذقنه برفق ليتفحّص ملامحه. قال بصوت منخفض، يكاد لا يُسمع:
“أنت تقول إنه لا ينتمي إلى هنا…”
أومأ ريان بسرعة، وأشار نحو فالريوس:
“نعم! قل له أنت يا فالريوس!”
أعاد فالريوس سيفه إلى غمده داخل مظلّته، وقال بصوت ثابت:
“هذا صحيح. وإن كنت لا تصدّقني… اسأل خادمتك إليورا، أليست قدرتها كشف الذكريات؟”
انتقلت النظرات نحو إليورا، التي أطلقت تنهيدة خفيفة بينما أعادت رمحها الطويل إلى حزام ظهرها، ثم قالت بنبرة رسمية:
“هل ترغب مني أن أفعل ذلك، سيدي؟”
لوّح الرجل المقنّع بيده نافيًا، ثم اعتدل واقفًا وتحدث بنبرة لا مبالية:
“لا حاجة لذلك… في النهاية، لست مهتمًا بما إذا كان ينتمي إلى هنا أم لا.”
ثم عاد بصره إلى فالريوس، واستكمل حديثه بنبرة أكثر حزمًا:
“سوف نأخذه. لا يمكنني تركه خلفي، سواء كان دخيلًا على هذا العالم أو أحد أبنائه. لقد أصبح الآن خطرًا.”
ثم التفت نحو الأقزام الواقفين بصمت قرب الأطلال، وعيناه تخفيان شعورًا عميقًا بالندم. تنهد بعمق، وقال بصوت منخفض:
“يؤسفني أننا تأخرنا… كان علينا القضاء على غُرُماث قبل أن يدمر منزلكم، سيد ڤورغم. سنعوّضكم.”
صرخ ڤورغم بانزعاج، صوته أجشّ ومفعم بالغضب:
“أنت بارع في الاعتذارات! دائمًا ما تصل متأخرًا! هل كنت تتسوّق أم تتنزّه بينما كنّا نموت؟!”
بقي الرجل المقنّع شامخًا في مكانه، وصوته خرج هادئًا وهو يقول:
“لا تقل ذلك، فأنا أهتم بكم. إليورا، خذي السيد ڤورغم وابحثي له عن منزل جديد. وإن عثرتِ على جثثٍ لرفاقه داخل الكهف المدمّر، فادفنوهم كتكريم لهم.”
أومأت إليورا برأسها، وابتسمت قليلًا وهي تتحدث بلطف:
“لنذهب، سيد ڤورغم.”
نظر ڤورغم إلى الرجل المقنّع بنظرة حانقة، ثم همس بكلمة بين أسنانه:
“اللعنة…”
وتبع إليورا، يتبعه أقزامه بصمت، وهم يسيرون نحو صحراء خالية، تاركين خلفهم أنقاض منزلهم…
قال الرجل المقنّع بصوت هادئ وهو يلفّ عباءته الداكنة حول جسده:
“الآن… اعذراني، يجب أن أذهب.”
رفع عصاه السوداء، ذات المقبض المنحوت على هيئة رأس غراب، وراح يرسم بها دائرة غامقة على الرمال من حول ڤيريان المغمى عليه. كانت الخطوط التي تخطّها العصا كأنها تبتلع الضوء من حولها، ترسم دوائر متداخلة بنمط معقّد.
وقف الرجل المقنّع إلى جواره للحظة… ثم تلاشى الاثنان معًا، كأن الأرض ابتلعتهما في صمتٍ ثقيل.
رمش ريان بسرعة، غير مصدّق لما حدث للتو، وحدّق حوله يبحث عن أثر، ثم تمتم متوترًا:
“انتظر…!”
لكن النداء ذهب سُدى.
تنهد بعمق، وكأن كل ما بداخله قد ثقل فجأة، ثم قال وهو ينظر إلى فالريوس:
“ماذا سنفعل الآن، فالريوس؟ هل نترك ڤيريان ليُعدم؟ ”
استدار فالريوس ببطء وحدّق في ريان، عيناه ثاقبتان لا تحملان أي عاطفة، وأجاب بنبرة جافة:
“لا نملك خيارًا، ريان. لا يمكننا التدخّل في مثل هذه الأمور.”
أدار ظهره وبدأ بالمشي، لكن ريان تبعه بخطوات سريعة، صوته ملئ بالاستنكار:
“ولكن… أليس أنتَ من أحضره؟ ؟ ألا يجب أن تتحمّل مسؤوليتك تجاهه؟!”
توقف فالريوس للحظة، ثم قال بصوت هادئ دون أن ينظر إليه:
“أتحمّل المسؤولية؟ كنت على استعداد لذلك، نعم. لكن تلك اللحظة انتهت، لم تعد عليّ أي مسؤولية تجاهه ”
خفض ريان نظره للحظة، وكأن الكلمات أصابته في أعماقه، ثم قال بهدوء متهكم:
“أوه، كم أنت قاسٍ… وكيف سنخبر فايوليتا؟”
أجابه فالريوس دون تردد، بصوت خالٍ من الانفعال:
“سنخبرها بالحقيقة… لا أكثر.”
⸻
في مكانٍ آخر، داخل العتمة الصامتة،
كان ڤيريان يمشي بهدوء، خطواته لا تُحدث صوتًا، وكأن الأرض نفسها لا تجرؤ على إزعاج هذا الصمت. وقف أمام شجرة ضخمة، متيبسة الجذع، لا تحمل أوراقًا ولا حياة. أغصانها الملتوية تعلّقت بها توابيت كثيرة، وكأنها ثمار ملعونة، تتدلى منها خيوط دم داكن، تتساقط ببطء.
وقف هناك، متجمدًا، بينما عيناه تحدقان في طفل صغير يقف أمام الشجرة، ظهره موجّه له. بدا الطفل في السابعة من عمره، شعره الأسود يصل إلى رقبته، ويرتدي قميصًا أبيض وسروالًا أسود قصيرًا. لم يكن يرى ملامحه، لكن صوته خرج هامسًا، باردًا كصقيع:
“لم يحن وقت الحديث بعد.”
ارتبك ڤيريان… كان الصوت مألوفًا، وكأنه سمعه من قبل، لكنه لا يتذكر متى أو أين.
ماذا يقصد؟ يتساءل في صمت، ولكن لم يكن هناك وقت للإجابة، إذ شعر فجأة بيدٍ تمسك به من الخلف، قبل أن تلتف حوله عشرات الأيادي السوداء، تخرج من الظلام، وتجرّه إلى الخلف بقوة غريبة، تبتلعه.
⸻
بصرخة مكبوتة، فتح ڤيريان عينيه.
سعل بعنف، يتناثر الدم من فمه على الأرض الحجرية، بينما جسده يرتجف وكأنه انتُزع من عالمٍ آخر.
ألم حاد مزّق صدره، وكل خلية فيه تصرخ، لا يعرف أين هو أو ماذا حدث.
وفجأة… سمع صوتًا عميقًا، جافًا، ينخر كالرعد في سكون المكان:
“أوه؟ أخيرًا استيقظت؟”
رفع ڤيريان رأسه بصعوبة، وحينها أدرك أين هو…
كان في قاعة فخمة، ضخمة، لا تشبه أي مكان شاهده من قبل.
محكمة أسطورية … هكذا شعر.
الجدران الحجرية تمتد نحو السماء، والسقف المقبّب يعلوه ضوء أبيض باهت، كأنه تجمّع للنجوم في سقف مظلم. الأضواء تتوهج بهدوء على الأعمدة العالية، وعلى الأرضية المصقولة المصنوعة من حجر أسود، تعكس الظلال بطرَف مشوّه، وكأن من يقف هنا يرى نفسه على هيئة شبح.
في مركز القاعة، ارتفعت منصة عظيمة، تتكوّن من سبع درجات ، على كل درجة مقعد ضخم مغطى بقماش أسود سميك، يخفي من يجلس عليه تمامًا. كل غطاء يحمل رمزًا محفورًا يتوهّج بخفة، ربما يرمز إلى أحد القضاة السبعة.
خلف المنصة، حفَر عميقة تتناثر في الظلام، تشبه أفواهًا مفتوحة… هل كانت للسجناء؟ أو لأسرار طُمست إلى الأبد؟
على أطراف القاعة، يقف حراس بلا ملامح ، دروعهم داكنة لامعة، تغطي أجسادهم بالكامل. لا يُظهرون سوى أعين حمراء متوهّجة، لا ترمش، لا تتزحزح، كأنهم تماثيل تنتظر الإشارة.
أما ڤيريان، فقد كان راكعًا على ركبتيه في منتصف القاعة، محاطًا بسلاسل بيضاء تلتف حول معصميه وذراعيه، تمنعه من الحركة. حاول النهوض، لكن القيود سحبت قوّته، وحرارة باردة انتشرت في جسده.
ما
…
لكن لا… الألم حقيقي، الدم حقيقي، والبرد الذي يغزو عظامه الآن… لا يدع مجالًا للشك
يكن ڤيريان قد استوعب بعد ما يحدث، حين دوّى صوتٌ حاد في المكان، صوت امرأة خلف ستارٍ من القماش الأسود الكثيف الذي غطّى مجلسها بالكامل، فلم يُظهر شيئًا ممن كانت. قالت بنبرة جافة تخلو من الرحمة:
“بما أنه استيقظ… فكيف ستكون عقوبته؟”
قبل أن يتمكن من استيعاب معنى كلماتها، جاءه صوت آخر، ناعم ومسترخٍ كأن صاحبه لم يخرج بعد من نومٍ طويل:
“هممم… بدلًا من أن نُضيّع وقتنا في التفكير في عقوبته، لما لا نرميه في النار مباشرة؟ هكذا ننهي أمر إعدامه.”
اتّسعت عينا ڤيريان بذهول، كأن صدره ضاق فجأة، واندفعت نبضات قلبه إلى رأسه. إعدامه؟ عن ماذا يتحدّثون بحق الجحيم؟ شعر بالبرد يسري في أطرافه رغم حرارة الأنفاس المتوترة حوله.
ثم جاء صوت ثالث، طفولي هذه المرة، لكنه مفعم بالرفض والقلق، قالت طفلة من خلف حجاب آخر:
“هذا سيكون قاسيًا جدًا! أنا أرفض… لا أريد رميه في النار. علينا أن نفكر في شيء آخر.”
ضحكة خفيفة، ساخرة ومليئة بالازدراء، انطلقت من ركن آخر، تبعها صوت رجولي هادئ بنبرة قاتلة:
“لماذا لا نعذّبه أولًا؟ نجعل منه عبرةً للآخرين، ثم نُنفّذ حكم الموت عليه.”
لم يتمالك ڤيريان نفسه، صرخ فجأة وسط هذا العبث المظلم:
“مهلًا! مهلًا!! ما الذي تتحدثون عنه بحق السماء؟ ما الذي يحدث هنا؟ إعدام؟! من أجل ماذا؟!”
ساد الصمت في القاعة لثوانٍ بدت كأنها دهر، قبل أن يتحدّث صوت جديد، هادئ لكنه مشوب بسخرية خبيثة:
“هل تتظاهر… أنك لا تعرف شيئًا؟”
ردّ ڤيريان، صوته مهتز بين الغضب والذهول:
“أنا جاد!! أتظاهر بشأن ماذا؟ لا أفهم شيئًا!”
أجابه صوت بارد، كأنما يُلقي بجملة محفوظة دون أي شعور:
“سأذكّرك إذًا، لعلّك تستعيد ذاكرتك… لقد كنت تحاول فتح بوابة الجحيم. بوابةٌ محرّمة، مغلقة بأختام قديمة منذ قرون. وأنت… كنت تحاول كسر تلك الأختام. ولهذا سيتم إعدامك.”
شعر ڤيريان برأسه يدور، بالكلمات تنغرس في ذهنه كما تنغرس السكاكين في جسد رجل حي. تمتم بذهنٍ مشتّت:
“بوابة جحيم؟ ما هذا الهراء؟ لم أفعل شيئًا! آخر ما أتذكره… أنني كنت أحاول إنقاذ قزم، ثم… ثم لا شيء! بعدها كنت ميتًا!”
قالت امرأة أخرى من الظلال، بنبرة قاسية واتهامية:
“هل تتظاهر بالجهل؟ تحاول أن تكذب؟ علينا؟”
رفع ڤيريان صوته بشيء من التوسل والغضب:
“ولِمَ أكذب؟! على ماذا؟! أنا لم أفعل شيئًا!!”
دار بناظريه بين المجالس المخفية خلف تلك الأغطية السوداء، يحدّق في العدم، يحاول أن يرى الوجوه، أن يجد طرف خيطٍ للنجاة، لكنه لم يجد إلا السواد.
“أنا بريء! أقسم لكم، لم أفعل شيئًا!” تابع بصوت أعلى، كأنه يتوسل الهواء نفسه.
لكن صوت المرأة عاد، قاطعًا صراخه كحدّ السكين:
“لا تملك دليلًا… ولهذا، سيتم إعدامك."
حدّق ڤيريان في الأرض بتوتر، وعقله يدور في دوامة من الأفكار. لا بد من حل… لا يمكن أن يموت هنا، لا هكذا، وهو لم يعد بعد إلى عالمه الأصلي.
لكن… لحظة، هو مات بالفعل، أليس كذلك؟ كيف إذًا عاد إلى الحياة؟
تسللت فكرة مجنونة إلى ذهنه، فكرة أقرب للجنون من المنطق:
هل يُعقل أن ذلك الطفل… يسيطر الآن على جسده؟ هل ورّطه في هذه الفوضى؟
ربما… لا شيء مستبعد هنا.
زفر زفرة طويلة، يحاول تهدئة اضطرابه، ثم رفع رأسه ببطء، ونظر إلى من حوله، وسأل بصوت هادئ ولكن نبرته لم تخلُ من الحذر:
“ولكن… لدي سؤال. من أنتم؟”
جاءه الرد من المرأة التي كان صوتها الحاد قد صدح قبل قليل، وقالت ببرود:
“نحن؟ نحن حُكّام العالَم السابع. توقف عن تضييع وقتنا—”
لكنه قاطعها، بنبرة ساخرة:
“أوه، هكذا بكل بساطة؟ حُكّام السابع؟ يا لكم من أناس مغرورين.”
سادت لحظة من الصمت المتوتر، قبل أن يتدخل صوت آخر، هادئ ونَعِس، لكنه هذه المرة حمل شيئًا من الحِدّة:
“ماذا قلت للتو؟!”
إلا أن ڤيريان لم يُمهله ليكمل، فقطع كلامه بسرعة وهو يقول بنبرة لا تخلو من التحدي:
“يبدو أنكم تجهلون الكثير… أنتم تفكرون في إعدامي، ولكن هل خطر ببالكم أن موتي قد يشعل حربًا؟ ربما… فقط لأنني لا أنتمي إلى هذا العالَم.”
كان يكذب.
لكنه يعرف جيدًا أنه عندما تكون حياته على المحك، عليه أن يتصرف بدهاء. وعندما يتعلق الأمر بالبقاء، فالحقيقة يمكنها أن تنتظر.
أكمل كلامه بصوت أكثر جدية وثقة:
“عليكم أن تفكروا جيدًا… وتعرفوا كل شيء، كل شيء ، قبل أن تتخذوا قرارًا قد يدمّر أكثر مما يُصلح.”
انطلقت نبرة غاضبة من أحد الجالسين، كانت حادة كالسيف:
“هل تحاول أن تهددنا؟!”
رد ڤيريان، بنظرة ثابتة وصوت منخفض لكنه واثق:
“لا… لا أهدد. أنا فقط… أخبركم بالحقيقة."
ساد الصمت لبرهة، دقيقة واحدة ثقيلة خالية من أي صوت، قبل أن يقطعه ڤيريان أخيرًا، بصوت منخفض لكن ثابت:
“إن كنتم حقًا حكّامًا… فهذا يعني أن لكل واحد منكم بلدًا، أو عالمًا، أو شيئًا يعادل ذلك، أليس كذلك؟ وهذا بدوره يعني أنكم تتحملون مسؤولية ما يحل بأرضكم وشعبكم. لكن، أخبروني… هل تتحملون مسؤولية الحروب؟ بين العوالم؟ هل ستقبلون أن يموت آلاف من شعوبكم؟ أو أن يتحولوا إلى أعداء لكم بسبب قراراتكم؟”
انطلقت ضحكة ساخرة من أحدهم، صوتها حاد كالسيف، ثم قال بنبرة تنضح بالسخرية:
“أعجبتني يا فتى… هذه أول مرة أرى فيها شخصًا يهددنا بهذه الطريقة. لكن، كيف نثق بك؟ من قال إنك فعلًا من عالمٍ آخر؟”
ردّ ڤيريان بهدوء:
“فالريوس، وريان، وفايوليتا… جميعهم يعرفون أنني لا أنتمي إلى هذا العالم.”
ارتفعت حاجبا امرأة كانت تجلس إلى أحد العروش، وقالت باستغراب:
“فالريوس، ريان، وفايوليتا؟ هاه؟!”
قبل أن تتابع، تنحنح رجل يقف خلف ڤيريان وتقدم ببطء، خطواته كانت هادئة، لكن حضوره كان ثقيلاً. كان الرجل المقنّع، الذي قال بصوته العميق:
“هل لي أن أتحدث؟”
ردّت الطفلة الجالسة على المقعد المزيّن بالورود قائلة:
“بالطبع، تفضّل يا كايلار.”
قال كايلار، ونظرته تتنقل بين الحضور:
“لماذا لا نستخدمه كأداة؟ بدلًا من التفكير في إعدامه؟”
سادت القاعة لحظة صمت مفاجئة، وكأن الجميع توقف عن التنفس.
سألت الطفلة من جديد، وقد بدا على ملامحها عدم الفهم:
“كيف؟ لم أفهم… كيف يمكننا استخدام شخص خرق القوانين؟”
أجاب كايلار بثقة:
“نحن جميعًا نعاني من الوحوش، أليس كذلك؟ ماذا لو تمكنّا من جعل تلك الوحوش تختفي من جميع العوالم… نهائيًا؟ أن نرميهم في بوّابة الجحيم.”
تحدث أحدهم بصوت ناعس، حذرًا:
“أليس هذا خطرًا كبيرًا؟”
ردّ كايلار دون تردد:
“نعم، خطرٌ هائل. لكننا نتحدث عن وحوش دمّرت العوالم، وقتلت مئات الآلاف، وبعضها خالد لا يموت. علينا أن نتحرّك، أن نتصرف.”
رفعت المرأة صوتها معترضة:
“أنا أرفض! ذلك الفتى قد ينقلب ضدنا في أي لحظة، وإذا حدث—”
قاطعتها نبرة كايلار الحادة:
“لا تقلقي. هذا الفتى ليس من عالمنا، بل إنه لا يعرف حتى كيف يفتح بوابة الجحيم. إنه فقط… يعرف طقوسها.”
سألَت المرأة وقد بدا عليها الشك:
“وهل هذا صحيح؟ هل هو فعلًا من عالمٍ آخر؟ وكيف عرفت أنت بذلك؟”
قال كايلار بهدوء، لكن بصرامة:
“فالريوس أخبرني. كان تلميذي قبل أن يُنفى… ولا أظنه يجيد الكذب. ثم إنني عندما رأيت هذا الفتى لأوّل مرة، كنت أراه خطيرًا، بشكلٍ لا يُوصف. لكن الآن…”
توقّف وحدّق في ڤيريان، ثم تابع:
“الآن يبدو كشخصٍ عادي تمامًا. لا سحر، لا طاقة، لا شيء يثير القلق.”
تكرر صوت الرجل ذو النبرة النعسة، قائلاً:
“لكن هذا يظل خطرًا كبيرًا…”
تنهد كايلار، ثم قال بنبرة أخيرة حاسمة:
“أعلم. لكن اسمحوا لي أن أخبركم من أين أتيت به. لقد وجدت هذا الفتى في عالم يُدعى أرِمْ
ساد صمتٌ ثقيل في المكان، ولم يجرؤ أحد على كسره، حتى قطعه صوت الطفلة الصغيرة، بصوتها الرقيق الذي بدا متناقضًا مع جدية السؤال:
“أليس هذا العالم عازلًا عن السحر؟”
أومأ كايلار ببطء، وأجاب بصوته العميق والواثق، وكأنّه كان يخطط لهذا الرد منذ اللحظة التي دخل فيها المكان:
“نعم، هذا المكان يُعد حاجزًا طبيعيًا أمام أي طاقة سحرية. لكنّ هذا الفتى… استخدم قوته، رغم ذلك. وهذا يُخبرنا بشيء واحد فقط — أنه استثناء. وربما… هو أهم مما نتخيل.”
سكنت الكلمات في الهواء لحظةً، قبل أن يتابع كايلار بنبرة أكثر جدية:
“علينا أن نستغله كأداة… بدلًا من التفكير بإعدامه. يمكنني تعليمه، تهذيبه، جعله تابعًا لنا. وإن انقلب علينا يومًا… سنقتله دون تردد، أو نضحي به.”
انكمشت الطفلة قليلًا في مقعدها، وامتلأت الغرفة بصمت أكثر حدة من ذي قبل. لم يُبدِ أحد اعتراضًا، لكن الصمت كان كافيًا ليُفهم كايلار أن قراره ليس محل قبول تام بعد.
ثم جاء صوت آخر، منخفض كنسيم بارد، يتسلل إلى العظام ببطء:
“إن كنتَ ستتحمل مسؤوليته، فليكن. نحن نثق بك يا كايلار… فلا تخذلنا.”
ثم تحدثت المرأة التي كانت تراقب المشهد بصمت، وأخيرًا كسرت جمودها بابتسامة خفيفة:
“حسنًا… أنا أوافق. لنرَ ما الذي يستطيع فعله هذا الفتى المجهول.”
لم يتمالك ڤيريان نفسه، فارتسمت على وجهه ابتسامة خفيفة، لم تكن سخرية ولا غرورًا، بل مزيج من راحة الانتصار بعد نجاته من حكم محتمل بالإعدام. لكن عينيه بقيتا ثابتتين على كايلار، تحدق فيه بشكٍ لم يخفِه.
لماذا يساعدني؟
ذلك السؤال تردد في داخله، لكنّه طواه بصمت. لا وقت الآن للشك… الأهم أنه لا يزال حيًا.
تقدم خطوة إلى الأمام، وبصوت هادئ، قال:
“في هذه الحال… سيكون فالريوس، ورايان، وفايوليتا إلى جانبي.”
أرادت الطفلة أن تسأل شيئًا، لكنّها لم تُكمل.
قاطعها كايلار بصوت صارم:
“إنهم مفيدون… وسيفيدوننا أكثر مما تظنون. لذا، سادتي… أرجو ألّا ترفضوا وجودهم.”
تنهدت الطفلة، وكأنها كانت تحمل عبء القرار، ثم قالت بخضوع خافت:
“حسنًا… كما تشاء."
كان الجو في القاعة ثقيلاً، والأنفاس تتردد ببطء بين الجدران العالية. كسر الصمت صوت رجل ناعس، بدا وكأنه استيقظ للتو من حلم ثقيل، وهو يقول بنبرة هادئة:
"علينا أن نضع شخصًا يراقبه… فهو ما زال خطيرًا.”
رد كايلار بثقة، ملامحه لا تحمل أي تردد:
"لا تقلق… إليورا، خادمتي المخلصة، ستراقبه هو وأصدقاءه.”
لكن رجل آخر، صوته بارد كليلة شتاء بلا قمر، طرح سؤالاً أثار فضول الجميع:
"تقول إنه فتى من عالم آخر… لكن كيف يعرف طقوس فتح بوابة الجحيم؟”
تنفس كايلار ببطء، ثم قال:
"هذا شيء… لم نعرفه بعد.”
جاء صوت ثالث، منخفض وبارد، يقطر منه الشك:
"هل يعقل… أن الأمر كله مخطط له؟”
أدار كايلار رأسه نحو صاحب الصوت، وقال بابتسامة خفيفة تحمل في طياتها التحدي:
"سيد ليونارد… بدلاً من الشك، ألا يجب أن نستخدمه لصالحنا أولاً؟”
أجاب ليونارد بلا مبالاة:
"لا أهتم، افعل ما تشاء… لكن لدي فضول. كيف لشخص مثلك أن يهتم بشأنه؟ أنت لم تحمِ حتى تلميذك فالريوس، عندما حُكم عليه بالمحاكمة.”
ساد الصمت للحظة، قبل أن يقول كايلار بصوت واثق:
"من الطبيعي أن تكون لديك شكوك، سيد ليونارد. لكني سأخبرك… أراه فتى مثيرًا للاهتمام، وسيفيدنا كثيرًا إذا تمكن من السيطرة على بوابة الجحيم. لذلك… لا تقلق، سأكون عند حسن ظنك.”
تمتم ليونارد وكأنه يكلم نفسه:
"غريب… أنت تتجنب الإجابة على سؤالي.”
عندها تحرك ليونارد، ببطء متعمد، وسحب الغطاء الحريري الذي كان على مقعده. وفي تلك اللحظة، انكشفت هيئته كلوحة خرجت من عالم آخر.
كان طويلاً، يصل طوله إلى متر وثمانين تقريبًا، شعره الأبيض تتخلله خصلات صفراء باهتة، وكأنها بقايا شمسٍ محاصرة في شتاء دائم. عينيه لم تكونا عيون بشر… بل نافذتين على مجرة غامضة. في المركز بؤبؤ أسود صغير، يحيط به طوق أحمر مشتعل، ثم برتقالي دافئ، فحلقة صفراء كالذهب المذاب، يليها أخضر نابض، ثم أزرق عميق، حتى ينتهي الطيف بهالة بنفسجية شفافة. كانت القزحية تموج بخيوط ضوء دقيقة، كأنها طاقة تتنفس، وفيها نقاط صغيرة تتلألأ مثل نجوم بعيدة. من يجرؤ على النظر إليها يشعر بأن الزمن توقف، وأنه أمام عين ترى البداية والنهاية معًا كانت عيناه حاده .
وجهه، ببشرته البيضاء الخزفية، كان أشبه بقناع مهرج مهيب. حول عينيه ظل أحمر قاتم، يمتد كجمرات تحت الرماد، وتحت كل عين قلب صغير فيروزي ينساب منه خط دقيق من اللون نحو الخد، كدموع لا تسقط من ماء… بل من طلاء بارد. ابتسامته، المرسومة باللون القرمزي الذي يمتد من شفتيه حتى منتصف وجنتيه، كانت عريضة أكثر مما ينبغي، معلقة بين السخرية والحزن. على جبينه، زخارف حمراء دقيقة، وأقراط متدلية بلون الدم تتأرجح مع كل حركة.
كان يرتدي زي مهرج كلاسيكي بلون العاج، مرقّعًا ببقع سوداء متناثرة، أكمامه واسعة، وياقة بيضاء ضخمة حول عنقه، وضفيرة طويلة تتدلى على كتفه الأيمن. على صدره وبنطاله وحذائه المزخرف بالكشكش، انتشرت كرات قماشية سوداء، أما قبعته المخروطية المائلة فقد أضافت لمظهره لمسة من عبثية أنيقة.
بلمح البصر، اختفى من مكانه ووقف أمام ڤيريان، صوته صار أكثر حدة:
"إذا كنت لا تريد الإعدام…”
صفق بيديه، فانطلقت ورقة حمراء داكنة في الهواء، وسقطت أمام ڤيريان. كان سطحها أملس كجلد مشدود، وحروف سوداء منقوشة عليها بعمق، كأنها محفورة بأداة نارية. على أطرافها زخارف حلزونية داكنة، تتشابك كالأفاعي، وفي مركزها ختم أسود على شكل جمجمة تتوسطها ساعة رملية يتساقط منها غبار أحمر. أسفل الختم، سطر واحد فقط:
"إذا
…
.
قال ليونارد ببرود:
"“وقّع… وثيقة الحياة. إذا انقلبت علينا يومًا، ستخسر حياتك.”
تجمد ڤيريان، وخرجت منه كلمة مرتبكة:
"ماذا…؟”
صفق ليونارد مرة أخرى، فانحلت السلاسل عن معصميه.
"لديك خمس دقائق لتختار… الإعدام أو التوقيع.”
مد ڤيريان يده ببطء نحو الورقة، قلبه ينبض بسرعة، بينما فكر بعمق… إذا سيطر الطفل على جسده مجددًا وانقلب على الحكام، فهل ستكون نهايته حتمية؟ فجأة، سمع صوتًا داخله، همسًا طفوليًا واضحًا:
"لا تقلق… وقّع فقط.”
نظر حوله، لكن أحدًا لم يتكلم. تنهد، ثم قال:
"أعطني قلمًا.”
ابتسم ليونارد ابتسامة ساخرة:
"وقّع بدمك.”
اتسعت عينا ڤيريان بصدمة:
"بدمي؟! هل هذا سحر؟ تريد أن تسحرني؟”
ضحك ليونارد بخفة:
"يا إلهي، كم أنت درامي… أعطني يدك.”
قبل أن يرفض، أمسك ليونارد إصبعه الأوسط، وغرز إبرة رفيعة في طرفه، فتدفقت قطرة دم ساخنة. شهق ڤيريان من الألم:
"آه… هذا مؤلم!”
قال ليونارد بابتسامة باردة:
"ضعيف… الآن وقّع.”
ضغط ڤيريان إصبعه على الورقة، فانتشرت قطرة الدم في خطوط دقيقة على الحروف، حتى امتصتها تمامًا. رفع ليونارد الوثيقة، ووجهه ما زال يبتسم:
“جيد… الآن أنت حر. هل هناك اعتراض، أيها الحكام؟”
أجاب الجميع بصوت واحد:
“لا.”
تقدمت الطفلة بابتسامة غامضة:
“هذا سيفيدنا… لنرَ كيف سيتصرف هذا الفتى، وربما يجعل العوالم خالية من الوحوش.”
⸻
بعد أسبوعين…
في عالم أرِم فارونا ، وسط صحراء شاسعة، جلس ريان على كرسي خشبي قرب منزل صغير، يحتسي عصيره بهدوء. قال وهو يحدق في الأفق:
“مر أسبوعان… يبدو أنهم أعدموا ڤيريان المسكين.”
التفت نحو فالريوس الذي كان يتدرب بسيفه منذ ساعات:
“إلى متى ستتدرب؟ مرّتين ساعتين… هيا نخرج ونبحث عن بعض الفتيات، ربما نجد لك—”
قاطعه فالريوس ببرود:
"لا أريد.”
تنهد ريان ووقف، لكن قبل أن يخطو خطوة، لمع ضوء خلفه. استدار… ورآه. ڤيريان، حي، وإليورا خلفه. اتسعت عينا ريان، وسقط كوب العصير من يده على الرمال، لينسكب محتواه ببطء:
“ڤيريان…؟ ألم يُعدموك؟”
تجاوزهما ڤيريان دون توقف:
“أنا عطشان… ومراهق.”
دخل المنزل تاركًا ريان يرمش في ذهول. اقتربت إليورا قائلة:
“أيها الرفاق… استعدوا. سنغادر قريبًا.”
رفع فالريوس حاجبه:
“ماذا؟”
ابتسمت إليورا وهي تدخل:
“سنتحدث بالداخل."