13 - الفصل 13: عِش راضيًا، لا تجزع الألم، فما الرَّثاءُ سوى سقم، غارقٌ في وهم العدم (3)

الفصل 13: عِش راضيًا، لا تجزع الألم، فما الرَّثاءُ سوى سقم، غارقٌ في وهم العدم (3).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

خارج أسوار الرمال السوداء، حيث تقبع الغابات والطُّرق المعبّدة، لم ينقضي يومٌ إلا وسُطِّرَت فيه حكايات دماءٍ وعويل.

بعيدًا عن نزاعات صغار الرمل الأسود، حكاية أخرى تُروى.

وووش.

“ … الضباب يزداد كثافة، الأدهى أن قادم الأيام ممطرة ”

قتالٌ دموي تحت المطر، ااااه، نبض قلبي يتسارع، ذراعي تحكني لأقطع!

… بعيدًا عن أفكاره المشكوك فيها، إن وجود المطر يغير الكثير من الأمور، بطريقة، سيئة، للغاية.

وقف الشاب حاد العيون فوق غصن شجرة.

كان الغصن هشًّا، لدرجة أن يجد المرء نفسه مستغربًا من عدم إنكساره تحت وزن الشاب.

عيون زرقاء وامضة وسطها شق أبيض حاد، شعر أسود على حوافه زُرقة غامقة، شعره الطويل ينساب مع الريح.

“ قطيع الذئاب يهاجر نحو الغرب، وقرية لوكاس قد تتحمل معظم الأضرار، إن هذه الذئاب يمكنها القفز عاليًا، تلك الأسوار لن تنفع ضدهم، نقص القوات … من غير ذكر قضية شيوخ البحيرة البيضاء ”

إنهم في وضع لا يُحمد.

شقت إبتسامة وجه ديو، ممسكًا سيفه المغمود.

“ بالضبط كما أرغب ”

يزداد إيمان الناس بالأبطال في أعنف الكوارث، وتتعاظم قيمة المساعدة عند الشدائد.

أيا شعب الرمال السوداء، ذوقوا ويلات الخراب، تشرّبوا طعم الدم، حينها أؤتيكم بسيفي البتّار، قاطعًا عنكم الذُّلَّ والغم!

ومض الشرر عبر جسد ديو بخفة.

“ العدد 664 ذئبًا، بعضهم عجائز وسيتم نفيهم، معظمهم حيوانات عادية، المشكلة تكمن في هؤلاء الخمسون …”

هناك قطيع لا يمكن إبصاره من بُعد المسافة، لكن ديو أبصرهم كما لو كانوا أمامه، وميض عيونه يلمع حتّى في عمق الضباب المتصاعد.

عبر مد الأفق حيث يهيمن قطيع الذئاب، كان الصغار يلعبون مع أهاليهم، والبعض يلعقون جراحهم.

وفي قمة تلة كبيرة بعض الشيء، تقبع الوحوش.

إنها ذئاب بلا شك، لكن تشكل العواصف الصغيرة حولها والخطوط الخضراء عبر أجسامها تقول العكس، هذه هي ذئاب رياح الهدير.

البشر مخلوقات ذات عقول، ولها عواطف جياشة.

بما أنهم كانوا كذلك، خافوا المجهول والمجهود الذي يأتي من إكتشافه، فإذ بهم يصنفون الأشياء لترتاح قلوبهم.

في شتى بقاع العالم، الرعب الأدهى والكوابيس الأطغى، من من رعب المجهول إنبثق ما يُعنى بالوحوش.

لتقليل قيمة ذاك الرعب، يجب جعله معروفًا.

من هنا أتى تصنيف الوحوش كما لمحارب الإيغو، الدرب، الإيغو، وحتّى الموهبة.

إنها ثمانية تصاعدات.

وأعطى الجميع لتلك المستويات لقب الأنياب، فما يقطع حلق الفريسة إلا أنياب المفترس؟

مستويات الوحش هي ثمانية أنياب.

الصفر، الحيوان، يمكن للشخص العادي التعامل معه بالأسلحة، محارب النجم الثاني للقمر الرمادي يستطيع قتله وحده بعد عناء، وفي النجم الثالث يستطيع قتل 5، وهكذا.

الأول، الوحش، للتعامل مع وحش واحد، يجب تواجد محارب في ذروة القمر الرمادي، 2 في الرابع، 3 في الثاني، 5 في الأول.

الثاني، المتحوّر، وحوش هجينة، غالبًا ما تقود قطيع الحيوانات والوحوش، محارب قمرٍ أزرق، نجمٌ ثانٍ على أقل تقدير، من يمكنه التعامل معه، لأن مستوى الإنسان لم يعد له نفع، إنه صراع وحوش مع بعضها.

الثالث، المفترس، مستوى يمكنه إبادة قرية وحده، قدرة قيادة فطرية، قدراتٌ فريدة تتناقل عبر الأجيال، حيث يتكون قلبٌ بلوري في الجسد، تجديد سريع للطاقة

إنه وحشٌ، ولو تجمعت عليه الأقمار الثانية، هيهات هم بفاعلين هيهات، نديده هو قمرٌ يلمع بضياء لون الغسق، أي القمر الثالث.

الرابع، الكارثة، تنين، عملاق، أخطبوط ضخم، عنقاء، تلك المخلوقات الأسطورية، كوارثٌ تبيد فصائلاً بل ومُدُن، قوة تحطم ما دونها، تحتقر ما ليس نفسها، إنه نضالٌ ضد قمرٍ أخضر يُهلِك البيئة كالعاصفة والأمواج العاتية.

لِقِلّتهم الدنيا محظوظة، فلو كثروا لكانت تلك بلا شك، الكارثة.

الخامس، الفَنَاء، إضرب بمنطقك عبر الحائط، إنسى آمالك وانسى نفسك، لا وقت للصرخ، لا عواطف للشعور، لا يأس للإبصار، إنه فنائكم أجمعين، لا بالألم تحسون، لا المقاومة تقدرون، أُمَّةٌ كاملة، جزيرة بما فيها، ستُباد عن بِكرة أبيها.

ما بقادرٍ على الفَنَاء إلا قمرٌ وَضَّاء، ضياءٌ أرجواني يحدد أقدار رعاياه، فإن ذاك هو مستوى الأمة، القمر البنفسجي هو أمل نجاتك الوحيد.

ما بقي من الأنياب لم يذكر إلا في الأساطير، الرماد، الكابوس.

بالضبط عند حكايات أول محارب شهدته الدنيا، وحتّى ذاك الذكر لم يوفيهم حقهم.

“ أبصرت عيوني الناب السادس، رغم ذلك … ”

لا يكون الناب السادس ذا شكلٍ محدد، إنه ضخم إذا قلتَ ذلك، إنه صغير إذا قلتَ ذلك.

ربما جزيرة أو سماءٌ بكاملها هي الناب السادس، بحرٌ أو جبال، أعمارٌ تناهز الدهور، نوايا خفية كالضباب، هلاكٌ نقي، لا نجاسة فيه.

هلاك المحارب إثر هجوم الناب السادس لشرفٌ ليس بعده شرف.

الرماد هو الفَنَاء والهلاك، لا القوي عليه قادرٌ أو العاتي.

نور القمر الأبيض هو نديده، أقمارٌ لم يُسمع عن من وصل لها، ولا حكايات عن كيفية بلوغها، هذا ما ذكرته حكايات أول محارب إيغو على مر العصور، أزمان ضياء القمر.

“ يكفي قولاً أن كارثة القمر الثالث سُمِّيَت تَيَمُّنًا بالناب السادس، أي كارثة ليلة الرماد ”

لم تخفى عن ديو حالة جسده الآن فورما طفت الذكريات للوعي.

السماء حمراء، عبرها عيون داخلها أفواه، وحوش تبصق أبنائها من أفواهها وبطونها، رائحة الدم والقيء تبوح عبر الأفق.

الأرض ليست سوى بقايا لحومٍ عفنة لجثث لم تذق الثرى، وهدير أصواتٍ قبيحة لا تترك النائم حتّى في الحلم.

وهلاوس تلازم المرء إلى يوم أجله.

لقد كان يرتجف.

خوفًا، حماسًا، رعبًا!

“ هآآآآآ ~ هاهاها، متى يأتي يومٌ أقطع فيه الرماد، أقتله، أبيده، أدمره! ما هو ذاك الشعور؟ مواجهة كارثة تمسح أُمَمًا كما تنفض غبارًا متناثر؟ فقط سيفي وقوتي، والعزم للموت أو النصر؟ فقط هذا يجعلني أرتجف! ”

إهدأ، إهدأ يا ديو، معاركك آتيةٌ بلا ريب ما دمتَ حيًا، فـ لَملِم شتات ذاتك.

“ ديو! كم أعدادهم؟ ”

تحته كان لوكي، أخرج سيوفه بينما يراقب، متفكرًا.

هل أقتل القطيع بأكمله بدلاً من إضاعة وقتي؟

“ 664، 50 منهم وحوش، قائد القطيع متحور، إنه ذئب الجناح، يمكنه الطيران لبعض الوقت وطوله متران ونصف! ”

يقظًا من غفلته، صرخ ديو لـ لوكي، كان له نفس الأفكار.

أليست إبادة هذا القطيع أسرع وأفضل من انتظارهم؟

عندها لن يموت المزيد من الناس بلا فائدة.

هذا ما يقوله القلب.

“ لكن لن يفيد خطط المستقبل ”

حتّى لو انتهى المد الحالي، هناك المزيد دومًا، الوحوش دائمًا ما تكون موجودة.

وإن انتبهت القوى المجاورة؟

ستقع النزاعات على الغابات الفارغة والموارد، مما يؤدي للتجنيد الإجباري، نقص الغذاء إثر الإحتكار، عملٌ أكثر، إستغلالٌ أكبر.

الحروب الصغرى تؤدي لحروب كبرى، كانت قوة مجموعة ليون كافية لإشعال تلك الحرب، وبالطبع إيقافها.

لكن مع وجود كوارث أعظم في الطريق، هذا فعلٌ أحمق.

ماذا يعني الانصياع لغصّة القلب الآن؟

موت المزيد من الأبرياء.

هذا ما قاله العقل.

إستمع لقلبك أحياناً، وفي حينٍ أخرى، إستمع لعقلك.

هذا الموقف يستدعي رجاحة العقل وصفاء القلب.

[ رغم أن إبادة المد الوحشي قبل حدوثه مفيد، إلا أن لدي خطة، تلك الخطة تستدعي وجود الوحوش، لا تقتلوهم، لأنني أنوي استخدامهم ضد البحيرة البيضاء والصقيع الأحمر، بل وهناك فرصة لإضرار المختبئين، بينما نبقى سالمين]

[ لا يمكننا إنقاذ الجميع، لذا أنقذوا من يمكن إنقاذه، سيكونون مفيدين في قادم الأيام، لذا مهما احترقت قلوبكم غضبًا، لا تبيدوا الوحوش، اقتلوا من يزعجكم، لكن بالتأكيد ليست قِطعان الوحوش! أنت بالذات يا راغنا! حتّى أنت، ديو! لا تفتعلوا مشاكلاً!]

يا له من محب للشكوى.

هذا ما قاله ليون، لذا …

“ لا تفعل شيئًا يا لوكي! نحن هنا للمراقبة! ”

رغم أنه ليس من النوع الذي يطلب من الناس التَّأنِّي، ما يجب فعله، سيت فعله.

“ أعرف، أعرف! ”

“ أغمد سيوفك قبل الحديث، تعلم الإخلاص لن يضرك، هل تعلم؟ ”

“ بالحديث عن الإخلاص، ما زلتَ تدين لي بـ 20 حجر إيغو ”

“….”

هذا الفاسق، مرّت 5 سنوات ولم ينسى ذلك بعد؟

“ ماذا؟ أنت ثرثار عادةً، لما الصمت؟ أين أموالي؟ ”

“ يا رجل، إنها أيام قاسية حقًا، بالكاد نملك لقمة العيش، فأنّى لنا هذا المبلغ؟ أعرف أنك طيب القلب يا صاح، هاها، هاهاها! ”

“….”

لم يعد لوكي يعرف، أيضحك من النكتة أم يبكي على حاله.

مجرد 20 حجرًا يا ظالم؟

“ … فقط أعطني أموالي لاحقًا ”

“ لا تقلق، سأعيد لك المال بلا شك، أكذبتُ يومًا عليك؟ ”

“ هذا الوغد! لنتوقف، فقط، لنتوقف، هذا سيء لقلبي، أين لويد وراغنا؟ ”

“ إنهم يفحصون القرى المجاورة بحثًا عن ناجين، آخر ما قاله لويد أن معظمها أضحت أنقاضًا، لكن البحث مستمر ”

تنهد ديو الصعداء لأن لوكي أغلق قضية أمواله، ثم ازداد الشرر عبر جسمه.

“ سأراقب الأماكن المحيطة، أنت راقب هؤلاء الأوغاد هناك ”

قائلاً ذلك، إختفى فجأة مع وميضٍ خافت.

لا صوتٌ هادر، لا آثار طاقة باقية، لا نسيم رياحٍ عابر.

“ أنظر إلى هؤلاء الفاسقين، الذهاب بثلاثة أشخاص فقط؟ ربما هم بيادق مستهلكة، يا للشفقة ”

مستشعرًا الطاقة الخافتة بعيدًا، ضحك لوكي ساخرًا.

مشى بعيدًا عن المكان، لم يعد هناك ما يمكن فعله، لذا حان وقت الرجوع.

نحو قرية الرمل الأسود.

“ أم أقول، منزلي الجديد؟ ”

نعم، لنعد … إلى الوطن.

تدفقت الجليد عبر جسده، ضبابٌ بارد يحيط أقدامه، مع شهيقٍ بسيط، قفز نحو السماء.

ثم اختفى.

على بعد 3 كيلومترات بين الأشجار، ثلاثة أشخاص ركضوا عبر الغابة، ملابس بيضاء، سرعة حركتهم لم تكن بالعادية.

إنهم كشافة البحيرة البيضاء.

محاربون دأبوا الإحساس بالطاقة، لهم معرفة غزيرة بالبيئة، حواسهم بلا نظير، هم دومًا في الطليعة.

المد الوحشي يشمل هذه الغابة بأكملها، لذا تُقام الدوريات يوميًا لملاحظة أي تغييرات.

“ الوضع مستقر، لا توجد تغييرات عن السابق ”

“ بما أن الأيام القادمة ممطرة بلا شك، علينا الاحتياط من فيضان البحيرة، يبدوا أن رئيس القرية سيعمل بلا كلل … ”

رغم أنهم راكضين بلا توقف، أنفاسهم المنتظمة خانت أي علامات للتعب.

“ آمل أن تمر الكارثة على خير … لا أريد أن تعيش زوجتي باقي أيامها أرملة ”

“ … لم أعتد عليك عاطفيًا، ماركو ”

“ أنا بشر، لستُ دمية ”

“ عين الصواب، أشكوا لي همّك، فإنّي لك أذن صاغية ولسانٌ ناصح، فأنطق بفؤادك! ”

“ هذا الشقي يحب الثرثرة بحق، حسنٌ جدًا، سأخبرك هذا، لا تخبر الآخرين، أخطط لإنجاب طفل بعد هذا ”

“ مباركٌ لك، عسى أن يكبر الطفل بدوام الصحة والسعادة! ”

“ … شكرًا ”

“….”

كان الثالث بينهم صامتًا، يراقب الأنحاء بحثًا عن أي خطوات مجهولة، آثار غريبة على الأشجار أو أصوات غير متماثلة.

كل شيءٍ بخير.

لما لا يركزان على العمل بدل الثرثرة؟

هذه الفكرة الأولى.

لأن لديهم ما يعودون من أجله.

هذه الفكرة الثانية.

على عكسي أنا.

هذه الفكرة الأخيرة.

“ … مبارك لك مقدمًا، لا أجيد التهنئة، لكن سأبذل قصارى جهدي لتدريب الطفل عندما يكبر ”

لا يعرف التعامل مع البيئات المكتظة، لكن يمكنه القيام بهذا على الأقل، لا؟

“….”

“ ما هذا الوجه؟ ”

أقال شيئًا خاطئًا؟

“ … لا، أنا فقط، نعم، التدريب جيد، أليس جيدًا؟ ”

“ بالفعل! أنت أفضل مدرب أعرفه يا هنري! ”

“ نعم، إن التدريب جيد، أخفض صوتك، هايزن ”

“ أنت تحب تخريب متعتي يا صاح ”

“ كلام أقل، عمل أكثر ”

سووش!

قفز الثلاثة فوق الأشجار، لكن سرعتهم لم تتناقص.

فنون الحركة، القدرة العضلية المناسبة، التناسق بين العقل والجسد.

كل شيء منظم.

بينما يركزون على أجسادهم والبيئة، حل الصمت.

صمت مريح، في الواقع.

“ هنري ”

فتح ماركو فمه.

“ ماذا؟ ”

“ لم أقل هذا منذ فترة، لكن … ”

“ لكن؟ ”

“ إنّي لك شاكرٌ، لا يدرك الآخرون نقاء سُرَيرَتك، لكني مدرك ذلك، جزيل شكري وامتناني، آمل أن تقبله ”

“….”

لم يعرف هنري ما يقول، لذا، بقي صامتًا.

“ لقد ابتسمتَ! هذه ابتسامة على وجهك بلا ريب! ”

وسع هايزن عيونه وتحدث بدون قصد.

“ إذًا يمكنك إبداء هذا النوع من التعابير، هاه؟ ”

ضحك ماركو عند ملاحظته ابتسامة هنري الطفيفة.

“ صمتًا ”

توقف هنري عند شجرة شبه متفتحة الأزهار فجأة.

كان تعبيره جادًا.

اختفت تعابير المرح من وجوه الآخرين.

أمامهم قرية محترقة.

داخلها الذئاب متجولة، خارجها الضباع متربصة، هناك أفاعٍ تحفر تحت الأرض، منتظرةً فرصتها، وفي السماء الغربان طائرة.

كراك!

لوح ذئبٌ بمخلبه، فإذ بالقفص الصدري لجثة العجوز ينكسر، سال الدم، بينما بدت عيونه خاوية، لكن الرعب الباقي لم ينطفئ.

فتح الذئب فمه بسعادة، ثم أخذ قضمة.

كراك! كراك! كراك!

كان يمضغ بسعادة، ولم تجرؤ باقي الذئاب على الإقتراب.

كان لدى هذا الذئب قطيع كبير بصفته نابًا أول، لكن إثر خسارته ضد الناب الثاني الذي جاء فجأة، سُلِبَ قطيعه وقُتِلت زوجته وأطفاله، وهرب كي لا يخسر حياته.

وفي سعيه، وجد قطيعًا من الذئاب العادية، ثم أتى لهذه القرية لزيادة قوته.

سعيًا للإنتقام.

كما لو أن الأقدار تبسّمَت له، كان أحد هؤلاء القرويين محارب إيغو في نفس مستواه، وهو عجوز فوق ذلك.

مضغ، مضغ، مضغ!

مزق ذراع الجثة بينما يمضغ.

الأحشاء تناثرت، الدماء طفت، لكن لا عويل.

الجثث لا تصرخ أبدًا.

الإيغو الذي كان يملكه العجوز انفجر بالفعل.

لم يشأ ترك شيئٍ للذئب، لذا قام بتدمير الإيغو الذي ناضل معه منذ شبابه.

بقايا الطاقة في جسده تخبو ببطء، لونها الفضي يتناثر.

تشكلت صورة عجوز في الهواء.

ذاك العجوز بكى، محدقًا في السماء بحسرة.

فوق الصورة الفضية قمر، تدور حوله نجمتين، لون النجوم أصفر.

ثم تلاشى الضوء.

كان ذاك العجوز على ما يبدوا في القمر الرمادي.

يا للأسف.

بينما يأكل جثة العجوز بسعادة، تساقطت دموع الذئب.

وجود ما يزيده قوة أسعده.

لكن ذكريات عائلته آبت الاندثار، لذلك بكى.

هووووووو!

العواء أمرٌ لا مفر منه، هذه طبيعة الذئاب.

العالم قاسٍ، الدم يولد دمًا، القتل يولد قتلاً.

لكن لا يمكننا التوقف عن العيش.

“ أمي! أمي! أنا خائفة! أبي! ”

صوت بكاء طفلة أيقظ الذئاب الأخرى.

كانت تركض نحو جثة أمها.

لكن.

وووش!

انقض ذئبٌ قريب بلا رحمة.

“ هذا الوغد! ”

أراد هايزن الانقضاض نحوهم لإنقاذ الطفلة.

سلاب!

أخذته صفعة على حين غرّة.

“ أيها الفاسق! ماذا ستفعل؟ ماذا يمكنك أن تفعل؟ الموت بلا فائدة؟ فات الأوان بالفعل! ”

لم يكن هينري.

لقد كان ماركو.

أراد هايزن الصراخ: يا عديم القلب!

لكن لم يستطع.

لأن ماركو، رغم كلامه البارد، كان يبكي.

جسده ارتجف غضبًا، دموعه جياشة، شاعرًا بالعجز.

لقد كان منظرًا حزينًا لرجل يريد تكوين عائلة.

… كاد هايزن أن يتناسى.

من تدفعه شفقةٌ عابرة، يسبب المصائب.

لو هاجم نحو الوحوش، لن تُكتب له النجاة، الموت المحقق له ولفريقه ما يبقى.

“ … حفظتُ أشكالهم، سوف أنتقم، مهما طال بي الزمن ”

صوت هنري البارد أيقظ الإثنان.

لم يكن هناك ما يمكنهم فعله.

لأن لديهم واجب.

تجاه وطنهم وذويهم.

واجب تجاه شعبهم.

فمهما أرادوا، لم يكن إنقاذ الطفلة ممكنًا.

العبور بين المفترسين نحو الذئب الذي يهاجمها والهروب بها ضد قطيعٍ كامل؟

كان ذلك بقوة ثلاثتهم، ببساطة، مستحيلاً.

لأنهم أضعف من قطيعٍ يبلغ تعداده 40 مخلوقًا.

لا ننسى وجود الحيوانات المتربصة.

أسقط الذئب الطفلة أرضًا.

ثم نظر إليها.

لقد كان جائعًا للغاية.

لم يأكل منذ أسبوع، سبب بقائه حيًا هي تضحية والدته بنفسها كي يتناول بعض الطعام الذي سرقَته من الضباع.

لكن جسدها الجريح لم يستطع التحمل، فماتت، والطعام في فمها، حاميةً الذئب.

اليوم، حان وقت الأكل.

مثلما يصطاد الإنس الحيوانات ويقتاتون بها.

مثلما لا يشعر المرء بالشفقة على موت حيوان.

نفس الأمر ينطبق على الحيوانات نفسها.

هذه لم تكن حقارة، هذا لم يكن فسوقًا، ولم يكن ظلمًا أيضًا.

هذا ببساطةٍ وحشية، “عدل”.

لأن المفترس يريد العيش، سوف يصطاد.

لأن الطريدة تريد العيش، سوف تهرب.

إن هربت الطريدة، فهذا عدل.

إن إصطاد المفترس، إنه عدل.

الذئب، يمارس حقوقه كالمنتصر.

الطفلة، غير قادرة على الهروب، مصيرها أن تؤكل.

وكان هذا عدلاً.

“ أتركني! أريد أمي! أريد أمي— ”

صرخَت.

“ وااااه! أمي! لماذا تركتني وحيدة! أين أنت يا أبي! أبي! وااااااه! ”

بكَت.

تاك!

ثم بعضة في حلقها.

“ مؤلم! مؤلم! لا! لا! آآآآآآه—! ”

صراخ يثقب الآذان خرج من فاه الطفلة.

شعرَت بالألم الذي لا يطاق.

البرد المرعب أحاطها.

ثم، وميض النور في عيونها يتلاشى.

“ أبي…؟ هيهي … أنتَ هنا … أين … أمي؟ ”

ضياء الأب المبتسم واضحٌ أمامها.

“ها أنتِ ذا … أمي … لما أنتِ … نائمة وحدك؟ دعينَا ننام … معًا … مع … أبي … ”

أكانت غريزة الإنس للهروب من الخوف؟ أم وهمٌ يُنسى به الألم؟

بعيونها الخاوية أبصرَت عائلتها الحية أمامها، بينما تعانقهم.

وكرد فعلٍ أخير، رفعت ذراعيها.

تعانق الذئب، معتقدةً أنها تمسك والدتها.

اشتدت عضة الذئب، بينما تتمزق قصبتها الهوائية.

“ هــيييــڪ… هيـووووك … هــيـيـيـئ — ”

تدفق الدم من فمها، مانعًا كلماتها من الخروج.

صوتها المبحوح بدى كبحثٍ ملتوٍ عن العزاء.

شعور البرد الخانق تزايد، مما جعل وجهها شاحبًا.

تشوه اتجاه رقبتها، أضحت عيونها خالية من العواطف، كما التمثال.

تدفقت دموعٌ دموية من عيونها.

تعبيرها المبتسم كان مرعبًا بحق.

بخفة لا معنى لها، سقطت أيديها ببطء.

لقد ماتت.

سلاش!

انبثق الدم على الذئب، في وجهه، وباقي جسده، ثم بدأ بأكلها بلا شفقة.

مزق ثيابها مما كشف بطنها، ثم بدأ في اقتلاع أحشائها، ماضغًا بسعادة.

إن الأسى غالبًا ما يكون تراكميًا.

لو بقيت الطفلة مختبئة، ربما كُتِبَت لها النجاة.

لكن الخوف من الوحدة جعلتها تركض نحو ملاذها الوحيد.

الأم.

هذا السعي للأمان في خضم الخوف، أدى لموتها.

هوووو! هووووووو!

بينما يأكلون جثث الصغار والكبار، عوى الذئاب الآخرين، في مرثية حزن مع قائدهم.

فخورين به لإيوائهم، سعيدون لإيجاده الطعام، حزينون على خسارته.

“ … هذه الحيوانات ”

كان غضب هايزن يغلي.

لكن لم يكن هناك ما يمكن فعله.

أعداد الذئاب تفوقهم بكثير، حتّى أن هناك نابًا بينهم.

الهجوم الآن هو موتٌ محقق.

فوقفوا صامتين.

أغلقوا أعينهم ببؤس.

عواء الذئاب تصاعد.

كان عويلاً حزينًا لمخلوقاتٍ بائسة، تاركًا الكلمات تتناثر كالأغنية.

أغلق الميت عيونه، أفرحٌ بـوهم الأقارب أم ذائقٌ مرارة الوحدة؟

سابحٌ في خواء العدم نائمًا.

أما الحي يحترق غبطةً، فأضحت دموعه رثاءً، وفي خضم ألمه يصبح باكيًا.

غصّة القلب لا تزول، فما للناجي إلا العيش مكافحًا، إلى مجيء الفجر، فيصبح له ساعيًا.

ليختفي حزن الأمس، ماشيًا نحو نور الغد، عسى أن يكون راضيًا.

ـــــــــــــــــــــــ

“ الجميع موتى ”

صوتٌ بارد طغى على أنقاض المكان.

لهيبٌ ذهبي يحيط جسده، وعيونٌ هادئة كصفاء البحيرة.

“ راغنا، لم يحن أوان الهياج بعد”

“ أنا هادئ ”

“ ما حدث قد حدث، لنصبر قليلاً بعد، عندها يمكننا القتال كما نشاء ”

“ ما الأمر المميز في ذلك؟ الغضب لإشخاصٍ ماتوا بالفعل أمرٌ عقيم، إعتدتُ على ذلك بالفعل، نهاية الجميع هي الموت على أي حال ”

“….”

وجد لويد نفسه صامتًا.

رغم وقوفه ساكنًا، كان عقله منغمسًا في العمل.

الجثث المتناثرة تجمّعت أطرافها، بقايا أذرع مشوهة، جماجم منكسرة، عظامٌ متحطمة.

الأدمغة صبغت ألوانها على الوجوه والتراب، الدم فاح في الهواء ليمتزج بروائح البيوت المحترقة.

جثث الحيوانات المسحوقة مرمية عبر الأنحاء، مما يضفي على الصمت سوادًا طاغي.

طافت أطراف الموتى في الهواء بفعل الريح، متحركةً بهدوء نحو الحفر العديدة.

لا جنازة لائقة، لا بكاء.

دفنٌ بسيط لأذرعٍ بلا لحوم، لأقدامٍ لم يبقى منها شيء، لأجسادٍ متقطة، بكل برود.

بين ذراعي لويد يقبع فتىً مراهق، وعلى ظهره فتاة.

رغم أن الأوساخ تغطيهما، قام لويد بشفاء جراحهم بالفعل.

إنهم الناجون الوحيدون.

لولا الأب الذي جعل نفسه طُعمًا، لما نجا الإثنان.

“ بهذا يصبح العدد 15 ناجٍ من بين 7 قرى، العدد غير طبيعي ”

تناقص اللهيب حول جسد راغنا، بينما يحسب ببرود خطواته التالية.

“ الأمر كما توقع ليون قبل 4 سنوات في الزمن الخارجي، أيادي هؤلاء الدّواعر طالت هذه الجزيرة بالفعل، لكننا لا ندري لأي مدى بالضبط ”

سواء تدخلوا أم لا، كان موت الأبرياء أمرًا لا مفر منه.

كان عالمهم مكانًا حيث، إن لم يمتلك المرء القوة، يموت بسرعة، يعاني بسهولة، يُستغَلُّ ببساطة.

حتّى لو انقذوا هؤلاء الأشخاص، لن يعدوا ذلك غيضًا من فيض.

ماذا عن شرق الجزيرة؟ الغابة الشمالية؟ ماذا عن العالم بأكمله؟

المآسي أمرٌ طبيعي، ولا يمكن سوى قبول أنها ستحدث.

هذه سُنَّة الحياة.

لا يمكن انقاذ الجميع.

الأحمق فقط من ينغمس في عزائه وأوهامه ليُشعِر نفسه بالنقاء وأنه بلا نجاسة.

ذلك هو أشد نفاق يصل إليه المرء.

لم يكن راغنا مِمَّن ينغمسون في أحزانهم.

سوف يخطو للأمام، مهما كان الطريق شاقًا.

كان هذا عزمه الذي لا ينكسر.

مشى خارج القرية بينما يحمل لويد المراهقين خلفه.

كانت الحيوانات المفترسة تتربص بالفعل.

غررر!

غريزة البقاء فاقها الجوع، مما أدى إلى هجومٍ بدل هروب.

ركض ضبعٌ ذا فروٍ أزرق بخطوطٍ صفراء نحو راغنا.

فروه المنسدل تعالى فجأة، كما لو أضحى قنفذًا.

كان ذلك ضبع إبرة النائم.

ثومب!

بينما ينقض بسرعة هائلة، شعر بحرارة غريبة تحيط به.

“ نحـيــــب—! ”

أمام أعين أفراد قطيعه، احترق الضبع حتّى الموت.

لم يعبأ راغنا بصرخة الضبع البائسة، ثم نطق ببرود.

“ ستكون حربًا دموية، وكوننا آخر الناجين من الطائفة، لن يكون الأمر سهلاً ”

أجاب لويد بإقتضاب، عيونه المختلفة وامضة: “ سواء كان سهلاً أم لا، نحن من اخترنا السير في هذا الدرب، فعلينا خوض غماره حتّى النهاية ”

ضحك راغنا بخفة: “ عين الصواب ”

“ لنذهب، نحن بدأنا للتو ”

مع نهاية كلمات لويد، تصاعد اللهب في الغابة.

على نحوٍ غريب، لم يحترق العشب، لم تحترق الأشجار، ولم تنتشر النيران نحو البيوت.

“ نحـيــــب!! ”

صرخاتٌ مدوية فقط ما تصاعد.

ماتت جميع الحيوانات.

كما ضبع إبرة النائم، لم يكن موتهم مختلفًا.

خاطيين على رماد جثثهم، صمتٌ مطبق سيطر على الشابين.

حربٌ امتدت من الماضي نحو الحاضر، تعيد كتابة نفسها.

الأقوى والأدهى من يفوز فيها.

الفائز هو من يرسي قواعد العالم، جاعلاً إياه كما يشاء.

بقايا طائفةٍ مدمَّرة، كقطع شطرنج في رقعة الدنيا، يتحركون للظفر بالنصر.

لأن العالم، منذ سالف الأزمان، بُنِيَ على صفتين.

الفائزون.

والخاسرون.

2026/02/09 · 8 مشاهدة · 3300 كلمة
نادي الروايات - 2026