الفصل 11: عِش راضيًا، لا تجزع الألم، فما الرَّثاءُ سوى سقم، غارقٌ في وهم العدم (1).
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
سووش.
ريحٌ خافتة حملَت معها برودة الشتاء.
تراكم الثلوج فوق المنزل الصغير آخذ بالذوبان.
والشمس تدفقت حرارتها بعد بردٍ طويل.
صرير.
مع تطاير الرمال السوداء عبر العشب، صرير خشب الباب يدق الآذان.
في قرية الرمل الأسود، إنها فترة الظهيرة.
رغم وجود جدارٍ أسود يفوق الفولاذ صلابةً يلف القرية بأكملها، ما زالت البرودة قائمة، آبيةً الإندثار.
أمام عيون المهاجر من جنوب القارة، تشوي جونغ داي، ورود الشتاء الصامدة أبدت علامات الإزهار.
جالسًا على العشب، مراقبًا الكوخ أمامه بقلق، تنهد جونغ داي مفكرًا في حياته.
منذ أعوام، غادر جونغ داي أنقاض قريته القابعة في إمبراطورية يونام.
بعد تأمين قارب لنفسه، خاطر بحياته للمجيء لهذه الجزيرة، ولحسن حظه وصل بلا مشاكل.
أبناء بلده لم يُذَر فيهم حيًا، لا عائلة تجاوره، لا وطنًا يداركه، لا صديقًا يشاوره.
ضعيف البدن، نقي السُّرَيرة، شحيح العقل، ما كُتِب لهذا المرء النجاة إلا بما شاءت الأقدار.
بالكاد له شيء.
ما عدى خِبرته مزارعًا، زاول من ذلك ما يؤمِّن قوت عيشه.
ماسكًا المعول، تنقل عبر الجزيرة في دروب القوافل عسى أن لا يفتك به وحش جائع.
ما بعد التخبط العسير، آتاه من الحظ ما يُحمَد، ثم أضحى من أهالي هذه القرية.
من شاب إلى بالغ، أعزبًا ثم زوجًا.
واليوم يصبح أبًا.
بالتفكير في ذلك، لم تكن حياته سيئة، الأدهى، حياةٌ مُرضِيَة.
لكن الآن فؤاده يهتز نبضًا.
لأول مرة في حياته، شعرَ بخوفٍ لا يُفهَم.
الأبوة، مرحلة يعايشها المرء يومًا ما.
الجميع يدرك معنى أن يكون الإنسِيُّ أبًا، لكن لا أحد يشعر أنه مؤهل لذلك.
وكانت تلك عواطف جونغ داي.
هل هو غلام؟ أم هي صبية؟ كيف أتصرف ما أن يلاقي بصري ذاك الطفل؟
مع شعور الإلحاح، لا ينفك المرء يفكر.
إثر التفكير، تتصاعد العواطف.
بين السعادة والحماس، الخوف والتعجل، تتولد من تلك العواطف أفكار جديدة، ثم تتكرر العملية.
هكذا ينشأ القلق.
يقف تارةً ويمشي في دوائر، يجلس ويرتعش جسده تارةً أخرى.
“ لا بأس، لا بأس، لا بأس! هوف، هوف، هوووف! ”
“ آآآآآآآآه—! ”
سماع صرخة الألم من داخل الكوخ جعل نبض قلبه يتوقف برهةً.
‘ لا تقل لي … لا، لا، آمِل خيرًا يأتِيكَ خيرًا! ’
قاومَ رغبته في الجري نحو الكوخ والإطمئنان، ثم ركز حواسه على بيئته المحيطة.
لا يجب أن يكون هناك خطر قريب.
وإن أتت مصيبة فهو لها بالمرصاد!
“ واااه! وااااه! ”
بكاء رضيعٍ يملأ البيئة المحيطة.
بينما يراقب الحقول على مد الأفق، صرخة الرضيع جعلته خائفًا، قلقًا، مرتبكًا، وسعيدًا.
لم يعد قادرًا على الصبر، فإذ به يجري نحو الكوخ، وقف خارجًا ثم آخذ بالحديث.
“ ماذا حدث! هل زوجتي بخير؟ هل هي؟ ”
كلماته شديدة القلق ناقضَت همسه الخافت، خشية أذية زوجته ومولوده ولو بغير قصد.
“ لا تدخل الآن، أنا أعالج المضاعفات! ”
القابلة داخل الكوخ أمرته بالإنصراف، الآن لم يكن وقت ذلك.
“ هووف … هووف … ”
“ وااااه! وااااه! واااه! ”
راقبَت القابلة نفَسَ الأم وبكاء الرضيع.
مَسَحَت عرق الأم والطفل، فَحَصَت النبض، البصر، رد الفعل الجسدي والتشنُّجات.
عليها التأكد من صحتهما، التشتيت لا يغتفر.
لم يعرف جونغ داي تعقيدات طب الولادة، لكنه تراجع بهدوء رغم قلقه.
“ صعب، صعبٌ العيش في هذا العالم بحق ”
تنهدَّت القابلة برثاء.
في عالمٍ حيث فنون الطب مُحتكَرَة، الإنجاب كان قضية خطيرة، بعض الحوامل ينتهي بهن الأمر للموت أثناء الولادة، الصدمة الدماغية إثر عدم وجود تخدير، ناهيك عن نقص الأيدي الخبيرة.
بالطبع، هناك إيغو عديدة يمكن بها إستعادة حتّى الأجزاء المبتورة ناهيك عن الولادة، وخبراءٌ دأبوا إبداعهم في مجالات الحياة وأمورها.
إلا أنها حِكرٌ على المجتمعات الميسورة، فقراءٌ أكثر الشعوب وعاجزون، فكان الأمل في بزوغ حياةٍ جديدة متلاشٍ كالرماد المتناثر.
لكن هنا، كان معدل الوفاة قليلاً، والسبب لم يكن سوى زوجة زعيم القرية، ثينيا إيڤينوس.
بعد أن أضحَت ثينيا مشلولة، تحولت من القتال إلى الكشف، وفي سعيها لفهم جانب الإستشعار، تناول ذاك السعي في الحياة كثيرًا.
في النهاية، أصبحت خبيرة طبية، وكانت مخاوف الولادة تؤرقُّها، ثم إستغلّت فهمها في إستشعار طاقة الجوهر لمراقبة ما يحدث داخل الأجساد.
مراقبة صحة الأم، الغذاء الذي يمتصه الجنين، تأثيرات الأعشاب الطبية على صحة الأم والجنين، ثم تمرّسَت في تقنيات استرخاء العضلات، و المسكنات للألم، وأخيرًا التعامل مع المضاعفات.
بعد استغراق 8 أعوام، ها نحن اليوم.
تطور درب ثينيا كثيرًا إثر مصائبها، لأنها لم تهرب من آلامها.
وبينما رثَت ألم زوجة لورد القرية، كانت القابلة شديدة الامتنان لـ ثينيا.
ضياء.
برودة طفيفة، ومولدٌ جديد فتح عيونه للدنيا.
راقبتُ السحب في السماء، وبسمة طفيفة تملأ وجهي.
“ وااه! اوااااه! واااااه! ”
عيون طفل رأت سقف كوخ بسيط، وبكاءه الحيوي يملأ الأنحاء.
رغم الإرهاق والألم الواضح في تعبيرها، بسمة نقية زينت شفاه السيدة، تبكي بصمت، مراقبةً الرضيع الذي هو إبنها.
الحب الغزير يملأ قلب غريتا، هذا فقط ما فسره عقلها لها الآن.
إنها أول مرَّة تراه، خافت عليه لتسعة أشهر، لم يمضي زمنٌ إلا وفكَّرَت فيه، شعور أن يكون لها إبن غريب، مبهم، ضبابي.
لكن، إنها تدرك جيدًا، تلك النظرات التي تلقتها من والدتها هي نفس ما تلقيه على طفلها.
إني لَأُحِبُّه أيَّمَا حب، أفَبَعدَ هذا الحب البهي جمالٌ أنقى؟
ما باح الفاه، لكن دُلَّ بالأعين الوميض، عواطفٌ جامّة منها تستفيض.
احتضنَت صغيرها بضعف، عندها تضاءل صوته.
وبعد ثوانٍ من السكون، نام الطفل، شاعرًا بدفء ومحبة الأم.
والرجل الذي أصبح أبًا، رغم وقوفه خارجًا، لم يستطع منع الرطوبة في عيونه، بينما تدفقت دموعه بغزارة.
“ كيفن، لونا … أنا أبٌ الآن، يا من كانوا إخوتي، أخوكم الأكبر أصبح والدًا ”
لم يعرف ماذا يقول، ولم يعد يهتم.
“ هاهاها! أنظروا إلي الآن، لقد أصبحتُ أبًا حقًا! ”
كل شيء الآن لم يعد مهمًا.
“ هيهيهي! حتّى نهاية العالم لم تعد تهمني، أنا، كأب، لن أهتم! ”
لو كان كيفن هنا لقال:
‘ اااغغ! وجهك قبيح! توقف عن الابتسام! أشعر بالخوف! ’
بينما تَكِز ستيلا، ستقول لونا:
‘ هيهي، أنا عَمَّة، أصبحتُ عَمَّة صغيرة، ستيلا! ’
“ … بصرف النظر عن لونا، كيفن، هذا الرفيق، حتّى في غيابه يزعج فرحتي ”
زمَّ جونغ داي شفتيه محاولاً الحفاظ على وقاره، ثم دخل.
لكن الإبتسامة السخيفة آبت الزوال.
أفراح الدنيا بسيطة.
ببساطة عابرة، تساقطت الدموع.
جونغ داي، لثاني مرة في حياته، ضحك باكيًا.
ومن دون عِلمهما، أصبح كيفن ولونا أعمامًا.
ــــــــــــــــــــــــــــــــ
“ يا ابن الزانية! أتمنى أن يبتلعك الثور الجمجمة المعدنية و يُخرِج بقاياك كـ خراء! ”
متجاهلاً الشتم وراءه، مشى ليون خارج الفصل، متجهًا نحو غرفة التوجيه.
وبينما إبتعد، تلاشى الصوت داخل الفصل، كما لو أن صداه يندثر قبل أن يتوسع.
وهكذا — من الخارج — بدى مكان الطلاب هادئًا تمامًا كالمعتاد.
‘ النجم الرابع من القمر الرمادي، رمال، إنها طاقةٌ أصلها الرمال السوداء ’
وَسَّعَ ليون مَدَارِكَ وعيه، مستشعرًا مستويات الأشخاص وراء الباب.
“ بعد هذا، لن يبقى سوى كفاح الأطفال للخروج من الفصل ”
مزعج.
تربية الأطفال ليصبحوا محاربين، إعداد الخطط، والتفكير في العواقب.
كان ذلك مزعجًا.
قتل المشكلة وإبادة المعترضين أسهل.
في الواقع، رحبَّ ليون بالمصائب العويصة أكثر من الرخاء.
“ ليست باليد حيلة، ما يجب فعله، سيتم فعله ”
بينما هو في ذلك، عليه إستخلاص ما حدث سابقًا.
سواء قاتلنا القوي أم الضعيف، هناك ما نتعلمه دومًا.
ذاك الثور الأحمر له بنية جسدية ممتازة، ولديه تصرفات قيادية صارمة.
ثيودور قوي، ورغم ذلك سريع أيضًا، إنه الأفضل بينهم بلا شك.
لكنه يميل إلى التفكير بشدة، مما يجعل حركاته مترددة.
“ التفكير الدائم جيد، لكن الإفراط يجعلك قلقًا تجاه كل حركاتك، مما يقلل قدراتك، هذا هو عيب الذكاء ”
إن نظرنا إلى حياته إلى الآن، إنه أمرٌ لا مفر منه.
كان ثيودور مجرد طفلٍ مظلوم رأى الظلام قبل أن يفهم النور.
فتاة السيف كانت سريعة، لكن أسلوب قتالها لا يتناسب مع قوتها، الأمر أشبه برؤية الطين حين يتصلّب، في النهاية ينكسر.
الليونة، نعم، لو جعلت جذعها السفلي قويًا ثم العلوي مرنًا، سوف يكون سيفها أسرع وأكثر ثباتًا.
ذاك الذي يشبه القطط يمتلك رد فعل جيد، لكنه يميل إلى السرعة بشدة، مما يجعله ضعيفًا، متسرع، مبتعدًا عن الأساسيات.
تموضع الشقية المحبة للصراخ قرب ثيودور يكشف ميولاً تحليلية لا واعية، لذلك أقصيتُها.
وأخيرًا، خضراء العيون الشامتة، لديها الإمكانات الأفضل حين نتحدث عن تموضع الجسد والدقة، ما ينقصها هي الخبرة والتعمق في الأساسيات، السرعة التي تملكها فتاة السيف، ذلك ما ينقص.
لو كان ليون لديه نفس المشاكل، كيف سيحلها؟
القوة والتردد، السرعة والتصلب، الإحساس والتسرع، التوازن والهشاشة، التحليل والإعتمادية، كيف سيتصرف في المواقف المعاكسة؟
تحليل الأنماط، التدريب، ثم التكرار، حتّى تُطبع تلك السلوكيات في كل خلية من خلاياه.
إلى أن تُمحى العيوب، ولا يبقى في النصل سوى حِدَّة بلا نظير.
أغلق عينيه، وامضًا في عقله قمرٌ أخضر تدور حوله ثلاثة نجوم حمراء.
العالم اختفى، في الظلام يضيء اللهب القرمزي.
وذاك اللهب يتحول، من الواقع يسقط ليون للوهم.
ثم عبر الخيال وقف أمامه عدو.
تخيّل ليون نفسه في نفس مواقفهم وبنفس نقاط ضعفهم، ثم قاتل اللهيب الأحمر.
ذاك اللهيب كان ليون نفسه.
المعركة الأولى، مات طعنًا في الحلق بعد محاولة جرِّ خصمه نحو حلفائه.
المعركة الثانية، ضحّى بذراعه لفقع عين العدو، لكن قُطِع نصفين قبل ذلك.
المعركة الثالثة، سُحِق إثر الجاذبية قبل الهروب، الرابعة، خمس طعنات على التوالي في الفم، الحلق، القلب، الكبد، الركبة، ثم الخامسة، وصولاً إلى المعركة العشرين …
المرة الوحيدة التي نجح فيها بخدش العدو، ضحّى بساقه وعينه اليمنى، واصبعين.
“ هناك مجالٌ هائل للتحسين ”
في المقام الأول، من المستبعد أن يفوزوا عليه.
شحذ ليون قوته منذ الطفولة خطوة بخطوة، نحو ما هو عليه اليوم.
عاداته، أفكاره المبطنة، عواطفه، وخياله، كل ذلك تم شحذه من أجل الهدف، لصنع أقوى نصل في الوجود، ومازال النصل يتقدم للأمام.
الكل في الكل، عاداتهم، تموضعهم، التزامهم بالأساسيات، كل ذلك فظيع.
لكن يمكن إستخدامهم.
“ الهزيمة الساحقة ستجعلهم يشعرون بإنعدام الأمان، لا بدَّ أن تحرّكاتي تدور في أذهانهم وتنهش كبريائهم، مع ذاك الميل سيهربون نحو مناطق الراحة، وهي الخضوع للغضب ”
لكن سرعان ما يتحول ذاك الغضب إلى زحف يائس، ثم يتم تفريغ كل شيء.
عندها يركزون على مخرجهم الوحيد، وهي كلمات ليون عن طاقة الجوهر.
وفي تلك الثغرة المبنية في جدران قلوبهم، يخترق كل شيء، ويكسر تلك الجدران.
هكذا تُبنى الأساسات.
كانت الغرفة بسيطة المظهر، داخلها هناك 4 أشخاص.
ثلاث رجال وامرأة، جالسين يكتبون على الطاولات.
لفت الأشخاص انتباههم له، وفي عيونهم نظرة إستفسار.
مدَّ ليون ذراعه، وبغرابة، تموّج الفضاء، وكما لو كان يسحب شيئًا، حرك ذراعه، ثم ظهر حبل من اللامكان.
“ آآه، كم يؤلم قلبي فعلي هذا … لكن! من أجل مستقبل أفضل للشعب، عليكم أن تُربطوا يا أساتذتي الأعزاء! ”
وفجأة بصق فمه هراءً بعيونٍ صفيقة.
من هذا المجنون؟
وكان هذا اليوم الدراسي الأول لـ ليون.
داخل الفصل.
“ كــآآآآآآغغغ—! ”
صراخ وحشي لشابٍّ متغطرس.
الأرضية الباردة تُجَلِّطُ الدم، تلك البرودة تجهد الأطراف، مما يضعف الجسد.
كيف يمكنني تقليل الإجهاد؟ كيف أتحرك تحت ضغط الجاذبية أفضل؟
حتّى في غضبه، كان عقل ثيودور يحلل بيئته.
كراك!
الزحف صعب.
مع كل تقدم، يصبح الأمر أصعب.
“ هيا! أيها الجسد اللعين! تحرك! ”
حفر أصابعه في الأرضية الخشبية للمكان، مقتربًا من الباب.
شظايا الخشب الصغيرة ثقبت الفراغ في أظافره وجِلده، بينما تسحق. الجاذبية باقي الجسد.
“ آآآآه —! ”
صرخة الألم خرجت بلا وعي، لكنه سحب نفسه بالقوة.
مؤلم! مؤلم! أريد أن يتوقف!
لا! لا تتوقف!
تناقضت أفكاره بين الإستسلام والمثابرة.
“ غرررر! غاااااغغ! ”
لهاثه يشبه الوحش الجريح.
كن عقلانيًا! كن عقلانيًا، اللعنة!
طاقة الجوهر، إن كل شيء في العالم يحوي على تلك الطاقة، إذًا، هل هذا الضغط البيئي مختلف؟
مستحيل، حتّى هذا الوحش اللعين ليس إستثناءً، لابد أن قدرته تحت قواعد طاقة الجوهر.
الإمتصاص، إنه سحب للطاقة وامتلاكها، الإستخراج، إنه فهم للطاقة وتفكيك طبيعتها، أما الإستخراج هو نتيجة للفهم والامتلاك، مما يؤدي إلى تأثير خارجي.
كراك!
مدَّ ذراعه اليسرى، لكنه لم يقاوم، بل أرخاها لأقصى حد.
مياه، تدفق صافي في البحيرة، تخيل تدفق دمك كبحيرة نقية.
أغلق عينيه، متجاهلاً الألم الساحق.
كان عليه تجاهل ذاك الألم، ليس الرغبة، بل الحاجة، إن التحمل الآن هو حاجة!
الطاقة عبر ذراعه تدفقت ببطء.
لا تتسرع، لا تزِد سرعتك، بل أترك كل شيء يتدفق كما هو.
ثم بينما يرخي عضلات ساعده وكتفه وحتّى أصابعه، غطّت طبقة رقيقة من الطاقة ذراعه.
تم تخفيف الضغط حتّى تلاشى.
“ لقد نجحت! ”
صرخة عالية.
وأثناء فرحه تشتت انتباهه.
ثم.
فوووش.
“ ااااااااه! ااااااه! هذا مؤلم اللعنة—!! ”
اختفت الطاقة المغطية ذراعه مما ركز الوزن عليها مرة أخرى، وكادت ذراعه تنكسر.
“ إنها مكسورة! لا بد أنها مكسورة! ”
لم يستطع حتّى أن يهز جسده عبر الأنحاء بسبب الجاذبية، مما تركه يصرخ عاجزًا.
رغم ذلك، لقد أثبت جهده نتائجه.
20 دقيقة، لـ 20 دقيقة لعينة كان يحاول!
لم يستطع ثيودور إستخدام الإيغو خاصته بسبب حقل الجاذبية والمعركة السابقة، ناهيك عن الضرر النفسي.
يتطلب إستخدام الإيغو طاقة كافية، قدرة تحمل، حالة نفسية ثابتة، لذلك هناك إحتمال للفشل دائمًا.
والفشل في التفعيل يسبب أضرار جسدية وعقلية متفاوتة حسب الظروف.
لذلك حوّلَ أفكاره نحو حقل الجاذبية.
هذه الجاذبية لها قواعدها الخاصة، لكن حتّى تلك القواعد تندرج تحت قانون واحد، وهو قانون طاقة الجوهر.
الجاذبية هي، في جوهرها، ما يبقي الفضاء متماسكًا، هذا يعني أن كل شيء له فضاءه الخاص، والتلاعب بها يعني التلاعب بفضاء كل شيء.
الإمتصاص لن يجدي، إنها طاقة امتدادية، لا يمكن احتواؤها.
هذا يعني أن إستشعار الثغرات في حقل الجاذبية هذا وتغطية نفسي بالطاقة النقية هو الحل.
رغم ذلك، لا يستطيع ثيودور تغطية جسده بالكامل لأكثر من 5 دقائق حتّى تنضب طاقته، وذلك حين يكون في حالة مثالية.
الآن لن يصمد لدقيقة.
الأفضل هو فعل ما فعله سابقًا، تغطية الأذرع والأقدام، مع تحمّل باقي الجسد للضغط.
هذه الخطّة قابلة للتنفيذ لأن جسده قوي.
فهو، بعد كل شيء، كسر جدار الجسد وطاقة الجوهر، مما جعل قوته تتطور أسرع، وفهمه للطاقة واستخدامها يصبح أفضل.
وهذا ما فعله بالضبط.
كراك! كراك! كراك!
وبينما اصطكَّت أسنانه زاحفًا، إنجرف عقله نحو الآخرين.
“ هل أخبر الآخرين عن ذلك؟ أنني وجدتُ الحل؟ هل سيستمعون؟ أم يسخرون مني؟ ”
لا! أيها الأحمق! أخبرهم! من أجل “الجماعة”! الواحد للجميع، والجميع للواحد!
حاول فتح فمه.
لكن لم تخرج أي كلمات.
إن فعل ذلك، هل ربما … ربما يتفوقون عليه؟
هذه الفكرة أرعبته، كان هو الأفضل، أراد أن يكون الأفضل، وأن يبقى الأفضل!
لا! هذا ليس أنت! ثيو، استجمع شتاتك!
لا، الأفضل مركز لشخص واحد، لما علي مساعدتهم؟
من أجل ماذا؟ شرف؟
ألم تمُت أختي بسبب ذاك الشرف المزعوم؟
لن أفعل، سآخذ المركز الأول لنفسي!
لأن الأمر “أسهل” هكذا.
إذًا لماذا …
“ لماذا قلبي ينبض بقوة عندما أفكر في ذلك؟ ”
فقط التفكير في الأمر جعل ثيودور ينسى نفسه للحظة.
غرائزه أخبرته بالأمر، لقد ترجّته أن يخبرهم!
إسحقهم جميعًا، عندما يعتقدون أنهم تفوقوا عليك، إسحق كل شيء وانتزع لقب الأفضل!
فقط كيف سيكون شعوره عندما يفوز؟ عندما يثبت لذاك الوحش خطئه؟
أنه ليس ضعيفًا، بل هو الأقوى؟
“ ها … ”
وجد نفسه يتنفس بقوة فقط بالتخيل.
ابتسامة غير طبيعية شوّهت وجهه، وعيونه الحمراء كشعره ومضت بقوة.
ومن دون وعي، فتح فمه.
“ يا رفاق! لا تقاوموا حقل الجاذبية هذا! إن ذلك عقيم! استخدموا الاستشعار والاستخراج للزحف أسرع! ولا تنسوا الراحة كل فترة لاستعادة قوتكم، الأقوى بينكم يجب أن يسحبوا الأضعف! ”
“ وعندما يفقد أحدٌ ما وعيه، يختفي عنه حقل الجاذبية، لذلك استخدموه كنقطة راحة، شكلوا ثنائيات! ”
“ بما … بما تهذي! ”
“ هوووف! اللعنة! أكاد أموت! أكاد أموت! أنا! ”
“ ماذا يجب أن نفعل! ”
نحو صرخات الخوف والرجاء، لم يُجِب ثيودور.
لقد زحف للأمام فقط.
نحو الباب، نحو لقب الأفضل!
“ ليس بهذه السرعة! ”
وسمع فجأة صرخة خلفه.
بالمعنى الحرفي، خلفه مباشرةً.
وجه مغطّى بالدم، ابتسامة وحشية مزينة باللون الأحمر، قزحيته السوداء جعلت حدقته الزرقاء أكثر لمعانًا.
كان ذلك الشخص هو كيفن.
“ يو، ساهيونغ، آســــــفٌ جــدًا، لكنني سآخذ مقعد الأفضل! ”
قائلاً ذلك، أمسكت ذراعه قدم ثيودور، ليسحب نفسه للأمام.
أصدقاء، إنهم بلا شك أصدقاء.
“ آســـــــفٌ جـــدًا أيضًا، ساجيه! لكنه لي! ”
سحب نفسه للأمام، ومع تم سحب كيفن.
كانوا متنافسين منذ الطفولة، وتمت مقارنتهما ببعض.
يتيم بلا أبوين، 17 عامًا، لم تُعقد عليه آمال.
حفيد شاب لأحد شيوخ القرية، 20 عامًا، عكس كيفن تمامًا.
مقارنة سخيفة، بل وغير ضرورية.
لكن.
المجتمع بُنِي دائمًا على تلك السخافات.
تراكم، تراكم، تراكم، حتّى الإنهيار.
وسنين تلك المقارنات والمنافسات بين الإثنين وصلت إلى ذاك الحد اليوم.
وهكذا.
بام!
“ اااغع! ”
ركل ثيودور وجه كيفن بقوة.
“ همف، احلم كما تشاء ”
متحدثًا ببرود، زحف نحو الخارج أسرع.
“ هيهيهي، هاهاها! ”
ضحك كيفن، ضحك بقوة، ضحك ببرودة.
ضحك بغضب.
“ يا ابن الزانية الملعونة! ”
لم تترك ذراع كيفن ساق ثيودور، وبدلاً من ذلك، ضغط عليها بكل قوته.
“ سحقًا! ”
تأوه ثيودور بينما يزحف بكل قوته.
وكيفن أيضًا زحف بيأس.
لم يعد هناك مجال للصداقة.
لم يتعلق الأمر بالنجاة، وليس بالكبرياء.
لقد كانت الرغبة.
رغبة نقية، رغبة متأججة.
رغبة لا تشبع في الفوز، ولو على حساب الصداقة.
هذا هو عالم المنافسة.