الفصل 14: عِش راضيًا، لا تجزع الألم، فما الرَّثاءُ سوى سقم، غارقٌ في وهم العدم (4).
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
في سنين عمره كَـ غلام، إعتاد ليون البكاء كثيراً.
عندما يُترك وحيدًا في مرج العقوبة لوقتٍ طويل، يبكي عندما لا تساعده الهلاوس على تخدير عقله.
عندما إستقرت حقيقة موت مدربه، بكى ليومٍ كامل.
عندما يخاف، يبكي، عندما يشعر بالجوع الشديد، يبكي.
حتّى كاد يصاب بالجنون، فاقدًا عقله بحق، جعل من البكاء منفذًا ومهربًا من الألم.
لأنه في تلك الأيام — مهما كان قويًا — لا زال طفلاً.
“ أتذكر أنه في أول لقاءٍ لي بالمدرب العجوز، عانقته وبكيتُ حتّى نِمتُ، مما أضاع علي ساعة الحديث الأولى بيننا، هاهاها، يا لها من أيام … ”
تحدث ليون بنبرة خفيفة، كما لو كان يحدث نفسه.
“….”
الأشخاص المقيدون خلفه، لم يسعهم سوى التفكير:
لما يتحدث هذا المجنون وحده؟
يا للأسف، لم يهتم ليون بأمرهم.
على أي حال، جوهر الأمر هو؛ كان ليون كثير البكاء.
بسبب طبيعته العاطفية — وإن كانت مطبّعة بالجنون — تم التلاعب به عدة مرات وتمت خيانته.
ليس لأنه سفيه، وليس لقلة فطنته، بل ببساطة لأنه آمن أن الجميع ضحايا الزمن بطريقةٍ ما.
سبب تفكير ليون الصغير بذلك ببسيط العبارة، كونه بنفسه ضحية لتلك المنظمة الملعونة.
منذ وعيه بالدنيا، ترعرع وتربى على يد هؤلاء اللعناء ابناء الزانيات، لذلك إعتقد أن الآخرين مثله تمامًا.
هذا جعله يعاني مع زملائه، المدربين، المنافسين وحتّى القادة.
عناءه ليس بسبب الآخرين، بل بسبب ليون نفسه.
لأن عقليته تلك تجاه أشخاصٍ لا ينبغي الثقة بهم، استمرت.
مع نموه وذوقه أزمان الحياة، نشأ عنده فهمٌ بسيط للأمور.
“ إذا خُدِعتَ مرة، إنك مظلوم، إذا خُدِعتَ مرتين، فإنك أحمق، إذا خُدِعتَ ثلاثًا، فأنت شرير ”
كما يقول المثل، الأولى صدفة، الثانية درس، الثالثة حتمية.
ما يحصل لنا في معظم الأحيان ليس أكثر من نتائج أفعالنا، وتراكم تلك الأفعال، مهما كانت صغيرة، تؤدي إلى مصائرنا.
كما تُدين، تُدان، وكما تزرع فإنك تحصد زرعك.
آمن ليون أن ما يحدث للإنسيِّ في حياته أمرٌ حتمي، ولا يكون مظلومًا إلا نادرًا.
ورغم أن الطريق كان مؤلمًا، أضاءت أخطاء ليون حياته.
بكائه، حيرته، يأسه، ونضاله، كانوا نجومًا تنير سماء عالمه.
لأنّي أخطأت، دراكتُ عيوبي أسرع، لأنّي أخطأت، سقطتُ أسرع، لأنهض مرة أخرى.
لأنَّ دربي مليئٌ أخطاء، رأيتُ الأمور من منظورٍ أوسع.
مع تراكم الأخطاء، يتم شحذ عقل المرء وقلبه، فيصبح أكثر حكمة.
“ بطريقةٍ ما أو بأخرى، أنا ممتن لطبيعتي الطفولية في ذاك الوقت، لولاها لربّما أصبحتُ أجوفًا منذ زمنٍ طويل ”
لو أغلق ليون قلبه وأضحى باردًا، لـ تراكمت الجراح بينما لا يلاحظ.
برود العقل لا يعني تحجر القلب، بل ببساطة قمعه.
وقمع العواطف لا يؤدي إلا لتراكمها.
ذاك التراكم يؤدي للهلاك.
لماذا؟
لأن الاستنزاف العاطفي المستمر يؤدي للفراغ.
عندما يضحى المرء محارب إيغو، ذاك الفراغ يضر قلبه الجوهري، مما يؤدي إلى تلوث طاقته، ذاك التلوث ينهش عقله، مما يجعله مجنونًا.
البشري العادي نادرًا ما يضحى مجنونًا، لأن الطاقة لا تستقر في قلبه، على عكس محارب الإيغو.
المجنون الفاقد لهدفه، يعبر عن نفسه بالقتل، يقتل حين يُحِب، يقتل حين يجوع، يقتل حين يحزن، يقتل بما يناسب طبيعته عندما كان عاقلاً.
مخلوقٌ عتي القوة فارغ القلب، غارقٌ في العدم، متمنيًا خراب الدنيا، راجيًا صبغ كل ما فيها بالدم.
هذا هو المتجول الأجوف.
“ بما أن دربي كان مستلهمًا من ظُلُمَات الدنيا أصلاً، لدي فهمٌ أعمق لهذا الجنون، المتجول الأجوف مخلوقٌ يعيش ألف عام، تحت ضياء الشمس تتناقص هلاوسه، وطبيعة المرء الأصلية تندمج فيه، لكن ذاك الوعي ليس سوى تأجيج لدماره، لأن الفوضى، مقرونة بالعقل، مجرد كارثة ”
وفي الليل تعود قوته وتتزايد عبر السنين.
نادرًا ما يصبح الأقوياء متجولين مجوفين، لذلك لا ينتشر الدمار.
حالات الجنون تصيب الأضعف غالبًا.
لا علاج، لا خلاص، لا عودة.
لأن ليون أحمقٌ يتابع دروبه لحد الموت، لأنه مجنونٌ ساعٍ للطموح ولو إحترقت الدنيا، تجنب ذاك المصير.
في مرج العقوبة، في المنظمة، وحتّى أيام الحرب الدموية، في عالمٍ لا يعرف الغد، حيث نور قمر الليل الدائم باقٍ، بمثابرة لا تعرف حدودًا، رفع نصله عاليًا.
نجاته المكتوبة الآن، كانت خلفها آثار دموعٍ ودماء.
واليوم، أعود إلى وطن أجدادي.
مع تنظيم أفكاره، وجّه ليون إنتباهه نحو هذه القرية.
عليه تطوير هذه القرية، لأنها ستكون أساس صعوده.
“ لجعلهم قابلين للإستخدام، علي أولاً تطهير عقلياتهم الضعيفة، وأسرع حلٍّ هو … ”
التدمير فَالبِناء.
ناشرًا وعيه، ظهرت في دماغ ليون مشاهد لما يحدث في الفصل، بينما يراقب صراع الطلاب، وتقلّباتهم العاطفية.
فهمه لـ مخاوفهم كان يتعمق، وعليه فإنه سيحفر في قلوبهم، تاركًا الفراغ يملؤهم.
عندما يترسخ الظلم في القلب، فعليه إيجاد مهرب.
إذا أتاهم الحظ العاثر بعد هذا اليوم، عليهم إيجاد من يلومون على بؤسهم.
للهروب من اللوم الذاتي، أنا ألوم العالم.
بدل لوم أنفسهم على ضعفهم، سوف يلومون ليون.
هكذا ربّاهم المجتمع.
تجاه هذا، كان تفكير ليون بسيطًا.
“ لوموني قدر ما شِئتم، أشتموني، وأفرغوا بؤسكم لي، فسأقبل ذلك بقلبٍ رحب ”
هذا ما يسمى بالتنفيس العاطفي.
من كان فقيرًا أغدق عليه وأهلِه مالاً، من لديه سقيمٌ شَفاه، من لديه نقص موارد أعطاه.
كلٌ حسب مشاكله، يستهدف نقاط ضعفهم، ثم يساعدهم.
بالتالي، سينشأ قدرٌ ضئيل، بالكاد موجود، من الإمتنان.
ذاك الامتنان هو مجرى التدفق، ثم يتراكم مع كل كَرَمٍ يأتيهم.
إذا أتى المد الوحشي؟
يتصاعد الخراب، صياح، بكاء، رثاء!
عندها يأتي ليون، كـ نورٍ ضَّوَّاء، منقذًا ومُخَلِّصًا لهم من ذاك اليأس.
“ هوووووف … ”
تذبذبت التربة حوله بينما يؤدي وقفة الحصان، شاعرًا بالوزن الثقيل على جسده.
لم يكن يرتدي قميصه، وتبيّنت عضلاته المشدودة بوضوح، الوشم الذي غطى ذراعه اليسرى تحرك بلطف.
مع تصاعد حقل الجاذبية وتمركزه على ليون، أصبح الحفاظ على وضعيته صعبًا، لكنه أبقى جذعه العلوي مستقيمًا.
الأذرع منصبة للأمام، الأقدام ثابتة، النفَس يتدفق ببطء، والجسد ساكن.
“ ما بهذا الوغد يتمرن فجأة— ”
“ أطبق فمك او سأقتلك، يا وجه البشاعة ”
محاولة الحديث خلف ليون آبت بالفشل إثر تهديده.
“….”
لما هم هكذا؟
اين الحراس؟ لما لا يفعلون شيئًا؟
حسنًا …
أدار الشخص المربوط بالحبل مع رفيقه، رأسه.
وفي الأنحاء يمكن رؤية أجساد طريحة أرضًا.
كان الحراس فاقدين للوعي.
لتلخيص الأحداث …
بعد قول ليون أنه سيربطهم، ضحكوا من سخافة الموقف بالطبع.
“ جين، أريد النوم فوق السطح اليوم ~ ”
“ سوف تمرضين هكذا، لا ”
“ أطفال هذه الأيام، لا إحترام أبدًا ”
بينما تحدث ثلاثة بين بعضهم.
الرابع وقف، لطرد هذا الطفل الذي يبصق هراءً.
بنبرة هادئة تناقض مظهره السابق، فتح ليون فمه قائلاً: “ ليس لي نية قتل أحد اليوم، لذا، تعالوا معي بهدوء ”
“ هذا الطفل؟ تعلم الأدب قبل فتح فمك ”
تزايد ضحك الأستاذ، لكن هذه المرة، ضحك غاضبًا.
عندها تقدم للأمام.
في تلك اللحظة، مد ليون يده نحو الطاولة بجانب ذاك الأستاذ، ثم، أغلق يده بخفة.
كراك! كراك! كراك!
“ ما! ”
قفز جسده نحو الخلف بينما يغطي جسده بطبقة خفيفة من الطاقة، بينما توجهت ذراعه نحو مصدر الصوت.
غريزة الأستاذ كريس جعلته يتحرك قبل أن يفهم ما حصل.
الرمل الأسود تجمع أمام يده الممدودة، مستعدًا للإطلاق.
لكن.
كراك! كراك! كراك!
لصدمته، رأى الطاولة محطمة، تتناقص حجمًا، وتصدر أصواتًا لا يجب أن تصدر عن طاولة.
تجمّع الحطام طافيًا في الجو.
لم تتناثر الشظايا بل تجمعت حول الطاولة، مما جعل المنظر مروعًا أكثر.
ثم، تساقطت بقايا الطاولة أمام الأستاذ.
“ يا؟ ما رأيك؟ أأقتلكَ يا بؤرة البشاعة؟ ”
إبتسامة مشرقة، إبتسامة بريئة، إبتسامة طيبة، شقّت وجه ليون.
لو كان ذلك جسد كريس بدل الطاولة …
هل كان لينجو؟
النجاة من هذا؟
هل هذا ممكنٌ أصلاً؟
الآخرون، إثر الصدمة، وقفوا جميعًا، مستعدين للقتال بتعابير مرعوبة.
ما عدا الذي كان يعمل على التقارير، كان مركزًا على أوراقه بشدة.
الأستاذة وقفَت بجانبه، واضعةً يدها على كتفه، ربما كعادة متأصلة.
أكان ليون من يعطي الناس الفُرص؟
“ اللعنة! ”
“ ظهري! آآآه! ظهري! ”
مثلما حدث للطلاب، تساقط عليهم حقل الجاذبية، لكنه أثقل حتّى.
رغم هذا، تم تثبيتهم واقفين، ولم يسقطوا أرضًا.
لكن لم ينزل الضغط على الأستاذ الجالس، والأستاذة جنبه كانت غير قادرة على الحراك.
بخطى خفيفة، ماشيًا نحوهم، مد ليون حبله وطاف في الهواء.
قُطِع الحبل لنصفين، تحرك النصف الأول نحو الثلاثة.
ثم ببساطة، تم ربطهم في ثنائيات.
حتّى الجالس على كرسيه، تم ربطه.
ليس قبل أن يتحرك الكرسي للخلف، وتطفو جثة المرأة وتُربط معه.
“ كيااان! ”
مع رنين صرختها، رفع الأستاذ جين رأسه، رافعًا ذراعيه للإمساك بها بلا وعي.
ما رآه جعل عيونه واسعة.
الشعر الأرجواني الغامق كان ينساب مع هبوب الريح، وبتعبيرٍ مذعور جادت عيونها بنورٍ ضَوَّاء.
حتّى صرخة الذعر بدت عذبة في أذنيه.
أمسك بها بإحكام، كما لو أنه يخاف إضرار جسدها الهش.
مع ربطهما معًا، تقاربت الجباه والعيون.
“ آآآه … ”
شهقة غير مقصودة أفلتت من فم جين.
منذ طفولته إلى اليوم، حتّى في خضم هذه اللحظة، وإثر المصيبة، لطالما أسر هذا الجمال عقل جين.
“ … أعتقد أن هذا الصبي ليس سيئًا بعد كل شيء ”
مع قولها لذلك، إتّكَئت لوسي على كتف جين، بينما تنهد الأخير.
بالفعل، كلما عاش المرء، يلتقي بجميع أنواع الناس.
هناك دائمًا حمقى، منغمسون داخل عالمهم ولو في المصائب.
“ يا إلهي، أي نوع من الحمقى أنتِ؟ ”
وضع جين الورقة في يده داخل جيبه، ثم تنهد.
بالطبع.
“ العالم فاسق، أقسم … ”
تدفقت دموع طفيفة من عيون الآخرين.
هناك من يجدون هذا قبيحًا.
لم يكن مفاجئًا أنه بعد هذا، هُزِم جميع الحراس، وها نحن ذا.
“ إذا أخذنا مرور الزمن بعين الإعتبار … ”
محتفظًا بوضعية تدريبه، ومضت عيون ليون بخبث، مع إبتسامة قاتمة.
أعطى ليون الأستاذ جين نظرة عابرة، قبل التحديق في الباب المؤدي لمبنى الأكاديمية الداخلي.
مضت الدقائق هكذا.
ثم، خرج شخصان.
“ آآآآآآه! ”
كانت عروق ثيودور تنبض مع كل خطوة يتخذها، لكنه آبى السقوط.
مسند الباب كان متشققًا إثر قبضته الدامية، وبخطواتٍ ثقيلة شق طريقه.
صرّ على أسنانه حتّى كادت تتحطم، وبعيونٍ محتقنة بالدم، نظر إلى ليون بحدة.
خطوة، خطوتين!
“ الـلـعــنــة عـلـى كـل شـيء—!! ”
خلفه شابٌ مغطّى بالدم، تعابيره شرسة، كما لو أنه شخصٌ مجنون.
عند رؤيتهما، ابتسم ليون.
“ هيهي ”
لا، لقد ضحك.
“ هاهاها، هاهاهاها! ”
ومضت عيونه الدموية بنشوة.
من الممتع دومًا مشاهدة الكفاح.
لكن الممتع أكثر؟
الزحف عبر المشقة وتحطيمها!
“ هاهاهاهاها! ”
مُنهيًا ضحكه، مشى للأمام.
بعد ثلاث خطوات، توقفَ، ثم نشر ذراعيه، مع تعاظم قوة الجاذبية حول جسده.
كراك! كراك! كراك!
الأرض تحته شكلت حفرة صغيرة إثر الجاذبية و وزنه، لكنه وقف شامخًا.
الهالة القرمزية أحاطت به تماوجت، ثم توسعت، مشكلةً مسارًا منه إلى كيفن وثيودور.
“ هكذا، آآآآآه ~ هكذا تمامًا! بكل ما يحمله كيانكم، صارعوا للفوز واقضوا على كل شيء! يا ضعفاء، اثبتوا للكل، أن الفوز أهم من الجماعات، أهم من الحضارات والعلاقات! ”
حدق بشراسة نحو كيفن وثيودور.
“ الفائز يأخذ المجد، الرضا بالعمل الجاد بلا نتائج ليس سوى عذر الفاشل! العدالة هي حق القوي، والفائز دومًا على حق، لا ينتصر سوى الطيب، لأن الفائزون هم الأخيار!”
صوته بدا كالهدير، شبه ضاحك، مليئًا بالعبث.
هل ما يقوله خاطئ؟
إن كلامه إحقاقٌ للحق.
لا يفوز إلا الأخيار، لأن من يفوز هو الطيب، فالتاريخ لا يكتبه سوى المنتصرون!
لكن لو تربّى الجميع على هذه الحقيقة، لكان مصيره الهلاك.
لأن المجتمع مبنيٌ على السكون، السلام، والتعاون.
الفوز يتطلب الخطر والفوضى، لو كان الجميع ساعيين للفوز بأي ثمن، فأي مجتمع باقٍ أصلاً؟
كون شيءٍ ما حقيقة لا يعني أنه الأنسب للجميع.
“ لهذا، الملوك فقط من يستحقون خوض غمار الفوضى، هيا هيا! أثبتوا لي أحقيّتكم بِمكانة المفترسين والملوك! ”
الشرر الأحمر ومض عبر عيونه القرمزية، بينما يتحول بؤبؤاه للأبيض.
“ كيفن! ثيو! أهذا كل ما لديكما؟ أنا هنا واقفٌ، فَـتـعـالـوا! تـعـالـوا واحصلوا على اعتراف الأقوى!! ”
ظهرت العروق في وجوههما.
“ سـوف! أقتلك! يا ابـن العـاهـرة!! ”
لم يعُد كيفن يخزن طاقته، غطّى جسده بالكامل بالهالة.
تحطيم جدار الطاقة يعني القدرة على إمتلاك الطاقة الخارجية وجعلها مِلكك.
ماذا يعني هذا؟
وووش!
لمعت عيونه بوميضٍ بتّار، تحرّك الرمل الأسود عبر الأرض نحو جسده، بينما يومض شرر خفيف.
ذلك يعني تطويع الطبيعة تحت مشيئتك!
“ هيييك! ”
متخذًا خطوة، واصلاً بجانب ثيودور، أخذ كيفن نفسًا عميقًا.
إن إظهار طاقته الكاملة تحت هذا الضغط مرهق، لكن طالما يركز، يمكنه تحمل هذا القدر.
شدّ عضلات أقدامه، ثم انحنى قليلاً.
“ سحقًا! ”
شتم ثيودور الوضع ثم مد يده لعرقلته.
أمسكت يده كتف كيفن بالفعل.
لكن.
“ كما لو! ”
هاااب!
لم يكفي ذلك لإيقافه.
مع خطوة ثقيلة، قفز كيفن للأمام!
بينما يقفز وتحميه طبقة الطاقة، استدار نحو ثيودور.
رافعًا إصبعه في الهواء، مخاطرًا بالفشل، إبتسم كيفن بوقاحة، قائلاً:
“ وداعًا أيها الدّاعر ”
كراك!
سقط على ظهره بقوة، لكن وقف مترنحًا، بينما يتقدم للأمام.
“ هاهاها ”
ضحك ثيودور.
لم تكن ضحكة سخرية.
… لقد ضحك غضبًا.
هل أغضبه أحدٌ لهذه الدرجة من قبل؟
يا ابن العاهرة الملعونة!!!
هكذا تريد اللعب إذًا؟
إبتسم بوحشية.
وووش!
اندلعت الطاقة عبر جسده، بلونٍ أحمر عكس الهالة الزرقاء لِكيفن.
رمل أسود طاف حول جسده تحيطه نيرانٌ حمراء خفيفة.
ثم مع اندفاعة، تقدمَ بسرعة.
لقد بدا ذلك كهرولةٍ قافزة.
نحو كيفن الذي وثبَ أمامه، مد قبضته مع انقباض عضلاته.
بام!
“ آآووغغغ؟! ”
لكمَ ظهره بقوة!
ترنح كيفن وسقط تقريبًا، لكنه تدحرج جانبيًا.
مع فهمهم لمسار تدفق الجاذبية الآن وعدم إدخار طاقة، لم يعد هذا الثِّقَل يؤثر كالسابق.
في منتصف دحرجته، ركل كيفن الهواء، مستهدفًا صدر ثيودور.
“ هااااب! ”
وضع ثيودور ذراعيه بتقاطع أمامه ثم تلقّى الركلة.
مع تبدد الصدمة بسرعة، تحركت قدمه اليسرى للأمام، ومع نقل موضع ثقله هناك، ألقى لكمة نحو جذعه بعد إنحناء كتفه لليسار لتجنب حركة كيفن القادمة.
سووش!
“ عليك اللعنة! ”
مرّت قبضة ثيودور بالكاد قرب وجه كيفن، بينما يسحب نفسه للخلف بسبب ردود فعله الوحشية، ثم ركل نحو ثيودور لتأخير تقدمه.
وكما توقع ثيودور، مرّت ركلة كيفن في المكان الذي كان فيه قبل أن ينحني لليمين بكتفه الأيسر.
وقف كيفن بسرعة بعد إدارة ظهره تاركًا ثغرة.
“ تشه ”
للأسف، لم ينخدع ثيودور بتلك الثغرة، كان كيفن مستعداً بالفعل لإمساك ذراعه ولويها مقابل تركه يضربه.
“ ثيو ساهيونغ، لما لا نتسابق نحو ذاك الوحش اللعين، بدل القتال؟ ”
“ هيهيهي، أي أحمقٍ تعتقدني؟ أتركك؟ لِتهاجمني بغتة؟ ”
“ بووو~ أتعتقد بحق أنني شخصٌ يفعل هذا؟ ”
“ هل تريدني أن أجيبك عن هذا بصراحةٍ جادة؟ بجدية، أعني، حقًا حقًا؟ ”
“ … انسى ”
في الواقع، كان ثيودور أيضًا من ذاك النوع، لكن لم يكن على وشك قول ذلك.
حتّى لو كان كيفن على معرفة بهذا أصلاً.
خلف الباب الذي تركاه، كان باقي الطلبة يزحفون، بعضهم واقف، البعض يحاول فإذ بهم ينهضون.
الخوف، الغضب، الإحباط، الإذلال، الكراهية، تلك العواطف ولّدت اليأس.
من ذاك اليأس نشأت الحاجة.
الحاجة أمُّ الإختراع، وأقوى وقود للإحتياج هو اليأس!
كل هؤلاء الطلبة، عيونهم اتجهت نحو شخصين واقفين.
الهالة الحمراء تمايلات كاللهيب في العاصفة.
الهالة الزرقاء تصدر طقطقة كالبرق المشحون.
كان الإثنان صامتين، محدقين في بعضهم بإبتساماتٍ حاقدة، تنافسية، جنونية، واحترام عميق.
لا حاجة للكلمات.
ركض الإثنان نحو ليون بكل قوتهما!
تارةً كيفن أمام ثيودور، وفي أخرى العكس، بينما يتغير التدفق.
“ اوراااااااه—!! ”
“ اوراتشاااااا—!! ”
مع كل خطوة، تتعاظم الجاذبية!
حرّك ثيودور جذعه، ثم قفز يسارًا بشقلبة جانبية.
تحركت ساقه اليمنى مع الزخم نحو رأس كيفن!
سوووش!
انحنى كيفن قبل ذلك، ومرّت الركلة فوقه، الرمل المغطّى بهالة ثيودور ضرب حجاب الطاقة الذي يغطي وجهه، لكنه لم يُصب تمامًا.
بالطبع، لم يخرج بلا إصابة.
“ ارغغغ؟! ”
شعر بألمٍ حارق عبر خده، شاعرًا بالحرارة.
لم يكن على وشك التوقف الآن، قبضَ ذراعه اليسرى المغطاة بالبرق قرب صدره، ممسكًا ساق ثيودور، حرك مركز ثقله نحو ذراعه.
ثم لكمَ بقوة.!
مدّ ثيودور يده وغطّاها بالرمل المحترق ردًا على ذلك بسرعة!
بام!
“ هذا مؤلم أيها الوغد! ”
أصدرت الضربة صوت طقطقة مع صرخة ثيودور المتألمة.
كانت ذراعه ترتجف إثر الصعقة.
ممسكًا بالذراع التي صعقته، ضحك ثيودور، وفي المقابل ضحك كيفن أيضًا.
استعاد ثيودور ساقه الممدودة، وكيفن أعاد يده للخلف.
هذه المرة كيفن هو من ضرب بساقه بسرعة خاطفة!
حرك ثيودور رأسه للخلف، ولامست الركلة المليئة بالشرر شعره بالكاد.
في تلك اللحظة العابرة، أمسك بساق كيفن ثم ركل بقدمه الأرض خلفه، ومع الزخم اكتسب وقفة ثابتة.
وفي لحظة ترك ساق كيفن، ثم أمسك ياقة كيفن ساحبًا إياه نحوه.
ركله في معدته بركبته!
“ بوااااااغغ—! ”
تقيأ كيفن لعابه وتوسعت حدقات عيونه.
لكنه ترنح ولم يسقط.
ضربت ساقه الأرض بقوة، ثم لكمت قبضته معدة ثيودور بنفس وقت إصابته تقريبًا!
“ هييييييك—! ”
تراجع ثيودور للخلف، ممسكًا بطنه، وبالطبع كيفن أيضًا.
“ كح … كح كح … كح! ”
كانت ثياب ثيودور ممزقة، والشرر يغطي منطقة إصابته، حجاب الطاقة تذبذب بضعف، بالكاد يحافظ عليه.
“ أيها … كح! الوغد! كح! كح! ”
كيفن، بطنه عليه آثار احتراق وكان في حالة أسوأ قليلاً.
لم يعد هناك وميض للتردد!
الجاذبية أثقل من أي وقتٍ مضى، وبالكاد يمكن لحجاب الطاقة الصمود أكثر من 15 ثانية أخرى.
خرج جميع الطلاب من المكان، وكانت أجسادهم متناثرة في الساحة أمام الباب.
بعضهم فاقدين للوعي، لكن البعض رفضوا السقوط، راغبين في معرفة الفائز.
لونا، ستيلا، تشاي نايون، حدقنَّ فيهما بثبات.
لطالما رأت لونا كيفن يقاتل، لكنه لا يبتسم.
لطالما قال كيفن لـ ستيلا أنه يحب القتال، لكن لم تراه يائسًا يومًا.
رأت تشاي نايون ثيودور يتدرب بقسوة، لكنه لا يضحك.
إذًا لِمَ؟
لماذا يضحكان هكذا؟
الدم يتدفق، والإصابات تتفاقم.
لكن …
لا عبوسٌ لا رثاء، ولا غبطة في الوجه تدوم.
مازالت الضحكة باقية، لأنهم رجالٌ مِلئهُم عِزَّةٌ وكبرياء!
هل الفوز يستحق كل هذا؟
هل الفوز ممتع حقًا؟
هل … هذه السعادة تستحق المخاطرة؟
أردنَ أن يعرفن، أردنَ أن يفهمن، أردنَ الن يشعُرن.
حتّى يبتعد الإثنان عنهم بتلك القسوة من أجل الفوز، هل يستحق العناء حقًا؟
ركض الإثنان نحو بعضهم البعض ومدّ كلٌ منهما قبضته اليمنى.
اللهب في ذراع ثيودور يتعاظم، طقطقة البرق في ذراع كيفن تصدر هديرًا.
لكم الإثنان بعضهم البعض في الوجه، في نفس الوقت!
بااااااام!!
“ كرغغغغ! ”
“ اغغغغغ! ”
حفرت القبضات في الوجه كما لو كانت تريد ثقبه، لكن لا تراجع!
بانغ! بانغ! بانغ!
اندفع الإثنان في وابل من اللكمات!
في البداية كانا يتجنبان، يحاولان إسقاط الخصم، والمناورة.
ضرب ثيودور صدره كما لو كان يقول: ارني ما عندك!
لم يحتج كيفن لأي تفسير، توقفَ عن التجنب ثم بدأ يلكم.
بام!
ضربت اللكمة وجه ثيودور، لكنه لم يتراجع، بل ابتسم بينما تحفر ضربة كيفن في وجهه، ودمه يتدفق، مركزًا وعيه على جريان الطاقة في قدميه.
“ أهذا ما عندك؟ ”
قبضته توجهت نحو بطن كيفن في المقابل.
بام!
كاد كيفن يبصق فطوره، لكنه تحمل.
“ هاهاها، أنت تلكم كفتاة ”
نظم تنفسه، مستخدمًا تقنيات التنفس للحفاظ على قوته.
لا فنون قتال، لا قدرة سلالة.
لا إيغو، لا أساليب خاصة.
مجرد عنف محض.
بانغ! بانغ! بانغ!
قتالٌ قبيح، قتالٌ بشع.
كان عنيفًا، وحشيًا، رجوليًا!
ألقى ثيودور لكمة يسارية نحو خد كيفن، لكن أمسكت قبضة كيفن ساعده قبل ذلك، ثم ضربه بركبته جانبيًا.
“ هذا … الوغد! ”
كاد ثيودور يتقيأ لعابه، لكنه أمسكه، ثم بصقه في وجه كيفن.
لم يتوقع كيفن هذا.
في تلك اللحظة، تحرك ثيودور للأمام، نحو ليون.
كانت المسافة تسع خطوات.
عند الخطوة الأولى، شعر بالوزن يكاد يسحق جسده.
“ أنا سأكون الأول، مصيرك يا ثيو ساهيونغ أن تراقب مجدي! ”
لم يتخلف كيفن، وكان خلفه بنصف خطوة.
“ ساجيه، اوه يا ساجيه! لما أنت فقط من يدرك ما أفكر فيه وأبتغي؟ إن ذاك المكان في المقاعد الأولى حجزتُه لك أنت فقط! واليوم! اليوم هو أول عرضٍ لك! ”
تقدم ثيودور خطوة أخرى.
هذا! هذا! هــذا!!
الضغط جعله يطبق أسنانه غصبًا عنه!
أهذا يمكن تحمله أصلاً؟
ومازال أمامي ثمان خطوات؟
بحقك؟ أهذا عادل؟
هراء! من يهتم إذا كان عادلاً هذا أم لا!
واكبه كيفن بالكاد، عيونه متراجعة للخلف، هالته أقوى من أي وقتٍ مضى.
الخطوة الثانية، فَالثالثة!
نزف الدم من الفم والأنف، العروق تنبض لحد الإنفجار تقريبًا!
العضلات ترتجف، والزحف شبه مضمون، لكن الجسد يأبى.
القوي قد ينحني ليقف بشموخٍ أعلى، لكنه لا ينكسر!
قد يكون الزحف أكثر كفاءة، لكن شيئًا قال لهما أن هذا ممنوع.
أهو الكبرياء؟ أهو الغرور، أم العناد؟
لا، إنه أعمق.
لا كبرياءٌ أو عناد في الدنيا يستحق خطر الفَنَاء!
لكن هذا الشعور؟
مهما كان مجهولاً، مهما بدا غير طبيعي، مهما غريبًا، فهو عميقٌ في جوف روحي.
لا تجرؤنَّ على الزحف!
لا تفعل أو يتلاشى معنى الدنيا كالرماد!
الرابعة، الخامسة، فَالسادسة…!
جميع الفتحات السبعة تنزف، والوعي متلاشٍ بالكاد.
أيامٌ من التدريب تخلق جدولاً منضبطًا، أسابيع تخلق فهمًا، شهور تخلق عادة.
والسنين تخلق أسلوب حياة.
المسافة بين الوعي واللاوعي تناقصت، وعالم الأحلام شبه مرئي.
السابعة.
لم أعد أرى، لم أعد أسمع، ناهيك عن الكلام.
هل وصلتُ؟ أم هناك مسافة باقية؟
كراك! كراك!
يمكنني الشعور بعظامي تتحطم، لكن لا يمكنني الصراخ.
أريد التدحرج أرضًا والهروب من الألم.
أريد الإستسلام.
لكن …
ضياء.
أنا أرى نورًا ضوَّاء.
أشعر أنني سأموت، لكنّي أريد المشي.
جسدي يشعر بالبرد، لكن لا أريد التوقف.
أمام عيني العمياء، ضياءٌ دافئ يرشدني نحوه.
أنا …
أنا!
سوف أتقدم نحو الموت بسرور!
التدريب الدؤوب طيلة السنين استكمل باقي الرحلة.
الثامنة.
الجسد المعتاد على التدريب لحد الموت، على العراك لحد الإغشاء، على الإنهاك لحد الإعاقة، كان يُظهِر نتائج الألم!
وميض الذكريات طوال الحياة أضاء في عقلي، وأيام الكفاح والعذاب كانت كل ما أراه.
أرادا الإستسلام.
لا!
لن أتكاسل! لن أتعذّر بأن الحياة صعبة!
للفوز، يمكنني الموت بسرور.
للفوز، سوف أبذل جهدي.
بدون الفوز، إنّي ميتٌ أصلاً!
“ آآآآآآآآآآآه—!!! ”
صرخة متزامنة للشابين مزقت الصمت.
الخطوة التاسعة—!!!
تحت ضياء شمس الظهيرة، ألقت المباني بظلالها على شابين.
الدماء لطخت وجوههما، أجسادهما كانت منحنية، كالدمى مقطوعة الخيوط.
طبعت خطواتهم الثقيلة في التراب وبقايا الثلج.
ضعيف، هش، زجاجي.
لكن، الإبتسامة شقت دربها في تعابيرهما.
كما لو أن كل ما في الدنيا تلاشى، كالرماد المنثور، وما بقي سوى المضي قدمًا، نحو فَنَاء النور.
هذا الجمال الآسر للكفاح، هو نتيجة جهود على مر السنين.
لطالما كيفن عاش حياةً صعبة، بل وقاسية، حتّى
محرومٌ من حنان الأبوين، يقاتل في البرد لحماية أخته.
كانت هناك فترة تربّوا فيها كعبيد، سيدهم المخمور كان قاسيًا.
في النهاية قتله كيفن بيديه بعد أن كاد يغتصب أخته.
لقد شعر بشيءٍ ما، يده لامست شيئًا ما، وكان ذلك بالتأكيد، جسد إنسان.
لم يستطع السمع أو الإبصار، لكن يشعر، يستطيع، بل هو متأكد!
ليون! لقد لمسَ ليون!
هذا يعني أنه الأول، أليس كذلك؟
يمكنه الآن … أن يرتاح؟
سقط مغشيًا عليه، ضاحكًا.
هذا ما كان يفكر فيه.
“ يا للأسف ”
تحدث ليون، محدقًا في الشابين الفاقدين لوعيهما.
في آخر خطوة، قام بإلغاء حقل الجاذبية.
لو لم يفعل، لكانا قد ماتا.
أما الفائز؟
لقد كان …
ثيودور.
ثيودور، حفيد ماركوس، وريث قاعة القانون، حامل لقب الشاب الأقوى.
“ إنّي أنا ليون إيڤينوس أعترف بك، إنك يا ثيو، وبلا شك، الأقوى ”
واليوم، باعتراف ليون نفسه، حافظ على لقبه.
الصراع الذي استمر لفترة قصيرة، لكن طويلة للذين خاضوها، إنتهى.
سووش! سووش! سووش!
“ اوقف ما تفعله! انت رهن الاعتقال! ”
ظهرت ظلال تحيط ليون، وكان هؤلاء أقوى حراس قاعة القانون.
حدق ليون في السماء للحظة، مبتسمًا.
مع إغلاق الشتاء لأبوابه، أزهار الربيع كانت في طريقها للتفتح.
آن أوان بدأ خطتي.
تحت أزهار ربيعٍ دموي